حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

بعد مرور نصف قرن على كتابه «اللامنتمي»

كولن ولسون: أخطط للعيش 300 سنة

هذا الحوار أجرته لين باربر المحررة الأدبية بصحيفة «الاوبزيرفر» اللندنية مع كولن ولسون حول انتاجه الغزير وموضوعاته الكثيرة وعلاقته بالنقاد وسيرته الذاتية المنشورة مؤخراً «الحلم لغاية ما». على الرغم من أن كتاب «اللامنتمي» كان قد حوله عام 1956 الى هاجس مثير، الا أن كولن ولسون نفسه كان قد تحول الى لا منتمٍ ـ لا منسجم ومؤلف ل110 أعمال لا يرغب فيها الآخرون حتى ناشره. الا أنه يأمل بأن تتمكن سيرته الذاتية من اقناع العالم بعبقريته في نهاية المطاف. هذه هي المرة الأولى التي أتمكن فيها من اجراء مقابلة عبقرية تعلن عن نفسها، والمرة الأولى التي أقابل فيها شخصية غريبة الأطوار تعلن عن نفسها أيضاً، وهكذا فقد كان لقاء كولن ولسون آسراً جداً بالنسبة لي.

لقد استمر ولسون في الإعلان عن عبقريته منذ صدور كتابه «اللامنتمي» عام 1956 ثم استيقاظه فجأة على الشهرة. كان قد كتبه في قاعة المطالعة بالمتحف البريطاني عندما كان ينام على فراش متنقل في شارع هامبستيد هيث. كان ابناً لعامل في أحد مصانع ليكستر وكان قد ترك دراسته في السادسة عشرة،

ونجح في التهرب من الخدمة العسكرية بحيلة صغيرة. كان يوفر ما يعينه على الحياة بالعمل في مهن غريبة في أثناء قراءته كما يبدو كل ما كان ينشر في ذلك الوقت، وتأليفه كتاب «اللامنتمي» الذي حظي بالإشادة باعتباره النموذج الانجليزي من رواية ألبير كامو «الغريب».

غير أن شهرته الأدبية سرعان ما تقهقرت ليتحول الى منبوذ في أقل من عام واحد. وعلى الرغم من أن جريمته المباشرة في تلك المرحلة كانت الظهور المكثف في المناسبات وزيادة معارفه، و شهرته، الا أن جريمته اللاحقة، الأسوأ، كانت تأليفه عدداً كبيراً من الكتب تصل الى 110 حسب الإحصائية الأخيرة ـ في موضوعات تتراوح ما بين جرائم القتل التي يقوم بها محترفون والاختطاف المنفر الى « مدينة أتلانتس المفقودة ».

وعلى الرغم من ان النقاد هاجموه في البداية ثم تجاهلوه بعد ذلك ـ لم يتناوله أحد بالنقد الجاد لسنوات. الا أنه الآن، وفي الثالثة والسبعين، كتب سيرة ذاتية، بعنوان «الحلم لغاية ما»، تتوفر فيها الكثير من عناصر الجمال. وهي مذهلة، صادقة ومبتهجة على نحو غير متعمد.

وعلى الرغم من أنني استمتعت بالجزئية التي تدور حول استنباطه حيلاً للاستمتاع بمشاهدة تنانير طالباته بمساعدة كوب شفاف للشرب عندما كان مولعاً بالملابس النسائية وأستاذاً زائراً باحدى الجامعات الأميركية.الا أن قصة صراعه لكي يصبح كاتباً، و الاصرار الذي حافظ على تماسكه ـ على الرغم من نصائح الآخرين بمن فيهم ناشر أعماله بالتوقف، تبدو كلها بطولية ومؤثرة بالنسبة لمن لم يطلع عليها في الأساس.

أذهب لمقابلته في منزله بكورنوول، حيث يعيش منذ ما يقرب من 50 سنة. فيأخذني من سانت أوستل في سيارته الجاكوار القديمة وعلى الرغم من أنه يبدو في سترته المصنوعة من قماش التويد مثل أولئك الأشخاص الودودين الذي نشاهدهم في الاعلانات.

الا أن حواره يصبح أكثر غرابة ونحن نصفر في أثناء سيرنا في الطريق ـ يتلفظ بكلمات تنم عن الغيظ، مصحوبة بنظرات خبيثة مرسلة في الاتجاهين للتأكد مما اذا كنت اشعر بالصدمة. الشخص الذي تحدث عنه كان همفري كاربنتر، الذي كان من المقرر له أن يقابله ولم يفعل ذلك:« قلت لنفسي، كنا متفقين كثيراً، على الرغم من ادراكي أن همفري كان نائماً عندما كنت مستغرقة في شرح ما كنت أعنيه بالوجودية اللا متشائمة».

كان وصولنا الى بيته الصغير بمحاذاة شاطيء البحر ومقابلة زوجته، جوي، التي تعيد التأكيد على أنها انسانة طبيعية، ودودة و مسالمة الى حد بعيد بمثابة الانفراج. تنصرف سريعاً لتحضير القهوة ثم الاعتذار عن الفوضى التي تحدثها الببغاء المتقافزة في أرجاء الغرفة. الغرفة مثل بقية المكان مليئة بالكتب حتى أنك تشعر بامكانية ازاحة الجدران المطعمة بالقواقع من دون أن يؤدي ذلك الى تهاوي المنزل.

لم يسبق له مطلقاً التخلص من كتاب ـ يتراءى له ان لديه حوالي 30000 كتاب. كلها مرتبة حسب موضوعاتها، ثم مؤلفيها، و مغلفة بالبلاستيك. البعض منها محفوظ في سقائف موضوعة في الحديقة ـ سقيفة قصص الجريمة، سقيفة قصص الفضاء، سقيفة المذكرات ـ و سقيفة الأعمال الكاملة لكولن ولسون.

وعلى الرغم من رغبته بأن تكون لديه سقيفة أخرى في البستان الا أن جوي تبدو متحفظة من جانب آخر. يؤكد ولسون أنه يتمنى تحويل المنزل والسقائف الى متحف بعد موته، لأن الناس ربما أصبحت لديهم الرغبة في أن يشاهدوها، مثل مشاهدتهم لكوخ ديلان توماس.

يضيف : على الرغم من أن ذلك ليس مؤكداً.

على الرغم من أن الموعد المقرر لصدور كتابه الجديد هو 2006 ـ الذكرى الخمسين لصدور «اللامنتمي» ـ الا أنه، مثلما يحدث باستمرار، كان بحاجة الى المال، وهكذا لم يتردد في الموافقة على أول عرض باستلام دفعة أولى. يوضح لي أن أهم ما يميز سيرته الذاتية، هو مساعدتها النقاد على مراقبة الكيفية التي تتداخل من خلالها كل أعماله. وعلى الرغم اعترافه بغزارة الانتاج وكثرة الموضوعات التي يكتب حولها، الشيء الذي يشوش الآخرين.

الا أنه يمكن لهؤلاء أن يروا الآن موضوعاً رئيسياً واحداً. في سنة 1947 سمح وليام فوكنر بضم أعماله الكاملة في مجلد واحد ثم أصبح شهيراً فجأة، وحقق أفضل المبيعات، ونال جائزة نوبل. ومثله المجلد الذي يضم أعمالي الكاملة!.

أجل. ان الجزء الأكثر لفتاً للانتباه في كتابه هو الذي يدور حول الأمور الحقيقية في حياته، كفاحه المبكر لكي يصبح كاتباً وعلاقته بجوي وأطفالهما. أما الجزء المراوغ فهو المتعلق بتفكيره.

ان فلسفته وجودية في الأساس، مع بعض الاضافات اللا منطقية مميزة بأسماء غريبة مثل فاكولتي اكس، من الرأس الى العقب، تجارب القمة، رجال مناسبون. ويبدو أن ذلك يشكل محاولة لتصنيف المشاعر والسلوك الانساني. ان ذلك بلا شك هو ما يشكل نقطة ضعف وجاذبية ولسون، من ناحية. بسؤالي له عما اذا كان يدعي أن لديه ذكاءً عاطفياً منخفضاً، يعبر عن موافقته الفورية « نعم، هذا صحيح».

نعم طفولته .. كان انطوائياً الى حد بعيد، غير ميال الى العيش مع الآخرين، ما قد يشخصونه اليوم على أنه أحد أعراض مرض التوحد. لا أعتبرها مفاجاة. اذ على الرغم من أنني لم اكن مقطوعاً عن الآخرين، الا أن الآخرين، كما أشير الى ذلك باستمرار في رواية الغريب، هم المشكلة.

كانوا يتطفلون على عالمي سواء رغبت في ذلك أو لم أرغب، بعيداً عن عالم الفكر والأشياء المجردة التي كنت أرغب في العيش بداخلها.

عندما كنت مراهقاً كنت رومانسياً متهرباً من الواقع تماماً. كانت الكتب هي عالمي. كان لدي نفس الشعور الذي جعل أكسل يقول في احدى مسرحياته ـ « بالنسبة للعيش، فان بامكان من يخدمونا أن يقوموا بذلك نيابة عنا» الا أن ذلك تغير برمته بوصولي الى سن السادسة عشرة واكتشافي رابيليه. فجأة صار لدي ذلك الشعور الرائع ـ الهي، لا شك في أن الحياة جميلة على الرغم من كل شيء».

قابل ولسون زوجته الأولى، بيتي، ثم أصبح أباً في التاسعة عشرة. وعلى الرغم من اكتشافه أنه سعيد بحياته الزوجية الا أنه لدهشته الشديدة لم يكن قادراً على القيام بواجبه كأب.

يحتوي الكتاب على مشهد مبتهج غير متعمد هو المشهد الذي يقرر فيه أن يمضي عطلة عيد الميلاد في التأمل لكي تثور ثائرته عندما تقطع بيتي أفكاره لكي تطلب منه أن يحمل الطفل. ثم ينفصلان بعد ذلك. وعلى الرغم من عودتها مرة أخرى، الا أن جوي كانت قد ظهرت في حياته هذه المرة.

تقابل ولسون وجوي أثناء عمله في احدى تلك الوظائف الكثيرة المؤقتة التي التحق بها ـ كان يعمل مساعداً في أحد محلات بيع السجاد في فترة عيد الميلاد وكان يقوم بتسجيل الفواتير. وما أن رآها حتى وقع في غرامها فوراً، الى حد ما بسبب انتمائها الى الطبقة المتوسطة.

«كنت أعلم أنني لن أطيق فتاة تتحدث بلهجة أهالي ليكستر، أو أية لهجة محلية أخرى. الا أنني ما أن سمعتها حتى قلت لنفسي، عظيم، هذا هو ما أريده. ولما سألتها، ما هي الكتب التي تحتوي عليها مكتبتك؟ وقالت أنها تقرأ يتس ويوليسيس، و بروست بالفرنسية قلت لنفسي، «الهي، انها الفتاة التي أحلم بها! ان بيتي لا تقرأ على الإطلاق».

وعلى الرغم من أنه يبدو بصورة استثنائية شخصية قادرة على الاحتمال، سعيداً بالدخول في انسجام تام مع الأشخاص الذين يحملون نظريات حول، أمور مثل الاختطاف أو ما يقدمه أين برادي، في قاتل مورز، الذي ظل يراسله 10 سنوات حتى أهمله.الا أن علاقاته الاجتماعية العادية ـ باستثناء علاقته بأسرته ـ تبدو مفقودة تماماً.

على الرغم من أنه داب على القول بأنه يخطط للعيش 300 عام الا انه بعد اصابته بسكتة خفيفة، صار يؤكد على أنه يأمل في العيش الى أن يكمل 93 عاماً، السن التي رحل فيها بطله جورج برنارد شو. ولكن كيف سيكون نعيه؟ يقول «لا يهمني ذلك فعلاً.

لقد قلت في نهاية «رحلة الى بداية» «أول سيرة ذاتية يصدرها، قبل 40 سنة» انني أنظر الى نفسي باعتباري الأكثر أهمية بين كتاب القرن العشرين. وسأكون أحمق ان لم أدرك هذا وجباناً ان لم اقله.

 

مريم جمعه فرج - (البيان) - 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri