
البرتو
مانغيل يعيش بين 30 ألف كتاب
القارئ
الحقيقي لا وطن له
«journal Dصun
Lecteur» أو «يوميات قارئ» هو اسم الكتاب الجديد للأديب البرتو
مانغيل المولود في بيونس ايريس عاصمة الأرجنتين العام 1948
والذي اصبح مواطناً كندياً منذ العام 1985 ويعيش حالياً في
إحدى القرى الجبلية الصغيرة في فرنسا حيث بنى له بيتاً كبيراً,
فيه الى التحف واللوحات وما شابه, مكتبة شاسعة ضمت 30 ألف
كتاب يمتلكها, وهي باللغات الفرنسية والإنكليزية والأسبانية
والإيطالية والبرتغالية والعربية واللاتينية. ولأن كتبه هي
حياته فهو يقول: «أحس بأن شيئاً فيّ يموت عندما افترق عن كتبي»
إذاً مكتبته هي عالمه الحقيقي.
في بيونس ايريس
عمل مانغيل سكرتيرا للكاتب جورج لوي بورغيس الكاتب الضرير,
وكانت مهمته ان يقرأ لبورغيس الضرير, وهذه المهمة اوجدت من
مانغيل قارئا نهماً وشرهاً لا يشبع, قبل ان يكون كاتباً.
وقراءاته بدأت
باللغتين الإنكليزية والألمانية اللتين تعلمهما من مربيته.والده
كان سفيراً للارجنتين فسمح ذلك له ان يجوب العالم منذ ولادته
وينفتح على اللغات ومنها الاسبانية التي تعلمها في السابعة
من عمره. اما الفرنسية فأتقنها عندما جاء فرنسا العام 1968,
وفيها برز مترجما وناشرا وروائياً. ولكن اهم كتبه هي التي
تندرج تحت عنوان الدراسات وهذه نال جوائز عديدة عليها,منها
جائزة «Medicis Essai» عن كتابه «تاريخ القراءة», و جائزة
«France- Culture» عن كتابه في «غابة المرايا» عام 2001.
وبعد ان تنقل
في إيطاليا وإنكلترا وتاهيتي وكندا استقر مانغيل مع كتبه في
فرنسا.
ماذا يريد
مانغيل من كتابه «يوميات قارئ»؟ يقول: اردت ان ابين ماذا يحدث
لنا عندما نقرأ. انها طريقة لافتح في دماغي نافذة ولأبرهن
ان لحظة القراءة ليست لحظة مقفلة ولكنها لحظة مفتوحة على العالم.
ونسأل مانغيل
ماذا يحدث عندما نقرأ؟ فيجيب:
«كل نص يخضع
للنقاش والتعقيب اثناء قراءته. ونحن نناقشه انطلاقاً مما يحدث
حولنا وفي العالم: زيارة صديق, خبر سمعناه في الاعلام, سؤال
من طفل, تغيير في حديقة, كل ذلك يدخل في العمل الذي نقرأه
ويلعب دوراً محدداً. وهذا يبرهن الى اي حد هي القراءة وهي
فعل لشخص وحده, هي في الوقت نفسه, النشاط الوحيد الحواري فعلاً.
اليوم نطمح للقول بأن الكمبيوتر يطرح هذه الحوارية, ولكن هذا
خطأ! لانه عندما تستخدم الكمبيوتر فأنت لا تتواصل الا مع ما
هو مبرمج. وعندما تتواصل مع ذلك يجب ان تتبع نظاماً معيناً.
بينما القراءة هي على العكس هي حرة بالكامل. ففي فعل القراءة
توجد فوضى تامة ومنقذة. وهذا ما حاولت ان ابيّنه في كتاب اليوميات
التي تغطي عاماً كاملاً €2002 2003€ وحيث اخترت عشوائياً
كتاباً واحداً ليقودني كل شهر.
وما عناه مانغيل
انه اختار 12 كتاباً من اهم الكلاسيكيات في الادب العالمي
ليقرأها بمعدل كتاب كل شهر يسجل خلاله ملاحظاته وما يحس به
وما يحصل له اثناء قراءة هذا الكتاب, والقراءة بالنسبة الى
مانغيل هي لذة. فماذا يقول للذي يشك بحتمية انها لذة؟ يجيب:
القارئ الحقيقي
لا وطن له. فوطن القارئ هو وطن الادباء الذين يقرأ كتبهم.
