البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

لا جدوى لعمل شعري لا يستمد
مادته من الإشكاليات

غسان علم الدين: أحاول دفع نبرة الألم اليومي

بعد <<خيط بياض>>، صدر للشاعر غسان علم الدين مجموعته الشعرية الثانية <<حين سرب فراشات، اصطدم بزجاج النافذة>> عن دار النهار للنشر. عن جديده الشعري، وعن أحوال ثقافية أخرى التقته <<السفير>> وكان هذا الحوار:
› <<حين سرب فراشات، اصطدم بزجاج النافذة>> إصدارك الشعري الثاني بعد <<خيط بياض>>. أريد تقييمك لهذا الاصدار، ما الذي أضفته، ما هو الجديد الشعري فيه وما هي الحالة التي تقف وراءه؟

 رغم انك قرأت وفي فكرك تقييم أكاد اعرفه، ورغم أن هناك ما يشي بارتياب وتوجس من بؤرة التبرؤ التي سأتحدث عنها، وأرجح انك تصدرين بسؤالك منها.
لن ادخل في استطرادات حول الموضوع قد تقودنا إلى نقطة معاكسة للسؤال. ورغم انها مشروعة ومبررة، لا بل وضرورية إلا ان المجال هنا ليس مجالها. ست سنوات مضت على <<خيط بياض>> كما أشرت وهي مدة طويلة نسبيا باعدت زمنيا بين الإصدارين، لكنها أضافت الى وعيي إضافات كثيرة وجديدة إن على مستوى الكتابة الشعرية تحديدا التي فضاؤها وملاذها الأخير روح الشاعر مرآة العالم العاكسة أضدادا وتنويعات او على مستوى التجربة الذاتية التي كانت مهيأة وأنت تعرفين اهتزازاتها وتشوشاتها واصطداماتها للتراجع والإبقاء على <<خيط بياض>> ككتاب يتيم. وبما ان محاولات الولوج والاقتحام آمر في غاية التعقيد والصعوبة، فإن التبرؤ او الانسحاب عمل لا يتلاءم مع أفعال وردود أفعال تولدها شحنة الاحتراق التي تمس الشاعر أيضا في الصميم.
بهذا المعنى حاولت ان اقيم على المستوى الشخصي اود خيوط شعرية واهية انقطعت بين ابناء الرحم الواحد اعني العملية الكتابية المحضة ابناء الجيل الكتابي الشعري الواحد وأنا منهم، الذي يجري التنكر والتبرؤ فيه ان من هؤلاء الابناء بعضهم للبعض الآخر، او ممن يصنفون انفسهم من اجيال كتابية اخرى، وفي اغلب الاحيان يكون الدافع شخصيا ذا مرجعيات تحكمها مصالح او علاقات لا علاقة للشعر بها تحت اي مسوّغ.
كيمياء الشاعر
› نلحظ معاناة شخصية من مثل هذا التبرؤ؟

 وأعرف ان المتبرئين والمتنكرين كثر مثلما تبرأوا من زملاء شعراء جدد وأنا منهم عند صدور كتابي الاول اذ لم يسلم وديع سعادة ايضا من هذا التبرؤ فوصفوا تقديمه آنذاك لي على انه <<مسايرة>>. وضمن هذا السياق ايضا اقول أنا واحد ممن يقتربون من تخوم الشعرية. عدة عملي هي نفسها عدة عمل الاصدقاء من سبق منهم بقليل، ومن توازى معي في نفس المراحل. إلا ان الذي آمل ان اكون قد اضفته هو المساهمة في فتح كوة او اذا جاز لي القول نافذة احاول فتحها على نفسي وعلى الآخر ايضا. نافذة من خلالها احاول بأقصى درجة من الصدق ان أرى العالم على متون اللغة، وتحت مظلة الاحاسيس التي تكونت منها القصائد، وتشكلت عبرها رؤية العمل فنيا وانطباعيا. الجديد الذي آمل اضافته ايضا يحمل وجوها متعددة منها: محاولة دفع نبرة الألم اليومي المشغول بالتفاصيل الى الالتصاق بقوة بإنسان باحث عن مبررات حقيقية تجعله اكثر انسجاما ومصالحة مع الذات والعالم. وهي محاولة لفك الارتباط العضوي بين مناخات وأجواء قصائد <<خيط بياض>> التي حكمها هاجس تحقيق التوازن بين علاقة هذا الانسان المتفجع المستلب بالغربة ونفور الآخر منه، من خلال تبسيط وتهوين هذه المعطيات عبر الساخر. حيث كيمياء الشاعر التي تصهر وتفكك الترهات والهواجس والاحلام والافعال وفاعليها ايضا. أما اليومي بكل مشاهده عندي فلا يتم التطرق إليه عن طريق نقله فوتوغرافيا عيانيا مجرداً، بل هو وليد الانشداهات التي لا تبررها الصورة مهما كانت فاقعة الألوان. بكل بساطة أنا كائن لا تبهره المشاهدة مهما بدت غريبة ومؤلمة ومدهشة. ولعل في هذا التركيب البنيوي لكياني البشري ما يجعل اختزان الحاصل او الناتج والتأثر بردود فعله لاحقا اكثر تقديراً واحتواءً وتصعيداً لفداحة الشأن المتردي من ردود الفعل التي قد تنتج لحظة حدوث الفعل. هذا في تقديري اكثر تلاؤما مع الفعل الكتابي الشعري على وجه الخصوص، وأكثر انسجاما مع طبيعة الشاعر المنطوية على التربص والرمادية. وأحسب ان صنيعا شعريا كهذا وإن جرى العمل جديا عليه فإنه ظل باهتا خجولا يميل الى رصد اليومي كما في اضبارات الشرطة وملفات التحقيق او نشرات الاخبار.
› ثمة ملاحظة شخصية تولدت لديّ من قراءتي الديوانين، قصائدك لا تسندها مرجعية مكانية، وهي قصائد تصلح لأمكنة عديدة. هل لأسفارك المتواصلة علاقة بتغييب مكانك الاول في بلدك؟

 الفرق كبير بين أن يسافر الانسان بهدف المتعة والاستجمام وعيش الحياة وحب الاستطلاع والمعرفة، الخ... وبين ان يسافر تحت وطأة السعي لتحسين ظروف العيش، وهو صنيع في الغالب يحدث قسراً. هذا السعي الدائم يترتب جراءه بطريقة وحشية باطشة تقطيع اوصال وعلاقات بالمكان والانسان مهما كان عزيزاً وحميمياً مانحاً الامان والاستقرار. هذان العنصران المركزيان اللذان يحركان المخزون الشعري، ويدفعانه في حركة واثقة قابضة على ادق التفاصيل الضرورية وتوظيفها لخدمة العمل الابداعي.
صغيراً هاجرت مع العائلة في بداية الحرب اللبنانية. وفي بيتنا القروي القديم الذي هدموه لاحقا اعلن أخي الاكبر بصوته المتهدج المخنوق بالبكاء لحظة وجوب صعودنا الى السيارة. تلك اللحظة كانت كفيلة بإلقائي في أخدود اللامكان. لا اذكر إلا وأنا متمسك برجلي أبي، ابكي بحرقة لم اعرفها في ما بعد حتى اثناء وفاة أخي نفسه. اذكر والجيران يذكرون ان أصابعي التي غرزتها في سهلته الترابية، وكوعي النازفة التي تشبثت من خلالها بإحدى الأشجار فيه رافضا الصعود الى السيارة. المكان الذي ولدت وتربيت فيه وحفظت تشققات جدرانه وسقفه، وكنا نقيس الوقت قياسا بحركة الشمس فوق الأشجار المزروعة حوله لم يعد موجوداً. كما ان المكان الذي وصلنا إليه في باخرة الشحن التي اقلتنا الى قبرص كان علينا ان نرحل عنه بعدما كنا قد بدأنا نتعود عليه وعلى الجيران والأماكن الجديدة ونحبها ايضا. ثم البيت الاول الذي عشنا فيه في سيدني ما يزيد على سنتين ونصف تركناه وانتقلنا الى بيت آخر، ومن هذا البيت الى بيت آخر ايضا، الى قائمة البيوت التي لا تنتهي.
أما عن المدن والبلاد الأخرى غير الأسترالية، فقد عشت في مصر في القاهرة، والإسكندرية. هناك درست الموسيقى وغيرت اماكن وبيوتاً وحفظت وجوها وعادات وتقاليد كثيرة. كما عشت في دمشق وعملت فيها زمناً طويلاً. وسافرت الى بغداد مرات عديدة، وضبطني حرس الحدود مهرباً بالرصاص والسجائر، وهذا اشير إليه في احدى قصائد الكتاب. هذه البلاد كلها كان اقصى اهتماماتي ان يكون لي بيت في اي منها. الآن حينما تستبد الهواجس والسأم والملل والرفض بي تحضر جميعها امام نظري. اقف حائراً، خائفاً متسائلاً، الى اي منها اذهب؟ وفي اغلب الاحيان لا اذهب الى اي مكان، فأبقى حيث أنا، في اللامكان، وفي المكان ايضا، حيث هو، حيث الاشخاص الذين اعرفهم، والذين لا اعرفهم ايضا، حيث كل الذين شاهدتهم وشاهدوني ولو للحظات.
أراض بكر
› عبارتك غربية التأثر إلى حد، وكذلك عالمها بارد وفيها وحدة وحزن وتفاصيل، حياة لا يحضنها أصدقاء ولا اهل، ما رأيك؟

 يدهشني انك سبرت أغوار الكتاب وخبرت أبعاد نصوصه وفضاءاتها ومراميها. أقول ثمة إشارات في الكتاب الى تصدع العلاقة بين الشاعر والمكان، بين الشاعر والمرأة، بين الشاعر واللغة، بين الشاعر ومصادر استقائه للأحداث والمعلومات والمتغيرات الإنسانية والكونية الثقافية، بين الشاعر والكوارث الطبيعية وإلحاحات الجسد والنفس، بين الشاعر وصعوبة صياغته وتشكيله لعمله الشعري بعيداً عن الوقوع في فخ التقليد والبناء على الجاهز مسبقا والقائم المكتمل.
كل هذه العوامل تطرح إشكاليات قد تبدأ ولا تنتهي. ما قصدت قوله: اذا كان العمل الشعري لا يستمدّ مادته من احدى هذه الاشكاليات فما جدواه وما غايته؟ ويروقني الآن التوقف سريعا عند كل من هذه النقاط التي اشرت اليها: المكان الغائب او غير الموجود في الاصل، هل يجري التعامل كتابياً معه بالبكاء على أطلاله؟ المرأة الخاضعة للاهتزازات والاضطرابات والابتزازات النفسية والروحية والمادية وهذا الاخطر الذي يجعلها ضحية دائمة لا تعرف ولا تقبل أن ترتقي بنظرتها للأمور، وبرؤيتها التي تتيح لها رؤية الحياة والعالم من مكان اكثر تعقلا وحيادية، هل أخاطبها كند معيق، يجب إلغاؤه، او النظر اليه بدونية؟ اللغة التي يجري الكلام على جمودها، وبائديتها، وأنها بحسب البعض، العائق امام انتشار كتابها والناطقين بها، وتأسيس امكنة عالمية لها، وان على الشاعر او الكاتب (بحسب بعض الخاوين النمطيين الشكلانيين) ان ينوع مفردات القصيدة او العمل الشعري، او الادبي، او الفني، هل اكتب وفق ما يريد هؤلاء لأكون متسقا منسجما لا اعاني قلق الكتابة ولا هموم اجتراحاتها الجديدة؟ في الكتاب محاولات للخروج على افكار وقناعات أرى انها لم تضف للشعر ولا للأدب العربي اي جديد يذكر، لا تخرج عن كونها كتابات تحاكي او تقلد كتابات تجارب شعراء وكتاب راقهم ان يسموهم <<مشايخ ورواداً>> وغير ذلك من التسميات والألقاب.

 

عناية جابر - السفير - 30.03.2001


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri