
الاستماع
إلى الشعر
لقد اتسعت شعبية قراءات
الشعر العامة، خلال الجيلين الاخيرين، بشكل هائل. وهي تشكل
الآن جزءاً لا مفر منه من مهرجانات الأدب، وترويجات المكتبات،
وغير ذلك، وبدأت بالظهور على نحوٍ بارزٍ كجزء من حلقات دراسة
اللغة الانجليزية في المدارس والجامعات.
ولابد لبعض ما فيها
من اغراء من ان يتصل بالمؤلفين انفسهم: ما الذي يبدون عليه
أو يشبهون، ماذا يمكن لهم ان يقولوا بشأن كتابتهم، وهل سيكون
بوسعهم القاء أي ضوءٍ على أصول عملهم الأدبي واهدافه؟
بالنسبة للقليل من الناس،
يبدو هذا أشبه بميلانٍ غير مريح نحو تصيد الشخصية. أما بالنسبة
للغالبية، فهو تطور مرحب به ذلك انه يسمح لسر الشعر ان يبقى
مصوناً، بينما يقضي، في الوقت نفسه، على فكرة ان الشعراء البارعين
هم فقط الشعراء الموتى. وهو يساعد ايضاً على جعل الشعر جزءاً
من الحياة اليومية. ويؤكد ويظهر المدى الذي يكون عنده صوت
القصيدة حاسماً بالنسبة لمعناها مثلما هو الحال مع ما تفعله
الكلمات على الصفحة.
وهذه النقطة الأخيرة،
البسيطة والمسلم بها كما تبدو، كانت منسية في الغالب لوقتٍ
كثير من القرن الماضي، ففي الوقت الذي كان فيه تينسون معتاداً
بصورة تامة على قراءة شعره بصوتٍ عالٍ (وغالباً ما كان يبقى
الجمهور مسحوراً لساعاتٍ، بترنيماته المطولة لميموريام ومود
Memoriam and Maud)، لم يقدم شعراء كثيرون كانوا يكتبون خلال
الثلثين الاولين من القرن العشرين الا قراءات عرضية في مناسبات
معينة. ووفقاً للرأي العام الشعبي، فان الحداثة modernism
قد جعلت الشعر صعباً بصورة مستغلقة، قاصرة إياه على اهتمام
اقلية من الناس حيث لا تتمتع اللقاءات العامة بمكانة مهمة.
ولكن ما ان انبسط القرن وتفككت بعض الحواجز الشائكة بين الشعراء
"المحافظين" و "الراديكاليين" حتى تغير الوضع، وراحت قراءات
قاعة البرت الشهيرة، التي اقيمت في نهاية ستينيات القرن الماضي،
تقدم انواعاً جديدة من الشعر الى جمهور أكثر توقاً بكثير مما
اعتقد كثيرون انه موجود، وشكلت في سنواتٍ لاحقة شبكة من مواقع
القراءة- شبكة مازالت تتوسع اليوم.
بكلمات أخر، ان الانبعاثات
الراهنة لقراءات الشعر العامة ليست بالظاهرة الجديدة كثيراً،
وانما هي عودة الى تقليد قديم جداً- ذلك التقليد الذي يمتد
بعيداً في التاريخ راجعاً الى شاعر البيولف Beowulf في حجرة
شرابه، وابعد.
ومن هنا فليس مدهشاً
ان نجد، خلال ذلك الوقت الطويل، شعراء كثيرين يكتبون بصدقٍ
عن قيمة واهمية قراءة القصائد بصوتٍ عالٍ.
ولنتأمل كيتسٍ، وهو
"يرتل" قصائده لاصدقائه، أو هوبكنز ناصحاً الجسور Bridges
بأن "تأخذ نفساً وتقرأ بآذانك"، أو روبرت فروست مقايضاً الافكار
(مع ادوارد توماس، من بين آخرين) حول "صوت الاحساس sense".
وحقيقة ان مثل هذه الموارد الشاملة والمتاحة بيسرٍ حيث لم
يصبح أرشيف الشعر ممكناً إلا بوصول الانترنيت، لايمكن لها
الا ان تعمق وتغني المفارقة. فتقييمنا لصوت قصيدةٍ ما قدر
معناها المكتوب يمكن ان يبدو امراً جديداً، وهو في الحقيقة
قديم مثل التلال.
وعندما قال فروست "ان
الاذن أفضل قارئ" فانه لم يكن يقصد ان يقول انه يفضل الصوت
السريع الزوال على الصفحة المادية، وانما ليعطيهما معاً قيمة
متساوية، وليذكرنا كيف انهما يعتمدان احدهما على الآخر. ويمكن
البرهنة على هذه النقطة بسهولةٍ كبيرة.
فالقصيدة تخلق تأثيراتها
ليس فقط عن طريق مشاطرة قارئها المعنى القابل للتفسير، ولكن
من خلال مسرحة dramatize ذلك المعنى وجعله قريباً للنفس عن
طريق موسيقية الكلمات (أو عدم موسيقيتها) عن طريق الايقاع،
عن طريق التقفية عن طريق تكرار نماذج الصوت، عن طريق التقطيعات،
وعن طريق حركة وتطور النبرة عبر قطعة كاملة من العمل الشعري.
انه عرض للتناغمات،
بكل انواع الطرق. وأكثر من ذلك، ايضاً ان صوت القصيدة يمكنه
فعلياً ان يصبح معناها، مثلما تزودنا أذننا بتعبيرات واحاسيس
يمكن ان تفوت حواسنا الأخر.
ولنتأمل قصيدة مثل "الأرض
اليباب" لأليوت - المعبأة كما هو معروف بالاشارات الصعبة،
والتلميحات المعلوماتية، والتكثيفات الذكية.
والشخص الذي يقراها
على الصفحة للمرة الأولى ملزم بالشعور بان تلك امور مقصرة
عن اداء المطلوب- ربما حتى الى حد الشعور بانها "لا تفهمها"
ولكن عندما تقرأ القصيدة بصوتٍ عالٍ، فان حركة الاصوات تخلق
تأثيراً قوياً على نحوٍ لا يمكن نسيانه، وهو يوضح المعنى بوسائل
اخر. وهذا هو التأثير الذي كتب عنه فروست مرة تلو المرة، موضحاً
ان "الجزء الحي من القصيدة هو الترنم المتشابك بطريقة ما مع
تركيب الجملة، واسلوبها ومعناها.
فهو هناك فقط بالنسبة
لأولئك الذين سمعوه سابقاً في المحادثة.. ويمضي فتصبح اللغة
لغة ميتة، والشعر شعراً ميتاً. فمعه تمضي التوكيدات، والتشديدات،
والتوانيات التي هي ليست صفة مميزة لحروف اللين vowels والمقاطع
اللفظية وانما يجري تبديلها ارادياً مع الاحساس.
صحيح ان هناك طولاً
لحروف اللين، غير ان توكيد الاحساس ينسخ كل توكيد آخر. يلغيه
ويلقي به بعيداً".
ان تقييم قراءة الشعر
بصوتٍ عالٍ هكذا قد يبدو امراً تجريدياً. وهكذا يجدر بنا القول
مباشرة ان الشعر المنطوق يمتلك منافع أساسية أكثر بكثير ايضاً.
فهل يحاول الشاعر ان يحرز تأثيراً كبيراً ام يتكلم بطريقة
واثقة؟ واي نوع من التوكيد يمتلكون؟
(وكان الانطباع الزائف
الآخر الذي احدثته اواسط القرن العشرين الصامتة نسبياً هو
ان جميع الشعراء يتكلمون بطريقة تلفظ مقبولة: وهم لم يفعلوا
ذلك وما زالوا لا يفعلون. ولو استطعنا فقط ان نسجل كيتس، لكنا
ربما قد سمعناه وهو "يترنم" وكأنه كوكني* (cockney). وهناك
انواع اخر كثيرة من التبرير العملي ايضاً. ويمكنه، على سبيل
املثال، ان يكون نافعاً ببساطة كطريقة لحل الغوامض. فهناك
مقطع في قصيدة فيليب لاركين، " ابيات على البوم صور سيدة شابة"،
على سبيل المثال، وجدته محيراً عندما قرأته للمرة الأولى وانا
تلميذ : "ولكن، اوه ايها التصوير الفوتوغرافي ! لا فن مثله/
أمين ومخيب للآمال!" كما تقول القصيدة. ولم ادرك ما كان يرمي
اليه الا عندما سمعت تسجيل لاركين وهو يقرا القصيدة، مشدداً
على كلمة "فن" (ليبين نموذجاً انه لم يكن يعتقد بان التصوير
الفوتوغرافي فن). وبالطريقة نفسها وما شاكلها، يمكن سماع تشديدات
الصوت وهي تعطي تفسيراتها الضمنية على كل صفحة من الارشيف
فعلياً. مثلما يمكن للتوقفات، والتجهمات المتضمنة، والابتسامات
المبتلعة ونبرات اللطف أو الغضب، ان تفعل.
وهذا هو السبب في ان
الارشيف الشعري يحتوي على تسجيلات لشعراء يقرأون نتاجهم، بدلاً
من تكليف ممثلين للقيام بذلك. وليس من العدل القول ان الممثلين
(بوجه عام) يميلون الى الهجوم على القصائد كما لو كانوا يحاولون
الوصول الى الصف الخلفي من المقاعد. فالاكثر من هذا ان الشعراء
يعرفون قصائدهم بطريقة والى عمقٍ استثنائيين. (وهذا لا يطابق
القول إنهم يعرفون كل شيء عنها) وفي هذا الاطار، من الصعب
القول ان الشاعر يقرأ دائماً شعره "على نحوٍ سيء" كلياً. فحتى
لو انهم تمتعوا قليلاً، أو قرأوا بشكل مضجر، أو باقصى سرعة،
فان القاءهم يظل ينطوي على امورٍ مهمة تخبرنا عن الروابط والانفصالات
بين الصوت المتكلم والشخصية في القصيدة، عن مزاجها، عن الكيفية
التي فكر الشاعر بان الاحساس سينقل بها، وعن كيفية سماعه لها
في رأسه.
وكل من يستخدم الأرشيف
الشعري هذا سيكتشفون الاصوات المفضلة لديهم، ومتعهم في ملاءمة
الصوت- المعنى مع الكلمة- المعنى.
كما نأمل في ان يتقدم
أولئك، الذين يستخدمون هذا الارشيف، منتقلين من هؤلاء الكتاب
المفضلين الى عوالم- صوتٍ آخر، وممالك خيال اخر، لم تكن معروفة
لديهم من قبل. وبودنا ان يكون هذا الأرشيف غرفة ترديد عملاقة،
تكون الأصوات الفردية قادرة فيها على اثبات اصالتها، وتتحدث
ايضاً عن الشعر نفسه، بكل أشكاله ولهجاته وأساليبه المتنوعة.
أندرو موشن
ترجمة: عادل العامل / كاتب من العراق