البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

الشاعر المغربي محمد حجي محمد

رهان القصيدة المغربية الحديثة رهان على قصيدة النثر

محمد حجي محمد من الشعراء المغاربة الطالعين بثقة الى القصيدة الحديثة، حاملاً معه ارث القصيدة المغربية والعربية، محاولاً ايجاد بصمة له في هذا الخضم الواسع من الشعر. كأنه يلعب اللعبة المزدوجة المتوازنة بين غنائية داخلية بعيدة، وبين عين مفتوحة على الواقع. أي لعبة الغنائية الممسوكة، العابرة في خلفيات الوعي او اللاحقة له.

صدرت له مجموعة جديدة "ذئب الفلوات" (وهو ايضاً عنوان احدى روايات هرمن هيسه) وكان لنا معه هذا الحوار المكثف حول تجربته الشعرية وواقع الشعر المغربي

***

ما حدود تجربة الشعر المغربي وما آفاقها في ضوء التفاعلات مع التجربة الشعرية العربية والعالمية؟

ـ ما من شك في أن المشهد الشعري المغربي المعاصر يسعى على الدوام الى تطوير رؤيته الفنية وشكله التعبيري للحفاظ على حيويته وصيرورته وعناقه النبيل لحرقة السؤال. لذلك ارتبط هذا المشهد من نشأته حتى راهنه بتنوع الرؤى وتعدد الأشكال التي انفردت بها الأجيال الشعرية المتعاقبة منذ الستينات الى الآن. وينطبق مثل هذا المشهد على أكثر من خريطة شعرية في أكثر من قطر عربي أو غربي.

وما كان لهذه القصيدة أن تنشأ وتتجدد وتضمن استمراريتها لولا انفتاحها على مرجعيات عربية وكونية، مرجعيات تعددت بتعدد الأجيال الفنية واختلفت باختلاف السؤال الشعري الذي واجهته القصيدة المغربية المعاصرة في كل مرحلة من مراحل تطورها بحيث كان كل جيل من الأجيال الشعرية المؤثثة للمشهد الشعري المغربي يتفاعل نصياً مع شعرية الجيل المماثل له في الأقطار العربية بشكل خاص والأقطار الغربية بشكل عام. من هنا يمكن اعتبار الحركة الشعرية المغربية الراهنة، على وجه ما، امتداداً للأزمنة الشعرية العربية والعالمية السابقة والمحايثة منها تنهل وفيها تصب، معها تلتقي وعنها تتمايز. تستفيد وتفيد لتشكل في النهاية رافداً من روافد الشعرية العربية والعالمية. هذا ويختلف تصور آفاق القصيدة المغربية المعاصرة باختلاف الرؤية الفنية للاجيال المؤسسية لجينيالوجية الشعر المغربي فكل جيل سيراهن لا محالة على النمط الشعري الذي حقق به فرادته، لذلك أرى أن آفاق هذه القصيدة مفتوحة تماماً أمام كل الأنماط الشعرية ما دام كل نمط شعري لاحق لا يلغي السابق بقدر ما يقدم امكانية فنية جديدة للتعامل مع النص الشعري والاحتفاء ببوتيقا كتابته، مما يجعل القارئ المحتمل ـ أمام هذا التعدد ـ حراً في قراءة الشعر الذي يتواصل معه خارج أي سلطة بطريركية مستبدة بالمشهد الشعري المغربي وبالنمط الواحد في التعبير.

وفي تقديري وهو تقدير يشاركني فيه كثير من الأصوات الشعرية أن رهان القصيدة المغربية المعاصرةحالياً، هو رهان على قصيدة النثر، لما لها من قدرة على تمثل معطيات العصر، واستيعاب انجازاته وتحولاته وطموحات القارئ الجديد أكثر من قصيدة التفعيلة. وهذا ما تؤكده الحركة الشعرية الراهنة محلياً عربياً وعالمياً. ومع ذلك، فحدود التجربة الشعرية المغربية المعاصرة في المرحلة الجديدة، تكمن باختصار شديد: في غياب دراسات أكاديمية منجزة حول هذا النمط الشعري الجديد، وكذا في غياب الشعر المغربي عن المقررات الدراسية وعن مكتبات الدول العربية.

تنويع

كيف استطاع الشعراء المغاربة تنويع المشهد الشعري المغربي؟ وكيف حققوا للقصيدة الشعرية وجوداً متحركاً بشعرية الخطاب الشعري؟

ـ لقد ارتبط تنوع المشهد الشعري المغربي بتنوع التجارب الشعرية للأجيال الفنية المتعاقبة على خريطة هذا الشعر واختلاف رؤاها وأشكالها التعبيرية من النمط الخليلي الى الشعر الحر الى قصيدة النثر. كما ارتبط تنوع هذا المشهد أيضاً بالقطيعة الابستمولوجية التي كان يقيمها كل جيل من الأجيال الشعرية مع النمط الشعري المأزوم في مرحلة تاريخية معينة وكذا بالقفزة النوعية التي كانت تشهدها القصيدة المغربية على مستوى كيفها ومقوماتها شكلاً ورؤية. وهي القفزة التي كانت تحققها الأجيال اللاحقة من خلال تبنيها لشكل تعبيري جديد ذي قدرة أوسع على استيعاب المعطيات الجديدة والتحولات التي مست الحياة والوجود ومسكن الكائن.

غير أنه يجب ألا نفهم من تحقيق القطيعة في شجرة النسب التشطيب على أنماط الكتاب الشعرية السابقة وإلغاءها من جينيالوجية الكتابة الشعرية المغربية بقدر ما يجب أن نرى فيها إضافة نوعية للأشكال الفنية السابقة إضافة حيوية تؤكد الاختلاف والمغايرة وتخصب وتثري أغصان شجرة الشعر المغربي بما هي شجرة تتعايش فيها أغصان شعرية مختلفة تجعل العصافير حرة في أن تحط على الغصن الذي يريحها.

لذا كانت حركية الشعرية المغربية غير منفصلة عن حركته الشعرية المحلية، العربية والعالمية. من هذه المرجعيات تنهل وتتفاعل تستمد حيويتها وتجدد أنساغها إذ لا حركية إلا بالتجديد ولا تجديد إلا بالتفاعل مع الجذور والإنفتاح الخلاق على شعرية الغير سواء الغير القريب أم البعيد المماثل أم المخالف.

ما التيمات التي قدمتها بلاغة خطابك الشعري؟ وما الاختلاف الذي حققته في تجربتك بالنظر الى ما طرحه الشعراء المغاربة الآخرون؟

ـ التيمات الأساسية التي شغلت تجربتي ثلاث، وهي: الذئب ـ الليل ـ المرأة. وقد حاولت تناول هذه الموضوعات برؤية مغايرة ومرجعية مختلفة عن شعرية القصيدة المغربية المعاصرة خلال الستينات والسبعينات، لذلك لم يكن الذئب في نصوصي يمثل امتداداً دلالياً أو رمزياً لشعرية الجيل السابق بقدر ما كان يمثل في تقديري إضافة مغايرة وجديدة للإرث الذئبي أو لما سماه صلاح عبد الصبور بأدب الذئب.

الذئب في تجربتي الشعرية لا يرتبط بالمجازات التي سادت الشعرية العربية، حيث كان الذئب يرمز الى اللص أو الصعلوك أو البراءة أو الى الذئب بمعناه القاموسي. الذئب في تجربتي هو الإنسان بالمعنى الذي حدده طوماس هوبز: الانسان الأعزل من كل قناع تحديداً، إنه الإنسان في حالته الأصلية أي حالة الطبيعة بلغة روسو، والذئب أيضاً هو الشاعر كما وظفه بودلير في أحد نصوصه. من هنا كانت رؤيتي الشعرية تستند ـ كما لاحظ ذلك الناقد عبد العزيز بو مسهولي ـ الى نسق ذئبي يحكم نصوص التجربة بكاملها.

التيمة الثانية التي اشتغلت عليها هي الليل. الليل بما هو فضاء ذئبي بامتياز عالم للحرية وضالة النزوعات الطبيعية والكتابة. واذا كانت شعرية الجيل السابق قد جعلت من الليل رمزاً للاستعمار وللظلم، القمع والصمت القسري، فإنني جعلت الليل في تجربتي رمزاً للحرية، النور، الصخب، ولذا مجدت الليل في كل نصوصي وأعطيته دلالات أو بالأحرى مجازات إيجابية لا سلبية.

أما التيمة الثالثة فهي تيمة المرأة. وإذا كانت المرأة حاضرة في نصوص جل الشعراء، وبشتى الأجيال. فإن حضورها في نصوصي يأخذ معاني مجازية مختلفة فالمرأة في الشعرية السائدة رمز للأرض، للقضية، للوطن، للمدينة. أما المرأة في قصائدي فهي النور الذي يضيء ليل الكينونة وليل الكتابة. إنها شهرزاد تارة، وتارة غزالة، أو بنت آوى إنها النجمة والفراشة والعنزة والسحلية.

كيف اشتغل الخطاب النقدي في المغرب؟

ـ لو طرح هذا السؤال على النقاد، ونقاد الشعر تحديداً، لكان الجواب أفيد ما دام يشعل حقل اهتمامهم. ومع ذلك أقول بإيجاز شديد، إن الخطاب النقدي في مجال الشعر وخاصة النقد الأكاديمي لا زال خجولاً ومتخلفاً عن وظيفته. فباستثناء كتابين تناولا الشعر المغربي المعاصر خلال الثمانينات والسبعينات ـ وهما ظاهرة الشعر المغربي المعاصر لمحمد بنيس وكتاب القصيدة المغربية المعاصرة نبية الشهادة والاستشهاد لعبد الله راجع ـ لا وجود لدراسات أكاديمية جادة حول الشعر المغربي المعاصر. لا زال الأكاديميون يتنافسون ويتباهون بتطبيق أحدث منهج ظهر في الغرب على أقدم شاعر استهلكته آلاف الدراسات منذ قرون.

 

عبد الرحمن بن زيدان / الرباط - المستقبل - الاثنين 15 آذار 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri