
عودة
من الصمت
هذه مقتبسات
مهمة لمقابلةٍ، اجرتها ”ماري غانون“ مع الشاعر الكبير ”نورمان
دوبي، وقد نشرت تفاصيلها المطولة في مجلة ”شعراء... وكتاب“
ولد الشاعر نورمان دوبي في مدينة BARRE بولاية ”فيرمونت“ عام
1945 وقد بدأ كتابة الشعر في سن الحادية عشرة من عمره، ثم
واصل نشر ابداعاته الشعرية فقدم اكثر من 21 كتاباً، كان في
طليعتها ”بعيداً عن حيوية الشتاء“.
وفي الواقع
انجز كتابه الاول” ALE HOUSE SONNETS وهو ديوان شعري كتب عن
القرن التاسع عشر من قبل الباحث الانكليزي وليم هازليت في
اثناء هبوب عاصفة ثلجية هوجاء احاقت بواحدٍ من خريجي احدى
الكليات في ولاية”ايوا“ الامريكية.وفيما بعد،اختيرت المخطوطة
كأبرز جوائز الشعر العالمي من قبل هيئة محلفين، كان بضمنهم
”رتشارد هاورد“، ومن ثم نشرتها جامعة بتسبيرغ عام 1971 وقد
اوصى هاورد نفسه... ”دوبي“ للبدء ببرنامج العمل من قبل جامعة
”ايرزونا“ حيث سافر عام 1975 للعيش هناك،فأمضى فترة الثلاثين
عاماً المنصرمة في الولاية وقضى مواسم الصيف اللافحة هناك،
وبدرجة حرارة تناهز المائة والعشرين فهر نهايت يكتب ويتأمل
في جو من التوحد والعزلة.وخلال ممارسته كتابة الشعر، غدا ”دوبي“
معروفاً بقصائده المحبوبة خصوصاً في نتاجه الاول،وبحواراته
الدراماتيكية، التي تتخلل اصوات شخصياته التاريخية مثل ”الملكة
اليزابيث الاولى“ و ”نيقولاس: قيصر روسيا“ و ”فرجيينا وولف“
وغيرها. وبعد نشر كتابه ”EVER LASTINGS“ عام 1980، قرر ان
يبدل صيغة اسلوبه الاول...
من قصائده
القصصية الطويلة ذات النفس الملحمي... الى مقطوعات شعرية غنائية
قصار ”LYRICS“ مثل: ”بيت الربيع ـ 1986“ و ”صياد على اهبة
الاستعداد ـ 1989“ و ”SKY RADIO ـ 1991“، وكلها قام نورتن
نفسه بنشرها ثم اتبعها في عام 1992 بنشر ”غيوم ماغيلان“ وهو
كتاب يحتوي على حكم واقوال مأثورة مستلة من قطع شعرية للشاعر
الكبير ”Wallace Stevens“ ظهرت له بعد رحيلة.
وبعد عشرين
سنة من سيرةٍ،مترعةٍ بغزارة الانتاج،حيث كان ينشر كتاباً واحداً
في كل سنة، صمم دوبي في اوائل التسعينيات من القرن المنصرم
على الخلود… الى الصمت!وكانت فترة الصمت قد تزامنت مع تحول
حياته الى حالةٍ من التركيز المركزي على ممارسة طقوس بوذية
اهالي التبت.
وتقول محاورته”ماري
غانون“ ـ حيث سنعرض مقابلتها له لاحقاً ـ انها قصدته خلال
فصل هبوب الرياح الموسمية في ولاية اريزونا، وهو وقت تتسع
فيه العواصف الكاسحة التي تكنس الصحراء،وتردم السواتر والكثبان
الرملية،وان المناسبة شكلت لها عودة الى هاتيك الايام التي
كانت فيها مع دوبي في اوائل التسعينيات، كما ان المناسبة كانت
بالنسبة الى دوبي عودته الى حياة النشر من جديد.
ان صمت دوبي، الذي دام قرابة عقد من الزمان قد جرى اختراقه
في عام 2001 بعد نشر مجموعته الشعرية الجديدة ”MERCY SEAT“
وذلك من قبل مؤسسة كوبركانيون ولقد حاز هذا المنجز الشعري
على جائزة ”PEN USA“ كأفضل عمل شعري.
وفي شهر تشرين
الثاني من عام 2002، نشر دوبي في مجلة ”الطائر الاسود“ القسم
الاول من ”الواح الروح... في بحير غوا“ التي تتألف من ثلاثة
اقسام لقصيدة ملحمية ومن منظور مستقبلي لحركةالفن والادب ،وكلها
مستوحاة من الشعائر والتعاليم البوذية،ثم تبعه القسمان الثاني
والثالث في خريف عام 2003.
ويحتوي كتاب
”الواح الروح“ على اربعمائة صفحة، وتم انجاز الكتاب عن طريق
ما كان يملي فيه ”دوبي“ شعره على الشاعرة ”لوراجونسن“ التي
كانت تقوم بدورها بطباعته على الالة الكاتبة.
وفي شهر تشرين
الاول، نشر كوبر كانيون... الجزء الثالث والاخير، الموسوم
بـ ”الصباحات المألوفة للمدرج الروماني“ في الوقت الذي كان
”دوبي“ قد توجه الى عمل ابداعي اخر.وهنا تقول”ماري غانون“:
كنت اتحدث الى دوبي في شقته على مدى يومين متواصلين في العصر،
وكان ينهض للعمل في الظهيرة، ثم يجلس مسترخياً حتى وقت الغروب.وربما
يبدأ احياناً في بعض الايام منذ شروق الشمس الى غروبها. ومن
الطريف ان اذكر بان غرف شقته مزدانة وبشكل مزدحم بالكثير من
معالم وتماثيل ورسوم ”بوذا“، وهي تحيط بالمكان كله، وبصورة
مرتبة لافتة للنظر مما يجعل التركيب الجمالي وكأنه صورة دائرية
لمعبد بوذي متكامل،مثير للاعجاب.
وبعد الترحيب
الحار بي،الح على دعوتي اولاً الى تناول بعض الطعام من الوجبات
الخفيفة،كالساندويج والجبنة، ومن ثم بدأ حوارنا. وفي القسم
الثاني... ستنطلق المحاورة... فالى اللقاء.
* Wallace
Stevens ”1955-1879“ شاعر امريكي متحدر من ابٍ هولندي تخرج
في جامعة هارفارد وعمل محامياً لعدة شركات، وزاول الصحافة...
بالاضافة الى كتابة الشعر والقصة.اعتبره كثير من النقاد بأنه
واحد من اعظم شعراء القرن، وانه متأثر الى حد كبير بالحركة
الرمزية الفرنسية. ومن اعماله البارزة ”الرجل والقيثار الازرق
ـ 1937“ و ”اجزاء من عالم ـ 1942 و ”التحول الى الصيف ـ 1947
“ و ”قصائد مختارة ـ 1954“ ومؤلفات اخرى.
عودة إلى
الصمت
في القسم الاول،
نشرنا السيرة الذاتية للشاعر الكبير”نورمان دوبي “ بما يلقى
الضوء الكاشف على ابداعاته خصوصاً في عالم الشعر، ونوهنا بمغامراته
في سبيل المعرفة الانسانية وهنا ننشر القسم الثاني الخاص بالمحاورة
التي اجرتها معه ((MARY GANNON”
* ماذا يثير
انتباهك حول الصحراء؟؟
* لاول وهلة…
كنت مجفلاً جداً بالصحراء، ففيها كثير من الحياة الحافلة بالوعي
والاحساس بحيث اننا لم نكن بالضرورة ان نرى، وانما نحس، وفي
آخر يوم لي هنا اشعر بارتباط حقيقي بثقافات المنبر الحضاري
القديم، التي عاشت على ضفاف نهر الملح حيث اعيش الان.
كانت هذه
المنطقة قوية تماماً بالنسبة للناس الذين كانوا يحيون هنا،
فلنقل قبل 1200 سنة، وفي الواقع، ان الباحث”Akimel Oodham
“ قد اعتاد القول بان تاريخاً طويلاً يلتصق بهذا الوادي. لذلك
فان كثيراً من الموتى المترعين بالنور ما انفكوا يحثون الخطى
هنا فوق هذه الارض التي كانت تعج بالاحلام.
* قبل استقرارك
في”اريزونا “ كنت تنضوي في ورشة كتاب”ايوا “... فهل شعرت بان
احداً ما هناك... كان معلماً خاصاً بالنسبة لك؟؟
* كان هناك”جورج ستاربوك، ومارفين بيل “ وكان الاخير صديقاً
حميماً.
اما جورج فكان معلماً رائعاً بالنسبة.
وفي الحقيقة...
عندما كان على وشك الرحيل من ولاية”ايوا“ ـ على ما اعتقد ـ
الى جامعة بوسطن، اخذني الى مدينة”دونللي“ حيث كان المكان
الذي سقط فيه الشاعر المبدع”ديلان توماس“ من كرسي مرتفع”stool
“ في احدى حاناتها.
اجلسني جورج
الى جانبه، وقال: انت تعلم ـ ولدي شعور بذلك ـ بانني لا اعرف
ما اذا كان حلم يقظة او ربما انني كنت في سنةٍ من النوم بانك
سوف تكتب قصيدة طويلة وهائلة من اربعمئة صفحة او ما يقارب
ذلك الى ان اعتقدت مؤخراً بانه كان جنوناً تاماً، لكنه، اي
جورج، فرض بهذه القصيدة حملاً ثقيلاً علي، وان مسؤولية اداء
العمل قد اناخت فوق كاهلي، ولم تكن لدي فكرة ما... كيف تكون
صورتها في النهاية.
انها نوع
من تقاليد الخيال العلمي، لذلك لم يكن جورج معلماً مهماً فقط
بالنسبة لي عندما كنت اعمل في كتابي الاول، وانما كانت روحه
تحثني على كتابة”الواح الروح في بحيرة غوا “.
وكان مارفين
معلماً رائعاً لي، والى”ديفيد سانت جون وميشيل بورخارج وميشيل
رايان، ولاري ليفس“ وكنا نتردد على المقاهي والحانات، ونتحدث
عن الشعر، وبلا شك ان المرء ينعلم كثيراً من احاديث الحانات.
وفي مدينة”ايوا “ تعلمت الكثير من نظرائك قدر ما تعلمت من
الكلية.
وكان”مارفن“ قارئاً اسراً للشعر بحيث يثير الاهتمام الى حد
كبير.
وفي الواقع
كان الى جانبنا، يقرأ معنا، ويكتب ايضاً، ولم يكن ثمة قلق
كبير يعترينا لكونه معلماً وان اكون تلميذاً لديه في الوقت
نفسه.
وكان يبارحنا
مسترخياً، لكن من الواضح ان في اذهاننا قد استقر بانه كان
يروم ان يدفعنا الى نوع من التقدم المثير من الاكتشاف، وان
لدينا القدرة حقاً على تجنب الكتابة الحقة لنوع سيء اكثر من
كونه مضجراً.
* هل تعرف
جون BERRYMAN؟؟
ـ قابلته بفترة قصيرة قبل وفاته فقد كان في”ديس موينز“ بمدينة
DRAKE واعتقد انه نال شهاة الدكتوراه الفخرية، وكان امراً
غير عادي انه تحضر هناك ولم يكن الحضور مكثفاً وان تشهده يقرأ
من بين 77 قصيدة “اغنية حلم“ و ”لعبته“ و ”حلمه“ و ”راحته“.
كانت لديه طاقة متوترة لا تصدق، كما كان لديه توتر في بناء
الجمل، وتراكيبها الاعرابية التي تمتاز بالالمعية مما يجعل
”اغاني الحلم“... فريدة.
وبعد الانتهاء
من التلاوة، اخذت في التمشي خلف بيت عميد الكلية بحثاً عن
شراب ما وكان الماء قد بدا لي شيئاً اخيراً قد ابتغيه، فدخلت
للحصول عليه، فوجدت”بري مان“ كان شخصاً حزيناً الى حد بعيد
عبر الضوء الخافت، كما بدا خانعاً وخائفاً معاً.
تحدثنا قليلاً،
وكان يمزح معي بروح ابويه، ويتحدث عن ”Don Justice“ على ما
اتذكر، ثم دلفنا معاً الى غرفة ”البيانو“ حيث وجدنا ”مورا
ستانتون“ وعلى الفور تفتحت اساريره حقاً عندما رأى ”مورا“
واتجه نحوها، وبدأ بتوجيه الاسئلة اليها مثل:
اتعتقدين… بان الانحطاط الاخلاقي... امر قابل للذوبان في الفن،
يا عزيزتي؟؟!
لقد قلت بان والدك كان وزيراً راديكالياً!
نعم كان كذلك. كان يعارض الحرب في فيتنام منذ ان كان واعظاً
مع ”رايثبون“، وهو يؤدي مواعظه في مقصورة الكنيسة، ثم ارسل
الى اصلاحية السجن...
وهناك كان
يعد له حجرة صغيرة لمؤونته، تقع الى الخلف من البيت في المستشفى،
وهو يقدم الطعام الى الناس الجياع.
اما والدتي فقد سجلت نفسها ممرضة.
ومن ابي وامي
تلقيت مقدمة في الخط العاثر في الكتابة.
فامي، وبسبب مجيئها الى البيت من المستشفى، تبدو متجهمة الملامح،
ومثيرة للاشمئزاز وهي تسرد قصصاً مفصلة عن الناس وهم يموتون،
وكذلك الحال عن الاطفال لكي نفهم الوضع السيء لها.
وفي الواقع
كانت من احسن الممرضات اللواتي يبعثن على الامل كما كانت عاطفية،
وكما اظن كان عليها ان توضح الكثير من سرد هذا الهراء. وفي
الحقيقة، تعلمت الا تطرف عيناي، والا اصرف نظري بعيداً عن
تلقي بعض هذه الامور القبيحة التي تقتضي معاناة ما.
**
لقد راقبت
احدهم الذي كان في ايام السبت... كقاعدة اسبوعية... ربما يختلس
النظرات الى بحثه، وهو يفتح برنامجاً موسيقياً صاخباً، ثم
يكتب موعظة في السلوك والواجب اثنتي عشرة، خمس عشرة صفحة او
ما شابه ذلك.
وبعد ساعتين،
او ثلاث ساعات من النوم، ينضم الينا بعدئذٍ طوال اليوم التالي!ولان
والدي قد يضطر الى السفر احياناً بسبب ظروف خاصة، فانك تراه
يذرف الدمع فوق منبر الوعظ في الكنيسة، ولا نشك ان ذلك يشكل
جرحاً لعيناً بالنسبة لي لكوني ما زلت طفلاً انذاك وكل اصدقائي
من الاطفال المقربين حولي، لذلك كنت منفعلاً دائماً، ويقظاً
عندما كان والدي يقدم مواعظه، ولم اكن اعرف ابداً متى سيشرع
في بكائه امام الناس.وكان ابي كاتباً بارعاً، يقدم الاستعارات
اللغوية، الاكثر غرابة، كما كان ملماً تماماً بالمجازات الاغريقية،
وان بعضاً من مواعظه لا تزال محفورة في ذاكرتي حتى اليوم.
واعرف انني
اخترت بعضاً من عباراته ايام الاحد المتتاليات وانا اصغي اليه،
ولم يكن ذلك مضجراً لي كما ذكرت، وانني شعرت بالحرج خلال ذلك
لكن الارتباط بالكتابة...
مع الاهتياج
المراهق الغريب لاظهار الانفعال العاطفي ساعدني على قهر هاتيك
الغرائز في اعماق نفسي لان اكون خجولاً ومتحفظاً على الاقل
بلغة الكتابة.
ومع ذلك ،
اعتقد اننس استطعت ان اجد صوتاً جريئاً في شعري وبكل بساطة...
بسبب نموذجه!
* كيف تتوافد
اغلب قصائدك؟!
ـ الأصوات سوف تغزوني، ومن ثم تتجه نحو الصفحة بصورة عفوية
احياناً.
لكن في معظم
الأحوال يكون العمل الناتج عن تجربةٍ ما... صعباً الى حد ما
بالنسبة لي وبشكل دائم من الوجهة ”التقنية“.
هناك مسودات
كثيرة، وانه لغريب جداً... تلك الطريقة التي اعتمد فيها على
التفوه الاول للقصيدة، وان تجربتي الاخرى تتضمن التجارب الخاطئة
وعلى شكل خط مستقيم ـ انني اكتب ما اراه في الواقع، كان تقول
انه عمل كثير الرؤى والأخيلة ومترع بالطموح، لكنني على اية
حال اقوم بتدوين سريع لما اراه، وان هاتيك القصائد التي استمتع
باغلبها تمثل الجانب الاكثر فجائية بالنسبة.
ولاسباب عدة
… عندما يكون الاغراء مهيئاً امام بصري، وليس بسمعي فان المقتنيات
الشفوية للقصيدة ـ او دعني اقول التعاقدات المتناغمة المقفاة
والايقاعات الخفية، والانطباعات الجناسية، وكل تلك القدرات،
تبدو تعمل بصورة جيدة، حتى لو كان مصدرها ناجماً عن منبع مختلف
الاحساس ـ وليس عن طريق العين والاذن.
عندما تقول:
ان القصائد تصل بطريقة واحدة خلال تجربة الاداء... فماذا يعني
ذلك؟؟
* ... يعني
انني في الواقع اسمع هذه الاصوات المختارة، او التي تبنيتها،
والتي لم تكن من خاصتي او من عند ياتي، ولست ادري ما اذا كان
هناك من يقر ذلك ـ سلسلة من الفراشات سوف تتوافد، او شيء من
هذا القبيل.
* ماذا تشبه
كتاباتك في هذه الايام؟؟
* اود القول:
انني ولاعوام عدة، وربما منذ كتابة”الواح الروح في بحيرة غوا“
ثمة نقد للحياة قد نشأ في شعري لم يكن موجوداً من قبل، وهذا
لا يعني انني اكتب قصائد سياسية ـ مع ان الناس يجهرون بذلك
ـ لكنني اصبت شيئاً ما...
اقل عمومية
جعلني غاضباً بسبب الاحداث، وانني محتاج الان لاكتب قصائد
اخرى، ولا استطيع مقاومة ذلك، لكنني اتطلع الى عواقب عنواناتنا
الرئيسة، وارى الاشياء الحقيقية... مستمرة.
لم تكن اللغة
وحدها، او ما هو اسوأ منها والسياسيون يتحدثون الى بعضهم هنا...
انه لامر مربك، ونوع ما من الوعي اكثر بكثير مما كان سابقاً،
كما انه وعي حزين الى حد مفزع احياناً.
**
انني مرعوب
الى حد مفزع من ادارة الرئيس BUSH. وكل الطرق المعقدة التي
من خلالها تتدمر حياة الناس الحقيقية الان وبكل وضوح ستكون
اكثر تدميراً في المستقبل.
لينقذنا الله.
وربما يستغرق الامر اربع سنوات او اكثر، غير انني اشعر بالرعب
بصورة كلية.
واذا استلزم الامر 4اعوام، فانني اعتقد بان بناتنا سوف يتوجهن
الى الشوارع!!
وعلى نحو مفاجئ، فان هاتيك التدابير الاحتياطية السيئة لقانون”باتريوت“
سوف تتخذ ضد اطفالنا، ومن ثم ربما سنفهم ماذا ستمثل هذه الادارة!
* ماذا تعتقد
بدور الشاعر في لغة السياسة؟؟
ـ اني اكتب شعراً... دائماً.
واذا اتيح لي ان اكتب نوعاً من البيان السياسي ـ اقصد ان ذلك
سيكون ممتعاً للناس الآخرين كي افعل ذلك ـ لكنه ينبغي ان اكون
قد تفحصت وانجزت القصيدة في تلك اللحظة.
واذا قدر
لها ان تحمل رسالة، او افكاراً بحيث يمكن ان توصف بانها سياسية،
فان الامر سيكون جميلاً... اشبه بصلصة في الطعام!
* عندما تكون
القصائد بهاتيك الاصوات الاخرى، فانها تبدو مفصلة...
ترى ما هي سياقات ذلك التفصيل، ولهاتيك الاخيلة؟؟
* في الحقيقة...
لااعرف. انني وبكل تاكيد اشعر احياناً وكأنني امتلك شعوراً
بمعرفة من المتكلم في ثنايا القصيدة حتى عندما انتهي منها،
واكتشف احياناً اخرى بعد ذلك... ان آخر قطرة قد اهرقت فيها.
وهذا آخر ما ادعو تلامذتي به كي يفعلوه.
لكن عندما
اكتشف ذلك، اجد هذه القصيدة الغريبة تدور حول عجوزين وهما
تشدان ذراعيهما الى بعضهما، وتمشيان في شارع تحيط بجانبيه
الاشجار في مدينة ”ايوا“ والامر يشير حقاً الى”بلافاتسكي“،
ومن ثم اغدو مبتهجاً بسبب تلمسي عنوان القصيدة:”اشجارالسيدة
بلافا تسكي“.
وكان عظيماً
ان يحدث مثل ذلك، غير انني اعتقد بانه يضطر بعض الناس الى...
التبول ”ضحك“.
* لماذا؟؟
ـ لانني اعتقد بانهم يريدون الشخص الذي يقدم الحجة التي تقول
بان هذا هو ما افكر به عن السيدة بلافاتسكي، لكي اكون اكثر
تماسكاً وواقعية.
انهم يرومون
تبادلاً فكرياً اكثر بين القصيدة والعنوان، وانه لامر مالوف
جداً بالنسبة... عدم معرفة من الملعون الذي يتحدث داخل القصيدة،
لكن لدي احساساً حقيقياً تماماً بان هناك احداً، لست انا!
وفي الغالب، وفي الوقت الذي استحضر ذهنياً مسودة اخرى، سوف
يبدو امامي من المتكلم، ومن ثم تاخذ التغييرات بالتكيف مع
ذلك الصوت.
* هل حدث مرة
ان كان ذلك... صوتك؟؟
ـ نعم! ثمة تفصيل نشط عن حياتي. وكما قلت لقد انحدرت من عائلة،
تهتم بالتفاصيل.
وهناك اشياء
من حياة الناس عني، وكلها ”مشفرة“ ضمن العمل، ولكنها ذات اعتبار
منذ ولادتي، ومنذ ان شرعت بالكتابة.
ومن المفهوم تماماً انني ابتعدت عن كل الانطباعات والافكار
الغامضة للشعراء الكهان، وزمرة ”LOWELL“ لكن ليس من العدل
ان نصفهم بتلك الطريقة.
ثمة كذبة
كبيرة تسرد علينا بعد الحرب العالمية الثانية خصوصاً في مطبخ
الخمسينيات وطهاته... من القرن المنصرم، كما كانت تتداول بعد
ذلك. وكان هناك ايضاً.. فنانون في كل مكان، لديهم امور باقية
لا يمكن تصورها... مثل الكآبة والحرب ـ الشهوانية الدموية
لتلك الحرب وجرائمها.
ومن الطبيعي،
كان كل شخص يتطلع الى ما حوله، ويبرئ ذمته، وان لا شيء غير
الطهر، ولا شيء من الخطيئة يحصل مرة اخرى!
حقاً كانت كذبة!
وانها جعلت
بعض الناس... قلقين، وجعلتهم يغوصون في العذاب، وان كثيراً
من هؤلاء الناس كانوا فنانين، وانهم كانوا يعالجون انفسهم
والاخرين ـ واعتقد ان خلق الفن يمكن ان يكون بصورة هائلة امراً
تعويضياً بالنسبة لثقافة ما وفديةً لها.
هؤلاء الناس
الذين ندعوهم بالاعترافيين، الكهان، او زمرة “Lowell كانوا
متفرقين، واناساً مختلفين بصورة جمة، حيث كتبوا بكل صدق عما
كان يجري بالنسبة لهم.
لكن بعد ذلك
النموذج، لا اشعر بأنني اقول للناس: انني اسوق الهراء!.
ثمة سبل اخرى تمثل ذلك، وكانت تندمل بصورة متساوية... بالنسبة.
ان العالم يدفع بنا جميعاً الى الهراء من حين الى اخر.
واحياناً
يكون افضل سرٍ احتفظنا به، لكنه ينجم عن تلك السرية الاصلية
لذهن مذهول ـ على حد تعبير الشاعرة ”الامريكية“ اميلي ديكنس.
* في الصباحات
الاعتيادية، تستفتح بقصيدة”الاعتراف التي نشرت عام 1991، والتي
تنتهي بالابيات التالية: ”هناك شيء لا انساني فيك كان يراقب
كله/ ومهما كان ما يراقبه/ جعلك بعيداً عن العزلة مثل سواد
الناس“ ترى لماذا تفتتح الكتاب بهذه الطريقة؟!
ـ لقد كتبت
هذه القصيدة، وهي غريبة الى حد كبير عندما كان جورج بوش الاب
يغزو بناما.
كنت اراقب تغطية الحدث على شاشة التلفاز.
وكانت هناك
احد الوضعيات جعلت الصحفيين يغادرون بدلاً من ان يطوقوا، لذلك
كنت اتخيل ما سوف يحصل.
وبغتةً… انطلقت هذه القصيدة، وانها فاجأتني في خاتمتها بنقد
هائل لما كنت اقوم به ـ كان هناك مواطن امريكي يشاهد واحدة
من حروبنا على التلفاز، لذلك كانت عصا حادة من كلتا جهتيها.
ومن المؤكد
ان طالباً من تلامذتي تتعلق به القصيدة وان تلك الحالة قد
خلقت شعوراً ما لدي... خصوصاً بلغة هذا الكتاب.
* ولماذا هذا
الكتاب بالذات؟؟
ـ بسبب المعطيات الموضوعية. ثمة امور اعتيادية وخارقة معاً
وهي متلازمة تنهض شاهدة في هذا الكتاب.
وهناك امور
كثيرة”فكرة تلامذتي وهي بوضعها هناك من البداية الى النهاية
تلح عليك بالسؤال، لتعتقد بي انني واحد ممن يشهدون الى جانبك
ولصالحك، وانها الدعوة، ربما بالنسبة لنا جميعاً، بان نعيد
النظر في وجهات نظرنا، وكل ادعاءاتنا وافتراضاتنا حول ما نرى
باستمرار وكيف”نخربش“ معاً... مواهبنا الحسية، ومن ثم نقرر
احكاماً حول الأشياء.
* يبدو ـ ومع
وجود على ذلك/ شاهد ان هناك نوعا من المسؤولية؟!
* اجل! ما
عدا انني لم اتطوع للشهادة.. قط، اعرف انني كاتب، وافهم بأنني
شاعر لكنني لست متأكدا بأية حال بانني تطوعت لتقديم شهادتي.
لنقل ان احدهم
من جريدة نيويورك تايمس، او من قناة الـ NBC، الذي يوجد الان
في السودان حيث تكثر الامراض والمجاعات.مثل هذه الامور المرعبة
تحدث،واولئك الناس موجودون هناك، وهم شهود عليها،وهم يعيشون
تحت ظروف كل انواع الكبت،وهم يكابدون المفاجآت المثيرة للدهشة
بحيث انني لا اقوى على تصورها الا من خلال قوة الخيال الحاد.
هناك بعض الاحساس...
يوجد عندما نصل الى طاقة التخيل بان الامر لم يكن حقيقياً.
ومع ذلك حين
قرأت ”الشارة الحمراء للشجاعة“ لستيفن كرين عندما كنت طفلاً،وعرفت
انه لم يكن بوضع يتيح له ان يكتب عن الحرب الاهلية ـ كان يتكلم
الى بعض الناس في شارع للمتشردين، وهم محاربون قدامى محطمون
بسبب تلك الحرب، ومن ثم كتب هذه الرواية الوهمية.
وبعد فترة
قصيرة،اتجه الى مهمات غريبة جداً لصحفي.
ومن الوجهة الواقعية شهد الاشياء وكتب عنها.
وانه لمن المؤلم ان نقارن بالكتابة،ذلك ان ما تخيله اكثر بكثير
من القوة.
مما.. رآه فعلاً. ولادراك ذلك،وفي عمر مبكر، فقد منحت نفسي
العذر لما استطيع قوله،ولا كتب عنه كتعامل جيد اكثر مما اراه
مباشرة.
* اتشعر بان
ممارستك بوذية سكان التبت قد غيرت كتابتك؟!
* لا تجد طريقة
من النجاح وانت جالس، وليست ثمة طريقة تسطيع في الواقع من
خلالها ان تبدأ جلوسك، وتحتمله بطريقة ما ولا تتحول عنه كلياً
وبكل السبل.
ومن ثم يجعلك الجلوس اكثر من اي شيء اخر.. واعياً ومدركاً
بما يصدر عنك.. من هراء.
وان يكون
مرة اخرى... قضية شهادة!ان الالتزامات، وبلغةٍ ما، تشهد على
ان النفس لا يمكن ان تحصى،وان تقود الى اللحظات المؤلمة جداً،
واللحظات الجميلة، والهادئة كذلك.
* الا تحدثنا
عن سنواتك العشر من الصمت؟!
* اي كاتب،اي
فنان يمكن ان يتكيف مع نمط من اساليب الكتابة المنمقة.. حيث
تكون عبرها وكأنك تشوه عملك، وتحيله الى صورة كاريكاتيرية،
او تهجوه، وكنت اشعر انني على وشك انجازه. ولقد قدمت بعض القصائد
للنشر في مجلة ”كولورادو“، وان كل شيء كتبته بعد ذلك ولمدة
ستة اشهر جعلني متوتراً جداً، وقلت: حسناً.
سوف اتوقف عن الكتابة برهة من الوقت.. ربما مدة سنة او سنتين.وكان
ذلك هو الوقت الذي انغمرت فيه بالطقوس البوذية للتبت، وتملكتني
حسياً.
**
لم اكن مثل
”روبرت دونكان“، ولم احتج على الحرب في فيتنام مثل دونكان،
وعشت خلف صمتي!
وينبغي ان اقول بكل صدق،بأنه لم يكن هناك شيء ما... دخل الى
حياتي مع هذه الطاقة... كممارسة،وطاقة من الجلوس البسيط،والحالات
الذهنية التي انهمكت فيها، او هاتيك الحالات الذهنية التي
كانت مترعة بنمطٍ من نقد الذات،التي لم يسبق لي ان تمتعت بها.
وكانت كلها مثيرة للكتابة ومروعة، وممتعة ايضاً! وكانت هذه
الممارسة تمس كل خليةٍ من الجسد.ولست ادري، ان الفكرة العامة
التي لم اجدها كانت الدين فقط، وانما كانت..
الاندفاع
نحو الحياة والعمل ـ اذا كان ذلك ديناً حقاً ـ وكانت تلك انباءً
جيدة.ومن المحتمل ان الوقت قد حان بالنسبة لي لكي استريح،
فربما انني قدمت الكثير من النتاج.
* هل المخطوطة
الحقيقية قد سلمت الى كوبركانيون؟؟
* نعم.. قدمتها،وكانت
مخطوطة ضخمة تلك التي احضرتها الى مؤسسة ”نورتون“ غير انني
قدمتها للمشرفين فيها بطريقة لا سبيل الى تقبلها لكي يأخذوها.كنت
اريد ان اترك مؤسسة ”نورتون“ عند ذلك الحد، ولم يكن هناك امر
شخصي، لكنني وبكل بساطة اردت ان اذهب الى المطبعة حيث لا يكونون
مضطرين للتفكير بالمال، بالطريقة نفسها التي يتعامل بها الناشرون
التجاريون، كما انني قد سعيت وانا في سني المتقدمة ان اذهب
الى مكان ما... حيث التعليمات المجردة المتسمة بالعفة تعمل
خلف نشر الشعر!
* في نيويورك...
ثمة كثير من الشعراء الشباب يكتبون خارج مدار التقليد اللغوي...
ماذا تحسب ذلك؟؟!
* اعتقد ان
اللغة الشعرية موجودة في كل مكان.كنت في ورشة عمل عام 1970
مع ”ديفيد موريس“ و ”باريت باتن“.
وكان من المخجل
اننا حاولنا ان نخلق موانع وعقبات في هذا السبيل.حقاً كنت
مفتوناً باللغة الشعرية،فقد كانت توسيعاً، وتصفية جميلة من
العمل المترشح الذي يؤرخ منذ منتصف القرن، وكان هناك اندساس
قصصي في تراكيب الجمل وبنائها،بحيث انني ادركت ذلك مبكراً
في كتابة هؤلاء الناس.لذلك وبطريقة مضحكة كانوا يفعلون الشيء
المختصر الان:ذلك الشعر الغنائي القصصي.
حتى بالنسبة
الى ”عزرا باوند“ في رؤيته للتجاوز الناشئ عن وضع شيء بجانب
اخر انما هو محدد بشكلٍ صارم وقاسٍ هنا من خلال ”الممارسة“.
اعتقد انني في بعض الاحيان... اجد سرداً حكائياً او قصصياً...
في الوقت الذي لا يجد البعض من الناس ذلك. انني اربط بين النقاط
بما لا يفعل ذلك الناس الاخرون.. لكن ذلك... من المحتمل...
بسبب تلاوتي القصائد اما واضحة او حمقاء الى حد ما وانا اتجه
الى كتابتها!
وفي كل حادث،
لن تكون العقبات الممكن توكيدها هناك دائماً بالنسبة.
وعندما افاجأ بقصيدة ما، فان ذلك اليوم سوف يكون ممتعاً وجميلاً
لدي.
* تحدثنا في
البداية من المحاورة... كيف تتوافد القصيدة عليك بصورة مثيرة
للصورة الذهنية احياناً، وانها مرئية.فهل تجد ذلك في ترجمتها
الى اللغة... بان تلك اللغة غير ملائمة وفي غير محلها؟؟!
* اذا كنت
اتحرك بصورة واعية في التفاصيل، فان ذلك سيكون مصدراً للسوء،
او انها كتابة متكلفة في شعري الى حد بعيد، لكنني اذا وثقت
بطقوس ما اراه، فان ذلك سيكون نوعاً من التكوينات المتآلفة
في اللغة، وانها صورة مفاجئة، واشياء موسيقية ممتعة تحدث.
لست صحفياً
لاداء هذه المهمة لما اراه ببصري، وكيف ستصل للصفحة.
ومع ذلك فانني لا زلت اعتقد بان الوصيف او الخادم الاول لكل
هذه الانماط من الكتابات لديه ما يفعله مع اللازمة المتقنة،
وليس الامر مع السينما.
* هل قانون
الكتابة... مقدس بالنسبة لك؟؟
ـ من المحتمل ان يكون هناك... ذهن فيه تركيب كيميائي قد منحته
عندما اجلس للكتابة، لانني امضي صافياً واضحًا.
وفي ذلك الاحساس
ثمة شيء ما يتسم بالمحورية او المركزية التامة عند جلوسي الى
الكتابة، غير ان الجلوس للكتابة...
يختلف عندما اجلس مستغرقاً في تأملي، وليس من المهم كيف انطلقت
في اكثر الأحايين، ولا تريد مني ان اكون افضل انسان، واكثر
تصوراً للناس الاخرين..
والطرق التي
من خلالها يتضجرون او يعانون.
لقد عملت ذلك خلال فترة طويلة.
واعلم انني
لم اتغير، او ن أكون رجلاً اكثر احتشاماً بسبب ذلك.
وفي غضون ذلك، فان الشيء الاخر الذي اقوم به يمكنه ان يفعل
تحولاتٍ او تغييرات قليلة هي في الواقع تمثل شبحاً ذهنياً
بطريقة ما، لان من الصعوبة جداً بالنسبة لنا ان نتحرر مما
هو مقرف وبغيض، او ما نحن معتادون عليه... في البنية او التركيبة.
وانه لمن
العسير جداً بالنسبة الينا الا نكون خائفين، كما انه من الصعوبة
لنا ان نفهم حقاً بان بعض الناس الخانقين علينا ايضاً من الممكن
ان يكونوا متحابين فجأة اذا ما استطعنا ان نريهم القليل جداً
من الاعتبار.
على الحلي