البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

الشاعر الفرنسي هنري دولوي: حضارة الغرب لن تكون حضارة المستقبل

رئيس تحرير مجلة الحركة الشعرية: نابليون رجل استثنائي ولكنه قاتل أيضا والأميركيون لا يستطيعون تصدير الديمقراطية

الشاعر الفرنسي هنري دولوي: دخل الشاعر والمثقف الفرنسي هنري دولوي، العقد الثامن من عمره، ورغم ذلك فهو على العهد مع النشاط والرفض والتمرد. ملكته النقدية دائمة الاتقاد. رجل عاش تحولات كثيرة في فرنسا وفي العالم، وتابع اختمار الأفكار وتجليها كأفعال وممارسات، ورأى كيف تنتهي الأفكار الكبرى.
هنري دولوي يدير مجلة الحركة الشعرية منذ الخمسينات، وقام بعدة ترجمات وأنطولوجيات. كما اصدر عدة مجموعات شعرية توحي عناوينها بنفس ثوري امثال «لست مومسا» و«أتمنى أن أصير كذلك». يتميز حضور هنري دولوي بالمزج بين النضال بموقفه ازاء ما يجري، وبكتابة قصيدة تفرض الواقع الذي يحلم به. في هذا الحديث، يقدم دولوي بعضا من آرائه الجديرة بالإنصات والقابلة للنقاش ايضا.

* كشاعر وكمثقف عاش الحرب العالمية الثانية، وناضل من أجل زوال الاستعمار، هل تعتقد أن الاستعمار كظاهرة قد تبخرت أم أنه تم اعادة انتاجها على نحو آخر؟
ـ ظاهرة الاستعمار لم تنته. فقط تغير نمطه وأصبح اقل عنفا ومباشراتية مع العلم. ان احتلال قوات التحالف للعراق يشبه كثيرا الاستعمار التقليدي، ذلك حتى ولو كانت الحجة هي الاطاحة بنظام صدام حسين، الذي هو بالفعل ديكتاتور، فالمنطقي هو أن يلعب الشعب العراقي دور الاطاحة به، لإيماني بأن الشعوب وحدها، يجب ان تصفي حساباتها مع الديكتاتوريين الذين يحكمونها وعموما فإن المؤكد هو ان الاستعمار كظاهرة لم ينقرض وانما اتخذ اشكالا اخرى، فنحن اليوم الى جانب الاستعمار التقليدي، اصبحنا نعيش الاستعمار الاقتصادي اي الاستعمار بالمال وبالثروات وبالدولار. ان الاستعمار الحديث مرن ومقنع ويوحي لضحاياه بأنه اقل عنفا. مثلا بلدان العالم الثالث مستعمرة ونلاحظ ذلك من خلال معاينة العدد الضخم للمؤسسات الفرنسية والاجنبية خاصة وان رؤوس الأموال الاجنبية هي محرك اقتصاديات العالم الثالث. طبعا مقاومة الشعوب من اجل نيل استقلالها، عامل ساهم في احباط ظاهرة الاستعمار وجعلها تنحسر، واجبرت مقاومة الشعوب الاستعمار على ان يغير وجهه. لذلك فإن المستعمر اليوم قد أصبح غير قادر على تسجيل حضوره كمستعمر، بل أنه يسعى الى ابتكار هويات جديدة، وهناك فرق بين الاستعمار العسكري وبين الاستعمار الاقتصادي، ففي كثير من الدول يوجد استعمار من خلال الامبريالية ورأس المال، ولكن في نفس الوقت، هذا النوع من الاستعمار يمنح الشعوب حق التفكير وحق التعبير، ومن هنا نستطيع ان نأمل بأن هذا النمط المقنع من الاستعمار، سيعرف تراجعا، كما شهد الاستعمار العسكري ذلك، وحتى لو استطعنا تقويض ظاهرة الاستعمار، فإنه سيظهر شكل آخر من اشكال المراقبة، تمارسه البلدان الغنية على البلدان الفقيرة.

كما يمكن ان نغير مفهوم الثروة الذي يتخذ في الوقت الحاضر بعدا ماديا بمعنى أن البلدان الثرية هي التي تمتلك امكانيات مادية ضخمة وشعوبها تحظى بكافة سبل الرفاهية، في حين ان البلدان الموصوفة بالفقيرة لها نوع اخر من الثروة ومن الثقافة ومن الحضارة، وأنا من الواثقين بأن حضارة الغرب التي هي حصيلة العمل والمال، لن تكون حضارة المستقبل بالنسبة الى الانسانية. لا احد يستطيع القول بأن هناك دولا متخلفة ودولا غير حضارية لأن مثل هذا الحديث ينم عن عقلية عنصرية. ولكن مع ذلك فأنا أرى ان العنصرية ستتلاشى.
* ماذا عن فرنسا، والدعوات التي تطالب بتنقية المجتمع الفرنسي؟
ـ نحن في فرنسا، نعيش صراعا كبيرا وطويلا فيما يتعلق بظاهرة العنصرية، الا انه قد بدأنا نجني بعض الثمرات المعالجة لهذه الظاهرة من ذلك أنه في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية في فرنسا السنة الماضية كانت نسبة التصويت ضد المترشحين العنصريين قد وصلت الى 82 في المائة من الفرنسيين الذين رفضوا البرنامج العنصري، وهذا يعني انه بوسعنا التصدي لكثير من وجوه الاستعمار والعنصرية.
* ألا يمكن ان تكون العلمانية أداة لممارسة العنصرية الدينية مثلا؟
ـ هذا بالتأكيد موجود ولكن فيما يتعلق بفرنسا تحديدا لا بد من العلم بأن فرنسا أول الدول العلمانية في العالم، اذ انطلقت في تطبيق قيمها منذ نهاية القرن التاسع عشر، وتعني العلمانية الفصل بين الكنيسة والدولة على عكس البلدان الاسلامية التي ما زالت تربط بين الدين والسياسة. إن فرنسا لا تستطيع ان تتراجع ولو للحظة واحدة عن قيم العلمانية لذلك فنحن نتشبث بضرورة احترام جميع الأديان، والضجيج الذي حدث منذ مدة حول الحجاب، يدور اساسا في مسألة ارتدائه داخل المدارس والمعاهد، ولا تكمن المشكلة في الحجاب في حد ذاته، لأنه عندما ترتدي طالبة مسلمة الحجاب في المعهد، فهي بذلك تعلن عن ديانتها، ونحن ضد الاعلانات الدينية. ونعتبر ان كل الماركات الدينية، يجب ان يتم اقصاؤها عن المؤسسات التربوية لأنها فضاءات محايدة. وطبعاً نحن في فرنسا لدينا معاهد دينية تستوعب التقاليد الدينية الخاصة، ولكن يتم التسجيل في هذه المعاهد مقابل مبالغ مالية ضخمة، ليس بوسع المعنيين بها مجابهة تكاليفها خاصة وأن معظم أبناء المهاجرين المسلمين ليسوا أغنياء، لذلك فهم يستفيدون من المعاهد العمومية، لأن التعليم في فرنسا مجاني.

* منذ تاريخ أحداث 11 سبتمبر (ايلول) 2001، والعالم يعيش على ايقاع الحرب على الارهاب، كيف تقارب هذه الحرب والى أي حد هي «مقدسة» كما يصفها أربابها؟
ـ هذا سؤال حساس: أولا أظن أنه لا بد من فهم ظاهرة الإرهاب الفهم الصحيح، ومحاولة معرفة جذور الارهاب والتساؤل عن العوامل التي ادت اليه، ولماذا يختار بعض الرجال والشابات الموت بطريقة انتحارية من اجل قتل الاعداء. ما الذي أوصلنا الى هذه الحالة؟ ان مقاومة الارهاب لا تقتصر على اتخاذ اجراءات سياسية واتباع منطق تجفيف المنابع بالقوة وبالسلاح وبتجميد الارصدة، بل تتحقق المعالجة بالتعرف على جذور هذه الظاهرة، لأن القبض عليها هو الطريق الوحيد للقضاء عليها.
ومن الأكيد ان الشعب الفلسطيني لو وجد طرقا اخرى للوصول الى الحرية والتحرر، لخيرها على العمليات الانتحارية أو على الأقل لتقلص حجم الارهاب، ذلك ان الارهاب يتفاقم عندما تنعدم الوسائل الاخرى للمقاومة. ففي فرنسا مثلا عندما احتل النازيون بلادنا لمدة أربع سنوات، ظهرت المقاومة، والمقاومون هم أفراد يتصدون للمستعمر. وتكونت المقاومة من مجموعات مختلفة فكريا، فيها الشيوعي واليميني و«الديغولي»، وكلهم أصحاب منطلقات ايديولوجية مختلفة. واثناء تلك المقاومة حصلت عمليات صنفها الألماني المستعمر آنذاك بأنها عمليات ارهابية وعندما قفز المقاومون الفرنسيون الى القطار لمنع المحتلين من التحرك وارباكهم، سقط في تلك العمليات قتلى مدنيون. لذلك فإن مصطلح الارهاب، مصطلح خطير ويستوجب الحذر خاصة عندما ترفعه الولايات المتحدة الأميركية التي هي بلد امبريالي قديم يعتمد على رد الفعل العنيف، والسريع ويسعى الى فرض قانونه على العالم بأسره، ولقد رأينا كيف ضربوا العراق دون موافقة مجلس الأمن، وبمعارضة عدة دول كألمانيا وفرنسا، والآن يواصلون سياسة املاء قوانينهم على بقية العالم العربي والاسلامي من خلال تهديد ايران وسورية. وتتحرك الولايات المتحدة الأميركية على هذا النحو لاحساسها المتضخم بحجم قوتها العسكرية والمادية وتعدادها البشري، بالاضافة الى ان انهيار الاتحاد السوفياتي مكن الولايات المتحدة من السيطرة على العالم بأسره. مع العلم بأني لست متحسرا على انهيار الاتحاد السوفياتي وتلاشيه كنظام سياسي، ولكن من ناحية العلاقات بين القوى على المستوى العالمي، فقد مثل الاتحاد السوفياتي القوة المضادة للقوة الأميركية والآن انعدمت هذه القوة المضادة.

* بالنظر إلى هذا الواقع، هل يمكن ان تنتهي التجاوزات المذكورة بإقرار الديمقراطية في العالم العربي والاسلامي؟
ـ الاميركيون لا يستطيعون تصدير الديمقراطية وهم لا يمتلكونها.
* ولكن هذه مبالغة لا يتحملها واقع الديمقراطية في أميركا ولقد رأينا كيف ان المواطن الأميركي يعبر عن موقفه ويعيش حرية لا تتوفر لأي مواطن آخر في العالم.
ـ الولايات المتحدة الأميركية ليست دولة ديمقراطية بل هي دولة فيها بعض الحقوق الديمقراطية.
ولقد تابعنا معارضة تشومسكي مثلا للحرب على العراق وقرأنا مواقف فناني هوليوود أي أن اميركا تسمح لافرادها بالتعبير الحر ولكن مع ذلك فهي ليست بدولة ديمقراطية.
* لو توضح ذلك؟
ـ هناك في الولايات المتحدة الأميركية بعض أشكال للديمقراطية إلا أن هذه الديمقراطية تحركها قوة المال فالمترشحون الى الرئاسة يجب ان يكونوا أثرياء جدا، كي يفوزوا في الانتخابات. ثم ما معنى الديمقراطية، اذا كان الرئيس الأميركي قد انتخب من طرف أقل من 15 في المائة من شعبه، وأكثر من 50 في المائة من الشعب الأميركي لا يصوتون بتاتا، رغم ان لديهم حقوق التصويت.
اذاً نلاحظ ان الوضع معقد، ولكن ما يمكن الاتفاق حوله هو أنه ليس من حق اي دولة تصدير رؤيتها الى دولة اخرى وفي فرنسا لدينا مثال حسن:
ابان الثورة الفرنسية سنة 1789، الثوريون الفرنسيون وتحت اسم السخاء والحرية والاخوة، ارادوا تصدير الحرية، في حين ان الحرية لا يتم تصديرها بل يجب ان تتحسسها الشعوب وتفرضها من الداخل. وعندما اردنا تصدير الحرية كانت النتيجة ظهور نابليون بونابرت وما قام به يعتبر حربا امبريالية في نهاية الأمر.
لقد كان نابليون رجلا استثنائيا. ولكن هذا لا ينفي كونه قاتلا وتسبب في موت الآلاف في فرنسا وايطاليا والمانيا واليونان وروسيا. واكتشف جنوده في النهاية بأنهم لم يكافحوا من اجل الحرية وانما كافحوا خدمة لديكتاتور! لذلك فإنه ليس من حق الولايات المتحدة الأميركية اليوم ان تصدر اي شيء خاصة ان العالم العربي يضم اكثر من 300 مليون نسمة، اضافة الى ان لديه حضارة عريقة وثقافة متنوعة ومساهمة العرب في الحضارة الانسانية ذات أهمية كبيرة. من هذه المنطلقات أرفض اهانة الشعوب العربية والتفاضل عليها بالتدخل في شؤونها.
كما يجب أن تقبل القوى الدينية الاسلامية في البلدان العربية بوجود ديانات اخرى.
* هذه السنة هي سنة الثقافة الجزائرية في فرنسا وقد لاحظنا وجود معارضة شديدة لهذه الظاهرة، بماذا تفسر ذلك؟
ـ عندما أدى الرئيس الجزائري بوتفليقة زيارة الى فرنسا، وتحديدا حين قدم كلمة في البرلمان الوطني فإن معظم النواب قاطعوا الجلسة. لا يجب ان ننسى الاستعمار الفرنسي للجزائر وان الجيش الفرنسي قتل مليون جزائري، لقد تركت الحرب آثارا عديدة في تاريخ فرنسا والجزائر، اضافة الى ان كثيرا من العسكريين الذين يتحدرون من عائلات ساهمت في الحرب ضد الجزائر والتي عملت ما في وسعها للمحافظة على الجزائر كمقاطعة فرنسية، كل هؤلاء ينظرون بعين سيئة الى اي امكانية صداقة بين فرنسا والجزائر. بينما مع شيراك يختلف، فهو رجل غير عنصري يمثل اليمين الفرنسي، ويحترم الحريات وهو يرفض العنصرية ضد اليهود أو العرب. ولكن هناك قوى في فرنسا ضد السنة الثقافية الجزائرية، وهنا يجب ان نتفهم لماذا؟ ان وجود عدد كبير من المهاجرين في فرنسا خلق عدة مشاكل. والعلاقات بين الجزائريين والفرنسيين صعبة للغاية.

 

آمال موسى - الشرق الأوسط - 03.11.2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri