
خوان
غويتيسولو
لا
أثق أبداً بالهويات الثابتة
الكتابة
سلاح لمحاربة القمع
معجم
الأسبانية يحتوي على أربعة آلاف مفردة عربية
يعتبر
خوان غويتيسولو أحد أبرز المفكرين الأسبان في الحقب الأخيرة.
ولد
في برشلونة عام 1931 ويقيم حالياً في مراكش. يعتبر من أهم
المدافعين عن تاريخ إسبانيا في العصور الوسطى. ويرى أن ثقافتها
في ذلك العصر هي التي تميزها عن المجتمع الأوروبي
لا
يشعر بالانتماء إلى المجتمع الإسباني، بل بالانتماء إلى أمة
تنتهج فكر سرفانتيس وتستطيع استيعاب تقاليد ثقافية كالعربية
التي تجاهلتها القومية الإسبانية المعاصرة.
يرى
بأن إسبانيا يجب ان تشكل جسراً يربط بين كل من أوروبا والدول
الإيبروأمريكية (الدول الأمريكية اللاتينية الناطقة بالإسبانية)
والعالم الإسلامي وذلك بفضل موقعها الجغرافي وثقافتها.
حائز
على جائزة أوروباليا عام 1085
حائز
على جائزة خوان رولفو الأدبية لعام 2004- ألف عدداً كبيراً
من الكتب والأعمال الوثائقية الرفيعة المستوى ومن أهمها: ألعاب
يدوية (1954) – مبارزة في الجنة (1955) أعياد (1975) لا ريساكا
(1958) خوان بدون أرض (1975) مقبرة (1980) مشاهد بعد المعركة
(1982) – فضائل الطائر الوحداني (1988) حقول نيفار (1962)
مسلسل القبلة الوثائقي في التلفزيون الإسباني.
هنا
نقدم أفكاره وتصوراته الثقافية عن الإنسان والتاريخ، في ملف
خاص لأهمية الكاتب الإسباني المعاصر، من أجل إنارة العقل العربي
بمصباح إضافي عن إبداع الثقافة وتفاعلاتها في حياتنا.
*
لقد وصفكم الأديبان الشهيران كارلوس فوينتيس ولوسي لوبيس بارالت
بأنك واحد من أهم كتاب أسبانيا، ومع ذلك فإنك تعتبر نفسك بلا
وطن، فهل لك أن توضح لنا كيفية التوفيق بين هذين النقيضين.
ج-
أعتقد ان كلا الرأيين صحيح، فأنا من جهة أولى أنتمي إلى الثقافة
الإسبانية، ولكني من جهة أخرى ونتيجة إقامتي في الخارج استبدلت
مفهوم الأرض بمفهوم الثقافة، وعليه فإذا ما سئلت عما إذا كنت
اعتبر نفسي جزء من المجتمع الإسباني لأجبت بالنفي، فأنا لا
أشارك هذا المجتمع في قيمه بل اشعر بأني غريب عنه. وفي الوقت
نفسه فإن معظم الكتاب الذين أكنّ لهم التقدير والإعجاب سلكوا
على الدوام نهجاً معاكساً لمنحى المجتمع، ولعل لوبيس سيرنودا
قد كان واضحاً في التعبير عن تلك الظاهرة عندما قال" إنهم
كانوا إسبانيين دون رغبة!!" بمعنى أن كلا الوجهين صحيح.
س-
هل ثمة علاقة برأيك بين المنفى الدائم وبإصرار منك، وبين المركز
الجوال لإبداعك الأدبي؟
-
يمكن أن تصح تلك العلاقة .. فثمة مؤلفين تؤدي الهجرة إلى القضاء
على أعمالهم، وهؤلاء هم الذين يمكننا تصنيفهم بأدباء العادة
اليومية، أي الذين يعكسون واقع المجتمع الذي يعيشون فيه، ولذلك
فإن طاقة إبداعهم الأدبي تضمحل عندما ينأون عن ذلك المجتمع،
بينما يوجد هناك كتّاب بعكس هؤلاء تماماً إذ تتنامى طاقاتهم
الأدبية نتيجة ابتعادهم عن الوطن. وأنا قد أكدت باستمرار بأنه
من المهم جداً اللجوء إلى تقييم الثقافة الذاتية على ضوء ثقافات
أخرى لأن المعايير تختلف كلّياً في مثل تلك الحالة، فالدين
يعيشون في إسبانيا ولا يعرفون سوى التقاليد الإسبانية – معتقدين
بأنهم يعرفونها جيداً – تراهم يقبلون بالأحكام والأفكار بالوراثة
تقريباً. أما إذا عاش أحدنا في الخارج فيكون بمقدوره المقارنة
ومعرفة ماهية الأعمال الأدبية الممكن أن تحظى بالإعجاب والتقدير
داخل إسبانيا رغم أنها في الحقيقة مجرد ثمرة تقليد ومحاكاة
لثقافات أخرى، بينما توجد في المقابل أعمال أصيلة فعلاً ولا
موازي لها في ثقافات أخرى بيد أنها لا تحظى بالاهتمام الملائم
في إسبانيا. فعلى سبيل المثال لا يوجد في أوروبا أي عمل أدبي
إسلامي مثل "كتاب الحب الطيب" (El Buen Amor) وليس هناك من
كتاب زاخر بمضمونه مثل كتاب " القوّادة" (La Celestina) ولو
أردنا العثور على عمل أدبي بهذه القوة الخارقة لتحتم علينا
العودة بالذاكرة إلى عهد شكسبير نفسه!! وكذلك فليس هناك كتاب
يحاكي "النضارة الأندلسية" (Lozana Andaluza) والخلاصة فإن
تلك النظرة والإطلالة من الخارج تعتبر مهمة للغاية وباعتقادي
فإنه لمن الضروري للغاية الانتباه إلى انعدام تأثير تلك الأعمال
بسبب الانقطاع أو عدم الاستمرارية الثقافية لإسبانية، فرغم
أن أهمية كتاب (La Celestina) كانت تقل عن غيرها في تلك الفترة
فإن ذلك الكتاب أثّر في أعمال أدبية أخرى على مدى القرن السادس
عشر، أما كتاب "النضارة الأندلسية" فقد وئد في حياته، وبالرغم
من معاودة اكتشافه في القرن التاسع عشر فإن أحدا لم يجرؤ على
طباعته مجدداً لأنهم اعتبروه إباحياً!!
لقد
خصّب سرفانتيس وغذّي كل الرواية الأوروبية سواء الإنجليزية،
أم الفرنسية، كما وكان تاثيره في الروسية واضحاً ، بل وحتى
أننا نلمس في الرواية البرازيلية تأثير ماتشادو دي قسيس الذي
ألف رواية حديثة كلّياً في القرن التاسع عشر. وقد كانت إسبانيا
لغاية القرن العشرين أكثر البلدان تأخراً في تشبيع الرواية،
وعلى ما أعتقد فإن السبب في ذلك يعود من جهة أولى إلى القراءة
المزدوجة من قبل أمريكو كاسترو بدءاً من كتاب "فكر سرفانتس"
الذي كان أول كتاب يجرد أعمال سرفانتيس من التفسيرات والأوصاف
الكلاسيكية كتلك التي أوردها أونامونو أو ماتسو بقولهما "إن
كتاب دون كيشوت هو إنجيل الأمة الإسبانية!!. لقد كان الجميع
يعزون إلى كتاب دون كيشوت طابعاً ومضموناً وطنياً أو صوفيّاً
دون ان يقرأوا حقيقة هذا النتاج الأدبي. وبعد ذلك جاءت القراءة
غير المقيّدة من قبل بورخيس التي توضح حسب اعتقادي الإبداع
والحداثة في الابتكار السرفانتي ، وأرى بأنه انطلاقاً من تلك
القاعدة برزت مجموعة من الكتاب – وأنا من بينهم – متأثرة بسرفانتس.
ولعل كارلوس فوينتيس يشكل مثالاً واضحاً على ذلك، وهناك أيضا
كابريرا إنفانتي بكتابه " ثلاثة نمور تعيسة"، وفي هذا السياق
فإن تطوّر خوليان ريّوس لم يكن ليتحقق لولا معرفته بأعمال
سرفانتيس. وهناك ايضاً أعمال سان خوان دي لا كروس . وإن هذه
الثغرات ، وهذه الفراغات الواضحة في الثقافة الإسبانية تستوجب
علينا التساؤل عما حصل لثقافتنا. ولكن أناساً قليلين جداً
هم الذين يهتمون بتحليل ذلك الأمر.
س-
هل يمكن القول أن بعد موقع المنفى يشكل العامل الرئيسي لتعزيز
طاقة أعمالك الروائية؟
-
بالنسبة لحالتي بالذات يصحّ ذلك الأمر.. فلو أني بقيت في برشلونة
لكنت قد عانيت نفس المحدوديات والقيود التي يعانيها القسم
الأكبر من مؤلفي جيلي الذين ينطلقون من تجربة محلية فقط ومن
نطاق محدود. وإن الإمكانية التي تتيحها لي صفة المهاجر لرؤية
إحدى الثقافات وبصورة ذاتية ومن مسافة بعيدة، تعتبر عاملاً
أساسياً.
س-
لقد أفاد كارلوس فوينتيس منذ فترة، وأثناء حفل مراسيمي أمام
الملك الإسباني خوان كارلوس بأن وطنه هو اللغة الإسبانية!!
فهل بإمكاننا القول أن وطنك هو أدب بلدنا؟
أنا
في هذه الحالة يمكن أن أقول أن جنسيتي هي أدب سرفانتيس!! فلو
نظرت إلى ما مضى من حياتي لوجدت أني أمضيت الجزء الأكبر من
حياتي متكلماً لغات أخرى. وهكذا فإن اللغة الإسبانية كانت
هدف أعمالي، وأنا عندما أكون في مراكش أتكلم عادة اللغة العربية.
وعندما أكون في باريس أتكلم اللغة الفرنسية، وعندما كنت في
الولايات المتحدة الأمريكية كنت أتكلم الإنجليزية. بمعنى أنني
لا أستخدم الإسبانية كثيراً. فعلى سبيل المثال فإنني عندما
أكون في مراكش أمضي وقتاً طويلاً دون أن أتكلم الإسبانية.
وقد تطرق فيسنت ليورينس إلى ذلك بوضوح في إحدى أطروحاته عندما
قال بأن اللغة تكتسب عند المهاجر قيمة عظيمة نتيجة فقدانه
لأرضه وللمجتمع الذي يعيش فيه. وهذا ما يفسّر تحوّل الكثيرين
من الكتّاب إلى كتّاب عظام في المنفى. وهذه هي حالة سيرنودا
فقد كان مجرد شاعر من ضمن مجموعته، ولكنه تحول في المنفى إلى
أكبر شعراء جيله.
س
– هل تعتقد بأنه يوجد هناك مجموعة واضحة من الكتاب الإسبانيين
في المنفى؟
لقد
بدأت تلك الظاهرة مع حكم الملوك الكاثوليك، فلدينا مثال الأخوة
فادليس أو فيفيس، أو في الناس الذين حاولوا الخروج من إسبانيا
ولم يفلحوا مثل سرفانتيس الذي رفضوا منحه الأذن للهجرة إلى
أمريكا. بالطبع هذا لحسن حظنا فلو أنه ذهب إلى أمريكا لما
كان قد ألّف دون كيشوت. وهناك أيضاً مثال ماتيو أليمان الذي
كان يعاني وضعاً لا يطاق بعد تأليفه كتاب " غوسمان دي ألفارّاشي"
وقد اكتشف ماركيس فيجانويفا الوثائق التي تكشف كيف استطاع
ماتيو أليمان الذهاب إلى المكسيك بعد أن قدّم لأحد المسؤولين
المفسدين كل ممتلكاته بما فيها حقوق نشر كتاب "غوسمان دي ألفارّاشي"
فقد ذهب عارياً إلا من ثيابه. ولا بد أن هناك سبباً قاهراً
يفسّر مغادرته بهذا الأسلوب.
س-
هل بالإمكان أن ندرج في قائمة المنفيين المؤلف المغفل لكتاب
كاماسوترا الإسباني الذي أصدره لوبيس بارالت؟
-
حسناً.. لقد كان أحد المورو المطرودين، وإنه لمن المستغرب
أن تبقى هذه المدونة على مدى قرن كامل بدون نشر، وفي هذا الخصوص
ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار الضغط الذي مارسه أصحاب الوسط
الأكاديمي، أولئك الذين كانوا يعتقدون بأنه من غير المناسب
نشر كتاب من هذا القبيل وخصوصاً من قبل امرأة. ومع ذلك فإن
تأليف كتاب أيروتيكي باللغة الإسبانية في اوائل القرن القرن
السابع عشر يعتبر مسألة هامة، فذلك يؤكد بأن إسبانيا لم تكن
كلها منتمية إلى الثقافة الغربية مثلما يزعم البعض.
س-
هل ترى شخصياً أن الاستقرار والتجانس الثقافي يدمران إبداع
المؤلف؟
-
إنني لا أثق أبداً بالهويات الثابتة، وبالوطنيات ذات النوعية
المتميزة، وبالمجتمعات المتجانسة!! لأن كل ذلك التجانس وتلك
الهويات المميزة هي دوماً وليدة العنف المطبّق ضد الفرد. وذلك
الأمر لا يمكن ان يوجد إلا في المجتمعات الاستبدادية، فعندما
نشأت فكرة إسبانيا، في القرن الحادي عشر وفقاً لما يراه أمريكو
كاسترو، أو عندما نشأ الأدب الإسباني كان ترتسم في أفق الحياة
اليومية ثلاثة طوائف هي اليهودية، والمسيحية، والإسلامية.
وهذه النظرة الانتقادية من قبل البعض نحو البعض الآخر كانت
بمثابة خميرة لنضوج الثقافة. وإن التراث المهجّن (الموديخار)
يعتبر خير مثال على ذلك.
إن
الجميع يعرفون بأن فن الموديخار هو وحيد نوعه. وإنه لمن غير
المنطقي الاعتقاد بأن ذلك الفن انعكس فقط في الهندسة، فمن
البديهي ان ينعكس أيضاً في الأدب، مثل كتاب الكونت لوكانور،
وغناء ميو سيد - ومنذ كتاب غالميس الذي ألفه فوينتيس أصبح
واضحاً بأن المصادر لم تكن قوطية غربية كما كان يحلم مينندس
بيدال، بل كانت مصادر عربية – ومثل كتاب الحب الصالح الذي
هو كتاب من فن الموديخار وفقاً لما اكتشفه أمريكو كاسترو.
والمسألة
هي أنه لم يكن هناك مجتمع متجانس، بل مجموعة متنوعة من الثقافات
التي كانت أحيانا ترتبط بعلاقة جيدة، وأحياناً أخرى ترتبط
بعلاقة أسوأ. وقد اكتسبت ممالك شمال إسبانيا الثقافة بفضل
المستعربين المسيحيين الأسبان الذين لم يكونوا يريدون العيش
في الأندلس. وقد كان هناك اتصال دائم ونلمسه بوضوح في أعمال
ألفونسو الخامس الحكيم، وإن كتاب "مفهوم ألفونسو" الثقافي
يعتبر رائعاً حقاً. أنه يبرز مشروعاً يستبق كلياً عصر النهضة،
فقد كان يدرك تماماً بأن اللغة اللاتينية كانت لغة ميتة –
إذ كانت لغة الكنيسة لكنها لم تكن ذات فائدة خارج المناطق
الدينية البحتة- وأن العلوم كانت تأتي عبر العرب والثقافة
العربية. ويعود الفضل في إنقاذ الثقافة الأوروبية إلى المترجمين
الذين كانوا جميعاً تقريباً من اليهود الذين يترجمون من العربية
إلى الإسبانية. وهناك تأثير واضح للغاية مثل الذي أبرزه أسين
بالاسيوس على أثر الاكتشاف الذي سبب له سخط الطبقة المثقفة
الإيطالية، حيث أوضح بأن كتاب إسراء ومعراج النبي هو الذي
استلهم منه دانتي رواية الكوميديا الإلهية. بمعنى أن ذلك التأثير
لم يكن مقتصراً على إسبانيا. ففي جامعة السوربون مثلاً أدخلت
فكرة ابن سينا القائلة بأن الطوباويين لا يستطيعون استيعاب
فكرة الألوهية، ومن أجل محاربة تلك الفكرة عهدت الكنيسة إلى
سانتو توماس دي اكينو، ولهذا الغرض فإن الأخير استخدم حجج
ابن رشد، أي أنهم نصّروا جدلاً كان قائماً في السابق عند العرب.
ولكن كل ذلك قد دخل في طي النسيان في عصر النهضة.
وبالنسبة
لي فإني أعتقد أن القرن التاسع كان ثرياً للغاية بالنسبة لإسبانيا.
فقد ظهر فيه كتاب خوان دي مينا الذي يعتبر سابقاً لكتاب غونغورا.
وإن بوادر كل الأعمال العظيمة للقرن الذهبي يمكن أن نجدها
في القرن التاسع. ففي تلك الفترة، وبالذات في فترة حكم الملك
إنريكي الرابع كانت معظم افكار ابن رشد، وأفكار الواقعية قد
أصبحت مقبولة كلياً من قبل المسيحيين الجدد، الذين كانوا قد
اعتنقوا المسيحية لتوهم، والذين كانوا قد أضاعوا الدين اليهودي
دون أن يعني ذلك تحولهم إلى الكاثوليكية. فهناك على سبيل المثال
تلك المفكرة الشهيرة المكتوبة إلى الملك التي تتضمّن تنبيهاً
له بأنه محاط بأناس يقولون: نولد ونموت كالوحوش!!" وهنا يكمن
برعم كل عالم La Celestina والقضية هي أن فرناندو دي روخاس،
الذي كانت أسرته قد عوقبت في فترة محاكم التفتيش عندما كان
طفلاً، كان يعيش في ذلك الوسط وبفضل هذا الأمر تمكن من تأليف
كتاب La Celestina. وقد أوردت كل تلك الأمثلة لأبرهن بأن عدم
التجانس يعتبر مولّداً للثروة الثقافية، وإن نظرة الشخص البعيد
عن مركز الأمور الاجتماعية تكون دائماً أعدل من نظرة الموجود
في مركز الأحداث. ولعل ذلك هو السبب في كون الجلّ الأعظم من
المبدعين في القرن الذهبي من المسيحيين الجدد، المتواجدين
دوماً على أطراف ومحيط المجتمعات، فقد كان باستطاعتهم تحليلها
كما هي عليه فعلاً. بينما كان الآخرون يشعرون بكينونة أسبانية
ولذلك فلم يكونوا بحاجة إلى التشكيك. ويجب أن لا يغرب عن بالنا
بان الأدب، وخصوصاً منذ مرحلة سرفانتيس كان مسرح الشك. وهذا
ما يمكن تطبيقه على الموقف الهامشي لفراي لويس دي ليون، وعلى
مؤلفي ذوي روحية جديدة كلّياً مثل سانتا تيريسا وسان خوان
دي لا كروس أو خوان أفيلا. وهذا الأخير هو حالياً قديس للكنيسة،
ولكنه في عصره قال حرفيّاً: " إن الذين عاقبتهم محاكم التفتيش
هم شهداء!!".
س-
هل باستطاعة إسبانيا أن تصبح مجدداً الجسر الطبيعي بين أوروبا
والعالم الإسلامي مثلما كانت عليه في العصور الوسطى؟
-
كان من المفروض أن تشكّل جسراً يربط أوروبا، والعالم الإيبروأمريكي
(أمريكا اللاتينية وإسبانيا والبرتغال) والعالم الإسلامي بفضل
موقعها الجغرافي، وثقافتها. ولكن ذلك لم يتحقق مع الأسف الشديد،
فهناك رفض كبير ليس داخل المجتمع فحسب وإنما داخل القوى الثقافية
حيال التقاليد العربية. باستثناء تقليد الأندلس. وقد كان كلاوديو
سانشيس البورنوس يردد بأن " ثقافة الأندلس قد دمّرت من جراء
سُحُب الجراد الأفريقية" وذلك في إشارته إلى الموحدين والمرابطين،
ناسياً خلال ذلك أنهم على سبيل المثال بنوا الجيرالدا وإشبيليا،
أو قصور مملكة غرناطة، أي أنهم كانوا جراداً متحضّراً للغاية!!.
ويجب أن لا ننسى بأن ابن رشد عاش في تلك الفترة ، والخلاصة
فإن هناك مقاومة شديدة ورفضاً لذلك التراث.
س-
هل لديك انطباع بأن إسبانيا لم تتنبه بعد إلى دورها في تكوين
الهوية
الأوروبية؟
ج
– إنني أتفهم عقدة النقص التي سادت في إسبانيا اعتباراً من
القرن الثامن عشر، عندما بدأ عصر النور ودائرة المعارف في
فرنسا، فالمفكرون الأسبان القلائل في تلك الفترة كانوا بمجرد
عبورهم نهر البيرينيو يتنبهوا بأن الوضع مختلف كليّاً، ومن
هنا تنبع العبارة المعروفة "أفريقيا تبدأ مما هو وراء البيرينيو.
وقد كان أولئك المفكرون يطمحون ليصبحوا أوروبيين من خلال تنكرهم
لكل ما هو غير أوروبي في ماضيهم. وقد اصطدموا بمفارقة في القرن
التاسع عشر وهي ان الرحالة الفرنسيين، وعلى الأخص أيضاً الأنجليز
(مثل بورو، وفورد) هم الذين اكتشفوا رائعة قصر الحمراء. ويروى
مورّو بصورة فكاهية أنه كان مبهوراً بقصر الحمراء بينما كان
الناس في غرناطة يقولون عنها " أعشاش المورو الموجودة هناك
في العالي ". وقد كان ذلك بمثابة رفض. ولكن أسبانيا المتكاملة
سياسياً، واقتصادياً، وثقافيا مع الاتحاد الأوروبي حالياً
يجب أن تتخلص من كل عقد النقص وتتنبه بأن الإسهامات الممكن
أن تقدمها إلى التراث الأوروبي المشترك تكمن بالتحديد في تراث
المهجنين (الموديخار) لأنه غير موجود في أي مكان آخر.
الصور
المرافقة
خوان
غويتيسولو
الكتابة
والإنصات إلى نبض العالم
ترجمة
وتقديم: إبراهيم أولحيان (ناقد من المغرب)
من
يتتبع مسار خوان غويتيسولو الأدبي والإبداعي، يدرك ثراء كتاباته،
وتنوعها وانفتاحها على ثقافات ذات خصوصية مختلفة، كالثقافة
العربية الإسلامية، وحفره في نصوص كبار الكتاب (ابن عربي،
ابن الفارض، سرفانتيس، دانتي، غونكورا، دولاكروث، روخاس، خوان
ريوث، بورخيس...) ليؤسس معها علاقة حوار فعال "يتم دون اهتمام
بأذواق ومعايير العصر.. يغطس الى الجذور العميقة، ليكتشف علاقاتها
بالثقافات المختلفة" وذلك "ليوسع إبداعه الخاص ولبسط قواعد
لعبه باستمرار في مجالات جديدة وخصيبة"، فكتابات هذا الكاتب،
وخصوصا في مجال الإبداع الروائي، ثرية، ومنفلته لاقتحامها،
في كل مرة، أرضا جديدة ومدهشة، وذلك ما جعل كتبه تترجم الى
عدة لغات. وتؤلف حولها الكثير من المؤلفات.
لذلك
ليست الرواية، بالنسبة اليه، للتسلية بل هي عمل جاد يتطلب
استعداد كبيرا وإحاطة بمعارف عديدة في شتى المجالات، وكذا
بمعرفة دقيقة بالواقع الذي تروم الاشتغال عليه.
لهذا
الكاتب الأسباني ثقافة كبيرة ذات مشارب مختلفة ومتعددة، فهو
ليس مبدعا روائيا فحسب، بل ناقد ومفكر ورحالة أيضا، وإذا أردنا
الدقة، فالناقد والمفكر والرحالة فيه هو ما يؤسس قوة إبداعه
الروائي، لان موهبة الكتابة لا تكفي دائما لخلق نص روائي جيد،
يخترق الزمن، بل لابد من جهد وعناء، وتجربة عميقة في النصوص
والحياة.
فمن
موقع السؤال والمغامرة ينطلق غويتيسولو مسربلا بالاختلاف والمغايرة
في مواجهة الذات، مؤمنا بالحوار الفعال مع الآخر (الذي يشكل
جزءا من هويته)، هذا الحوار الذي يعتمد نقدا مزدوجا هداما،
من أجل تأسيس 0هوية تعترف بالآخر بما هو انصهار في الذات ومحو
لكل تمركز عرقي يبغي الإلغاء والتذويب.
ولد
خوان غويتيسولو سنة 1931 بأسبانيا، وتعلم القراءة على يد والدته
قبل سن السابعة، أما الأب فكانت له سيطرة مطلقة في البيت،
ولم ينج خوان من المراقبة القاسية لأبيه، يقول: "كنت مداراة
لرقابة الأب، أضع أمامي على الطاولة، كتابا مدرسيا، وتحته
كتابا أدبيا، أو دفترا للكتابة، أعمل عليها خلسة"، وذلك لأن
الأب يريد له توجها آخر، وهو دراسة الحقوق بدل الأدب، مما
سيؤدي به الى الرسوب في مجال دراسة الحقوق، لكنه سيحرز نجاحا
كبيرا في الدفاع عنها.
منذ
سن السابعة عشرة يبدأ غويتيسولو في التفكير الثقافية والاجتماعية
والسياسية الخانقة التي تعيشها اسبانيا، ولن يستطيع مغادره
بلده الأصلي، إلا في سن الثانية والعشرين، وفي سن الخامسة
والعشرين سيرحل الى فرنسا، حيث سيبقى الى موت فرانكو.
لعل
للمنفى، وبالضبط فرنسا، أثره الكبير على مسيرة غويتيسولو الأدبية،
هذا المنفى الذي لن يبقى اضطراريا بعد موت فرا نكو، وانما،
كما عبر هو نفسه عن ذلك، منفى جميل.
إن
كتابة غويتيسولو هي بالأساس سلاح لمحاربة القمع، وكل الممارسات
اللاإنسانية، وفي هذا الإطار يرى كثير من الكتاب (ويوافقهم
على ذلك غويتيسولو) بأن كتابته قد مرت بثلاث مراحل:
المرحلة
الأولى: تبدأ بـ "ألعاب يدوية" وتنتهي بوصوله إلى باريس، وحصيلتها
خمس روايات تقريبا، وهي نوع من معاينة الوجه المأساوي لأسبانيا.
المرحلة
الثانية: تبدأ بـ "الجانكا" الى "حقول نيفار" ويسيطر على هذه
المرحلة النقد السياسي والاجتماعي، وسبب هذا النقد العنيف،
هو اكتشافه لجنوب أسبانيا/ الأندلس ومدى المعاناة التي يكابدها
الناس هناك. المرحلة الثالثة: تبدأ بـ "بطاقة هوية" إلى الآن،
في هذه المرحلة، دخل غويتيسولو تجربة جديدة، تجربة كتابة مغايرة،
ومغامرة وقبل هذه المرحلة، أي ما بين المرحلتين الثانية والثالثة،
عرف الكاتب نوعا من الصمت دام ما يناهز خمس سنوات، حيث انكب
على قراءة كثير من النصوص الأساسية، ولم يتجه الى النصوص الإبداعية
فقط، بل أساسا، إلى النصوص النظرية؛ من فرويدية، وعلوم اللغة،
وعلوم الاجتماع... "قراءة الكتب النظرية، أكثر من قراءة المؤلفات
الإبداعية". إضافة الى القراءة، هناك انفتاح غويتيسولو على
ثقافة الآخر، وذلك ايمانا منه بأن "أسبانيا هي حصيلة عدة ثقافات:
اليونانية، الرومانية، والعربية". وكذلك محاولة في سبر أغوار
هذه الذات، لكن عبر الآخر، لأن "معرفة الآخرين بنا هي جزء
من معرفتنا لذاتنا". إن الأسبان ينخرطون فيما يسمى بـ "الهوية
العمياء" وذلك ما جعل غويتيسولو يقوم بنوع من الهدم، والتفكيك
لهذه الهوية، وذلك عبر نقد عنيف، وسخرية مدمرة. وفي نفس الاتجاه،
ولكي يبين بشكل عميق حضور الآخر، و "خلخلته للهوية" قام بعمل
اركيولوجي للغة الأسبانية حيث كشف على أن معجم الأسبانية يحتوي
على أربعة آلاف مفردة عربية، واذا ما سحبت هذه الكلمات منها،
فإنما (اللغة الأسبانية) ستصاب، بما سماه كاظم جهاد، بفقر
الدم.
هكذا
فعمل غويتيسولو مزدوج: فهو حفر في الذات، وفي الآخر، وربما
هذا ما جعله يمتاز عن باقي الكتاب الأسبانيين، وقد ساعده وجوده
في فرنسا على ذلك، وسكنه في حي "سانتيه" حيث توجد أجناس بشرية
مختلفة، "من عرب ويهود وأتراك وهنوا وباكستانيين وأفارقة سود،
بالإضافة إلى إقامته الطويلة في قلب مدينة مراكش، جامع الفنا
معشوقته الأبدية.
هنا
إطلالة على بعض مشاغله، واهتماماته، في الكتابة والحياة، حيث
هو حاضر بقوة، دائم الإبداع، مع فتحه لآفاق جديدة في الكتابة
التخيلية، محاورا كبار الكتاب العالميين، ليستحق انتسابه لـ
"شجرة الأدب" الحقيقية، ومعبرا عن رأيه، بجسارة الكاتب الكبير،
الذي من ضرورات حياته الإنصات إلى نبض العالم..
الكائن
العربي في بناء روائي معاصر
هشام
جعيط
يعتبر
خوان غويتيسولو روائيا فنانا، وشاعرا روائيا، فهو يضع نفسه
في طليعة ثورة الرواية المعاصرة، أو على أية حال هذه هي الصفة
التي يلصقونها به. لكن عمله على اللغة والكتابة، لحسن الحظ،
ليس هو عمل جويس عليهما، فلغويتيسولو طريقته الخاصة انطلاقا
من قوته الاستحضارية والتخيلية، ومن إيقاعه الفاتن، وكثافة
كتابة لا تقصي السيولة، ولا حتى الوضوح. إن غويتيسولو لا يكسر
اللغة، ولا يسقط في اللامعني الذي تمجده الرواية الجديدة.
أكثر من ذلك فانه يقوم بتكسير الزمن؛ حيث يقوم بتنظيمه، وتفتيته
واستعماله في كل الاتجاهات، لكي يجد نفسه قد استقام في الأخير.
تتكون أعماله من روايات مشابهة ومختلفة، لكن هل بإمكاننا الحديث
عن آثار أدبية ما بعد بروست وعند الاقتضاء ما بعد ميوزيل؟
ليس هناك سوى روايات، وروايات غويتيسولو لها طابع سحري، فهي
تشكل مشروعا مبعثرا بقدر ما هي مصممة بشكل مقصود. ترتبط الروايات
الأولى ("أعياد" و "مقبرة") بالروايات الأخيرة (فضائل الطائر
المتوحد) محافظة على خيط الاستمرارية. في بادئ الأمر هي انبجاس
للروح الأسبانية المحبوسة في قفص الفاشية. تجشؤ مدمر الى أقصى
حد، وربما الى حد المبالغة. هنا، المغرب، أرض الضيافة، والحب،
حاضر بشكل قوي. إن غويتيسولو يدمج المغرب في نسيج هذيانه،
وتحديه الذي هو كيانه، انه لا يقدم مشهدا عجائبيا، وهو أقل
غرائبية أيضا. المغرب يوجد هنا، ولا شيء آخر، فارضا وجوده
بأشكال متعددة على روائي اسباني، بل على روائي أوروبي. نحس
في مرحلة ثانية كأن ريحا هادئة تهب، التجشؤ يصبح هلوسة منظمة،
الهذيان العنيف يتحول الى خيال رؤيوي. إن استيطان المغرب العربي
يتسع ليشمل الكائن العربي، واللغة العربية، والثقافة الإسلامية.
جامع الفنا تترك المكان لتركيا، لمقطم القاهرة و "للقباب،
للأضرحة، للمنازل، للزوايا، للمدارس التي مررت بها منذ سنين"
بحثا عن "حب صاف" (برزخ)، من قبل انه المغاربي رث الثياب،
المحتقر، الذي قذف به الكاتب في وجه البورجوازي او في وجه
البورجوازية الغربية. طريقة فوضوية، سهلة شيئا ما، لكنها لا
تندرج في الحلقة المضادة للاستعمار، للانتلجنسيا الباريسية
المتعجرفة، وانما اقامتها في مركز حب وفي، ندا للند، بعيدا
عن أي شفقة.
الآن
مع الميل الى التأمل الفكري، في الروايات الأخيرة، كما في
المقالات - الروبورتاجية حول سراييفو والجزائر، يدخل السياسي
في اللعبة، لكن نجد الصوفية أيضا، في "دفاتر سراييفو" من أحسن
الروبورتاجات حول البوسنة، انه روبورتاج لكاتب ملاحظ، حساس
ونزيه. ان تحليل مكونات الأزمة الجزائرية رائع لصلته الوثيقة
بالموضوع، وقد جاء الأسلوب حادا وشفافا، فهل اهتمام غويتيسولو
بالصوفية هو نتيجة وجوده الطويل في المغرب، وارتياحه لأنه
ارتبط من جديد بأسبانيا الجديدة، وفي الوقت نفسه بأسبانيا
القديمة؟ الحرية المسترجعة تشرع الأبواب لأكبر تقليد صوفي
مزدوج: انه يوحنا الصليب وابن عربي. عن سان جون يقول لنا بأن
"أعماله الكاملة خدمت الرواية في بنيتها"، ويبدو في العمق
أنه استلهم ما كتب عن ابي عربي أو ما ترجم له من أعمال. إن
الأرض الأسبانية عرفت أحسن من أي مكان آخر توافقا بين التصوفين:
المسيحي والإسلامي، وفي مكان آخر، في ريناني “Rhenanie” و
في الشرق. تغذيا بدمالتهما الخاصة، لكن اهتمام غويتيسولو في
حقيقة الأمر اتجه أيضا نحو الحلاج والغزالي، وابن سينا، وكل
متصوف شرقي، وليس الى ابن رشد العقلاي الأندلسي.
إن
الأعمال الحديثة لخوان غويتيسولو حافلة بمراجع عالمة الى حد
ما، لأن المؤلف يعرف عما يتحدث، ونعرف نحن أيضا، انه ليس ذر
أشياء فقط، لنقل أن غويتيسولو ينتمي الى صنف الكتاب المثقفين،
تقريبا مثل بورخيس الذي كان مشغولا هو الآخر بالعالمية، وكان
مهتما بالثقافة العربية، لكنه كان مرتبطا بشكل كبير بنوع من
الاستيهام الأوروبي، في حين نجد غويتيسولو متوغلا بشكل عميق
في الثقافة العربية - الإسلامية، التي تجري في عروقه، كل ذلك
مع بقائه ممثلا كبيرا للأدب الأسباني المعاصر. لا أحب أن أتحدث
كثيرا عن العالمية لأنها ليست سوى مقصد، وأبدا لم تكن واقعا،
وأيضا لا أحب الحديث عن حوار الثقافات، لأنها عبارة لا جدوى
منها. بالفعل إن هدف غويتيسولو لهو ادخال الكائن العربي والإسلامي
في انثناءات بناء روائي معاصر بشكل رائع وأصيل، ومعذب، وبقاؤه
بعيدا جدا عن أي أدب استشراقي.
من
أجل صورة لخوان غويتيسولو
خوسى
أنخل بالنتي
لقد
تعارفنا في أواخر الأربعينات في حي Arguelles في الطرف الآخر
قرب L'Hospital cpinico حيث آثار الحرب مازالت ماثلة للعيان.
هذه الحرب الأهلية التي نجهل اليوم متى، وأين، وبين من كانت
قائمة، هذه الحلقة الداعية التي ظلت نتائجها بالنسبة لنا غير
قابلة للهضم. منذ ذلك الحين انساب كثير من الماء: ماء أو مياه
صاخبة وعكرة انسابت في ممرهم؛ الأحياء والأصوات. أنت وليت
وجهتك، وأنا وجهة أخرى. لقد تفرقنا نحن الاثنين، غير أننا
التقينا فيما بعد، بحيث، رغم هذا التباعد، فهذه اللقاءات تحولت
الى صداقة، قوية، ودائمة. في الأول التقينا في جنيف، وباريس،
وبعد ذلك في مراكش وألميريا، لم تمر إلا أيام قليلة حين تناولنا
وجبة العشاء، مرة أخرى، في منزلك بـ33 زنقة بواسونيير “Peissournier”
برفقة مونيك، وكورال، والعزيزين ماري سيسيل وعمران المالح.
لكن
لا يتعلق الأمر فقط بالصداقة واللقاءات، ففي الوقت الحاضر
هناك شيء أعمق بكثير يجمعنا، ويجعلنا أكثر متانة، أعتقد أنها
الذكرى الأصل - أصلنا المشترك - لهذه الحرب العسيرة الهضم،
ولكل ما نجم عن ذلك، وهو ما أخفي فيما بعد بأقنعة النسيان
المؤسساتي، وما نسميه بالديمقراطية. نحن الاثنين نجهد نفسينا
في بعث الأصوات، هكذا فالبارحة مثل اليوم، مثل كل الأيام،
تقول في روايتك الأخيرة: "من تكون؟ وماذا تصنع هناك؟ ولماذا
لا تجرؤ على تقليب الجثة للتعرف على وجهها بجماله وامتلائه
الذي تحول الى لهيب حي" (الأربعينية: ص 113).
ألقت
الحب الملتهب، رؤية مشتعلة، في أعماقك، لجذورك الأمومية. الموت
صورة حية، نعم هناك شيء مشترك بيننا؛ إنه رفض التلاعب بالتاريخ
والضرورة الملحة للقيام بقراءة مضادة للحكي الطويل والخاطئ
للملحمة البطولية الأسبانية كما هي، أو كما يستمرون في تقديمها
لنا.
فلذلك،
الآن، حيث يتبين بأنهم كلهم مشتاقون للإتيان بالماء الى هذه
الطاحونة أو تلك، أظن أنه بقي لنا أيضا، لك ولي، كلمة مشتركة
بيننا، بسيطة، وكثيفة، مختصرة وشعرية هي: لا.
عن
كتاب:
Juau
Goytisolo
Les
paysages dún flaneus
Ed:
Fayard p.p:144-145.
حوار
جغرافية
المنفى
لقد
توفي فرانكو منذ سنوات، فما الذي تغير في أسبانيا؟
إن
المجتمع الأسباني، قد تغير قبل موت فرانكو، ومازلت أتذكر سجالا
دار بيني وبين بعض ممثلي اليسار في المنفى، وكان ذلك حوالي
سنة 1964، كنت أؤكد بأن حكومة فرانكو كان قد قضي عليها، لكن
ليس بنفس الطريقة التي يفكرون بها في المسألة. ليس الصراع
الشعبي المسلح هو الذي سيسقطه، ولكن نوعا من الدينامية الاقتصادية
هي التي ستجعله غير لائق. فمن جهة، أدت هجرة العمال الأسبانيين
إلى أوروبا الى تكون وعي نقابي وسياسي لديهم، الشيء الذي كانوا
يفتقدونه، ومن جهة أخرى، أدى تدفق السياح الهائل الى تغيير
العقليات تغييرا جذريا: لقد كانت الانعطافة مدبرة منذ 1964،
ومع ذلك ظل الحكم قائما، لكن مع موت فرا نكو انهار لأنه لم
يعد له مكان في مجتمع كان قد نضج من أجل الديمقراطية: ان ما
وقع فيما بعد لم يكن سوى تأكيد لتحول كان قد وقع بشكل أعمق
عشر سنوات مضت. يتعلق الأمر، إذن، بحرية ممنوحة، لا بحرية
منتزعة بالقوة. إنها حرية مبرمجة بكثير من الذكاء؛ فهي تعكس
التطور الواقعي للمجتمع الإسباني، فالشباب الإسباني اليوم،
يشبه تماما السباب المراهق لباقي الديمقراطيات الغربية. لن
أقول نغمر "الفراغ" لكن نفس مجموع التصورات المبهمة، والطموحات
الغامضة. يوجد هناك نوع من التصغير، فالمشاكل هي: نفسها، والأذواق
الموسيقية كذلك، ومشكل المخدرات هو نفسه، وكل شيء يمر بلامبالاة
كبيرة.
حتى
في الأدب؟
يوجد
هناك ما يشبه نوعا من توزيع الأدوار، فالبلدان "الثانوية"
لا تستطيع العمل سوى في بعض الكليشيهات، تلك التي ننتظرها
منها. إن النجاح الكبير الذي حققه أدب أمريكا اللاتينية اليوم
أتى من انبنائه على عدد من الصور المقيدة. إنها قارة سحرية،
هذه التي أنتجت هذا العدد الهائل، من الروايات المفرقة بالعجائب،
لكنها أيضا قارة في صراع، إنها حصيلة تضمن النجاح في الحين.
أما
بالنسبة لأسبانيا فإنها تجر ماضي أرضها الذي عبر من لدن المسافرين:
فأسطورة كارمين “Carmen” هي أحسن التوضيحات على ذلك، متبوعة
من قريب بأسطورة الحرب الأهلية: الأسطورة البطولية، هكذا فرواياتي
الأولى قد أثارت الانتباه لأنها كانت في العمق ضد الفرانكفونية،
وخارج هذين الكليشيهين فالقراء لا يعرفون بتاتا كيف يجيبون
عن الأسئلة المطروحة حول الواقع الأسباني الجديد، وينتظرون
شيئا آخر.
كان
الأدب الأسباني قد قطعت رأسه بسبب الحرب الأهلية، خراب عام،
فبعض الشعراء الكبار بقوا في المنفى، أما في الداخل: فيوجد
نوع من الجفاف الثقافي، دام ما يناهز 20 سنة. كان لابد من
انتظار بداية الستينات حتى ينهض الأدب الأسباني بمهل من رماده.
كثير
من الناس كانوا يعتقدون بأنه مع موت فرانكو، سيسمح اختفاء
الرقابة بظهور مواهب جديدة، وكنت دائما متشككا في ذلك.
في
الوقت الذي كنت فيه قارئا عند "جاليمار" “Gailirnard” كنت
أهاجم كثيرا من لدن الحكومة التي تتهمني بنشر نصوص الفرانكفونية
الدعائية. كنت أتلقى، إذن: كثيرا من النصوص السياسية المعادية
للحكومة: أبدا لم أعثر على كتاب جيد، مع الأسف، فالرقابة الأسبانية
لم تكن قد منعت أشياء ذات أهمية! هناك كتب قليلة جدا "تصدر"
اليوم. ففي الميدان الروائي، سأذكر الروايات لأخي لويس غويتيسولو
والمجموعة تحت عنوان “Antagonia”والتجربة الحديثة لخوليان
ريوس “Julian Rios” مع لاربا “Larva” وأهم شاعر ما بعد “الحرب،
في اعتقادي، هو خوسي انخيل بلنتي “Jos'engel Valente” ولكن،
تعرفون، بأن الحالة في فرنسا لم يعد يحسد عليها، وحدها كتب
بيير غايوطا “Peire Guyotat” تبدو لي متجددة إلى أقصى حد.
ما
هي مكانتكم في الأدب الأسباني المعاصر؟
إنني
وجه هامشي، ليست لي أشياء كثيرة مشتركة مع أغلب الكتاب الأسبانيين.
أحس بأني أقرب الى كابريرا أنفانتيه “Cabrera lnfante” وسيبروساردي
“Sardy Severo” وسيلا “Cela” ودليبس “Delibes”. إن مراكز اهتماماتهم
تختلف تماما عن مجالات اهتماماتي. إني لا أجعل من الأدب حرفة،
كنت أقول دائما بأنني أحاول أن أكسب قوتي حتى أستطيع الكتابة
وليس العكس. لقد هاجرتم برشلونة سنة 1956، وصرحتم بما يلي:
"لقد فهمت بأنه ببقائي في برشلونة سأتوقف نهائيا عن الكتابة".
إن
الجو الذي كنت أعيش فيه كان معاديا، تماما، للابداع الأدبي،
كان علي أن أدافع عن نفسي في كل دقيقة ضد هجومات الصحافة المكتوبة
أو المسموعة. كنت سأفقد كل طاقتي، لست إنسانا خارقا. إن عمل
الكتابة يساوي عندي الكثير، وقد اخترت أن أركز على الأهم.
ماذا
أعطاكم المنفى؟
لم
يعد بإمكاني الحديث عن المنفى في الوقت الذي أصبح فيه بإمكاني
الرجوع الى أسبانيا غالبا، حيث ألقي محاضرات بها، كما تنشر
كتبي فيها. منفاي، إذن، جميل إنني بكل بساطة أريد أن أعيش
في الأماكن التي اخترتها، والتي أرتاح فيها، وكذلك لا أحس
بضرورة العيش في أسبانيا لكي أكتب. بعض الكتاب سيؤكدون لكم
العكس. كل هذا احتمالي، في المنفى هناك أناس يبقون ذهنيا كما
عاطفيا متعلقين ببلدهم الأصلي إنهم يقومون بتخييم، وعلى العكس،
هناك آخرون يتلاءمون، فيغيرون لغتهم، ويصبحون فرنسيين، أو
أمريكيين، وهناك نوع ثالث، هو الذي أنتمي اليه، بلا شك، فبابتعادي
عن بلدي الأصلي لا أندمج تماما في بلدي المختار، أي في المجتمع
الذي أعيش فيه. لست فرنسيا حين أعيش في فرنسا، ولا أمريكيا
حين أذهب الى الولايات المتحدة، ولا أحس بأنني مغربي حين أكون
في المغرب.
نحس
ونحن نقرأ لكم، أو ننصت اليكم، بأن أسبانيا لم تعد تهمكم بتاتا،
وأنكم لم تعودوا تعطون وصفا لها، على الأقل، منذ "بطاقة هوية".
نعم
ولا.. لا أعرف عملا أدبيا أكثر أسبانية من "دون خوليانا" الذي
موضوعه، وأذكركم به، هو كلية الثقافة الأسبانية: انه تحليل
نفسي للواقع الوطني، ومراجعة لأسس المجتمع. لكن لا يتعلق الأمر،
طبعا، بوصف فيزيقي لأسبانيا، وهذا الاختيار كانت طنجة مكانا
له. اسبانيا منظور اليها من الخارج، من الشاطئ، الافريقي.
في "خوان بلا أرض" يبدو الغياب أكثر وضوحا، وفي "مقبرة" فهو
كلي، وفي "مناظر بعد المعركة"، فالسارد اسباني، كما توجد تلميحات
لأسبانيا من خلال طريقة عيش هذا السارد، وكذا في مواقفه، وكل
هذا يستنتج بشكل ضمني: أسبانيا حاضرة بغيابها، شخصيتي الرئيسية
توجد في وضع تهكمي لأنها تركت الألم وراءها. فالصدمة قد تجاوزت
بالسخرية والفكاهة، هذا الألم الذي كان حاضرا في "بطاقة هوية"،
وموجود كذلك في "الحظيرة المحجوزة"، وهو نص سير ذاتي، ممتد
من ولادتي حتى رحيلي إلى اسبانيا.
مع
اختلاف "مناظر بعد المعركة" فـ "الحظيرة المحجوزة" قد تم تلقيه
بشكل جيد.
مع
وجود الفارق، أرى هنا ظاهرة موازية مع ما وقع أثناء نشر "مائة
عام من العزلة"، فهذا الكتاب قد أعطى غيابا، فيأب البعد الخيالي
في أدب اللغة الأسبانية فيما قبل. ابان القرن الثامن عشر،
كان بلانكو وايت Blanco white قد تحدث عن "الخمول الخيالي"
للاسبانيين. بالنسبة اليه ثربانتيس “Cervantes” كان قد وضع
نقطة النهاية لكل بعد خيالي. يوجد في "الحظيرة المحجوزة" رجوع
الى الخيال، وخصوصيته المشوبة بغطاء تاريخي، والتي تجعله مفهوما
على التو.
وأخيرا
فالمجتمع الأسباني ناضج من أجل امتحان حر للوعي، هذا الامتحان
الذي يمارسه الأدب الفرنسي منذ القرن الثامن عشر، والذي بدأته
الانجليز مع نشر يوميات سامويل بيبيز (Samuel pepys).
هل
كتاب "الحظيرة المحجوزة" سيخلق جنسا أدبيا جديدا؟
لقد
وضع حدا لكل هذه المذكرات "المنسية" كان هناك دائما كثير من
"الذكريات" في أسبانيا، لكن، دائما، باعتبارها تمرينا تافها:
حكي لثرثرة، وتحليق فوق هذا المستنقع، واعلان بأن السارد الذكي
سيضيء فانوس القارئ المسكين. أتمنى أن يضع كتاب "الحظيرة المحجوزة"،
حدا لهذا التكاثر من الذاكرات المزيفة.
هل
يمكننا الحديث عن الذاكرات المضادة؟
لا،
إني أرفض هذه التسمية. انه نص سيرذاتي، وهذا التمرين يحتمل
عددا معينا من الارغامات، لا أتحدث عن فخاخ الذاكرة فقط، فهذا
المظهر الذي أوضحه بشكل جيد والتر بنيامين “Walter Benjamin”
حين تناول بالدراسة عمل بروست: انه الاختلاف ما بين الذكرى
والذاكرة اللارادية، وحدها الذاكرة اللاارادية تتمتع بالخصوبة.
الذكرى مخربة، وهمجية. ولقد استطعت التحقق من ذلك حين كتابتي
لهذا الكتاب، حين قيامنا باستكشاف الواقع في ماضيه، نشرع في
الوقت نفسه في عمل الأركيولوجي- إذا تم إدماج هذا العمل في
النص الأدبي- لكن نقوم كذلك بعمل كيميائي. يجب الا ننسى أن
الذكريات تندمج، إذن، في النص السردي، إنها خاضعة لقانون الحكي.
هل
فقد الشعب الأسباني الذاكرة، أم أنه لا يريد أن يمتلكها؟
هذا
يحلق بعيدا. كنت دائما أطرح السؤال: لماذا كل هذه النصوص التي
تكثر في الأدب الفرنسي والانجليزي، والتي كثيرا ما تؤذي الأدب
الأسباني؟ ولي جواب على ذلك: فهذه الإمكانية لخلق واقع، والقيام
بامتحان حر للوعي الوطني، ابان عصر النهضة، كان قد خنق تماما
في اسبانيا من لدن التيار المعادي للاصلاح، فالأسبانيون كتابا
كانوا أم لا، قد حلوا المشكل بتطبيق الإعتراف، لكن "الحظيرة
المحجوزة"، ليست باعتراف، فهذا الكتاب لا ينتظر أي مغفرة،
لم أمس لا بالذنب، ولا بالرغبة في أن أصدم، وبهذا أحس بأنني
بعيد جدا عن الأسبانيين، الذين يتأرجحون بين حب الظهور والمكر.
أحاول أن أكون غائبا أكثر ما يمكن عن الظواهر الثقافية السطحية
التي تحرك اسبانيا، وهذا لا يهمني، إن الأدب هو الذي يهمني
لا الحياة الأدبية، أعيش في باريس وحيدا، وفي مراكش أكتب،
وأستطيع أن أعمل على وتيرتي.
هل
كل كتبك هي سير ذاتية؟
لا
ففي "بطاقة هوية" كانت هناك عناصر سير ذاتية “ANTOBIOGRAPHIQUE”
وبالنسبة للكتب الأخرى، فإني أتحدث بالأحرى عن حضور متخيل
بيوغرافي. هذا هو كل الاختلاف الذي يميز "مناظر بعد المعركة"
عن "الحظيرة المحجوزة"، في الكتاب الأول شخصيتي تعيش في حيي،
داخل شقتي، وتنام في غرفتي، وعلى سريري، تقوم بكل ما أقوم
به، لكنها ليست هي أنا، بل تمتلك بعدا تخيليا. وفي الكتاب
الثاني، لم يعد الاهتمام منصبا على الكشف عن الواقع الممكن،
لكن بما كان موجودا بالفعل. حي "سانتييه" الذي تستحضرونه في
"مناظر بعد المعركة" الذي تعيشون فيه، يشبه، شيئا ما، قرية
في مدينة، وهو في الوقت نفسه واقعي ومتخيل.
إنه
عالم خاص جدا، هذا الذي أتشبث به كثيرا. اني، طبعا، أعطيه
تأويلا جد شخصي، وبدون اقتراع الكتاب، سأقول بأن الشخصية الرئيسية
هي وحيد يكتب، ومتنزه يمشي طول النهار في الحي، يتبع تقليد
كبار المتنزهين الذين يجوبون باريس ابان القرن الـ19، لكن
في مقابل هذه الروايات التي تتحدث عن باريس الفنية والمثقفة،
كتابي يستحضر باريسا غريبة، انها نتيجة السيادة الاستعمارية
الفرنسية. يوجد في احتكاك باقي الثقافات بالثقافة الفرنسية
شيء ما يفتنني.
أشياء
كثيرة تغيرت في أسبانيا، إلا كما تقولون، عادات واعراف الأنتلجانسيا،
هل لهذا السبب تحبذون، اتباعا للتقاليد، قراءة كتبكم أمام
الجمهور؟
استعملت
هذه الطريقة خاصة في "مقبرة" و "مناظر بعد المعركة"، وأردت
أن أبين كيف تستوجب قراءة كتبي. فنص كـ "مقبرة" قام بالتجديد،
وذلك مع التقليد الشفهي الذي ينتمي الى أدبنا منذ قرون، لقد
قمت بقراءات بصوت مرتفع لـ (La ganillo ale tormes) أو: (La
celertino) نفهم إذن بأن هذه النصوص كانت قد كتبت من أجل أن
تقرأ. إني لا أطلب من كل قرائي أن يقرأوا "مقبرة" بصوت مرتفع،
لكن، فقط بقراءة بعض الصفحات، هناك بالنسبة لي ما يشبه مطلبا
أقول فيه للناس: اصفوا إلى ايقاعي. طلب مجهود مماثل للنقد
الأسباني للأخذ بهذا الحمق: يتحدث عن سجل الأوبرا، لا عما
هو، في نظري أساسي؛ أي الموسيقى.
لقد
نشرتم عدة كتب نقدية، فما المكانة التي تحتلها بالنسبة لكتبكم
السردية؟
على
التفكير النقدي أن يتم بالموازاة مع كل عمل ابداعي. فـ "دون
خوليان"، هو قصيدة، وحكي ورواية وعمل نقدي. لا بد من القدرة
على قراءته في هذه المستويات المختلفة، عدد كبير من مقالاتي
يأتي من الدروس التي أعطيتها في الولايات المتحدة الأمريكية،
حول رواية أمريكا اللاتينية، وحول أدب العصور الوسطى، وحول
ثربانتس “Cervantes” أتعلم ثم أكتب.
تطالبون
الأدب بحقه في المتعة واللاجدوى؟
طبعا!
لا أعتقد في الجدوى الجمهوري للأدب، فتأثيراته على وعي الكائن
البشري هي تأثيرات تدوم طويلا. فدونكيشوت لم تكن له منفعة
مباشرة في المجتمع الأ سباني في القرن الـ17. إني كاتب وقارئ
في الوقت نفسه. لا تهمني سوى النصوص التي تتحد اني. إذا اقتحمت
كتابا حيث كل شيء واضح، ومتوقع، فانه يسقط من يدي: صمود ما
يثيرني، إنها متعة القارئ، هذا الجديد، جسد لجسد مع نص مجهول.
إنها شفرة أدبية جديدة هذه التي أتعلم أن أسيطر عليها شيئا
فشيئا.
أخيرا
ماذا يعني أن تكون أسبانيا؟
إنه
مؤذ ومنحرف جدا، أن يطرح مثل هذا السؤال. فمنذ موت فرا نكو
لم نعد نقول ماذا يعني أن تكون أسبانيا، بل ماذا يعني أن تكون
باسكيا، كتالانيا، أو أندلسيا، إننا نعيش نوعا من النرجسية
الوطنية. يجب الا نضبط الواقع مثل جوهر ما، لكن مثل طريق مفتوح
أمامنا. فالبحث عن هوية ما، هو الشيء الذي لا يقصى من رواياتي
أبدا، لكن الأجوبة التي أعطي ليست هي تلك التي نسمع، فحتى
في "دون خوليان" لم يعد هذا السؤال مركزيا. مع "مناظر بعد
المعركة" الأسئلة المطروحة من قبل شخصيتي “cag Mou person”
هي أسئلة كائن مقسم ومجزأ، له شيء ما من الهوس السياسي، يحس
بأنه منجذب بالخليط العرقي لحيه - الصدمة المتفجرة للثقافات
~ وله علاقات عاطفية مع ن رجته، لكن هذه العلاقات لا تتوافق
مع نزواته الجنسية، انه كائن ممزق. لكن عوض أخذ هذا بطريقة
دراسية كما عند أوناميو (Uanmio) أو كامو (Camus)، يأخذه بواسطة
الفكاهة ويضحك عليه، انه، بدون شك، من بين كتبي، ذاك الذي
تلعب فيه الفكاهة الدور الكبير، فكاهة سقراطية، هذه التي عوضت
الألم، وكما كتبت، فهذا الكتاب هو "درس الأشياء والفضاء والقصة
لم حكاية بدون قصدية أخلاقية / مجرد جغرافية للمنفي".
حاوره:
جيرار دوكورتائز
عن
مجلة Magasine Litteraiue
شجرة
الأدب
خوان
غويتيسولو
لن
أستطيع مرة أخرى تجنب ضرورة الحديث عن عملي الخاص ككاتب، رغم
اقتناعي العميق، المعبر عنه مرات عديدة، أنه اذا كان الجهد
المبذول لانجاز عمل أدبي ما يعود إلى الكاتب، فان حصيلته تنتمي
إلى جميع الناس إلا اليه. لهذا اقترح هنا التفكير لا في عملي
كروائي (آخرون مؤهلون أكثر مني قاموا بذلك) وانما في الاقتضاء
الأخلاقي الذي يبنينها، يعني التفكير في هذا القانون الخاص
بالشرف الشخصي لكل كاتب يحترم نفسه، ويعزم على وضع حياته كلها
في خدمة ما ارتأى أنه الأهم فيها: أي جهده الإبداعي.
من
الطبيعي أن يختلف هذا القانون الشخصي من كاتب لآخر، ويشتمل
أو لا يشتمل على قيم إنسانية؛ من لطافة، وشرف، وكرم، وعلى
معايير الأخلاق الاجتماعية أو المواطنة. وكما توضح ذلك التجربة
فإن كل كاتب صارم إزاء نفسه، لا يمتلك أيا مما سبق ذكره، يمكن
اعتباره وصوليا، بلا إحساس، نفعيا، وبذيئا، ومع ذلك، فإنه
يحتفظ، رغم احتمالات مغامرته، على الضرورة الفنية المتطلبة:
أي خيبة هذه باعتباره فردا بالنسبة لأخلاق اجتماعية مشبعة
بقيم تقدمية، لكنه يفوز بها في جهده الإبداعي.
إن
التاريخ الحديث يقدم لنا بعض الأمثلة عن هؤلاء الكتاب الملومين
انطلاقا من معايير مسندة من لدن الرأي الجماهيري، والتطور
التاريخي، لكن رغم ذلك فانهم يستحقون إعجابنا اللانهائي باعتبارهم
فنانين. إن هذا التناقض المزعج قد أتاح الفرصة لمناقشات لا
نهاية لها، والتي، في نظري، تعتبر عقيمة بين أولئك الذين حين
يدينون الإنسان يدينون بذلك الفنان، وأولئك الذين حين يخلصون
الفنان يتظاهرون بأنهم ستسامحون مع أخطاء وشطط الإنسان. هكذا
فالتناقض بين الأخلاق والاستطيقا قد أظهر الإبهام القديم لعلائق
المجتمع والفنان، حيث يحاكم الأول الثاني حسب معايير غريبة
عن تلك التي تتحكم في مغامرته الفنية الخاصة.
هل
الذي يتخذ موقفا أو يشارك في نشاط ملائم سياسيا من طرف اجماع
اخلاقي- اجتماعي، هل باستطاعته أن يبدع عملا أدبيا له قيمة،
يتساءل، بحيرة، المواطن الشريف؟ بتعبير آخر هل الإتقان الفني
للعمل يمتلك القدرة الخارقة لتوقيف حكمنا الأخلاقي حول ذلك
الذي أخرجه الى الوجود؟
إن
طرح السؤال بهذه الطريقة، يبقينا في ميدان يخبئ كل أنواع الفخاخ
والابهامات، لهذا سنبذل جهدا كبيرا لكي نتمكن من موقعته في
مستوى آخر، فمن جهة لابد من الإشارة إلى أن الرأي الجماهيري
متغير بسبب طبعه اللين، بحيث إنه حتى أولئك الذين يتقوقعون
في ميدان أخلاقي مفتوح على قيم الحرية، والديمقراطية، بامكانهم،
بسبب وفائهم الأعمى لمبادئهم، أن يرتكبوا ويدعموا أخطاء بل
فظا عات، ومن جهة أخرى، ففي الوقت الذي تصاغ فيه الأحكام اللوامة
أو المؤيدة، لابد من تجنب نسيان أن علاقة الشاعر او الكاتب
المسرحي أو كاتب العمل التخييلي بالمجتمع الذي يعيش فيه، والذي
ينفذ فيه الطلب الاجتماعي ليس لها كبير أهمية، بالمقارنة مع
العلاقة التي تجمعه بالمتن الأدبي للغته، ومن هذا الأخير بالتراث
الأدبي العالمي.
ما
إن نتخلى عن الفكرة الكلاسيكية المتعلقة بالتزام الكاتب إزاء
القوى التي تمثل الديناميكية الاجتماعية لبلده، ولزمنه حتى
نواجه أخرى تتعلق هذه المرة بالجذع الشجراتي (نسبة للشجرة)
والتفرع الورقي للأدب الذي يعتبر بتيلة فيه، إذاك نستطيع أن
نرى الأشياء أكثر وضوحا، وأن نكتشف قانونها الشخصي للشرف،
الذي يمحي أي سبب لوجودها عند النقيض سابق الذكر. إذا كان،
كما ألمحت على ذلك منذ سنوات، واجب الكاتب الأساسي هو أن يعيد
الى المجموعة الثقافية واللسنية التي ينتمي اليها لغة جديدة
أكثر غنى من تلك التي تلتاها منها ابان مباشرة عمله، فان الصياغة
الأخلاقية الحتمية تتقوقع في مجال يختلف عن ذلك الذي تحدثنا
عنه في البداية.
في
الواقع، فالكاتب الذي يأخذ عمله مأخذ الجد يواجه منذ البداية،
وجود الشجرة التي يطمح إلى تمديدها، وخصوصا إلى إغناء حياتها؛
فبقدر ما تكون هذه الشجرة عالية، كثيفة، سميكة ومتشعبة، بقدر
ما تكون امكانيات اللعب، والمغامرة كبيرة، وبقار ما يكون مجال
العمل الفني الذي من داخله يباشر استكشافاته، وأسفاره واسعا.
في حين نستطيع بسهولة التعرف على الكاتب من الدرجة الثانية
من خلال اختزاليته المقلدة - انتسابه على نموذج أو إلى معيار
معين - فالكاتب الذي يكون مطمعه ترك أثر، وخلق غصن أو فرع
في الشجرة، عليه الا يخضع لأي تأثير خاص، لأن نهمه الأدبي
سيمنعه من الوقوف عند كاتب معين أو عند نموذج واحد: مثل سرفانتس،
أو بورخيس، وسيكون مطمعه امتلاك كل التراث الأدبي لزمنه.
إن
أروع حوار للكاتب مع الشجرة، هو ذلك الذي يتم دون اهتمام بأذواق
ومعايير ل هذا الحوار الماضي والحاضر ويكشف عن أصول الحداثة
في القرون التي نعتت، ظلما، بأنها مظلمة، ويفطس الى الجذور
العميقة ويكتشف علاقاتها بالثقافات المختلفة، إنها عملية مهيجة
وجنونية هذه التي تحول بشكل ماكر- كما بين ذلك سرفانتس - جنون
الشخصية (personnuge) التي فقدت صوابها من جراء قراءتها لروايات
الفروسية، إلى جنون الكاتب حيث تنتهي السلطة المضللة للأدب
إلى خلخلة العقل.
إن
الكاتب الواعي بعلاقاته الثرية مع الشجرة، سيقيم حوارا مع
كل العناصر التي تتشكل منها؛ من النباتات الطرية، الأكثر نعومة،
إلى الجذور الفرعية التي من خلالها تبرز أحيانا التركزات،
والنباتات الطفيلية. فعندما يصل الى الطبقات العميقة التي
يؤمن بها، ويكتشف ملتقياتها الخفية مع الأشجار الأخرى، جنبات،
ونباتات الغابة العظيمة للكتابة، سيصل إذاك إلى الحرية، والى
رحابة فكر حداثيينا القدماء الأصليين: فعمله الأدبي سيكون
إذاك نقدا وابداعا، أدبا وخطابا حول الأدب.
إن
شجرة ضخمة جدا، كثيفة، ومتشعبة، مثل شجرة الحروف الإسبانية
تقدم وليمة حقيقية للمبدع الملتزم كليا بعمله الأدبي المتوحد:
إن تعدد جذوره اليونانية - اللاتينية، والعبرية، وتشابكها
الخصيب، وتبادلاتها، وتحولاتها، وكثا فتها، وخباياها تقدم
له إمكانية نادرة لتوسيع إبداعه الخاص، ولبسط قواعد لعبه باستمرار
في مجالات جديدة وخصيبة.
يعود
اهتمامي، قبل كل شيء، في السنوات الأخيرة. بكتاب ما قبل النهضة
- خوان ريوث “Juan Ruig” روجاس “Rojas” دوليكادو “Delicado”
وبكتاب ما بعد الموديخارية - سان جون دولا كروث “Saint jean
dela crax”، سرفانتس “Cervantes” إلا أن تركيب وبنية أعمالهم
لا يخضعان، كما هو الأمر بالنسبة للسابقين، لنموذج أو إلى
معيار معين، لكن هؤلاء هم ثمرة تطور عضوي محض أو أنهم نتيجة
لمنطق الحلم غير القابل، تقريبا، للفهم، ولهم قرابة من جهة
بالعبث اللفظي للطليعة الفنية لهذا القرن، ومن جهة أخرى بالتعبير
البارع المتعدد الدلالات للمتصوفة.
إن
إعادة قراءة سرفانتس من طرف بورخيس، وكونكورا “Gongora” من
طرف ليتاماليما، فجرت في لغتنا تيارا روائيا قويا، مؤسسا بشكل
دقيق على التزام كلي ينفذه السارد في علاقته بهذه الشجرة المغذية،
حيث تصبح الأوراق كتبا، ومخطوطات، وحروفا، وقصائد أعمال مثل
"دون خوليان “Don gulian” خوان بلا أرض “yuar sans tere” أو
"مقبرة" “Makbara” ليست فقط روايات، بل هي نصوص تم تحضيرها
من خلال اتصالها بكونكورا وسرفانتس بـ "كبير الكهنة" “Archiprein”
لهيتا مكونة معهم بذلك مضلعات، إنهم نتاج إغارة استحواذية
في الشجرة، وفنادتها المتوالدة.
إن
اكتشاف العلامات غير الملتبسة للحداثة، في استقبالية وانفتاح
من القرون الوسطى، وفي امتداداته الموديخارية، والرجوع مرات
عديدة لجنون سرفانتس، والى العبثيات الرائعة لسان جون دولا
كروث، والى العبقرية المتوهجة لكونكورا، هي أحسن الطرق لإظهار
الوفاء الوحيد الذي علينا أن نطالب به المبدع: التزام شغوف،
ومطلق وامتصاصي بالقرب من الشجرة التي تغذيه، والتي سيقدم
اليها، ذات يوم، بتواضع وحب، إذا استطاع ذلك، ثماره الخاصة
والمتواضعة.
عن
كتاب:
Yuan
Goytisola
L
arbre ale la littevatuse.
ترجمة
وإعداد الملف: عصام الخشن - 06.12.2004 - خاص بالإمبراطور