حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

مجلة الحركة الشعرية في المكسيك

قيصر عفيف: لا خوف علي الشعر عند العرب!

صدر مؤخرا لقيصر عفيف ديوان شعري جديد سماه اللغة والمدينة. والشاعر رئيس تحرير مجلة الحركة الشعرية التي تصدر من المكسيك وهي المجلة الوحيدة التي تعني بالشعر العربي المعاصر وترصد باهتمام الأصوات الشعرية الجديدة في العالم العربي من مشرقه الي مغربه، وفي المنافي حيث يتوزع الشعراء العرب. وللشاعر قيصر عفيف العديد من الدواوين الشعرية التي نشرها في بيروت وفي بعض العواصم العربية والأوروبية. نقل الي العربية الكثير من الأعمال الشعرية لأوكتافيو باث ودواوين شعرية لأهم شعراء المكسيك وأسبانيا. وبعض شعراء الهايكو الياباني. وأصدر مؤخرا أحد الدواوين الشعرية للشاعر عمر باوند وهو ابن الشاعر العالمي المعروف عزرا باوند، ومن الصعب أن نعثر في العالم العربي وفي ساحة القصيدة العربية المعاصرة علي شاعر يجهل أسم قيصر عفيف ومجلته الحركة الشعرية التي ربما نشروا علي صفحاتها أعمالهم الأولي. قيصر عفيف الذي قال قبل سنوات: الشعراء لا يفعلون شيئا، وإنما يحتفلون بالحياة، واحتفالا بهم تصدر الحركة الشعرية. وحول مجموعته الشعرية الجديدة وحول مجلته الرائدة الحركة الشعرية كان لنا هذا اللقاء.

قال مرة خورخي لويس بورخس إن القراءة تؤدي الي الكتابة فهل تقرأ الشعر؟ ولمن من الشعراء العرب والأجانب تقرأ؟ وكيف تقرأ القصيدة؟

أحيانا تؤدي القراءة الي الكتابة كأن يعجبك نص لكنك تراه ناقصا فتعمد الي إضافة أو تخالف الرأي فتعمد الي تصحيح. ولكن ليس بالضرورة أن تؤدي القراءة الي الكتابة. الكتابة تنبع من مصادر عدة لا نستطيع حصرها. نجمع هذه المصادر بكلمة واحدة شاملة هي التجربة وهي تشمل ما تعرض له الإنسان في حياته اليومية المعيوشة في مكان وزمان وحضارة ما الي آخر العناصر التي نتعرض لها عادة. فيلجأ الكاتب ليضيء جانبا من الوجود البشري كان قبله مستنيرا. أنا أقرأ الشعر العربي والأجنبي باللغات التي أعرفها والمترجمة عن اللغات التي لا أتقنها. أنا قارئ سريع فما أن تقع مطبوعة بين يدي حتي أقلب صفحاتها فإذا ما رأيت نصا استوقفني حتي أعود الي قراءته بعناية كاملة. أقرأ القصيدة وكأنها نص مقدس. أحاول دائما أن أكون كاتبها، أدخل في شعابها أفتح نوافذها وأبوابها حتي تدخلها الشمس وتنيرها.

بصفتك رئيس تحرير مجلة الحركة الشعرية وهي المجلة الوحيدة في العالم العربي التي تعني بالشعر، هل تقرأ كل قصيدة تصل الي المجلة بالطريقة التي تقول؟

صدقني إن النص الذي يصلني يقلقني ويؤرقني. أقرأه وأعاود قراءته حتي يفضي بأسراره وأتردد كثيرا قبل أن أصحح كلمة. أعامل نصوص الأخوة الشعراء كأنها أشخاص بشرية. فالقصيدة عندي حياة قائمة بذاتها، كيان لا يزول. حتي تزول التجربة التي أنتجتها أو تضيع في دهاليز الزمان أما القصيدة فلحظة فوق الزمان.

كيف تختار النص الذي تنشره؟

كما أخبرتك عندما يصلني النص أقرأه بما يستحق من عناية لأنني احترمه وكأنه شخص أمامي. لا قواعد ولا مقاييس عندي تحدد الاختيار. نحن لا نروج لمدرسة شعرية ولا شروط عندنا تحدد جمال القصيدة. إذا رأينا أن النص يثير فينا الدهشة والفرح أو يضيء جانبا من جوانب الوجود الإنساني، أو إذا تناول مواضيع قديمة بطريقة جديدة، لا نتردد بنشره. نحن نري أن الشاعر الذي يرسل قصائده الي (الحركة الشهرية) هو صاحب الحركة الحقيقي. هذه الأصوات الجديدة والقديمة هي التي تؤسس لحركة الشعر العربي. نحن لسنا أكثر من وسيلة تجمع هذه الأصوات في مجلة.

كيف بدأت فكرة الحركة الشعرية؟ وما الصعوبات التي تواجه إصدارها من مكان بعيد مثل المكسيك؟

بدأت الفكرة في الأول من شهر اب (أغسطس) 1991. كنت في فيينا في زيارة لصديقي محمود شريح وتناولنا في أحاديثنا قضية الشعر والشعراء والناشر في العالم العربي. ورأينا أن ثمة أزمة كبيرة تختصر بأن الأسماء الجديدة لا تجد مجالا تنشر فيه إبداعها وان المؤسسات الصحفية والثقافية لا تعطي الشعر ما يستحقه من اهتمام. قررنا يومها العمل علي نشر مجلة متخصصة في الشعر. وأظنها حتي الساعة هي المجلة الوحيدة في هذا المجال. بدأنا الاتصال بالشعراء العرب المقيمين في البلاد العربية والمنتشرين في المنافي القريبة والبعيدة الذين لم يتسن لهم نشر قصائدهم في صحف الأوطان. كان العمل شاقا في البداية فالاتصال كان صعبا ولم تكن شبكة الإنترنت في الخدمة بعد ومحمود شريح كان يقيم في فيينا وأنا في المكسيك، وكان البريد صلة الوصل الوحيدة مع الشعراء. ولكننا مع ذلك ذللنا كل الصعوبات وأصدرنا العدد الأول من مجلة الحركة الشعرية عام 1992 وما زلنا نصدرها ونوزع أعدادها حتي اليوم.

كيف توزعون الأعداد حتي تكفي الاشتراكات لدعم هذا المشروع الذي تعجز عنه أقوي المؤسسات الثقافية؟ ولماذا لا تطرحون الأعداد علي شبكة الإنترنت؟

المجلة لا تباع في الأسواق، بل توزع علي المشتركين فيها وهم من الشعراء وأساتذة الجامعات والمهتمين برصد حركة الإبداع الشعري عند العرب. في بداية الأمر كنا نوزعها مجانا علي الذين يطلبونها ومع تصاعد أجرة البريد وكلفة الطباعة فتحنا باب الاشتراكات الطوعية وحتي الآن لم نستلم سوي اشتراكات من أربعة أشخاص لا تكفي لتغطية أجرة البريد لأعداد قليلة. والحمد لله لأنني أعمل في التجارة أستطيع الإنفاق علي المجلة حتي الآن لأننا نري أن الشعر الحديث يستحق جهدنا وأكثر من ذلك. ومنذ سنتين طرحنا المواد علي الإنترنت.

لماذا كل هذا العناء من اجل الشعر في زمن تسطح روح الإنسان وقل قراء هذا الفن الذي أصبح لا يروج إلا بين الشعراء أنفسهم وكأنهم يكتبون لأنفسهم أيضا؟

ما تقوله صحيح من أن قراء الشعر يتناقصون يوما بعد يوم ولكن السؤال هل كثرة القراء تعطي أهمية لهذا الفن؟ أستطيع أن أقول لك بكل ثقة إن لا خوف علي الشعر لا عند العرب ولا عند غيرهم من الحضارات. ليس الشعر في أزمة تهدد مصيره كما يحلو لبعض الجهلة أن يقولوا، إذا كان ثمة أزمة فهي أزمة قارئ جيد للشعر المعاصر. للشعر عندي أهمية كبري بينما يجمع العرب اليوم من دين وفكر وإيديولوجيا ومذاهب وهذا الشعر يختصر حياة أمة، يلتقط أحاسيس أفرادها يحفظ هويتها وجوهرها ويضيء مآثرها وسقطاتها. الشعر جوهر المجتمع ومرآته الأمينة.

والشعر يحفظ اللغة ويرعاها ولولاه لكثرت الذئاب التي تنهش جسد اللغة. لولا الشعر الذي ينقذ اللغة من موت وتقهقر لرحنا نجتر الكلمات كالببغاوات ونكرر كلمات اخترعها الدجالون.

ما رأيك في قصيدة النثر؟

أنا لا يخدعني التمييز الذي أقامه النقاد بين مختلف أنواع الشعر والنثر. هذا التمييز عقلاني محض ولا وجود له في الواقع. عندي إن الفرق الأساس بين النثر والشعر يكمن في شيء واحد: الشعر كما النص الديني حمال أبعاد متعددة والنثر محدود في معني واحد ضيق.

هل المستقبل للشعر أم للرواية؟ ما مستقبل الشعر في العالم العربي؟

المستقبل للشعر والرواية معا. ان انتشار الرواية بين القراء يعود الي طبيعة الحياة المعاصرة. لا وقت أمام إنسان اليوم للتأمل والتفكير وقراءة الرواية تعطي لذة سريعة وهي قراءة تبدو سهلة للقارئ العادي أما الشعر الحديث فيتطلب قارئا مثقفا. وبالرغم من حملة الشهادات الجامعية نادرا ما نجد المثقفين الذين يقرِأون رواية أو شعرا. الشاعر والروائي سيظل يبدع فتيار الإبداع يتخذ أشكالا متنوعة والمصيبة أن نترك للسوق التجارية مهمة تحديد ما يكتب وينشر. بالرغم من كل الصعوبات أمام الشعر، من محاربة الناشر له (لأنه لا يبيع) من محاربة التقليديين الذين يخافون التجديد فإن الشعر الذي يطلع من الكيان سيظل ينبت ما دام في الإنسان نزعة للتعبير.

هل نفهم مما تقول أن الشعر يكتب للنخبة فقط؟

لا يكتب الشعر للنخبة الخاصة ولا للعامة. ربما يختار بعض الشعراء مجموعة يكتبون لها كأن يكتبوا قصائد تغني. أعتقد أن الشاعر يكتب حين يطغي عليه سلطان النص فيقذفه الي الورقة. أحيانا يصيب الفكر شلل ويتعطل الوجدان ولا يبقي من الحالة الا كلمات تكون عصارة ما اختمر في الذات والكيان فتأتي القصيدة لتلبس الحالة ثوبا ماديا من كلمات يحمله الي الأبد.

هل لك أن تخبرنا عن منشورات الحركة الشعرية؟

أشكرك علي هذا السؤال لأن الكثير من الشعراء الشباب يكتبون إلينا ويسألون. عمدنا لفترة ما الي نشر مجموعات للشعراء الأصدقاء. ولكن مع الأزمة المالية الحالية وتناقص مداخيلنا رأينا أن نتوقف لنستمر في إصدار مجلة الحركة الشعرية. ومع هذا إذا أراد شاعر أن ينشر مجموعته في سلسلة كتب الحركة الشعرية وكان مستعدا للمساهمة في مصاريف الطباعة ربما ساعدناه علي ذلك.

كيف يستطيع الشعراء الشباب الحصول علي مجلة الحركة الشعرية باستمرار؟

بمجرد الكتابة إلينا وطلب إرسالها علي عنوانه البريدي. نرسلها مجانا إذا كان عاجزا عن دفع اشتراكه وأحيانا نتوقف عن إرسالها عندما لا نعود ونستلم من المشتركين ما يؤكد لنا بقاءهم في عناوينهم. تصور مثلا وأنت توزع مجلة مجانا أن تستلم من البريد أعدادا مرتجعة لأن المرسل إليه غير عنوانه. فمن العدد الماضي أرجع البريد لنا ما يزيد علي عشر نسخ.

 

محمد نجيم - القدس العربي


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri