
أول
عربي يحصد أكبر جائزة
فرنسية للأدب الأجنبي المترجم
جائزة لور بتايو من
نصيب جمال الغيطاني وتجلياته:
تبدو جائزة لوربتايو
التي حصل عليها الروائي الكبير جمال الغيطاني عن روايته التجليات
كأهم رواية في الأدب المترجم هذا العام بفرنسا من بين ثمانمائة
رواية، تبدو وكأنها التاج القشيب والمستحق عن مسيرة واسعة
الخطي وعميقة الأثر بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي ولا زالت
مستمرة حتي يومنا هذا.
فقد تسلم الغيطاني جائزته
في باريس قبل أيام بعد أن صدرت الرواية في ألف صفحة في شباط
(فبراير) الماضي.
ويعتبر النقاد أن هذه
الجائزة هي كبري الجوائز التي تمنحها فرنسا والمخصصة ـ عادة
ـ لكتاب غير فرنسيين، وتمنح مناصفة لمؤلف ومترجم أفضل عمل
أدبي إلي الفرنسية خلال العام.
و التجليات هي إحدي
أهم روايات الغيطاني التي تستشرف العديد من العوالم وتقرع
كثيرا من الأشكال الكتابية، وأجزاء الرواية الثلاثة تسير في
أفق يتراوح بين الحلم والواقع، حيث تعتمد القيمة الروائية
علي استدعاء رموز غائبة وحاضرة في نفس الوقت، ينطبق ذلك علي
كل الشخصيات المؤثرة في حياة الكاتب وحياة ناسه.
وقد مكنت هذه التقنية
المفتوحة والفضفاضة كاتب الرواية من سبر أغوار أفكار كانت
تبدو من التابوهات، وإعادة الاعتبار لرموز في الفكر والسياسة
والثقافة من بين الأسماء التي تم إقصاؤها، وقد كان لاستخدام
الغيطاني الأقانيم الصوفية دور في منحه الحرية الواسعة في
التأويل، حيث استطاع استنطاق شخوصه وأبطاله، وهو ما أضفي بعدا
عميقا علي مفهوم الزمنية لا سيما في مفهومه عن حلول الماضي
في الحاضر.
أما أهم ما يميز هذه
الرواية فهو أنها أولي الروايات التي أصدرها الغيطاني بالمخالفة
شبه القطيعة للتقنية الغربية للرواية حتي في أكثر أشكالها
حداثة، علي العكس تماما جاءت الرواية من حيث الشكل أكثر إخلاصا
للشكل العربي في السرد وخلق الأبطال عبر الحكاية كما في ألف
ليلة وليلة خاصة وبعض المرجعيات السردية مثل كليلة ودمنة .
تقول الدكتورة ماري تريز عبد المسيح إن إشكالية الحضور الوافدة
علي الفكر المصري مع الحداثة الغربية وتبعاتها إلي ازدواجية
فكرية، فقد استدعت فكرة الحضور الاقتران بحاضر خاضع لواقع
تاريخي تشكله ظروف سياسية محلية وعالمية، بينما يحتفظ العقل
المصري بعلاقة لا واعية يمتزج فيها التاريخ بالمكان والماضي
بالحاضر.
وتضيف تريز: استدعت
تلك الازدواجية الفكرية الاجتهاد وفي إبداع أشكال فنية تلائم
الرؤي المغايرة للعقلانية الغربية. وتؤكد أن الكاتب جمال الغيطاني
اجتهد مرارا لإيجاد أشكال إبداعية تتحرر من سطوة النماذج الروائية
الغربية، وتري أن ذلك يبدو واضحا وجليا في كتابه التجليات
وتتبلور أيضا حداثته البديلة هذه في كتابيه (سفر البنيان)
1997 و(متون الأهرام) 2003.
وتري تريز أن التجديد
الذي قدمه الغيطاني لا يقتصر في تلك النصوص علي الشكل الروائي
الذي ابتدعه، بل في دمج النص بالبنية المعرفية والمعمارية
للمكان، وترصد موقف الغيطاني من فن العمارة واعتباره له أنه
ألصق الفنون بالرواية لأنه ألصق الفنون بحياة الإنسان.
ومن هنا تري تريز أنه
إذا كانت الرؤية الجديدة للمكان قد مهدت للحداثة الأوروبية
حيث ساعد الفرد في التعرف علي تاريخه، ومن ثم فردانيته، وتضيف:
إنه وإن كان التأريخ ومن ثم الرواية الغربية ـ قد انطلقا من
العقلانية الديكارتية التي سعت بقراءتها المنطقية إلي إضفاء
العلموية علي الرواية ـ تاريخية كانت أم تخيلية ـ في مقابل
ذلك تطلع الغيطاني إلي رواية بديلة تعارض مفهوم التاريخ بوصفه
تطورا خطيا، بوسع الفرد التحكم في مسيرته. كل ذلك يؤكد الموقف
المتقدم الذي اتخذته لجنة تحكيم الجائزة التي حصل عليها الغيطاني،
حيث ضمت اللجنة عددا كبيرا من أعضاء الأكاديمية الفرنسية وأساتذة
من جامعة السوربون وعدد من كبار الأدباء الفرنسيين، وكان من
الإنصاف الكبير لهذه الرواية اختيارها من بين ثمانمائة رواية
ترجمتها فرنسا من كل لغات العالم بما فيها اللغات الأوروبية
والإنكليزية والإسبانية والألمانية والإيطالية. وهذه هي المرة
الأولي التي يفوز فيها كاتب عربي بهذه الجائزة الرفيعة التي
تسلمها الغيطاني في حفل كبير، وأعلن بيير لوجنيو عضو الأكاديمية
الفرنسية أن اللجنة اختارت تجليات الغيطاني بالإجماع في التصفيات
النهائية لأنها عمل غني متعدد المستويات والأبعاد، مقارنا
الرواية بعملين من الأعمال الخالدة في تاريخ الأدب هما الكوميديا
الإلهية لدانتي، و عوليس لجيمس جويس. وفي استثناء نادر تأتي
جائزة لوربتايو بعد خمسة عشر يوما فقط من فوز الرواية بجائزة
أخري من مركز الترجمة الفرنسي، وهي جائزة خاصة بالمترجم فقط،
وقد تسلمها المترجم خالد عثمان المصري المولود في فرنسا، وكان
أول من قدم نجيب محفوظ للفرنسية في أوائل الثمانينيات وكان
عمره وقتذاك 18 عاما. يذكر أن لوربتايو هي ثالث تكريم فرنسي
يحصل عليه الغيطاني بعد وسام فارس عام 1987 وجائزة الثقافة
الفرنسية العربية عام 1992 عن روايته البصائر في المصائر و
له عشر روايات مترجمة إلي الفرنسية حتي الآن، مقروءة علي نطاق
واسع في كبريات دور النشر، مما شجع دار سوي علي مغامرة إصدار
التجليات التي تقع طبعتها العربية في ثلاثة أجزاء وصدرت في
الفرنسية في مجلد واحد من ألف صفحة، وهو ما يجعلها أكبر مترجم
من العربية بعد ألف ليلة وليلة.
ومنذ صدورها اعتبرت
حدثا أدبيا كبيرا، حيث نشرت العديد من الصحف والمجلات مراجعات
وقراءات نقدية للرواية، وقد قرنها المحرر الأدبي لجريدة ليبراسيون
بإشراقات الشاعر رامبو، مؤكداً لقد تحصنت التجليات ببرجين،
برج رامبو وبرج شهرزاد كما اعتبرها الناقد العربي حمد عيساوي
في الفيغارو نصا يجمع بين اعترافات جان جاك روسو وفتنة ألف
ليلة وليلة.
ويبدو أن الفرنسيين
اكتشفوا في تجليات الغيطاني روحا مختلفة تماما عن كل النصوص
الروائية التي ترجمت سابقا إلي لغتهم والمستندة أساسا علي
التراث الغربي في الكتابة الروائية، بينما يعتمد الغيطاني
في روايته بنية خاصة تعتمد الحكاية إلي جانب التأمل الفلسفي
والشطح الصوفي. وتعد هذه الترجمة في هذا الوقت مكسبا للثقافة
العربية حيث تقدم للقارئ الفرنسي جانبا من التسامح الإسلامي
في وقت تتعرض فيه صورة المسلمين لأشرس عملية تشويه.
محمود قرني / القاهرة -
القدس العربي