
الشمس
هنا ممزقة التيجان
والفراغ يرتمي سراً برائحة الجسد
فاديا
الخشن شاعرة لبنان المهاجرة: عفواً.. قصيدة النثر لا تشيخ
كثير هم الذين
هاجروا من أوطانهم واستثمروا غربتهم استثماراً جيداً، فلم
يتوقفوا عند عوائق الحياة في المجتمعات الجديدة، بل واصلوا
رحلة البحث عن التقدم والازدهار، وخاصة المبدعين، الذين نقشوا
أسماءهم في بلاد المهجر بأحرف من نور، وحفظ لهم التاريخ العربي
قيمتهم الأدبية والفنية، حتى إن رواد المهجر أمثال جبران خليل
جبران، وخليل مطران، وإيليا أبو ماضي، وميخائيل نعيمة، وغيرهم،
مازالت قصائدهم ومدارسهم الشعرية مادة أساسية في المناهج الأدبية
العربية.
وفاديا الخشن
واحدة ممن استهوتهم الغربة، وعزفت على أوتارها كثيراً من القصائد.
وهي لبنانية الهوية، دمشقية الميلاد، عملت في الصحافة السورية
لسنوات وتقيم الآن في الدانمارك. صدر لها في القصة مجموعة:
"القطة البيضاء للأطفال"، وفي الشعر صدر لها: "نار منك تتبعني"،
و"المستأنس بينابيعه"، و"الحب زحف مقدس". حول مشروعها الشعري،
وأثر الغربة على إبداعها، ورؤيتها الخاصة للوجود، وموقع القصيدة
العربية إزاء القصيدة الأوروبية، كان لنا هذا الحوار:
* لك رؤية
شعرية وفلسفة خاصة للوجود، ربما تقوم على رفض الواقع واستشراف
الحلم، فهل هو الصراع التقليدي، أم إن لأحلامك سمات أخرى؟.
ـ الحلم هو
سماد القصيدة، حيث لا يحيا الشاعر في أرض مفرغة من الأحلام
وإن كان الواقع وعراً صعب المراس، فالحلم فردوس القصيدة، ونورها
الجامح، ينتج جماليات القصيدة، أما رصد سمات الحلم فهو دكتاتورية
مضاعفة؛ حيث لا يجوز تحديد ملامح الحلم وتحديد سماته؛ لأن
الحلم: هو خصوبة القصيدة، هو فائض الإنسان، وجزؤه المجنح الطائر.
* هل يشكل
المكان بعض نسيج قصائدك؟.
ـ أفضل مكان
للقصيدة هو الفضاء الواسع الرحب، وأي مكان آخر هو استئجار
موقت، ولكن مما لا ريب فيه أن كل مكان جديد لا بد
من أن يفرض على القصيدة لغة ومفردات جديدة ويزود الشاعر
بصور مبتكرة ورؤى مستمدة ببعض جوانبها من وحيه سواء أ كان
هذا المكان من وحي خيال الشاعر وشطحاته الخيالية الجمالية
المتميزة أم مكاناً حقيقياً.
فالمكان يلعب دوراً لغوياً ضاغطاً حيث لابد من أن تتفاوت لغة
الشاعر ما بين اللغة اللينة المختزلة التي لا تعنيها التفاصيل
الدقيقة.
وهي لغة المدينة،
واللغة الشعرية القاسية الوعرة لغة الصحراء فالشاعر الذي وقف
أمام الأطلال الدارسة والأثافي باكياً الأهل والأحبة، الغارق
بدفء الذاكرة، لا شك تختلف لغته عن الشاعر الذي يقف فوق برج
إيفل أو أمام عروس البحر وقد سرق رأسها، أو أمام متحف الفايكينج،
ولكن مهما يكن من أمر، فلا بد من أن تحمل القصيدة بعض أطياف
محليتها، وبعض سماتها العامة، والشاعر المقتدر هو الباحث الدائم
عن المخبوء من أسرار اللغة وجمالياتها، الذي يمدها بحركية
واشتقاقات ومدلولات جديدة، مساهماً في ذلك بدفعها لأن تقف
في مصاف اللغات العالمية الأخرى.
فالمكان لا
بد من أن يشكل بعض نسيج قصائدي بشقيه: المكان الذي ترقى إليه
القصيدة، أي المكان الذي تحط عليه عين الشعر ورغبة القصيدة،
أو المكان الذي تقصده خطى الشاعرة، ولكن طبعاً لم يدخل المكان
في نسيج قصائدي إلى حد ارتباطه باسمي، كما ارتبط اسم غرناطة
على سبيل المثال باسم الشاعر لوركا، وكما ارتبطت صنعاء باسم
الشاعر عبدالعزيز المقالح، أو كما ارتبط اسم دبلن باسم الكاتب
جيمس جويس في روايته "عوليس" حيث قيل في هذا: لو هدم زلزال
مدينة دبلن لاستطاع المهندسون والبناءون إعادتها وفق الخريطة
التي رسمها جيمس جويس، فأنا لا أرسم في قصائدي الخرائط للأماكن
ولكنها تفضح الرتابة فيها كما تفضح طبخات الموت والطبول الكاذبة
التي تقرع فيه أو المنابر التي تعمل بالعضل الذهبي تفضح الأماكن
التي تسجن القصائد وتذبح الورود وتطعن الأحلام وتطرد العصافير
من عليائها.
* ما الذي
أضافته الغربة على مستوى التجربة؟.
ـ الغربة ملجأ
كما هي افتقار لدفء الذاكرة وهي تأخذ كما تعطي، وهذا يتوقف
على توازن الشاعر الكياني وديناميكيته. والغربة في حقيقة الأمر
أخرجتني من حالة الرتابة الباردة والترقب الجامد والتأهب والمراوحة،
إلى حالة الانطلاق حيث الآفاق الواسعة الرحبة والعوالم الأكثر
تفتحاً وانفتاحاً كما أنها لونت خيالاتي ومدتني برؤى أكثر
غنى، هذا علاوة على أنها زودتني بلغة شعرية جديدة.
* تقولين في
إحدى قصائدك: "لكنني والغربة... حسناء ووحش"، فهل نفهم من
ذلك أن الغربة تمثل لك منفى ينبغي الخلاص منه؟.
ـ غربة الشاعر
لا تقاس بالمسافة الجغرافية، فهي غربة متنوعة: غربة مكانية
وغربة نفسية وغربة ثقافية وغربة روحية. فالشاعر غريب لأنه
الخارج عما استقر بالوعي الإنساني الماضي
في تموجات الحلم وارتعاشات الضمير المستبسل في سبيل التمرد
على الهزائم. فهو في كل قصيدة البادئ، وكل بادئ غريب إلى حين،
ولي فلسفة خاصة في نوع جديد من الغربة: ففي أحد المقاطع أقول:
السؤال منفى
والأجوبة وطن
فالغربة عندي هي السؤال الذي لا يلقى جواباً؛ لذا تراني الراكضة
أبداً بوجدان حاضر، والماضية إلى ما لا نهاية وراء خيط النور
وظل الشمس الضاحك طارقة الأبواب بيد الخيال، مسافرة أبداً
بتوق القصيدة وبكل المسافات والأمكنة وكل الأزمان، كذا الشاعر
سندباد متبصر جواب آفاق، أما عن غربتي المكانية، فشأنها شأن
هذا الثلج، هي غربة عابرة وهي رهينة الطقس النفسي وهجمات الحنين،
وهي تجففني حيناً، وتربت على كتفي حيناً آخر، أمضي بها منقادة
بجرس الضباب؛ حيث إن الغربة لا تلد إلاّ الغربة، والمنافي
لا تلد إلاّ المنافي، فالشمس هنا ممزقة التيجان والفراغ يرتمي
سراً برائحة الجسد.
* لو عاد أفلاطون،
كيف تردين على طرده الشاعر من مدينته الفاضلة؟.
ـ لو عاد
أفلاطون كنت سأقول له: لقد كنت شاعراً في مدينتك الفاضلة فلم
طردت الشاعر منها وهي قد أقيمت بوحي شاعر وروحه ورؤيته؟.
* يمثل غياب
الوطن هاجساً مؤلماً في قصائدك، فهل مازلت تقولين: "أيها الطير
الجغرافي العارف/ دلني على الدولة الأوسع من حضن أمي؟.
ـ نعم؛ فالطير
الجغرافي العارف يتحمل كل الطقوس: العواصف والثلوج والحرارة
فهو الطير الذي لا يخطئ الهدف ولا يخطئ الزمن ولا المكان،
هو الطير الذي يرحل ويعود ثانية دونما دليل، هو الطير الفينيقي
الذي ينهض من الرماد ليعيد تشكيل العالم على الشكل الذي
يريده، وعندما تكون القصيدة طيراً معلقاً في الفضاء تكشف وترى،
ولو خافت القصيدة من فقدان أحد جناحيها تدرك ضرورة أن
تحط مجدداً على الأرض.
* يقول الشاعر
الفرنسي جان كوكتو: "الشعر ضرورة وآه لو أعرف لماذا!"، فماذا
تقول الشاعرة فاديا؟.
ـ أقول: الشعر
أم الأمهات وأنا من دونه يتيمة!.
* "هاأنذايقص
عطركَ وحدتي/هناحيثما من كوكب يسقط في
طريق الشعر"،
تتجسد العاطفة في شعرك أنثى تلقي بأحمالها على
حبيب من طراز خاص، ما الحب في منظور فاديا؟.
ـ الشاعر
في حقيقة الأمر هو وجدان يمشي على الأرض، شجرة عاطفية تهزها
الريح ويضربها البرق حتى الاحتراق وهي عند الاحتراق سماد لربيع
آخر!.
* كيف ترين
مستقبل قصيدة النثر في الوطن العربي؟.
ـ المستقبل
عصفور طائر في فضاء رحب واسع كيف لي أن، أمسكه وأضعه في عش
التبويب؟، ثم إنني بصراحة لست متعجلة لأحقق تاريخيتي الشعرية
وتاريخية القصيدة الحديثة، بصرف النظر عن الاختلافات التي
تجري دائماً حول مصطلح قصيدة النثر.
فالواضح أنها
مهيمنة على ساحة الشعر العربي عموماً وهي حاضرة وتتطور وتشكل
دون أدنى شك أكبر التحديات الراهنة ولكن ذلك
لا يعني بأن مستقبلها يمكن أن يقرر كاملاً. يمكن للباحث الأدبي
أن يتكهن، أن يرصد بعض معالمها،سماتها،ويمسك بعض خيوطها فقط؛
لأن العلاقة بين حاضر هذه القصيدة ومستقبلها هي علاقة تجاذبية
أشبه بساعة الرمل. والقصيدة التي يمكن أن نرصد مسبقاً مستقبلها
هي قصيدة قاصرة مقيدة مكررة مقلدة لا يمكن بحال من الأحوال
أن تنطبق عليها سمة الحداثة.
وارتكازاً
على ذلك فقد علت بعض الأصوات التي ترى أن قصيدة النثر هي مستقبلها
لأن الزمن فيها افتراضي متحرك وقد يمتد إلى زمن لم يأت بعد.
أما رؤيتي الخاصة، فهي أنها قائمة على قدم وساق ماضية بقدمين
عضويتين غير عابئة بالكم الهائل من التنظيرات التي تدور حولها
معها وضدها لأنها الاستيعاب الأكبر والاحتواء الأوسع فهي قصيدة
لا تشيخ، وبالتالي لا يمكن أن تموت نظراً لتلاؤمها مع مقتضيات
العصر الثقافية والتكنولوجية والعلمية، ومما يؤكد لنا ذلك
بعض الشعراء الذين نبذوها ونظَّروا في البداية ضدها، لقد حاول
أكثرهم كتابتها أخيراً لكن محاولاتهم باءت بالفشل.
* ما موقع
القصيدة العربية إزاء القصيدة الأوروبية في ظل ما نقرأ حول
تابعية الشاعر العربي إلى مدارس الغرب؟.
ـ هناك تجارب
شعرية عربية تفوق بقيمتها الفنية والشعرية كثيراً من التجارب
الأوروبية، ولكن كلاً من الإعلام العربي والأوروبي يعملان
على تغييب وتغريب هذه التجارب، وأنا شخصياً غير مسحورة بأعمال
كثير من الرموز المنتشرة كالفطر في بلادنا.
خالد الأنشاصي
- جريدة (الوطن)