حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

اعتبارات حول الشاعر نائماً

جاو كابرال دوميلو نيتو (1920 ـ 1999) هذا النص يشكل جزءاً من تأمله في كتابه حجر النعاس، إنه شاعر الوعي المستيقظ، الذي يحافظ علي خيط جوهري مع اللاوعي إذا أمكن القول، إنها مغامرة نحو الحلم، مساحة مكتشفة من قبل السرياليين، النوم فيها ليس شكل الحالة الليلية الفوضوية. في بلاد ظل تأثير أندريه بريتون وأصدقائه فيها محدود جداً، جاو كابرال أطلق صوتاً برازيلياً أصيلاً وجديداً للشعر في زمانه.

النوم، محيط فيه يولد

عالم مشوه وعبثي،

يبلل وجهي.

أسقط في نقطة ميتة وصماء.

ويلي لوين

ـ 1 ـ

كثيرون تحدثوا عن النوم كطريق نحو الحلم، هذا الهروب المؤثر للإنسان الذي يطمح إلي الفرار نحو أبعاد مألوفة لعالمه. جربت التحدث هنا عن النوم في صلاته مع الشعر علاقات سرية، بل أفضل، مشبوهة ، النوم كمصدر للقصيدة. هذه الكلمات تستدعي، كما أعتقد، تعريفاً أبادر بالإصرار عليه؛ لا أعتقد بأية علاقة ذات طبيعة بين النوم والحلم (كل الأشياء كالتي نراها في النوم ليست سوي الجزء المعتم غير المضاء الجزء الذي لا يوجد فيه هذا الانعكاس الذي هو الحلم، واحدة من تلك اللحظات حيث، أثناء عرض سينمائي، يتلف شريط الفيلم ونغرق جميعاً في العتمة). أو بالأحرى إنني أري في ذلك اختلافاً في السبب والنتيجة.

ـ 2 ـ

دون أدني شك، ثمة اهتمام راسخ بالحلم لدي نقاد وشعراء اليوم، فقد أصبح الموضوع شائعاً. عندما نكتب قصائد نحن نبحث عن صياغتها بلغة الحلم. الدراسات المعاصرة لعلم النفس تقتصر لهذا السبب علي الحلم. ألم تشاهدوا كل هذه القوائم في الصحف والمجلات حول تفسير الأحلام؟ كل هذه التطبيقات العملية التي نطلقها اليوم من عقالها ناسين تماماً سرها وظلها؟

أعلم تماماً أن ميل الإنسان، أو بالأحرى ميلنا، في مواجهة الحلم هو ميل مزدوج، إنه ميل من يأكل الحلم، ومن يأكله الحلم. أشعر بشدة أيضاً أنني بالغت بالحديث عن جانب الخطأ المدرك في هذه الرؤى.

ما أبحث عنه، بالإشارة أيضاً إلي الطريقة التي يجتاح بها الحلم حياتنا الراهنة، هو معاينة بسيطة ستساند الهدف الذي ألاحقه. أريد القول انه كالعمل الفني تماماً، الحلم هو شيء يمكن أن نمارس عليه النقد. الحلم هو واحد من أعمالنا الفنية. عمل فني يولد من النوم، ويصنع لفائدتنا. الحلم شيء يمكن أن يستدعي ويستدعي. حيث نقود اكتشافنا بفضل ذاكرتنا. قصيدة ستجعلنا منفعلين كل مرة نخلق في أنفسنا جهداً لإعادة بنائها. لأنه لا بد أن نتذكر أن الحلم هو عمل فني منجز، عمل فني في نفسه. نحن من يشاهده. هذه التجربة المدهشة يمكن أن تذكر، وتخبر. مثلما هو الشعر طريقة بمقتضى الشعر الذي يحمله في نفسه، لا مفر من نقلها.

ـ 3 ـ

بعكس الحلم، الذي نشاهده بشكل ما، النوم مغامرة لا تحكي، حيث لا نستطيع الاحتفاظ بأثر يمكننا من الإخبار عنه، فليس ثمة أي إدراك لعناصره، لرؤاه، التي تعد الجزء الموضوعي من الحلم (أحب لو يفهم كيف أستخدم الكلمة: موضوعية هنا دون أي تفسير آخر لمعناها). النوم هو حالة، بئر نغوص فيها، وفيها نغيب. هذا الغياب يجعلنا نصاب بالخرس.

أعتقد بضرورة، أنه قبل تقديم أخبار النوم مع الشعر والشاعر (هذه الأخبار تشكل موضوع هذه الاعتبارات) لا بد أن نتوقف ولو عابرين علي العلاقات بين النوم والحلم الذي فيه جهد التأليف والذي أصفه كعلاقة بين السبب والنتيجة. بهذا المعني، لا يهيج النوم الحلم فقط، ولا يمتلك لغته الطبيعية في الحلم وحسب، بل إنه يتحكم به.

الحقيقة أن نومنا يعطي الحلم أبعاده، إيقاعات هذا الغطس في الأشياء التي تتجلي أمامنا. هذه المسافات، الأحداث التي لا نستطيع أن نتدخل بها، في مواجهة أننا نسجنها، نشجبها، نضطهدها. ولا نستطيع بأية طريقة أن نتعامل معها.

سيكون من الكثير أن أغامر في المنطقة الأدبية للقول انه من الممكن إعادة اكتشاف كل العناصر التي تؤلف جو الحلم. هذا المناخ الذي علي غرار الشعر، جو عاصف، صورة للظهور الدقيق للإنسان نائماً. بقدر ما هي أحداث الحلم التي يلاحظها النائم بعمق من خلال حضور النوم نفسه، حضور لا يحدث أبداً في غياب الأربعة وعشرين ساعة التي تخصنا، لكنها رؤية منطقة نجهلها، من حيث نعود ثقالاً، موسومين بالحنين لذلك البحر العالي، للمياه العميقة ، لجوءاً إلي ترجمة أميريكو توريه باندييرا التي تعطي احاسيس مجهولة تثار فيه من تناول مخدر الكلوروفورم. كيف لا يعاد اكتشاف يقظة النوم هذه في جسد النائم. في الحركات التراجيدية (الهزلية) أحيانا. في الكلمات التي نتمتم بها، في الملامح التي نصير عليها وهي بلا شك إشارات الاستغراق، والتي تعد بشكل آخر إشارة علي الحياة؟

ـ 4 ـ

ربما ينبغي علي أن أصر من جديد علي صعوبات التعامل مع موضوع بمثل هذه الضخامة. إن ما يعنيني أن هذه الصعوبة تتضاعف إلي استحالة. صعوبة القدرة، مثلاً، علي إدراك سر العيون المفتوحة ومع هذا الهدوء الواثق، مغامرة عادية جداً لكنها لم تتوقف عن إدهاشي لدي بول فاليري.وهنا لا بد أن يلاحظ: الشعر ليس في النوم بمعني أنه يؤسس مستودعاً من حيث، من خلال الهبوط المتتابع، يخبرنا الشاعر بلوازم غنائيته.النوم يعد الشعر سلفاً، إنني أعاود اكتشاف العنصر نفسه، النوم بقدر ما هو، كلمة النوم نفسها (تحدث صوتاً كمن يغوص في الظلام؛ صوت الإنسان الذي يتحدث في الظلام) عن أشياء شعرية للغاية. في هذه الأثناء، يؤثر فعل النوم علي الشاعر كمستوي آخر يشكل مادة شعرية بسيطة. وفي المنطقة التي يتوقف فيها عن أن يكون هدفاً ويتحول بشكل ما بالنسبة للشاعر كممارسة أو إحماء بالمعني الرياضي للمصطلح تتفجر في الشاعر مهارات معينة، شيء من الموهبة الخارقة واللامرئية، إدراك ما لـ حواس خفية لأشياء ساكنة حسب تعبير بيدرو نافا.

ـ 5 ـ

سأحاول الآن الإشارة، مغبة الوقوع في تعميم اعتباطي (تعميم المظاهر)، إلي نوعي التأثير الذي يمارسه النوم علي المؤلفات ذات الطبيعة الشعرية.

في البداية ثمة جزء المغامرة، كما قال موريليو ميندز، الذي كنت قد اقترحته قبلاً بشكل ما عندما كتبت أن النوم يعد الشعر سلفاً.

وأعتقد أن هناك نوعين أيضاً من هذا الإعداد المسبق، واحد يتجسد في فكرة تجريد الزمن، كسوف الزمن الذي يعده جورج دو ليما محك الشاعر الحقيقي، الذي يكتسب صفة في النوم، ليست مثالية بعد في التفكير لكنها مؤثرة.

والثاني يتجسد بفكرة الموت التي يرتبط بها الحلم عند الشاعر سيكون مهماً ملاحظة جلاء هذه الثيمة في الشعر الحديث؛ الخوف من الاستيقاظ بانتباه، كما قال نيوتن سوكوبيرا؛ لأن النوم يشبه حركة باتجاه الأبدي، دخول عابر ووقتي في الأبدي، مقدر أن يبرهن للإنسان هذا التوازن الذي، لا بد أن يكون عند الشاعر، بالضرورة توازناً ضد العالم، ضد الزمن.

ـ 6 ـ

ملاحظة أخري تفرض نفسها، التي تحدد النوع الثاني من تأثير النوم علي الشاعر: النوم ملائم لهذا الخليط من الأحاسيس، الرؤى، الذكريات، التي تصنع حسب رأي كوكتو، الواقعية الحقيقية للشاعر. نستطيع القول عن النوم انه يفضل تشكيل منطقة معتمة (زمن معتم)، حيث يتطور هذا الانصهار (حواسنا تكون نائمة) من حيث تظهر فيما بعد هذه العناصر الموعودة أن تكون القصيدة والتي سيدهش الشاعر بها يوماً ما علي أوراقه دون أن يكتشفها.

علي الأخص، انه يفضل هذا التأمل، هذا الحضور في نفسه (الشاعر يمشي بخطوات كبيرة في ليله)، لقد قورنت حقيقة الشاعر في هذا الحضور من قبل شاعر كبير بأنه التطهير الحقيقي للروح (ريسا ماريتان).

ـ 7 ـ

ربما يكون من واجبي، في لحظة الاستنتاج، حسب ما خلصت إليه، علي الأقل أن أعرف حضور النوم في المؤلفات ذات الطبيعة الشعرية، حضور طالما آثرت أن أسميه تأثيراً، ذلك أنه يبدو لي أن الشاعر، بسبب خطأ في الإدراك بموضوعية لما يحدث أثناء النوم، لا يستطيع أن يفترض ولو قليلاً في عمله الأدبي صفة للحضور، بطريقة متصورة أو بينة. هكذا نستطيع القول ان النوم لا يلهم الشعر (الشعر الحديث، مثلاً، بينما يحدث هذا بشكل لا يمكن إنكاره مع الحلم، الذي هو أسطورة الشعر الحديث)، بالمعني أن يستخدمه الشاعر كلغة. كل هذا يخصب في تنفسه الليلي الذي هو في كل الأحوال تنفس الشعر نفسه.

جاو كابرال الشاعر والديبلوماسي واحد من أهم رموز الشعر الحديث في البرازيل، وقد تميز شعره بالتأملات الميتا ـ شعرية، من أعماله الشعرية متحف كل شيء و المهندس.

 

ترجمة: نوال العلي


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri