
الروائي
الأميركي هارلن كوبن:
العيش بذكاء أفضل من العيش بعنف
هذه
المقابلة أجراها لمحررة الأدبية لصحيفة «الاندبندنت» اللندنية
مع هارلن كوبن تطرقت إلى روايته بوجه عام، وشهرته كأحد أهم
مؤلفي رواية الغموض الأمير كية الريفية المعاصرة، وروايته
الصادرة مؤخراً «نظرة واحدة ليس إلا». تقود سيارتك خارجاً
من نيويورك، متجهاً صوب سواحل نيوجيرسي، وللوهلة الأولى تعتقد
أنك على معرفة تامة بالمكان. إنه الطريق الذي يسلكه توني سوبرانو
في مستهل كل جزء من أجزاء الرواية، مروراً بمواقع لمنشآت صناعية
صغيرة متواضعة ووحدات سكنية متصلة ببعضها في صفوف تظهر بين
الفينة والأخرى مكسوة بالاحمرار والكآبة مغمورة بضوء الصباح
الباكر.
بعدها
تخرج من هذا الشارع باتجاه المنعطفات المؤدية إلى المدن الريفية
الصغيرة، الشبيهة بالمهاجع الجميلة. حيث الأشجار والحقول والمنازل
ذات الواجهات الخشبية الرمادية بزخارفها القرنفلية. فجأة تجد
نفسك بعيداً عن التهديد الواضح لمدينة أيدج سيتي، في مكان
يبدو فيه التهديد معدوماً تماماً.
يقول
هارلن كوبن «يبدو لي أحياناً أننا أذكياء هنا، فنحن نجعل الناس
يعتقدون أن «آل سوبرانو» فيلم وثائقي، وأننا نخفي عنهم الوجه
الحقيقي لنيوجيرسي، هناك في الطرق الجانبية.» تقع أحداث روايات
الإثارة والغموض الأربع، التي نقلت كوبن من موقعه الوسط على
قائمة النشر القوية إلى قائمة أفضل المبيعات، في مدن نيوجيرسي
الساحرة حيث يقيم وحيث نشأته؛ وهي كلها مهووسة بمفهوم المدن
المخفية، الأماكن الخاصة يقول.
«إن
نيوجيرسي مكان مميز إلى حد ما باختلافه عن نيويورك - إنه المكان
الذي يأتي إليه الناس لكي يعيشوا حياة يتمكنون من خلالها من
القيام بأمور صحيحة. كما أنه أيضاً المكان الذي تأتي فيه الأحلام
لكي تموت.»
تدور
سلسلة الروايات التي بدأها كوبن بـ «لا تخبر أحداً» كلها حول
الفقد، واستعادة الأشياء والأشخاص الذين يتصور المرء أنه فقدهم
إلى الأبد.وهو ما يجعل عناوينها البسيطة قادرة على أن تحل
محل بعضها. يضيف «لا أجيد اختيار العناوين على وجه الخصوص،
ولهذا فأنا أتفق مع ما يراه المحررون مناسباً.»
في
رواية «لا تخبر أحداً»، يكون الشخص المفقود هو الزوجة الميتة.
في روايته الجديدة، نظرة واحدة فقط، يكون كل من زوجها المخطوف
و ذاتها السابقة لحالة فقد الذاكرة الناجمة عن صدمها فرقة
الروك هما الشيئان اللذان تفقدهما غريس. كل واحدة من هذه الحبكات
المعقدة، يحرض على ظهور الآخر، على الرغم من كل شيء. أما البطلة
فتستعيد ما فقدته بجزء من البراءة، جزء من الإحساس بأن الأشياء
من الممكن لها أن تعود إلى بساطتها.
إن
كوبن شاعر تسيطر عليه دوافع مختلطة وأسرار رهيبة. كل الأوغاد
الذين تحتويهم رواياته كانوا، بشكل أو بآخر،ضحايا ذات مرة.
إيريك وو، الرجل الكوري الناجح الذي يتحول إلى أشقر، الذي
ظهر في «لا تخبر أحداً» ويظهر مرة ثانية في «نظرة واحدة ليس
إلا»، كان طفلاً مسالماً ذات يوم، قبل أن تدمره القسوة. كما
أن لرواياته نكهة الحزن التي تضفي عليها الحس الأخلاقي. هنا
يصبح كوبن قاسياً على وو ثم ما يلبث أن ينظر إليه بعين العطف
فيما بعد.
غير
أن الإنعطافات والإلتواءات التي تحتوي عليها الحبكات التي
تستمر إلى النهاية. ستبدو مجرد احتيال وشيء فاقد للإثارة لولا
أنها مستوحاة في واقع الأمر من تلك التعقيدات التي تحتوي عليها
النفس البشرية.
إذ
أن الأمر لا يتعلق بالرجال الذين يصبحون سيئين ؛ وإنما بالتعبير
عن حبهم للشيء الصحيح بالطريقة الخاطئة، أو اختيارهم العفوي
للأشياء غير المبني على المعلومات غير الوافية ثم تحمل العواقب.
إن الحزن الذي يلف أبطاله نابع من الشعور بخيبة الأمل، من
إدراكهم أنه ينبغي لهم أن ينظروا إلى أنفسهم، وإلى الوجه الإنساني
بداخلهم، بشكل جديد مختلف. روايات كوبن كلها رحلات استكشافية،
بالنسبة للمؤلف كما هي بالنسبة لشخوصه يقول:.» على الرغم من
معرفتي البداية، والنهاية بشكل أكبر، ومعرفتي أن ما يوجد ما
بينهما ليس إلا الأشياء التي ينبغي لي تأليفها أثناء العمل.
إلا انني أضع في اعتباري دائماً أن هناك ثمناً لكل شيء، وأنه
لا يوجد في الحياة ما يعيد تنضيد الأشياء من جديد.
هذه
الروايات بمثابة السلسلة المتقدمة من روايات العميل الرياضي
ميرون بوليتر المبكرة، التي حظيت بالإشادة في حينها ليس لأن
الفقد وخيبات الأمل التي يتلقاها لم يسمع بمثلها من قبل، ولكن
لأن الشخصية يمكنها أن تتغير كثيراً قبل تغيير الأحداث أو
الوصول إلى النهاية.
إن
رواية كوبن الجديدة، لم تحدد بطلتها الثانوية وحبكتها الفرعية،
إلا بدخوله مرحلة الكتابة. وعلى الرغم من أن شارلين تكون ضحية
من الممكن التخلص منها، في معظم الروايات والأفلام، إلا أنها
تكون هنا نقمة على إيريك وو. إن بعض المؤلفين، ومعظم الأفلام،
ربما أضفت على سلوكها الإستعراضي المعتاد طابعاً أخلاقياً،
غير أن تجسيدها هنا ومن دون تعليق كمؤشر لحبكة يجعلها تدرك
أن الجار الذي يختلس النظر إلى مفاتنها قد اختفى وأن وو قد
حل محله.
كما
أن مثل هذه الروايات تسعى، جاهدة، لكي توجد لها مكاناً على
أرض الواقع. إن ابطال وبطلات كوبن لا يكتسبون مهاراتهم الخاصة
فجأة، ولكنهم يعيشون بذكائهم وإبداعهم، أكثر منه الانهماك
في العنف. وببساطة فإن شارلين تبقى على قيد الحياة بعد وو
بفضل ذكائها الذي يفوق ذكائه وبمعرفة حدودها بواقعية.
أحد
الفوارق التي تظهر بين روايات كوبن المبكرة، التي يلعب فيها
ميرون بوليتر دور البطولة ورواياته الأخيرة تتعلق بأعمار أبطاله.
إذ أن ميرون كان شاباً صغيراً حيث انه كان يأمل في الاستقرار،
فيما كانت الشخصيات المهمة الأخرى التي تظهر في الأجزاء التي
تقع أحداثها في نيوجيرسي كلها في مرحلة البلوغ التي تؤهلها
لأن تفقد شيئاً مهماً في حياتها:
أحباؤهم
الذين تلعب بهم لأقدار. في حين أن ما يجمعهم به هو العاطفة،
آداب السلوك الأساسية ما يعني أن الاثنين لا يلجآن إلى العنف
من اجل العنف. حيث أنهم إذا ما أخفقوا في تصرفهم، لم يفعلوا
ذلك بسوء نية مبيتة. إن كل أبطال كوبن لديهم القليل من الأنانية
وهو ما يعيقهم عن التحرك الناجم عن الشعور بأنهم أقوم أخلاقاً
من غيرهم حتى لحظة الشعور بوقوعهم ضحايا.
ما
يحدث لماريون، الذي يصبح صديقه النزق وين واحداً من أكثر الأمور
شهرة في رواياته، فإن لدى كل أبطال كوبن الحاليين صديقاً ذا
أخلاقيات مشكوك فيها يلعب دوراً خطيراً. إن أحداً من هذه الشخوص،
على الرغم من كل شيء، لا يوجد في الرواية لمجرد الحاجة إليه
في الحبكة. حيث كلهم، تقريباً، ينهمكون في تجربة أخلاقية مشابهة
لتلك التي تمر بها الشخصية الرئيسية.
غريس
على سبيل المثال، يظهر في حياتها فسبا، زعيم المافيا الذي
يفقد ابنته في كارثة تعيقها عن الحركة. وفي سعيه إلى مساعدتها
في التغلب على أوضاعها، وحل الألغاز التي تحيط بها، يكتشف
فسبا، أشياء عن نفسه كان هو الآخر، في غنى عن الاقتراب منها
في الأساس. أحد الأسباب التي تمنح الرواية واقعيتها هي أن
كوبن يقوم بالفعل بما يلزم من بحث.
يعلق
على ذلك «إن من الخطأ معرفة الكثير، لأنه سيتوجب عليه تبرير
كل شيء» عندما تدرك غريس أن زوجها مفقود، تواجه مشكلة ما هو
متوقع حدوثه. ليس من واجب رجال الشرطة البحث عن زوج قرر مغادرة
منزله فجأة. كان كوبن قد طلب من صديق يعمل شرطياً أن يجيبه
باختصار عما يمكن أن يقال لإمرأة مثل غريس لكي يجعلها تواجه
صعوبات الموقف الحياتي الواقعي.
إن
هذا هو أسلوبه العادي في البحث: العثور على شخص يعرف عن الأشياء
ويوجه الأسئلة حولها يقول: «أريد نكهة الأشياء، لا الحقائق»
إن ما يريده هو التفاصيل الصغيرة التي لا تنبعث من الورق وإنما
من الحوارات المميزة بالحميمية.
في
رواية «ليست هنالك فرصة أخرى» يتحدث عن تصرفات مارك سيدمان
كما لو كان يتحدث عن عملية جراحية تجميلية من تلك التي تمارس
لمساعدة الأطفال المعاقين في «العالم الثالث» ويطرح حقيقة
مهمة تتعلق بلافورت، مكتشفها، الذي كان يجري تجاربه لعلاج
كسور عظام الوجه برمي الجثث من الأسطح العالية.
الواقع
أن روايات كوبن مفعمة بالحيوية. أحياناً بسبب المشاهد الطبيعية
التي تحتوي عليها التي تجسد في آن الوجه الفعلي والوجه الأخلاقي
الأعمق للحياة فيها: إننا نؤمن بمثولوجيا كوبن الشخصية المتعلقة
بالحياة الريفية لأنه يطلعنا بصورة مكثفة على الحياة في الأماكن
الوعرة. في هذه المجتمعات، يعبر عن الضامن الأخلاقي بصورة
عملية.
حقائق
عن هارلن كوبن
ـ
هارلن كوبن روائي أميركي يعتبر من أهم مؤلفي رواية الغموض
«الريفية الأميركية» الجديدة.
ـ
تحتفي روايته بشكل مكثف بالمكان، وبوجه خاص بالحياة في مدن
نيوجيرسي الصغيرة.
ـ
تخرج من كلية أمرست في العلوم السياسية، وعمل لفترة في صناعة
الطيران.
ـ
يعتبر أول مؤلف يحصل على ثلاث جوائز أدبية مهمة هي جائزة إدغار،
جائزة شاموس وجائزة أنتوني.
ـ
أعماله مترجمة إلى اكثر من اثنتين وعشرين لغة.
ـ
صدرت له تسعة أعمال روائية أهمها: «تحرك خاطئ»، «التفاصيل
الأخيرة»، «الخطر الأشد قتامة»، «لاتخبر أحداً»، «ليست هناك
فرصة ثانية»، و«نظرة واحد ليس إلا»
مريم
جمعه فرج / البيان - 2004