
هارولد
بينتر
صفارة للثرثرة الحمراء
((...-1930))
منحت الأكاديمية الملكية
السويدية اليوم جائزة نوبل للآداب لعام 2005 للكاتب المسرحي
البريطاني الشاعر هارولد بينتر(74 عاما) والمعروف بمواقفه
المضادة لسياسة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير فيما يتعلق
بالحرب على العراق.
وقالت لجنة التحكيم
إن بينترهو أفضل من يمثل المسرح في بريطانيا ما بعد الحرب
لأنه -حسب البيان- يكشف في مسرحياته مدى الانقياد لثرثرة الحياة
اليومية ويقتحم مواطن الظلم الخفية.
ورغم أنه جرى التداول
هذه السنة أسماء مثل الروائيين الأميركيين فيليب روث وجويس
كارول أدونيس والألباني إسماعيل كادارية والإسرائيلي عاموس
أوز والشاعر السويدي توماس ترانسترومر, فإن اسم الكاتب البريطاني
لم يكن من بين المرشحين الأقوياء للجائزة.
وقد عرف عن الكاتب البريطاني
أيضا نقده للسياسية الأميركية حتى أنه مرة قال "المقارنة
الوحيدة الممكنة لسلوكيات أميركا هذه الأيام، هي مع الرايخ
الثالث. فكما أن ألمانيا النازية أرادت الهيمنة الكاملة على
أوروبا وأوشكت على النجاح في ذلك، تريد الولايات المتحدة السيطرة
الكاملة على العالم وهي على وشك تحقيق ذلك".
يذكر أن للكاتب والشاعر
البريطاني الذي اتجه إلى السياسة مؤخرا أعمالا مهمة مثل "العودة
إلى الوطن" و"سارق السيارة"
وقد سبق وإن كشف الأديب
والكاتب المسرحى البريطانى الشهيرها رولد بينترعن اعتزامه
ترك عالم التأليف الأدبي والاتجاه الى معترك الحياة السياسية
وتكريس جهوده للدفاع عن القضايا السياسية التي يؤمن بها وكان
بينتر74 عاما صاحب مؤلفات العودة الى الوطن وسارق السيارة
قد تعرض لانتقادات كبيرة من قبل رئيس الوزراء البريطاني تونى
بلير لآرائه ومواقفه المناهضة لتورط بلاده في الحرب على العراق
أوضح الأديب البريطاني في الحديث الذي أجرته معه هيئة الإذاعة
البريطانية (بى بى سى) بأنه قد حان الوقت لتوجيه جهودى للدفاع
عما أؤمن به بخاصة فى ظل الظروف الراهنة التى تبدو فيها كل
الأوراق مختلطة مشيرا الى أنه لن يتخلى عن عشقه الأول فى نظم
الشعر وإبداعاته فى هذا المجال.
والجدير بالذكر أن الشاعر
والمسرحي البريطاني هارولد بينترقد فاز أيضا بجائزة "اوين"
الشعرية عن كتاب جديد له عارض فيه الحرب على العراق والاحتلال
ألا نجلو-أميركي .
أعلن مايكل جراير رئيس مؤسسة ويلفريد اوين التي تمنح الجائزة
مرة كل عامين ان المنح جاء تقديرا لمجموعة هارولد بينترلشعرية
المعنونة بـ"حرب"، وتكريما لدوره ومساهماته العميقة
في الحياة الأدبية والثقافية. ويتكون كتاب "حرب "الصادر
عام 2003 من خطاب نثري مطول وثمان قصائد شعرية، سبع منها كتبت
العام الماضي عشية اندلاع الحرب على العراق، وقصيدة ثامنة
اخرى تناولت حرب الخليج الثانية عام 1991.
ووصف مايكل جراير قصائد الديوان بقوله طالما يمكن ان يتوقع
المرء، فان جميع الأشعار لاذعة وعنيدة، وقد كتبت بدقة ووضوح
واقتصاد"
وتعد قصيدة "فليحفظ الله أميركا" هي الاكثر شهرة
بين قصائد الديوان وذلك لتعرفها الشديد بسياسات اليمين الأميركي
الذي يدير البيت الأبيض حسب ما ذكرت صحيفة "الغارديان"
البريطانية وتقول كلمات القصيدة:
"ها انهم يذهبون ثانية
جنود اليانكي في موكبهم المصفح
وهم يرددون أغنيات مرحهم
ويعدون عبر العالم الكبير
ممجدين اله أميركا
والمصارف مسدودة بالموتى.
من جهة أخرى يتوقع ان يتسلم هارولد بينترئزته في شهر مارس
المقبل ضمن فعاليات مهرجان مدينة شروزبري، وهي مسقط رأس الشاعر
ويلفريد اوين الذي تحمل الجائزة اسمه وتعطى تخليدا لذكراه
ومبادئه في مقاومة الحروب حيث يوصف بانه شاعر الحرب الأكثر
تأثيرا في اللغة الإنجليزية.
وقد توافق الإعلان عن منح الجائزة لهارولد بينترمع الذكرى
التسعين لانطلاق الحرب العالمية الأولى، وهي الحرب التي قتل
فيها الشاعر اوين عن خمسة وعشرين عاما قبيل ايام فقط من انتهائها
رسميا، حيث كان قد خدم في إحدى فرق الجيش البريطاني تاركا
خلفه العشرات من القصائد التي تناهض القتل والدمار وتصف ما
اسماه "بؤس الحرب".
وتمنح الجائزة عادة للكتاب والأدباء الذين يواصلون حمل تقاليد
ومبادئ الشاعر اوين، وحاز عليها في السنوات السابقة الايرلندي
سيمس هيني الحائز على جائزة نوبل للآداب.
يذكر ان هارولد بينترمن مواليد مدينة لندن عام 1930 وقد بدأ
حياته الأدبية مبكرا فنشر مجموعته الشعرية الأولى عام 1950
ثم بدأ الكتابة للمسرح عام 1957 وهو ممثل ومخرج وإعلامي ومن
اشهر مسرحياته "الحارس"، "العودة" و"الخيانة"،
وهو متزوج من الليدي انتونيا فريزر، ومعروف باتجاهاته السياسية
اليسارية، وكان قد ساهم مع عدد من الأدباء والمثقفين مثل فوغ
وكين لوتش في إرسال خطاب الى الحكومة البريطانية يلخصون فيه
معارضتهم لمبررات الحرب على العراق العام الماضي.
إعداد: أسعد الجبوري

المسرحي
البريطاني العبثي هارولد بينتر
يحسم الجدل ويفوز بنوبل الآداب أمير كوميديا
التهديد المهووس بالحرية والإنسانية
خلافاً لكل التوقعات،
وخلافاً لكل الأسماء التي تكهنت بها وسائل الإعلام، في الأيام
الماضية أعلنت أمس في العاصمة السويدية جائزة نوبل للآداب
للعام 2005، وقد ذهبت إلى الكاتب المسرحي البريطاني الكبير
هارولد بينترلذي <<يكشف الهوة الكامنة تحت الثرثرة
اليومية ويفرض دخول غرف القمع المغلقة>> وفق حيثيات
الجائزة. هنا مقالة تعريفية، مستمدة من أخبار الوكالات وبعض
المواقع الإلكترونية، حول هذا المسرحي الذي ترجمت أعماله إلى
العربية وبخاصة في سلسلة <<عالم المسرح>> الكويتية،
كما قدم بعض المخرجين العرب، عدداً من أعماله.
بالتأكيد إذ لا شك في
الأمر مطلقاً سيبدأ العديد من المثقفين العرب، بالنحيب على
ضياع <<جائزتهم الأثيرية>> مرّة جديدة، وسيبدأون
أيضا، بالتحضير لحملاتهم، من الآن ولغاية العام القادم، في
استعادة الأسماء عينها وفرضها على الصحف ووكالات الإعلام،
معتقدين أن الأكاديمية السويدية ستستجيب لأمانيهم <<المزمنة>>.
لن نقول إنها خيبة أخرى، إذ لا شيء يقدرون عليه سوى هذه الخيبات،
من جيل إلى جيل.
ومع ذلك، قد يجد هؤلاء
المثقفون بعض عزاء في فوز الكاتب المسرحي البريطاني هارولد
بينتربجائزة نوبل للآداب هذا العام. أولا، لأنه كاتب تُرجم
إلى العربية، أي ليس لديهم الحجة لكي يتفاجأوا مثل العادة
بأن الفائز مجهول، ولم يقرأوا له (من قال إننا نقرأ حقا الآداب
الأجنبية). ألا تعرفون هذه <<الصرعة>> التي غالبا
ما نجدها في الصحف العربية وفي وكالات الأنباء، غداة الإعلان
عن الجائزة؟ ببساطة، يتساءل الكثيرون من هو هذا الفائز، إننا
لا نعرفه، ألم يكن من الأفضل أن يفوز بها فلان وفلان... وكأننا
ببساطة، نستطيع أن نحكم على شخص، من دون أن نقرأ له، من دون
أن نكون قد سمعنا باسمه حتى.
على كل، ثمة عزاء ثان،
في فوز بينتر: كان من أشد المعارضين للحرب الأميركية على العراق،
أي انقطعت من أمام هؤلاء المثقفين فرصة استسهال القول بأنه
صهيوني، ومعاد للأمة العربية وما إلى هنالك من يافطات، نرفعها
كل عام. لكن غصتهم الوحيدة ستكون في أنه ينتمي إلى عائلة يهودية،
أي لا تتفاجأوا لو قرأتم مقالة تصطاد من بحيرة دين هذا الكاتب
الكبير.
مهما يكن من حال، صحت
بعض التوقعات التي سمعناها قبل أيام من إعلان الجائزة، والتي
أفادت أن الفائز لن يكون شاعراً أو روائياً. لقد ذهبت إلى
كاتب مسرحي كبير، تعده أوروبا أفضل كاتب مسرحي بريطاني في
النصف الثاني من القرن العشرين. إذ كانت آخر جائزة منحت لمسرحي،
في عام 1997 للإيطالي داريو فو. كما أن بينترهو ثاني إنكليزي
بعد وليم غولدينغ الذي فاز بالجائزة عام 1983 (إذا استثنينا
بالطبع نايبول البريطاني الترينيدادي وشيماس هينه الايرلندي).
وبالعودة إلى حيثيات
منح الجائزة، فقد رأت الأكاديمية السويدية أن بينتر<<يكشف
الهوة الكامنة تحت الثرثرة اليومية ويفرض دخول غرف القمع المغلقة>>
ويضيف البيان بالقول: <<يعيد بينترلمسرح إلى قاعدته
الأساسية، الغرفة المغلقة والحوار غير المتوقع حيث تتواجه
الكائنات في ما بينها وحيث تتحطم الأقنعة. من خلال حبكة صغيرة،
تنبثق الدراما من النضال ومن عملية الاختفاء في المواجهة الكلامية>>.
وتمضي الأكاديمية السويدية في وصف مسرح هارولد بينتربالقول:
<<في مسرح بينترلنموذجي، نجد أناسا يدافعون عن أنفسهم
ضد التدخلات الخارجية أو ضد نبضهم الخاص محتمين داخل وجود
مصغر ومراقب. كما هناك موضوعة رئيسية في عمله: <<سمة
الماضي الهاربة والمتعذر إمساكها>>.
سيرة
ولد هارولد بينترفي
العاشر من تشرين الأول عام 1930 (تأتي الجائزة كهدية عظيمة
بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين)، في حي <<هاكني>>
بمنطقة <<إيست أند>>، أحد أحياء لندن الشعبية
والصناعية في تلك الحقبة. ولدٌ وحيدٌ لعائلة يهودية (كان والده
خياطا متواضعا، يكسب قوته بصعوبة عند مولده)، وقد احتفظ بينترفي ذاكرته، بالعديد من الصور عن هذه الطفولة الأولى والتي
بقيت محفورة في وجدانه طيلة عمره: النتانة المنبعثة من معمل
الصابون في الحي الذي كانوا يقطنونه، الأزمة الاجتماعية، البطالة،
صعود النازية، الحرب الأهلية الإسبانية، الحملة الكبيرة المعادية
للسامية التي عرفتها بريطانيا.
في عام 1940، غادر والداه
لندن هربا من الغارات الجوية الألمانية. وقد وسمته عملية الابادة
التي تعرض لها اليهود خلال الفترة النازية، فرفض في عام 1948
أن يقوم بخدمته العسكرية: <<برأيي، إن إعادة التسلح
فكرة سخيفة. لقد وعيت جداً آلام الحرب ورعبها ولن أذهب، مهما
تنوعت الحجج، للمشاركة في هذا الأمر. لقد قلت لا. وسأقول لا
مرة إضافية. الأمر يبدو أسخف اليوم>>. إزاء ذلك، بدأ
بدراسة الفن الدرامي في لندن.
في عامي 19521951 بدأ
العمل ممثلا تحت اسم مستعار هو ديفيد بارون، نشر بعض القصائد
وكتب رواية تستمد الكثير من أحداثها من سيرته الذاتية بعنوان
<<الأقزام>>. أولى مسرحياته التي كتبها بعنوان
<<الغرفة>> قدمت على الخشبة في بريستول للمرة
الأولى عام 1957، وكانت السبب في لفت أنظار أحد المنتجين المسرحيين
إليه الذي طلب منه عملا ثانيا، فجاءت مسرحية <<حفل عيد
الميلاد>> في عام 1958، لتعرض في كل من كامبردج وأكسفورد،
ومن ثم لندن على خشبة <<الليريك تيَاتر>>، لكنها
لم تستمر لأكثر من أسبوع واحد إذ كان الناس يفضلون أعماله
الإذاعية، وبخاصة <<ألم صغير>> و<<ب ب>>
(1959).
نجاحه الفعلي بدأ عام
1960 مع <<حارس السيارات>> لتتبعها <<المجموعة>>
(1961)، و<<العشيق>> (1963)، و<<حفلة شاي>>،
و<<العودة>> (1965) التي اقتبسها بنفسه للسينما
بعد عدة سنوات.
بعد سنة من تقديمها
في لندن، قدمت مسرحية <<العودة>> في باريس، بفريق
عمل فرنسي على رأسه المخرج كلود ريجي، وفريق تمثيل من بينه
بيير براسور وكلود ريك وجان توبار وإيمانويل ريفا...
في عام 1962، كتب بينتريناريو فيلم <<الخادم>> الذي أخرجه جوزف لوزي.
وقد عاد للعمل مع المخرج نفسه في فيلمي <<الحادث>>
(1967) و<<الرسول>> (1969).
في مقابل عمله ككاتب
مسرحي، استمر بينترفي التمثيل، وبخاصة في المسرحيات التي
كان يكتبها، قبل أن يتحول إلى إخراجها بنفسه. عدة محاور توزعت
حياة بينترذاً، العمل المسرحي بكل تنوعه، العمل الاذاعي،
والعمل السينمائي حيث كتب سيناريو فيلم <<البحث عن الزمن
الضائع>> (اقتباس لرائعة الكاتب الفرنسي مارسيل بروست).
في عام 19991998، نشر
بينترتابا يضم قصائد ومقالات سياسية، إذ كانت السياسة إحدى
مشاغله الكبرى، وبدءا من الثمانينيات، حيث عرفت عنه معارضته
لكل من تاتشر وريغان، كما معارضته لكل من بلير وبوش، من هنا
مناهضته الكبرى لحربي الولايات المتحدة على العراق، كما عرف
عنه دفاعه المستميت لحرية التعبير وحقوق الإنسان وبخاصة في
ظل حكم بينوشيه في تشيلي. ففي تصريح ألقاه في آذار الماضي
قال بينتر: <<لقد حملنا للشعب العراقي العذاب والقنابل
العنقودية واليورانيوم المخصب والعديد من عمليات القتل العمياء،
حملنا إليه البؤس والانحدار، كل ذلك تحت غطاء الحرية والديموقراطية
في الشرق الأوسط>>.
مفهوم <<البينتيرية>>
بعد الحرب العالمية
الثانية، ولد مسرح جديد، لم يكن أحد قد شاهد مثله من قبل.
مسرح ذو شخصيات لم يعهد أحد وجودها في المسرح السابق. مسرح
يتضمن حوارات قيل عنها يومها إنها لا بداية لها ولا نهاية،
تنتقل من موضوع إلى آخر من دون أن يعرف أحد لماذا. مسرح <<غريب>>
بعض الشيء، هذه الغرابة عرفت في ما بعد باسم مسرح العبث. لقد
ولد مسرح العبث فوق أنقاض عالم كان دمر كل آمال البشرية.
كان صموئيل بيكيت <<جَد>>
هذا النوع، أما جاره الإنكليزي هارولد بينترفسرعان ما أصبح
أمير هذا النوع <<الوقح>>. كان أكثر سبابا وأكثر
أناقة، وأكثر اهتماما بميتافيزيقا الفراغ والامتلاء. كان يُقشر
عبر حواراته <<المفرومة>> رغبات وغيرة جيل يتطلع
إلى الجنس والمال ويتحدث عن الأساسي وإن كان لا يبدو عليه
ظاهريا أنه يهتم بهذه الأمور. جاءت جمل هارولد بينترلمسرحية
جملا غير منتهية، متقطعة، وكأن هناك العديد من اللاأقوال غير
الملفوظة، حيث نجد هذه الذاكرة وهي تستسلم وهذه الكلمات التي
لا قيمة لها لتتحول إلى سيف قاطع.
هذه المناخات <<اللغوية>>
إذا صحت التسمية أدخلها القاموس الإنكليزي في عام 1996 تحت
تعبير <<البينتيرية>>، حيث يفيد الشرح بما معناه
أن أناسا يعبرون بطريقة كما لو أن حواراتهم تأتي بمثابة المفاجأة.
هذه <<البينتيرية>> هي التي جعلت من هذا الكاتب
الممثل الأكثر بروزا في الدراما الإنكليزية منذ خمسينيات القرن
المنصرم ولغاية اليوم، لدرجة أنه صار يعد من الكلاسيكيين الحداثويين،
ويرى البعض أنه يقف على ذات الدرجة مع شكسبير.
يتداخل في فن هارولد
بينترلمسرحي كل تنويعات مسرح العبث التي يطلق عليه أيضا
<<كوميديا التهديد>> حيث تظهر تعقيدات الكائنات
البشرية وعلاقات قواها عبر هذه الأحاديث العادية جدا. ومع
ذلك، فقد أثر في أجيال لا تحصى من أجيال المسرحيين البريطانيين،
وبخاصة من هذه الزاوية الحاضرة بقوة في مجمل أعماله: هذه التهديدات
الطافحة وهذه الفانتسمات الايروتيكية، التي تشكل مفاصل حقيقية
في مسرحه. مفاصل أطلق النقاد عليها أيضا اسم مسرح اللاطمأنينة.
هذه اللاطمأنينة، كان
يسحبها أيضا على المتفرج، إذ لم يهتم يوما في أن يساعده على
الدخول إلى قلب هذا الغموض الذي يلف مسرحياته: <<ليس
هناك أي تمييز حقيقي ما بين ما هو واقعي وبين ما هو غير واقعي>>.
هذه <<البينتيرية>>
عادت لتتجلى أمس في تصريح له من منزله عقب الإعلان عن فوزه
بالجائزة: <<أعتقد أن العالم ذاهب إلى خسارته إن لم
ننتبه إلى ذلك. العالم، مثلما هو عليه، هو عالم خطير جداً
وأظن أن بلادي لا تقوم بالشيء الكثير لتحسين شروطه>>.
وأيضا: <<ليس العراق إلا رمزا للديموقراطيات الغربية
تجاه باقي العالم والطريقة التي تختارها لتمارس سلطتها>>.
هارولد بينترمن
مسرحي وسياسي <<ملتزم>>. إنه أحد الانسانويين
الكبار في تاريخ الكتابة في العالم. إنه أحد الباحثين عن عالم
أفضل، أكثر اقترابا من مشكلات البشر اليومية، المعبرين عن
تعبهم وحنينهم إلى كائنات أكثر انسانية.
من دون شك، ليس في اختيار
هارولد بينترمفاجأة، إلا بالقدر الذي لم يطرح فيها اسمه عبر
التكهنات الصحافية المفبركة. ربما كان يستحق نوبل، منذ زمن
بعيد. على كل، لقد أدركته ولو متأخراً، لعلها تعيد الجميع
إلى إعادة اكتشاف هذا المهووس بالحرية والإنسانية.
اسكندر حبش / السفير

الشاعر
الذي بدأ مسرحه بالصمت...
انتهى
إلى النضال السياسي
بعد برنارد شو (1925)
وبيراند يللو (1934) وأوجين اونيل (1936) وبيكيت (1969) وداريو
فو (1997) يأتي هارولد بينترلمفاجأة السادسة في سياق المسرحيين
الحائزين على نوبل. الفارق ان بينترشتغل في صميم الحياة
الدرامية والسياسية والثقافية كما لم يتورط فنان انكليزي من
قبل. والواقع ان مواقفه السياسية اليسارية عموماً والمعارضة
المعترضة على سياسة بلاده الخارجية طالما اعتبرها كثر حائلاً
دون منحه جائزة نوبل، إلا ان هؤلاء سيصفقون اليوم للجنة المانحة
وبينتر... وأنفسهم، خصوصاً ان بينترن ولا يزال احد ابرز
المناهضين للحرب على العراق، كما كان طرفاً في المجموعة الثقافية
المطالبة بإطلاق سراح النووي الإسرائيلي المنشق موردخاي فعنونو.
ويعتبر بينترليعة
المسرحيين البريطانيين بعد الحرب العالمية الثانية. ولم يأت
الصمت الى المسرح الإنكليزي بقوة صادحة وقصيرة كما حدث مع
ظهور مسرحيات بينترولا عرفت خشبة لندن حوارات مقتضبة، سريعة،
مشحونة بالتوتر الذهني والاحتقان العاطفي كما ورد في حوارات
مسرحياته. تأثر بينترباكراً بأعمال كافكا وإرنست همنغواي،
وكان رفضه الالتحاق الإجباري بالخدمة العسكرية بداية مواقفه
الرفضية اللاحقة. «كان محتملاً ان اذهب الى السجن، اخذت فرشاة
اسناني معي الى المحكمة، لكن القاضي كان سموحاً وغرّمني ثلاثين
جنيهاً، ربما سيطلبونني الى الحرب المقبلة، لكنني لن اذهب».
يقول بينترعن تلك الواقعة عام 1949 بعدما كان نال منحة لدراسة
الدراما في المعهد الملكي ولم يصمد اكثر من سنتين بسبب طبيعته
المتمردة وشغفه بالكتابة، خصوصاً الشعر، اذ بدأ ينشر قصائده
باسم هارولد بينتر(أي كما يلفظ اسمه بالإنكليزية بعد ضمور
حرف الراء).
بعدئذ عمل بينترلفترة
وجيزة ممثلاً اذاعياً في «بي بي سي» ثم اخذ دروساً في معهد
النطق والإلقاء الدرامي وقام بدورة في ايرلندا، الا ان مسرحيته
الاولى «الغرفة» التي كتبها في اربعة ايام عام 1957 بدأت تشي
بالملامح الاولية لما تبدى لاحقاً في اعماله، وسرعان ما دخل
«جنة» الوست اند عام 1958 مع «حفلة عيد الميلاد» مما ادى الى
وقف العروض بعد اسبوع على بدئها. وظهرت في هذه المسرحية اتجاهات
بينترنحو العبثية المدروسة خصوصاً ما عرف لاحقاً باسم «الوعيد
اللامنظور». فهناك دائماً تهديد ما، بلا منطلق منطقي يخيّم
على اعماله، وذلك بالطبع من المؤثرات الكافكاوية المباشرة
عليه. بعد سنوات على «حفلة عيد الميلاد» وبعدما رد بينترعلى
النقاد بسلسلة صادرة من الاعمال قال في احدى مقابلاته: «برأيي
ان النقاد مجموعة من الناس غير الضروريين. لسنا بحاجة اليهم
كي نقول للجمهور بماذا يفكّر».
«الغرفة الواحدة» طابع
عام وشم اعمال بينترمنذ البداية. وفي تلك الغرفة يخيّم على
الممثلين تهديد مجهول المصدر. عموماً تراهم يكافحون للبقاء
او لتأكيد الهوية. وكما في «مونولوغ» (1973) و «أرض لا أحد»
_1975) تتحول الكلمات المقطعة، المتكررة، المبتسرة الى سلاح
دفاعي في افواه الممثلين والى باليه لفظي يقوده خفية شاعر
جعل المسرح وزنه وقوافيه:
أستون: قلت لي ان اوقظك.
ديفيز: لماذا؟
أستون» قلت انك تنوي
الذهاب الى سيكاب.
ديفيز: آي، لعله أمر
طيب لو وصلت الى هناك.
أستون: لكنه لا يبدو
نهاراً لطيفاً.
ديفيز: آي، هذا قضى
على الامر، أليس كذلك؟
في هذا الحوار النموذجي
من «الفراش» (1960) ثاني اهم مسرحياته يكون بينتروضع حجر
الاساس والمداميك الاولى لاسلوب الاقتضاب في الحوار الى اقصى
حدوده. تلى تلك المسرحية عنقود من الاعمال المتلاحقة ابرزها
عام 1963 «العودة الى البيت» وهي تروي قصة فتى يأتي بزوجته
الى منزله الوالدي كي يعرّفها بأسرته. حاز بينترعن ادائها
في الولايات المتحدة جائزة توني، وجائزة ويتبريد وجائزة نقاد
نيويورك. واتسمت تلك المسرحية بقسوة مستجدة في اعمال بينترفالعروس روث تبقى وحدها في اميركا بينما يستبد بروث والده
القصاب السابق وبقية الذكور في العائلة. ويتكرر واقع الصراع
الذكوري – الانثوي في مسرحيتي «المشهد» و»الصمت» وايضاً في
«الايام الخوالي» بين اواخر الستينات وبداية السبعينات.
كتب بينترعدداً كبيراً
من السيناريوات السينمائية بات بعضها في عداد كلاسيكيات القرن
العشرين. وحاز معظمها جوائز عالمية في مهرجانات برلين وكان
وهمبورغ. ويذكر انه رفض عرضاً من رئيس الحكومة البريطانية
جون ميجور بتقليده وسام الفروسية.
- لا أعرف كيف للموسيقى
ان تؤثر على الكتابة، لكنها كانت مهمة جداً نسبة اليّ، الجاز
والموسيقى الكلاسيكية. احسّ بروح الموسيقى باستمرار خلال الكتابة،
لعل ذلك هو تأثري بها».
- «هناك قصة معروفة
عن كرومويل، فبعدما غزا مدينة دروغيدا وجيء بسكانها الى الساحة
العامة، اعلن كرومويل بضباطه: تمام! اقتلوا كل النساء واغتصبوا
كل الرجال. واذا بأحد رجاله يسأله: عفواً ايها الجنرال. أليس
الامر بالعكس؟ وعندئذ جاء صوت من الجمهور قائلاً: السيد كرومويل
يعرف ما هو فاعل.
هكذا هو صوت طوني بلير:
السيد بوش يعرف ما هو فاعل.
كان ذلك مطلع خطاب هارولد
بينترفي اعتراضه على مشاركة بريطانيا في حرب العراق الاخيرة.
ومن بين «حملات» بينترفي مجال حقوق الانسان وقوفه الصارخ
الى جانب الاكراد في تمزقهم المستمر بين تركيا والعراق ناهيك
بسورية وايران: «كردستان تحيا» يقول بينترنها ملتهبة في
عقول 35 مليون انسان نُهبت هويتهم وتشردوا في تركيا والعراق
وأوروبا. انها تلتهب وتعيش في عقول 12 ألف سجين سياسي مدفونين
في الاعتقال الفردي، تحيا ذاكرة اولئك الذين اختفوا وندوب
الذين تعذبوا. انها تحيا في جبال المقاومة الشعبية التي يسميها
العالم الغربي ارهاباً».
صحيح ان نوبل اعطيت
لهارولد بينتر وهو في اواخر شتاته الحياتي، لكنه، في رأيي،
اكثر المسرحيين استحقاقاً لها منذ برنارد شو.
جاد الحاج / الحياة

إحدى
عشرة قصيدة
لا تنظر
لا تنظر
العالم على وشك ان ينكسر.
لا تنظر
العالم على وشك أن يطفىء كل أضوائه
ويحشرنا في حفرة سواده،
ذاك المكان الأسود والسمين والخانق
حيث سوف نَقتل أو نموت، نرقص أو نبكي
أو نصرخ أو نلمع أو نصيء كالفئران
لكي نعيد مفاوضة اسعارنا الأساسية.
ليبارك الرب أميركا
ها هم ينطلقون ثانية
اليانكيز في استعراضهم المصفّح
منشدين أغاني فرحهم
بينما يهرعون عبر العالم الكبير
مصلّين لرب أميركا.
المزاريب مسدودة بالجثث
جثث أولئك الذين لم يلتحقوا بالركب
أولئك الذين رفضوا أن يغنّوا
أولئك الذين يفقدون أصواتهم
أولئك الذين نسوا النغمة.
الفرسان يحملون سياطاً باترة.
رأسك يتدحرج على الرمل
رأسك كرة في الطين
رأسك لطخة في الغبار
عيناك انطفأتا وأنفك
يشم فقط عفن الموت
وكل الهواء الميت مشبّع
برائحة رب أميركا.
موت
أين وجدت الجثة؟
من وجد الجثة؟
هل كانت الجثة جثة عندما وجدت؟
كيف وجدوها، الجثة؟
من كانت الجثة؟
من كان والد الجثة المهجورة
او ابنها او شقيقها
او عمّها او اختها او والدها او ابنها؟
هل كانت الجثة جثة عندما هجروها؟
هل هجرت الجثة؟
من هجرها؟
هل كانت الجثة عارية أم ترتدي ثياب الرحلة؟
ما الذي دفعكم الى اعلان الجثة جثةً؟
هل أعلنتموها جثة؟
الى اي مدى كنتم تعرفون الجثة؟
كيف عرفتم انها جثة؟
هل غسلتم الجثة؟
هل أغمضتم عينيها الاثنتين
هل دفنتم الجثة
هل هجرتموها؟
هل قبّلتم الجثة؟
قصيدة
الأنوار تبرق.
ماذا يحصل بعد ذلك؟
نزل الليل
والمطر توقّف.
ماذا يحصل بعد ذلك؟
العتمة ستزداد عمقا
هو لا يعرف
ما سوف اقوله له.
عندما يرحل
سأسرّ بكلمة في أذنه
وأقول ما كنتُ على وشك قوله
عند اللقاء الذي كان على وشك الحصول
والذي، الآن، قد انتهى.
لكنه لم يقل شيئا
عن اللقاء الذي كان على وشك الحصول.
التفت فحسب
ابتسم وهمس:
لا أعرف
ماذا يحصل بعد ذلك.
الله
نظر الله في قلبه السرّي
باحثا عن كلمة
ليبارك حشد البشر في الأسفل.
لكنه بقدر ما نظر ونظر
وبقدر ما رجا الأشباح لكي تعيش من جديد
لم يسمع أي أغنية في تلك الغرفة
واكتشف بألم حارق شرس
أن ليس لديه بركات يمنحها.
نشرة الطقس
سيبدأ النهار غائماً.
سيكون صقيع
لكن مع تقدّم النهار
ستشرق الشمس
وسيكون العصر جافاً ودافئاً.
عند المساء سيشعّ القمر
وسيكون مشرقاً.
سيكون هناك، ينبغي قول ذلك،
ريح عاتية
لكنها ستنتهي مع منتصف الليل.
لا شيء سيحدث بعد ذلك.
هذه نشرة الطقس الأخيرة.
شبح
شعرت بأصابع رقيقة على عنقي
وبدا كأن احدهم يخنقني
كانت الشفاه قاسية بقدر ما كانت ناعمة
وبدا كأن أحدهم يقبّلني
واذ أوشكت عظامي على التفتّت
حدّقت في عينيّ آخر
فرأيت انه وجه أعرفه
وجه حلو بقدر ما متجهّماً
لم يبتسم لم يبكِ
كانت عيناه واسعتين وبيضاء كانت بشرته
لم ابتسم لم ابكِ
رفعت يدي فقط
ولمست خدّه.
خلايا السرطان
"خلايا السرطان هي الخلايا التي
نسيت أن تموت"
(ممرضة في مستشفى رويال مارسدن)
لقد نسيت كيف تموت،
فمدّدت عمرها الذي للقتل.
أنا وورمي نتقاتل بحميمية:
لنأمل موتاً مزدوجاً.
أحتاج إلى أن أرى ورمي ميتاً،
ورمي الذي ينسى أن يموت
ويخطط لقتلي في المقابل.
لكني أذكر كيف أموت
مع أن كل شهودي ماتوا.
لكني أذكر ما قالوه
عن الأورام التي تحيلهم
عمياناً وصمّاً مثلما كانوا
قبل ولادة هذا المرض
الذي بث الحياة في الورم.
الخلايا السود ستجف وتموت
أو تغنّي مبتهجة وتسلك طريقها.
بصمت شديد تتناسل ليل نهار.
لا أنت تعرف، ولا هي تخبرك شيئاً.
لقاء
إنه الليل الأصم
قدامى الموتى ينظرون
إلى الموتى الجدد
يسيرون نحوهم
نبضات قلب رقيقة،
حين يتعانق الموتى،
أولئك الذين ماتوا منذ زمن بعيد
وأولئك الجدد
الذين يسيرون نحوهم
يبكون ويتبادلون القبل
إذ يلتقون ثانية
للمرة الأولى والأخيرة.
ديموقراطية
لا مفر.
السفلة في الخارج
سيضاجعون كل من يرونه:
انتبه لظهرك.
المطعم
لا، أنت مخطئ.
الجميع يكونون رائعين
بقدر ما يستطيعون
لاسيما وقت الغداء
في مطعم ضاحك.
الكل رائع
بقدر ما يستطيعون.
ويحرّكهم زخم
جمالهم الخاص.
ويذرفون الدموع في التاكسي
وهم عائدون إلى البيت.
النهار / عن الإنكليزية
- ج. ح. وس. أ. هـ.