بالنسبة الي انا المولود في الأرجنتين, بروست او سيتفنسون
ليسا غربيين او اجنبيين. انهما جزء من عائلتي. انهما جذوري
واصدقائي… فالقراءة هي خير وسيلة للوصول الى حيث يمكننا ان
نكون سعداء. بالنتيجة, نحن نمضي الموقت بالاعتقاد ان الاحداث
اليومية والسياسية والاقتصادية والدين هي الحقائق التي تحددنا,
ولكن هذه خديعة! الحقيقة الوحيدة الصحيحة هي تلك التي نستطيع
من خلالها لمس الجذور, هي تلك التي نكتشفها في الكتب. عندما
نقرأ نرسو على ضفتي مكان من الأمكنة, يعني ضفتي بلد لا نعرفه
بعد. ومع ذلك فباكتشافنا هذا البلد نعرف اننا لم نفعل الا
ان نعود الى مكان عرفناه ولكن لم نرجع اليه. وأضيف انه عندما
نقرأ, نكون وحدنا, ولكن العالم بأكمله يدخل في الصفحة ويمكننا
ان نشاركه ما نقرأه.
ماذا يعني
بالفوضى التي ينسبها للقارئ الحقيقي؟ يقول مانغيل:
لنكن صرحاء:
ليس هناك الا المجانين وأساتذة الأدب الجامعيين الذين يقرأون
بنظام. انهم يقرأون حسب نظام تسلسلي او جدول تاريخي, او كل
أعمال كاتب معين في الوقت نفسه مانعين أنفسهم من الانتقال
الى كاتب آخر قبل الانتهاء من الأول.
ولكن القارئ
الحقيقي هو فوضوي بطبيعته. فهو يتأثر بعنوان, او بغلاف ويترك
نصاً ليذهب الى آخر. فهو لا يرتبط بشيء حتى بالانتهاء من كتاب
بين يديه. وهذه الانتقائية هي التي توفر له الحرية ومن دون
حدود, القراءة, اذاً هي ممارسة الحرية المطلقة.
في كتابه «يوميات
قارئ» يؤكد مانغيل ان القراءة تفرض بضعة التزامات لتكون اللذة
كاملة. ما هي تلك الالتزامات؟ يقول: هذه الالتزامات موجودة
وهي المفارقة لمسألة القراءة, وهي ما يمنع عن القارئ ان يختلط
مع الفوضوي المطلق. والالتزام الاساسي هو ان يترك القارئ العمل
الأدبي مفتوحاً على العالم. يعني ان يبقى القارئ متيقظاً للعالم
الذي يحيط به اثناء القراءة. مثلاً في شهر ايلول €سبتمبر€
2001 كنت اقرأ شاتوبريان, عندما هاتفتني ابنتي التي تعيش في
اوتاوا لتعلمني بما كان يحصل في نيويورك. اي ما حصل في 11
ايلول, فأنا لا املك جهاز تلفزيون. وبعد الاتصال الهاتفي,
عدت للاستغراق في قراءة شاتوبريان, وهل تعلمون ماذا اكتشفت
اكتشفت. اكتشفت ان شاتوبريان يحدثني.
فهو €اي شاتوبريان€
في كتابه «m€moires Dصoutre- Tombe» يشرح لماذا لم يرغب بالانضمام
الى الثورة الفرنسية بعد ان رأى اول رأس يتدحرج مضرجاً بالدماء.
فهو كتب يقول: «ابداً لا يمكن ان يكون القتل اداة للاعجاب
بنظري, او حجة للحرية وأنا لم اعرف شيئاً احقر أو اجبن او
أغبى من الارهابي».
ويضيف مانغيل:
شاتوبريان هو من القرن الثامن عشر يتحدث في نصه هذا: الى كل
انسان في القرن الواحد والعشرين. انه يرسل حكماً حول كل ما
نختبره اليوم في اللحظة التي نعيش هذا الاختبار. كيف! بسبب
نعمة القراءة. ففي هذه الصفحات شاتوبريان يعرّف, لأول مرة
في التاريخ, كلمة «ارهابي». بالطبع المعنى كان مختلفاً بعض
الشيء لانه استخدمه مستنداً الى عنف الثورة الفرنسية, ولكنه
لم يكن بعيداً عن المثل الذي يقدمه اليوم المسؤولون في تنظيم
القاعدة».
ولأن مانغيل
يعتبر صاحب اكبر مكتبة خاصة في الغرب الى حد ان يقصده صحفيون
من كل ارجاء أوروبا لاجراء تحقيقات عن مكتبته, فلا بد من سؤاله
عن كيفية ترتيب مكتبة كبيرة بهذا الحجم €30 الف كتاب€. فيقول:
عشت سنوات
طويلة من دون ان امتلك مكتبة, وكتبي كانت مكدسة في صناديق
كرتونية معرضة للتأثر بعامل الزمن. الى ان وجدت منزلاً كبيراً
امتلكته وخصصت غرفاً كثيرة فيه للكتب... للمكتبة.
ولكن حتى في
المكتبة فإن القارئ هو الذي يحسب له الحساب وليس الكتاب. مزاج
القارئ وحاجاته في القراءة... بالنسبة الي, انا املك ثلاثين
الف كتاب. وبالطبع من الصعب ان تجد كتاباً ما من دون منطق
معين في الترتيب. انا اتبعت منطقاً يتناسب معي. فانا ارتب
كتبي حسب اللغات: هناك اذاً مساحة للكتب الفرنسية, وأخرى للانكليزية,
وايضاً مثلها للالمانية والروسية والايطالية والاسبانية وهكذا!
وفي كل مساحة
انظم الكتب حسب الحروف الابجدية لأسماء الكتاب من دون الالتفات
الى النوع. ولكن لدي ايضا رفوف ارتب فيها الكتب حسب المواضيع:
كتب العصور الوسطى, كتب تتناول موضوع الجسد, اسطورة فوست,
الادب البوليسي... الخ. وهذه الكتب تتحرك باستمرارمن رف الى
آخر ومع ذلك فأنا احيانا اضيع. فالمكتبة هي متاهة بالنسبة
الى الزائر ولكن ليس لصاحبها. فالمكتبة هي انعكاس طريقة صاحبها
في التفكير. هي رسم ذاتي له. وانا يمكنني ان اروي قصة حياتي
من خلال مكتبتي. وكثيراً ما افكر انني احب ان ازور شخصاً لا
عرفه وان اكتشف حياته من خلال رؤيتي وقراءة الكتب التي يمتلكها
في مكتبته. وحتى في الكتب التي نمتلكها ولا نحبها كثيراً يمكننا
ان نجد مادة لرسم ذاتي فنحن لا نتعرف الى شخص من خلال الاشياء
التي يختارها ويحتفظ بها, ولكن ايضاً من خلال الاشياء التي
اهملها.
ويؤكد مانغيل
ان هوامش الكتاب هي الامكنة التي يتنافس فيها القارئ مع الكتاب,
وان اعادة قراءة كتاب ما هو تجربة مختلفة عن القراءة الاولى,
بل انه يقدم امثلة على ان البعض في فترة ما يكونون غير جديرين
بقراءة كتاب ما وعليه انتظار مرحلة اخرى ليكونوا جاهزين لحمل
لقب قارئ.
كما يؤكد مانغيل
انه لا يمكن ان يصبح المرء قارئاً بسهولة فهناك مسار طويل
للوصول الى ذلك خصوصاً ان الطبيعة البشرية لا تحب القيام بجهد.
فالقراءة ليست سهلة كما لعبة فيديو او النظر الى التلفزيون.
القراءة هي نشاط يتطلب تدريب التفكير والإرادة للذهاب أبعد
من الظواهر والولوج اعمق فأعمق بالنص, وبالذهاب ابعد مما يبدو
انه يقال على سطح الصفحات. وكل هذا يتطلب جهداً حقيقياً, ومع
الأسف, فإن الناس حالياً لا يؤمنون بالسعادة التي تولدها الصعوبة.
نريد كل شيء بشكل سريع وسهل.
وعما اذا كان
القارئ يلتقي دائماً مع الكاتب, يقول مانغيل: نعم, ولكن على
طريقته.
ولكن بورخيس
يقول أيضا ان هناك فرقاً بين الكاتب والقارئ. فالكاتب يكتب
ما يستطيع او يقدر عليه بينما القارئ يقرأ ما يريد. وهناك
اختلاف شاسع بين «يقدر» و«يريد».فأن تكون كاتباً يعني انت
تنجز عملاً, ولكن ان تكون قارئا فهذه طريقة للعيش, لأننا نقرأ
ما يحددنا ككائنات بشرية. فنحن نأتي الى العالم كما الحيوانات,
ولكن حيوانات يمكنها بالقراءة ان تحل الغاز العالم حيث تعيش,
فهناك لغة للعمل الادبي في كل ما يحيط بنا العالم, الطبيعة,
وجوه الآخرين... لهذا يجب ان نتعلم ان نقرأ. وانا أستطيع
ان أتجاوز مسألة أن اكتب, ولكن أبدا لا أستطيع تجاوز أن اقرأ.
سهام خلوصي