البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

حسن خضر الشاعر الذي يسكن قلب الفوضي: لاعبو الأدوار القذرة أفسدوا الشعر المصري

مثل فلاح أصيل, وضع فأسه من أول رأس الحقل, بدأ الشاعر حسن خضر مبكرا كتابة القصيدة العمودية, ثم التفعيلية, حتي جاء التحول إلي قصيدة النثر في ديوانه عطر ميت, الذي أثار اهتمام الأوساط الشعرية والنقدية معا, ليكون البداية الحقيقية لمشروعه الشعري, ورغم الضغوط الوظيفية التي تهدد بعرقلة ذلك المشروع من ناحية, وإحباطات استبعاده من جائزة الدولة التشجيعية التي كان مرشحا لها في الدورة الأخيرة من ناحية أخري, لايزال حسن خضر, يفترش جمرات الإبداع, متجاوزا سلفا رماد التداعيات, ليقدم لنا روحه مكتوبة بحبر الشعر, وكأنه قادم توا من أحد أحلام بورخيس, أو إحدي رؤي ابن رشد, علي جناح شاعرية لاتزال تخبيء الكثير من كنوزها للقادم من الأيام.
حسن خضر, الذي صدرت له أخيرا مختارات شعرية ضمن مشروع مكتبة الأسرة بعنوان تاريخ لظل بنفسجة يبوح بهمومه الشعرية, ويتذكر معنا ملامح تجربته, وقضايا ثقافية أخري في هذا الحوار.
توصف دائما بأنك شاعر تسكن قلب الفوضي, وأن تجربتك الشعرية مرت بمراحل متعددة من الارتدادات والانطلاقات, فما ملامح هذه التجربة؟
في عام1982 نشر محرر باب أنت والهلال عدة أبيات من قصيدة عمودية كنت قد طويتها في رسالة إلي مجلة الهلال العريقة وأنا لا أزال بالمرحلة الثانوية, وقد كان رد الهلال مشجعا لي علي الاستمرار, في تلك المرحلة المبكرة, كتبت مبكرا القصيدة العمودية, ثم قصيدة التفعيلة, ثم تحولت مع القصائد القصيرة عطر ميت, في الديوان الصادر بهذا العنوان في1998, إلي الشعر الجديد المسمي بـ قصيدة النثر في تحول طبيعي نحو إيقاع الزمن وإنسانه وتفاصيل حياته ورؤاه المختلفة تمام الاختلاف عما سبقها, فقد أصبحت الحياة أكثر نثرية وانفراطا, وأصبح الشاعر الجديد معنيا بالمهمش لا بالمركزي وبما وراء النظام, حيث الجوهر الساكن في قلب الفوضي فضلا عن أنني كنت قد مللت تأطير التفعيلة لمشاعري, حيث كان يجب علي الارتداد عند حد إيقاعي معين, ثم البدء بسطر جديد.
علي الرغم من أن شعرية قصيدة النثر تم حسم الخلاف حولها في بلدان عربية كثيرة, إلا أنها في مصر لاتزال مثار جدل لا يتوقف, وإن غاب بعض الوقت فبماذا تفسر هذا وأنت أحد شعرائها المهمين؟
لقد أحدثت قصيدة النثر قلقا لأنها أنذرت بالتحول عن أفق الشعر العربي التقليدي, وقد أحدثت هذه القصيدة هزة عنيفة لشعراء تقليديين لا يحبون هذه التسمية الآن, وينظرون إليها باعتبارها سبة بالرغم من كونها توصيفا حقيقيا لما ينتجونه, لكن الأخطر من ذلك أن التحول الشعري الحاصل في قصيدة النثر أزعج حراس الماضي وهم كثر في الثقافة المصرية والعربية.
وفي رأيي أن الشعر شعر في أية طريقة من طرائق أداء الشاعر, ومن ثم يجب القياس علي الجوهر, خاصة أن قصيدة النثر المصرية بعد عوامل فرز عديدة أصبح حلالها بين وحرامها بين أيضا, لأن هذا النص الجديد يخرج منه كثيرون كل يوم إلي الرواية أو إلي غيرها من المصائر الأخري التي قد لا تخص الإبداع, ويدخل فيه كثيرون أيضا, وبين هذا وذاك توجد عدة أسماء مبكرة في جيل الثمانينيات تتأكد اصواتها يوما بعد يوم, بحيث أصبحت أسماء واضحة لا التباس فيما يخص قدرتها الشعرية, بل تميزها أيضا, يبقي فقط أن يرفع لاعبو الأدوار القذرة في الثقافة المصرية أيديهم عن قصيدة النثر وعن الشعر الجديد الذي أفسدوه خاصة أنهم أصبحوا غير أهل للعب هذه الأدوار بعدما ثبت للجميع أنهم يلعبون لمصالح شخصية تصل في أحيان كثيرة إلي درجة من التدني لا يمكن وصفها, ومع الأسف الشديد فإن بعض هؤلاء هم شعراء كان يعول علي أن يصبحوا كبارا في الشعر ومنهم أيضا نقاد وأصدقاء بلا ضمائر.
في ديوانك تاريخ لظل بنفسجة عدد من قصائد التفعيلة تبدو فيها أصداء لأصوات شعراء آخرين أمثال محمود درويش وأمل دنقل, كيف تنظر إلي هذا التأثر؟
تعرفت إلي أمل دنقل رحمه الله, مبكرا عن طريق قريبه محمد محارب مدرس اللغة العربية بإحدي مدارس السويس, وذلك في أوائل الثمانينيات, وعندما أنهيت دراستي الثانوية, ودخلت كلية دار العلوم لم يكن أمل دنقل حاضرا, ولا محمود درويش أيضا, لكنني بعد أسابيع قليلة وجدتهما مع عدد من الشعراء الآخرين الذين ذهبوا إلي الإنسان وقضاياه بطرائق مختلفة أمثال بابلونيرودا, وخليل حاوي, وناظم حكمت, يردد أشعارهم زملاء جامعيون مهمومون بالأيديولوجيا ومنشغولون بالسياسة, وهذه القصائد التي أشرت إليها في سؤالك كتبتها في تلك الفترة التي انشغلت فيها مع هؤلاء, إلا أنني كنت أميل ولا أزال إلي قصائد أمل التي تخففت من التحريض المباشر, مثل أوراق الغرفة8, وكذلك عند محمود درويش في ديوان أعراس مثلا أو ورد أفل, هذا النموذج الذي يحقق المقاومة لا بالمعني المباشر ولكن بالمعني الأرحب إنسانيا الذي يعد مواجهة القبح والدفاع عن الجمال مقاومة أيضا, إلا أنني كنت أبتعد عن دنقل ودرويش كلما ابتعدت عن السياسة, تلمست ما يخصني في طريق الشعر.

هل يعني ذلك أن لك آباء شعريين علي خلاف ما يردده عدد غير قليل من شعراء قصيدة النثر حول قتل الأب؟
دعني أؤكد لك حقيقة موضوعية ومعروفة تماما وهي أن ما ليس له جذور لا يمكن أن ينمو, إن الوصفات السحرية التي تم الحديث عنها أوائل التسعينيات مثل خرق التابو وقتل الأب... إلخ, أضرت كثيرا بجوهر الشعرية الجديدة المسماة مدرسيا بـ قصيدة النثر, ثم إن من رفعوها كانوا نقادا باحثين عن استمرار أدوارهم القديمة بعد انحسار شعرية السبعينيات التي تعد فقيرة مصريا بالنظر إلي تعدد نماذجها وثرائها في بلدان عربية أخري, فأنت سوف تذكر شاعرا أو اثنين, ثلاثة شعراء علي الأكثر في مصر, لتجد سركون بوليص وأمجد ناصر وسيف الرحبي ووديع سعادة, وقاسم حداد وعباس بيضون وبسام حجار, لن تجد حصرا لهؤلاء وغيرهم من الأسماء الأخري في شعرية السبعينيات العربية الأكثر تنوعا وثراء عنها في مصر, علي خلاف النص الجديد, فهو بالرغم من بهائه وتنوعه وثرائه في المشهد الشعري المصري إلا أنه يتم طمسه دائما والتمويه المتعمد علي تجاربه المهمة, علي أية حال تحدث الجميع أوائل التسعينيات عن مقولات تبدو طموحة, ولم تتحقق في كثير من النصوص, حيث اعتبرها الشعراء جزءا من الدعاية المصاحبة للنص نقديا بدون تحققها الجمالي داخل النصوص, بل إن رفع مثل هذه المقولات كثيرا ما كان مبررا لإطلاق صفة شاعر علي كل من أعد هذه الخلطة في المطبخ والسلام, وهو الحال المائع وغير الحقيقي تماما الذي جعل الجميع يعتبر قصيدة النثر بيضا فاسدا يجب وضعه كله في سلة واحدة, وهو ما ليس صحيحا علي الإطلاق.
كتبت مختارات علي مجموعتك الشعرية الأخيرة ألا تجد أن هذا التوصيف لايزال الوقت مبكرا لإطلاقه؟
بالطبع لايزال التوقيت مبكرا لإصدار مختارات بالمعني الأشمل الذي يتقصي فيه الشاعر جوانب عديدة في تجربته, وبعد مسيرة طويلة لم أقطع منها حتي الآن غير الخطوة الأولي, لكنك إذا رجعت إلي معني المختارات كتوصيف, تجد أن هذا المسمي كان يجب كتابته لأن المجموعة مختارات بالفعل, فهي ليست ديوانا جديدا علي أية حال, فقد أردت بها أن أشير وسط هذه الميوعة والفوضي إلي من أين جئت إلي الشعر.
رشح ديوانك دائما يتحدث مع غائبين لنيل جائزة الدولة التشجيعية في الشعر هذا العام, لكن اختلاف رؤي اللجنة حال دون ذلك ما تعليقك؟

أصارحك القول بأنني لم أكن أحب أبدا, أن أتمثل حالة القرش الذي تثيره رائحة الدماء, لكن ما حدث فعليا في هذه المسألة مثير للغثيان, ولقد كان استيائي من رداءة النموذج الشعري الحاصل عليها أشد من استيائي بسبب عدم حصولي عليها, بل اعتبرت الأمر بهذا المعني مكسبا وليس خسارة, فمن يتأمل الشعر الفاتر داخل النظم لبعض المناسبات ويتقصي عدة خيوط تربط الاسم ببعض مؤسسات الثروة في الثقافة العربية المحافظة والتي تم إنشاؤها للحفاظ علي كل قديم حتي وإن كان مزريا ومسيئا للتراث, يعرف أسباب حصول هذا الشخص ـ بلا ذنب له طبعا ـ علي التشجيعية هذا العام, وآخرين غيره لنفس الأسباب في الأعوام السابقة.
إن من يستعرض اسماء اللجنة التي ترأسها أحد أساتذتي في دار العلوم د. فتوح أحمد, وشاعران كبيران مثل عفيفي مطر وإبراهيم أبوسنة, وناقدان مهمان هما د. محمد بدوي ود. محمدعبدالمطلب الأكثر اقترابا وتماسا مع المشهد الشعري من كل زواياه, يدرك أن هناك خللا, فالنص الفائز لا يليق أبدا بأسماء هؤلاء, وهو ما يدفعني إلي القول بأن اللجنة لسبب( ما) قد سهلت ـ تحت مسمي الشعر ـ لأحد العابرين الاستيلاء علي أموال الدولة بطريقة شرعية, كنت أتمني الجائزة بالطبع لأنني أعرف ـ وهم كذلك ـ أنها عندما تمنح لشاعر حقيقي يرتقي بها ويتقدم وتزداد هي مصداقية باسمه, لهذا يجب أن يكف لاعبو الأدوار القذرة أيديهم عن الشعر المصري, لأنهم لا يفسدونه فحسب, بل يضربون مصداقية الثقافة المصرية في الصميم, ويضرون بأفعالهم خطابها الدائم حول التجديد والتعددية.
أنت تعمل في المؤسسة الثقافية منذ أربعة أعوام ألا يتناقض ذلك مع دعاوي الاستقلالية التي دائما ترفعها أنت وأبناء جيلك؟
كنت شاعرا في الهامش ولا أزال في الموضع الذي برزت منه وفيه, أتحدث عن الحرية وعن النص الجديد, وأدافع عن قصيدة النثر وشعرائها مثلما لم يدافع عنها أحد, وخضت الكثير من المعارك برفقة شعراء مجيدين داخل هذا النص وحوله, ودائما ما أري أن تعبير المؤسسة هو تعبير ستيني منزوع من سياق أيديولوجي لا علاقة له بحياتنا الثقافية وأدائها الآن, صحيح أن المبدع دائما بين شقي الرحي: الفوضي, والمصالح, إلا أنني لست مع هذا التوصيف الذي أراه بابا للمزايدة.
اتهمت دائما من الأوساط الشعرية بأنك أحد المحركين الأساسيين لمعركة( المرايا)؟
عندما أثير هذا الموضوع منذ أربعة أعوام تقريبا استفزني كتاب المرايا المحدبة كقاريء, وكمثقف وشاعر ينحاز إلي قيم التحديث والتجديد والتطور, وقد ناقشت( لامنهجية الكتاب) في مقالة نشرتها أخبار الأدب آنذاك, هي أقرب إلي النقد الثقافي, حيث اكتفي كتاب المرايا المحدبة بالسخرية من نصوص الحداثة دون الدخول معها في اشتباك نقدي فعال, وقد تعجبت من هذا المنطق ونبهت إلي خطورة هذه الطريقة في التفكير خاصة عندما يتبناها أستاذ أكاديمي, ورأيت أن هذه اللامنهجية هي عامل مهم في خراب العقول التي يتم تخريجها في الجامعة كل عام.
لكن هناك مناطق لاتزال غامضة في موقفك الذي بدا منحازا منذ البداية إلي جابر عصفور, فضلا عن صمتك تجاه اتهام حمودة لك بأنك لم تقرأ الكتاب وكتبت عن جهل به؟
لم أكتب قط دراسة نقدية أو مقالا يتناول كتابا ما تحت إيعاز شخصي, أو
بدوافع ذاتية, وهنا أسرد لأصحاب الذاكرة المنقطعة عددا من الأحداث الواقعية عند كتابتي مقالة تفند هذا الكتاب المذكور الذي أكن لصاحبه التقدير, لم تكن علاقتي بالدكتور جابر عصفور تتعدي قراءة كتبه كأي مثقف أو شاعر, وأري أنه واحد من أهم النقاد, وإن ظل بعيدا عن الشعر المصري الجديد, إلا أنه يعرف غثه من ثمينه لذلك هناك فارق زمني يربو علي التسعة أشهر بين نشر أخبار الأدب لمقالتي وبين وجودي في المجلس الأعلي للثقافة منتدبا من التربية والتعليم وذلك في مارس1999, ولقد ذهبت إلي المجلس بوصفه بيئة عمل أفضل, وأكثر انسجاما معي كشاعر عن بيئة العمل في التدريس, بل الأكثر من ذلك أنني بعد انتدابي للمجلس بثلاثة أشهر نشرت في جريدة عربية كبري مقالا نقديا اختلف فيه مع كتاب زمن الرواية للدكتور عصفور.
هل ثمة معناة من جانبك في الجمع بين مهنة التدريس الشاقة وطموحاتك الشعرية؟
لا يوجد في أي بلد في العالم مبدع موظف سوي في مصر, وبالرغم من ذلك العدد الهائل من جيوش المدرسين, والعدد النادر من الشعراء, فإن وزارة التربية والتعليم ترفض تجديد انتدابي إلي المجلس الأعلي للثقافة, الذي يمثل بالتأكيد المناخ الأصلح لشاعر, يري الشعر مصيرا ومبررا وحيدا لوجوده, لكن هذا لن يمنعني من الاستمرار في مشروعي الشعري*.

 

الاهرام العربي - 27 سبتمبر 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri