الشعر
مديح الخسارات ويقوم على الماضي لا الحاضر

ناظم
السيد:
<<العين الأخيرة>>
أكثر حنواً مع اللغة
بعد
<<برتقالة مقشرة من الداخل>> <<العين الاخيرة>>
لناظم السيد مطولة شعرية تكتب بسخاء واستطراد الحب بالدرجة الاولى،
لكنه حب منغمس في المشهد اليومي الذي يتحول احيانا الى ايقاع
ملحمي. هكذا في دفق اللغة وملحمية الحياة المباشرة يبدو نص ناظم
السيد الجديد جديدا فعلا.
في كتابك الجديد <<العين الأخيرة>> نثر طويل افتتح
الشعر وأقفل به. مع هذا النثر الطويل الممتد على طول الكتاب،
لم يتسنَ لنا معاينة الفنية الشعرية التي نقع عليها في القصائد
القصيرة ما رأيك؟
يفترض سؤالك ان <<الفنية الشعرية>> تكون في القصيدة.
خلافا للسؤال أزعم ان ما تسمينه الفنية الشعرية موجود في الشعر
لا في القصيدة سواء كانت قصيرة ام طويلة. ثمة تمييز في اعتقادي
بين الشعر بوصفه معنى وبين القصيدة بوصفها شكلا. لأكن عمليا
اكثر. العناصر الشعرية في هذا النص تكمن في استخدام اللغة <<الجديد>>،
والذي يزاوج بين السيولة بوصفها هذرا وتنديرا وبين البتر والمحو
والانزياح. ثمة ايضا مغامرة اخرى لا تقيم وزنا للمسافة القائمة
بين الشفوي والكتابي، بين اكتشاف الشعر واختراعه، في هذا النص
لغة متروكة لشأنها، إذ أحسب ان اللغة اكثر قدرة على التعبير
من البشر، وأكثر اختزانا للمعاني في لا وعيها، الى جانب لغة
اخرى مشغولة ربما بامتهان وحرفة. وفقا لهذا التصور، يختزن <<العين
الأخيرة>> طبقات شعرية متفاوتة، إذ يستطيع القارئ العادي
قراءته، وقارئ الشعر المحترف ايضا. بالطبع، لم أتقصّد بهذا تواطؤا
مع القارئ، تلك العبارة التي راجت متزامنة مع الحداثة. كأنّ
هذه الأخيرة كانت دعوة للقطيعة مع القارئ لا مع الاتجاهات والأنواع
الأدبية والفنية
السابقة عليها.
هذا الكلام لا يعفيني من تهمة <<النثر الطويل>>
الذي أشرتِ إليه. صحيح، هنا نثر طويل لكنه مقصود. لقد أردت تسييل
الجملة الشعرية لدرجة الامحاء. من جهة اخرى ضمّنت نصيّ جملا
صارمة ونهائية. في كل حال، قارني النثر الى كتابة نص ذي بنية
حكائية، سواء عبر الافعال السردية المتكررة (كان، كنتُ...) أم
عبر التصعيد الدرامي كما في نص العائلة الذي تضمنه نص الحب المتداعي.
في كل جملة من <<العين الأخيرة>> نرى الى الجهد
الذي بذلته كشاعر، لتأتي الجملة حاضنة لمفردات جديدة نوعا ما،
كما تحمل حكمة، وفكرا خاصا بالفقدان والخسارة. هل أتتك الجملة
سلسة أم ذات تدابير بلاغية؟
سأحاول الإحاطة بهذا السؤال المتشعب قدر الامكان. لنبدأ أولا
باللغة. أعني لنكمل حديثنا في اللغة. لا شك في ان لغة <<العين
الأخيرة>> او جملته (لا جملتي) ذات مستويات عديدة. هناك
جملة متناسلة من بلاغة كلاسيكية، متجاورة مع جملة حديثة بنية
ومعنى، وأخرى تستمد شعريتها من خارج الشعر. بالاحرى من خارج
الكتابات الشعرية المتداولة على الأقل. مثلا حين أقول: <<ونسيتك
بالويسكي والحشيش... وبقصر اليد، وقلة الحيلة>>، أكون
استخدمت التعابير العامية بتوظيف شعري مخالف لاستخدامها في الواقع.
هكذا استطعت التنقل بين جملة تحتضن فكرة او <<حكمة>>
وبين جملة مكتوبة بغريزية ما تحت الشعري. لقد كنت، طوال فترة
كتابتي هذا النص والتي استغرقت 11 شهرا، مقودا خلف الكلمات حينا
وضيفا متطفلا حينا آخر. أتدخل في شؤونها وأملي عليها ذوقي في
ديكوراتها وأثاثها ومواقع سكنها. أعتقد ان الشعر الجدير بالقراءة
وبالتالي البقاء هو الذي يكون حصيلة الموهبة والصنعة معا. وهو
اعتقاد قديم في جميع الاحوال.
استطرادا، في مجموعتي الاولى <<برتقالة مقشرة من الداخل>>
تعاملت مع اللغة بقسوة، أنا القادم من محلّ يقدّس اللغة التقليدية،
إذ إنني كتبت الكثير من القصائد الخليلية الموزونة. وعندما قدمت
الى بيروت قبل ثماني سنوات واختلطت بالوسط الشعري خصوصا والثقافي
عموما، أُخذت بالطريقة التي يكتب بها الشعر. مكث في داخلي: هذا
هو الشعر، فرحت أمارس قسوة في حق مخيلتي قبل لغتي. لأقل اني
قمعت ما اختزن في داخلي من أدوات تعبيرية. لاحقا، اكتشفت ان
لكل لغة امتيازا. النص الطويل المهذار لا يقل شعرية عن النص
القصير المتقشف. لهذا بدوت في <<العين الأخيرة>>
أكثر حنوا مع اللغة وأكثر استسلاما لاغراءاتها. بهذا السخاء
استطعت تضمين نصي مفردات جديدة وتعابير لا تدعي اكثر من إعادة
اكتشاف دهشة العادي، او <<إعادة اكتشاف البراءة>>
بحسب اوكتافيو باث.
أما ما سمّيته <<فكرا خاصا بالفقدان والخسارة>>،
فهذا ما لم أدعه برغم الدلالات العديدة على المصطلح. بالتأكيد،
الشعر مديح الخسارات وليس الفرح. إنه لحظة تقوم على الماضي،
على الذاهب والآفل، لا على الحاضر كما يتوهم الكثيرون. الشعر
كالحب عند العرب لحظة تذكره لحظة فقدان الحب. في هذا السياق،
تعاملت مع الفقدان على أنه الحب. مثلا، هناك مقطع يخدم فكرته
اقول فيه: <<ان أنساكِ يعني ان أعطف عليك، أن أنساكِ يعني
ان أتسامح معكِ، ان أنساكِ يعني ان أحبكِ. وأحببتك بالنسيان
وقرّبتكِ إليّ به. وكنت كلما نسيتك وضعتك في مكان لا يطالك فيه
أحد>>. هذا صحيح، ليس في الشعر فحسب وإنما في الواقع:
نحفظ الاشياء من التلف حين نتركها قبل استنزافها. هكذا الحب
محمي بالفقدان.
الحب أحببت زاوية النظر الشعرية التي ترى بها الى الحب. هل ما
زال الحب يصلح لأن يكون مادة وحيدة لكتاب شعر؟
الحب كمعطى إنساني لا اجتماعي، كمعطى وجودي لا شعري، يظل باستمرار
مادة للكتابة بأنواعها والفن باتجاهاته. أهمية شكسبير لم تكن
يوما في لغته فقط، وإنما في المعنى الانساني الراسخ في أدبه.
هذا المعنى غير المرتهن للمكان والزمان. وأقول ايضا مغامرا ان
المضمون يتكرر عبر التاريخ بمعانٍ مغايرة. ثمة فرق بين المضمون
والمعنى وفقا للصديق الناقد عهد فاضل يتلخص في ان المضمون يتناول
الموضوع، أما المعنى فهو عملية تأويل لهذا المضمون، وهو غالبا
ما يكون فائضا عن المادة الابداعية. التجديد ايضا يكون في طريقة
تناول موضوع ما لا في الموضوع نفسه. إذاً، الحب يصلح دائما لأن
يكون مادة شعرية. هذا إذا سلّمنا بأن موضوع القصيدة المطولة
التي كتبتها يقتصر على الحب، من المؤكد أن هناك امرأة وحالة
حب في النص، لكننا ككتّاب نكتب أنفسنا متوهمين أننا نكتب الآخرين.
بشكل او بآخر، كل ما في هذا النص هو <<أناي>> المبهمة
<<غير المفهومة>> بحسب أراغون. هذه طبعا، صدى لعبارة
رامبو <<أنا هو الآخر>>. الشعر ينشأ أيضا من <<تجربة
فقدان الشخصية>>، من ذلك الخط الرفيع الفاصل بين <<الأنا>>
المفتقدة و<<الآخر>> غير المنجز، سواء كان هذا الآخر
كائنا أم شيئا أم حالة أم فكرة.
كيف قوبل نقديا كتابك الأول <<برتقالة مقشّرة من الداخل>>؟
وهل على ضوء النقد تمضي في مجموعتك الثانية؟
كُتبت فيه مقالات صحافية بودّ. كانت مقالات كتبها شعراء ونقّاد
أصدقاء في معظمهم. بطريقة أخرى، رُحّب بالكتاب بدرجة أقلّ مما
توقعت، او أقلّ من نظرتي إليه كأول كتاب لي، في جميع الأحوال،
ثمة مسافة شعرية واسعة بين الكتابين، تجعلني أحيانا أشفق على
الكتاب الأول. وبالمناسبة، فإن الاختلاف بين التجربتين لا تعني
تنكّر صاحبهما للتجربة السابقة، او لإحداهما. الأمر لا يعدو
كونه تنويعا، فأنا لست ميالا الى كتابة القصيدة الواحدة برغم
أهمية الذين كتبوها.
اما في ما يتعلق بموضوع النقد، فأعتقد أن الشاعر هو الناقد الأول
لنتاجه. طبعا، هناك نقد يؤخذ بجدية ويؤثّر في توجيه الشعر الى
حيث يريد هو لا الشاعر. الثقافة تستقيل حين لا يكون فيها نقد.
الكتابة التي لا نقد يوجهها، تفتقد كلّ جديد. من جهتي، أستمع
الى النقد او أقرأه بصدر رحب، وإن كنت لا أعتبره غالبا سببا
في تطوير أدواتي الشعرية او الكتابية.
ثمة سؤال كلاسيكي يبحث في ذائقتك الشعرية، لمن تقرأ، عربيا وأجنبيا،
أم بوسعها الكتابة الشعرية أن تقتصر على تجارب الحياة؟
قراءاتي الأولى كانت غاية في الكلاسيكية. قرأت الشعر العربي
القديم بمعظمه، وأذكر أنني في مراهقتي كنت أقعد على حزمة <<الفرش>>
في البيت وأقرأ المعلقات الجاهلية بصوت مرتفع، وبالتأكيد قرأت
شعراء وكتّاب <<النهضة العربية>> الأولى والثانية
ثم المعاصرين وصولا الى الحداثويين. اليوم اقرأ معظم ما ينشر
من دواوين شعراء يعيشون بيننا او مهاجرين وبعض الترجمات القليلة
في الصفحات الثقافية. أحيانا اقرأ كتبا <<تافهة>>
لا قيمة لها. هذه مشكلة لدي.
لا أستطيع ترك كتاب قبل الانتهاء منه مهما كان سيئا وغير جدير
بالقراءة. أشعر بالتزام أخلاقي تجاه الكلمات المطبوعة. لكن الافادة
الأكثر من قراءاتي كانت من شعراء عالميين قرأتهم وأقرأهم كغالبية
الشعراء الفرنسيين والانكليز وما بينهم من أتراك وأميركيين وأوروبيين
وروس، اما إذا كنت تودين تقصّي آثار هؤلاء فيمكنك القول إن <<العين
الأخيرة>>، وبرغم كونه صوتا خاصا، يختزن أصواتا عديدة
لشعراء عرب أمثال محمد الماغوط، أنسي الحاج، عباس بيضون، بول
شاوول وسرغون بولص. وهناك أصوات عالمية مثل أوكتافيو باث، والت
وتيمان وريلكه. هذه التأثيرات لا يمكن اكتشافها بسهولة بسبب
صهرها في صوت طويل ومتآلف وداخلي. ناهيك بأنها تأثيرات تنوّعت
ما بين بناء الجملة الشعرية واختيار زاوية النظر والإعجاب بالحقل
المعجمي لدى شاعر ما ونقل المعنى وتطويره. هذا بالاضافة الى
قراءاتي في الرواية والسياسة والفكر والاجتماع. وأحسب أن مصادري
الشعرية في هذا الكتاب على الأقل مستمدة من الرواية وكتابات
غير أدبية. مثلا، حين قرأت <<اللغة والاقتصاد>>
لكولماس خرجت بجملة شعرية موجودة في النص <<متهم بين اليدين
كعملة مزورة>>. هذا مصدر بلا أب شعري إذا جاز الوصف.
وفقا لما تقدم، لا تكفي التجارب لصناعة قصيدة، لا أؤمن بشعر
لا يقوم على التجربة الحية، لكن هذه الأخيرة تظلّ قاصرة من دون
القراءة. ومن دون الجهد الذي تتطلبه الكتابة عادة. الكتابة ليست
لحظة منفصلة عن سياق المراكمة الثقافة.. إنها عملية تواصل وهدم
وإضافات.
عناية
جابر - السفير - 25.11.2003