
الـبـراق
في آداب الـمـعـراج وفـنونه
عـلـيهـا
جلال نور مرصع بالـدر والـجوهـر
يشهد تطوّر فن الكتاب
في العالم الإسلامي لشيوع تصوير الأنبياء والرسل منذ بدايات
القرن الرابع عشر. صحيح أن الصور الدينية بقيت بعيدة عن المساجد
ولم تدخل قط إلى أي من نسخ القرآن المزوّقة، إلا أنها حضرت
في الكتب التاريخية وانتشرت في القصص الدينية والدواوين الشعرية
التي أُنجزت بطلب من كبار الحكام والوجهاء. تحتلّ معجزة إسراء
النبي ومعراجه المنزلة الأرفع في هذا الميراث. على مدى قرون
من الزمن، تناوب الرسامون على تصوير صعود الرسول من مكة إلى
بيت المقدس وانتقاله من هناك إلى السماوات حيث شهد بعينه أعظم
الآيات، بما يمكّننا من الحديث عن تقليد تشكيلي مميّز يستمد
مادته من أدب المعراج. عبر انتاج غزير شارك فيه فنانون من
أجناس عديدة، تعود الصورة الثابتة وتتكرر إلى ما نهاية في
حلل جديدة: وسط كوكبة من ملائكة، يحلق الرسول في الأفق راكبا
على دابة لها وجه إنسان، يقال لها البرّاق.
لا يقدّم النص القرآني
سردا مفصلا لواقعة الإسراء والمعراج. يشير مطلع سورة الإسراء
إلى هذه المعجزة: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام
إلى المسجد الأقصى الذي باركنا من حوله لنريه من آياتنا، انه
هو السميع البصير" (الإسراء، 1). ويرى المفسرون في الآيات
الأولى من سورة النجم حديثا يؤكد ارتقاء الرسول السماوات وتجاوزها
جميعا: "والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن
الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. علّمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى،
وهو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى،
فأوحى إلى عبده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى، أفَتُمارونه
على ما يرى، ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، عندها جنة
المأوى، إذ يغشى السدرة ما يغشى، ما زاغ البصر وما طغى. لقد
رأى من آيات ربه الكبرى" (1-18).
من جهة أخرى، جاء حديث
الإسراء والمعراج بروايات كثيرة متواترة، منها المطوّل ومنها
المختصر، ويجمع العلماء على التأكيد أن هذا الحديث من الأحاديث
الثابتة الصحيحة. تختلف الروايات في الكثير من التفاصيل إلا
أنها تتفق على الأساس. مجمل القول أن جبريل أتى رسول الله
بينما كان نائما فأيقظه وخرج معه فإذا أمامهما البراق، فركبها
الرسول وسارت به إلى بيت المقدس حيث التقى بنفر من الأنبياء
وصلّى بينهم. ثم أوتى بالمعراج فأخذ يرتقي السماء بعد السماء
حتى تجاوزها جميعا إلى سدرة المنتهى، ورُفع إلى البيت المعمور
حيث كلّمه ربه وأعطاه الصلاة وجعلها فرضاً على أمته. وعاد
النبي إلى مكة بعدما بلغ المقام الذي لم يبلغه جبريل نفسه،
وأخبر قوم قريش الخبر فاشتد تكذيبهم له وسألوه أن يصف لهم
بيت المقدس، فجلاه الله له حتى عاينه. وأخبرهم عن عيرهم التي
رآها في مسراه ومرجعه، فلم يزدهم ذلك إلا ثبورا.
الفرس الأبلق
لا يأتي النص القرآني
على ذكر البراق. ولا نجد في أول مصدر وصلنا من مصادر السيرة
وصفا لهذه الناقة العجيبة، إذ يكتفي ابن اسحق بالقول المقتضب:
"جاء جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس أبلق". في
سيرة ابن هشام، يخبرنا ابن مسعود أنها البراق، "وهي الدابة
التي كانت تحمل عليها الأنبياء قبله، تضع حفرها في منتهى طرفها"،
فيما يتحدّث الحسن عن "دابة أبيض، بين البغل والحمار، في فخذيه
جناحان يحفز بهما رجليه، يضع يده في منتهى طرفه". والبراق
في ما خرجه الآجري عن ابي سعيد الخدري "أشبه الدواب بالبغل
له اذنان يضطربان"، "تقع يداه عند منتهى بصره". وتُظهر دراسة
أدب المعراج كيف غالى الكتّاب في وصف هذه الناقة حتى أغدقوا
عليها صفات لا نجدها في الأحاديث الموصوفة بالـ"صحيحة": "لها
خد كخد الإنسان وعرف كالفرس وقوائم كالإبل وذنب كالبقر"، يقول
الثعلبي (427 هـ). وفي "روضة الواعظين" للفتال النيسابوري
(508 هـ)، "وجهها كوجه الإنسان، وخدها كخد الفرس، وعرقها من
لؤلؤ مسموط، وأذناها زبرجدتان خضراوان، وعيناها مثل كوكب الزهرة
يتوقدان مثل النجمين المضيئين، لها شعاع مثل شعاع الشمس ينحدر
من نحرها الجمان، منظومة الخلق طويلة اليدين والرجلين، لها
نفس كنفس الآدميين تسمع الكلام وتفهمه، وهي فوق الحمار ودون
البغل".
تجد هذه الأوصاف الخارقة
خلاصتها في نص يُنسب خطأً إلى إبن عباس، نشره نزير العظمة
في كتابه "المعراج والرمز الصوفي": "هي دابة لا شبه لها في
الدواب تكون فوق الحمار دون البغل، أبيض الوجه وجهها كوجه
الإنسان وجسدها كجسد الفرس وهي دابة من أحسن دواب الدنيا وما
فيها، عرفها من اللؤلؤ الأبيض وذنبها كذنب البعير وهو من العنبر
الأشهب ورأسها من الياقوت الأحمر، طويلة اليدين والرجلين مدورة
الحوافر، عليها سرج من الذهب الأحمر، ركاباتها من الزمرد الأخضر،
لجامها من الفضة البيضاء، عيناها مثل الكوكب، جسدها له شعاع
كشعاع الشمس، وهي شهباء بلقاء محجلة ثلاثا، مطلوقة اليمين،
عليها جلال نور مرصع بالدر والجوهر، لا يقدر أن يصفه أحد إلا
الله عز وجل، ولها نفس كنفس بني آدم".
إناء اللبن
أقدم ما وصلنا من صور
النبي راكباً البراق منمنمة من مخطوط لكتاب "جامع التواريخ"
لرشيد الدين فضل الله الهمذاني أنجز عام 1314 في تبريز وهو
من محفوظات مكتبة أدنبرغ. تحتل الصورة جزءاً من ظهر الورقة
الخامسة والخمسين من المخطوط وتظهر النبي أمام ملاكين وسط
حقل أخضر صوّر وفقاً للأسلوب الصيني. يظهر البراق هنا في شكل
غريب يختلف عما سيؤول إليه في القرن الخامس عشر، فهو هنا ذو
رأس آدمي أماميّ من مقدمته وآخر خلفيّ يخرج من ذيله، وفي هذه
الصورة ما يذكّر بحديث الحسن: "يضع يده في منتهى طرفه". لهذه
الناقة العجيبة أربع قوائم وثماني أيد، وهي تمسك بيديها الأماميتين
كتاباً مجلدا وبيديها الخلفيتين سيفاً مسلولاً وترساً. ولا
نجد تفسيراً لهذا التصوير. ينحني الرسول ويمد يمناه في اتجاه
الملاك الذي يقترب منه حاملا إناء مذهباً. الحديث معروف ومثبت
في "صحيح مسلم" عن أنس بن مالك، وفيه أن جبريل جاء إلى الرسول
بإناء من خمر، وإناء من لبن"، فاختار النبي اللبن، "فقال جبريل
عليه السلام: اخترت الفطرة". والإسلام، في التراث الإسلامي،
"دين الفطرة"، وسلامة الفطرة لبّ هذا الدين.
منمنمة "جامع التواريخ"
ليست الصورة الوحيدة التي وصلتنا من صور الإسراء والمعراج
في القرن الرابع عشر. تحتفظ مكتبة توبكابي في اسطنبول بمجموعة
من ثماني منمنمات استثنائية تجسد بعضا من محطات الرسول في
رحلته العجائبية. وقد نُزعت هذه الصور من المخطوط الأصلي الذي
حواها وأُدخلت عام 1544 على مخطوط خاص بأبي فتح برهام ميرزا،
شقيق الشاه طهماسب. تتجلّى بدايات الأسلوب الفارسي في هذه
المجموعة التي أُنجزت في تبريز أو في بغداد، وقد نسبها البحّاثة
إلى أحمد موسى، المصور الذي "رفع الحجاب عن وجه التصوير"،
على ما جاء في "المقدمة حول رسّامي الأمس واليوم" التي كتبها
عام 1544 دوست محمد، أمين مكتبة الأمير برهام ميرزا. على صعيد
اللغة التشكيلية، تجسّد هذه الرسوم اختمار أسلوب فن التصوير
الإسلامي في الحقبة التي حكمت فيها سلالة الجلائريين العراق
وغرب إيران وأذربيجان، إلا أنها تمثل نماذج إيقونوغرافية فريدة
لا تتكرر في نتاج المراحل اللاحقة. يغيب البراق عن الصورة
ويطل الرسول محمولا على كتفَي جبريل الذي يطير به خارقا حجب
النار في اتجاه رضوان حارس باب الجنة، وصولا إلى سدرة المنتهى.
وقد اختلف المختصون بالفن الإسلامي في تحديد معاني هذه الصور
وقدّموا قراءات مختلفة لها من دون أن يتوصلوا إلى نتيجة أكيدة
يتفق عليها الجميع.
مقام القربة
تتشكّل صورة الرسول
على البراق في القرن الخامس عشر وتتحول نموذجاً إيقونوغرافياً
ثابتا يستعيده الرسامون إلى ما لا نهاية على مدى السنين. تحتفظ
مكتبة باريس الوطنية بأهم مخطوط معروف لـ"معراج نامة"، وهو
من نتاج هرات عام 1436 وقد اقتناه مترجم "ألف ليلة وليلة"
الشهير أنطوان غالان عام 1673 في اسطنبول. تزين نص الشاعر
مير حيدر إحدى وستون منمنمة تشهد للمستوى الرفيع الذي وصله
فن التصوير الإسلامي في ظل السلالة التيمورية. يمتطي محمد
البراق في رحلته القدسية ومعه جبريل، "لا يفوتني ولا أفوته"،
على تعبير النبي الذي استعاده أهل الحديث. تتوالد الصور وفقا
للرواية التي طوّرها الأدب الديني الصوفي في العصور الوسطى.
يحل محمد في القدس ويدخل المسجد الأقصى ويطير من ثمّ من سماء
إلى سماء، وصولا إلى السماء السابعة حيث يستقبله إبرهيم الخليل.
يغيب البراق وجبريل مع بلوغ النبي مقام القربة حيث كانت له
رؤية الحق بعين القلب. يُرفع الرسول إلى سدرة المنتهى ويلتقي
بكبار الملائكة قبل أن يبلغ العرش الإلهي ويسجد أمام الخالق.
يجد النبي نفسه أمام باب الجنة حيث ينتظره البراق ليحمله ويعبر
به طبقات الفردوس بجناته المزهرة قبل أن يسير به نحو النار
ليرى "ما أعدّ الله لأهلها من الزّقوم والحميم".
تجد رحلة الرسول صورتها
المختزلة في منمنمة تتكرر في مخطوطات دواوين كبار الشعراء
الفرس. تتصدر صورة الرسول فوق البراق وسط الملائكة الكثير
من نسخ "بستان" سعدي الشيرازي، فالشاعر يستهل مجموعته بقصيدة
في مديح النبي جاء البيت الأول منها باللغة العربية: "كريم
السجايا جميل الشيم/ نبي البرايا شفيع الأمم". ولا تخلو أهم
نسخ خماسية نظامي الكنجوي من صور مماثلة، وقد وصف الشاعر معراج
الرسول وعجز الملائكة عن التقدّم معه ومرافقته إلي العلي في
"مخزن الأسرار"، وهو الباب الأول من كتابه، واستعاد ذكر رحلة
نبي في مواضع عدّة من ديوانه، فتوقف في "خسرو وشيرين" أمام
وصول النبي إلى هودج الديباج، وتغنّى في "ليلى ومجنون" باجتيازه
الحجب، وأكد في "الصور السبع" دخوله مقام النور بدون حجاب.
صورة البراق في كل ذلك ثابتة لا تتغير. هي دابة لها رأس إنسان
وجهه مثل وجوه الملائكة في المنمنمات الفارسية، زينتها تاج
عظيم وعقد عريض يفصل بين عنقها البشري وجسمها البهيمي.
الإسراء بالجسد
في مخطوط "جامع سير
النبي" الذي أُنجز بطلب من السلطان مراد الثالث، يظهر البراق
قي صورة مشابهة إلا أن ذنبه يتحول ذيل طاووس، ولا نعرف إن
كان لهذا التحول سند أدبي أم أنه من ابتكار أهل الصور. تتكرر
الصورة في الكثير من الأعمال الهندية التي تمعن في تزيين الدابة
العجيبة. ينبت للبرّاق جناحان مما يعيد إلى الذهن الوصف الأدبي
الذي أكد مرارا هذه الصفة. يبقى النبي ثابتا على فرسه التي
لا تشبه فرسا، وفي ثباته تأكيد أن الإسراء كان بجسده الشريف،
وليس برؤيا، فالدواب كما أكد المفسرون تحمل الأجسام، لا الروح
المجرّدة. يظهر وجه الرسول بملامحه الكاملة حينا، وطوراً يختفي
خلف حجاب أبيض. ونجد في بعض المنمنمات صيغة توفيقية تعمد إلى
إعطاء محمد وشاحا شفافا يغطي وجهه من دون أن يحجب ملامحه.
يحلّق النبي عابرا السماوات السبع ويثبت على البراق وسط غيوم
من نار، عند السدرة التي "غشاها الله من النور ما غشى"، بحسب
تعبير ابن عربي في "الفتوحات المكية".
محمود الزيباوي - ملحق
النهار