
جان
ميشال مولبوا:
اللغة
شبكة يقتنص بها الشاعر مفرداته
لغته حوار بين الشعر
والنثر، كتاباته ترجمت الى لغات العالم، الشاعر الفرنسي جان
ميشال مولبوا الذي تحدث في إطار معرض "اقرأ بالفرنسية وبالموسيقى"
عن بيروت التي يعتبرها جسرا بين حضارتين وعن وفرة إنتاجه الأدبي
وأشياء أخرى...
خلال مسيرتك كتبت الى
اليوم اكثر من 25 عملا أدبيا. هل تعتبر غزارة الإنتاج أمرا
طبيعيا, وهل غدت الكتابة بالنسبة إليك عملا إراديا؟
- بالفعل ليس الأمر
عاديا بالنسبة الى شاعر، لكن أعمالي تتنوّع بين الشعر والنثر
والمواضيع النقدية. وأظن ان الشعر عمل يتبلور في ذهن صاحبه
وينسكب قطرة قطرة. بالنسبة الى الشعراء المعاصرين الكبار،
فقد قرأنا لهم ديوانا او ديوانين فقط، والأمثلة كثيرة في التاريخ
من رامبو الى بودلير ومالارميه. بالنسبة الي، الامر مختلف
قليلا لأنني اكتب حول الشعر، وليس شعرا بالمعنى الحصري، وهذا
يفسّر كثرة انتاجي الادبي. الكتابة عادة قديمة تعود جذورها
الى طفولتي. فعلاقتي مميّزة وقوية جدا مع اللغة، وهي حاجة
الى عكس ذاتي وتساؤلاتي بشأن العالم والانسان في الكلمات والمفردات.
لست روائيا او شخصا يستطيع ان يتخيّل عالما خرافيا ويبني حبكة
تلائمه. انني اصوّر المشاهد في رأسي وعلى الورقة.
ما علاقتك بالصورة؟
- الكاميرا هي وسيلة
لالتقاط الجمال، لتدوين ملاحظاتي، انها طريقتي في معرفة فرادة
شيء ما من الخارج. اينما اذهب احمل دائما دفترا صغيرا كي ادوّن
الملاحظات، اما ما احبه في الصور فقدرتها على عكس جوانب معيّنة
في امر ما لاننا نلتقطها من كادر معيّن. بالنسبة الى انتقاء
الموضوع، فأصوّر ما تقع عليه عيناي مصادفة. حين كنت في كوبا
لفتتني السيارات الاميركية الكبيرة، من بين اشياء اخرى، التي
لم نعد نراها في الولايات المتحدة، فاستمتعت بتصويرها. حين
ذهبت الى كوريا الجنوبية، وحضرت استعراضا راقصا، اذهلني فصوّرته.
لا يسعنا ان نلتقط ذلك بالكلمة وبالطريقة نفسها كما تفعل الصورة،
أي التقاط اللون، الوجه، الحركة، وحتى الموقف. صوّرت العنكبوت
في حديقتي في الصباح المبكر، فشبكة العنكبوت بالنسبة الي هي
صورة عن حياكة الكتابة. فهي فخ رهيب تلتقط عبرها العنكبوت
الحشرات وهي مصدر غذاء لها، اما اللغة فهي الشبكة التي عبرها
يلتقط الكاتب كل ما يحدث من حوله فيغذّي بها خياله ويغني مفرداته.
"مفكرة مسافر"
كتبت في "مفكرة مسافر"
موضوعا عن زيارتك الى بيروت عنونته "Beyrouth For Ever"، ماذا
تعني لك هذه المدينة؟
- بيروت مدينة رائعة.
اشعر انها منطلق عالمي نحو العالم. مدينة كوزموبوليتية رائعة،
ممر بين الشرق والغرب، اراها عربية جدا وفرانكوفيلية جدا.
هذا المنطق قادني الى اختيار هذا العنوان، لكنه كان ايضا مرتبطا
بأول شيء رأيته، وهو الخراب، فالوسط لم يكن قد اعيد اعماره.
كذلك حين ذهبت الى بعلبك، أذهلني التطابق بين الآثار القديمة
والآثار التي خلّفتها الحرب، الزهور البريّة نفسها التي تفتحت
بين مشاهد البؤس، نجدها في مشاهد الحضارة والعمارة الجديدة.
بيروت بالنسبة الي الحياة التي تستمر وتتولّد وتنطلق. اما
"الى الابد" فتعكس فكرة ما يبدأ من جديد واستعملتها بالانكليزية
لأنها اضحت كلمة "مقولبة". في المرة الثانية، اذهلني التناقض
بين العمارة المتقنة والابنية التي ما زالت تبدو عليها آثار
الحرب، بين السيارات الفخمة والاخرى القديمة. وهذا ما يرعبني،
اذ ان هذا التناقض يعني ايضا خطر ظهور توتر بين الطبقات الاجتماعية،
بين الفقر والثراء.
نرى على موقعك الالكتروني،
اهتماما بمحمود درويش. ما الذي تستسيغه في شعره؟
- استمتع بقراءته بالفرنسية،
لأنه ترجم على نحو جيد الى لغتنا. والتقيته في محاضرة اجريتها
في احدى الجامعات الفرنسية، وتحدثنا بالانكليزية، كان لقاء
ممتعا. في مطلع العام، دعيت الى تجمع الكتّاب المغاربة في
الرباط، بصفتي رئيسا لدار الكتّاب في باريس، القى درويش شعره
قبالة اكثر من الفي شخص في القاعة، اطفالا وشيوخا، من كل التوجهات.
اراه يتمتع بكاريزما فريدة وبحضور آسر.
غنائية نقدية
تتحدث عن "الغنائية
النقدية". ماذا يشمل هذا المذهب الأدبي؟
- الشعر الفرنسي منذ
بودلير هو انتقادي، والتزم هذا النهج على نحو واسع منذ ذلك
الوقت. الشاعر لا يكتفي بالغناء والاحتفال والمديح والحلم.
فما لا يحبه الفرنسي عموما هو ان يفقد منطقه، لأنه "ديكارتي"
جدا، كما هو معروف. في الشعر الفرنسي المعاصر، الشاعر يتساءل
دوما عن احتمالية قصائده، ويشكك في الخدع والاكاذيب. تقع على
عاتق الشاعر مسؤوليات، ولا يحق له ان يخبرنا اشياء غير واقعية
والمغالاة حتى الايهام. وهذا يعني ان عليه ربط البعد الغنائي
بالبعد المنطقي.
كيف تصف مشهد الشعر
المعاصر في فرنسا اليوم؟
- المشهد الشعري متنوّع
جدا، من شعر البصري - السمعي... الشباب تربطهم علاقة بالشعر،
من طريق "الراب"، الاداء مثلا، من طرق قريبة من الفنون التشكيلية.
وهذا ما يقلقني. لأن ثمة التباسا اليوم بين الفنون التشكيلية
والادب والشعر، لأن هذه الفنون تتجه نحو التجهيز، كل ما هو
آني او زائل، الصورة, السرعة، لكن على الشعر ان يحافظ على
مستواه القريب من اللغة. ومن دواعي الاسف ان يكف الشعراء عن
العمل "النطقي" الذي يشكل لب التجربة الشعرية. بعضهم يتحدث
عن الفيديو كليب الشعري، لكني اقول ان الشعر ليس بحاجة الى
الكثير من الاكسسوارات كي يصل الى الآخرين بل عليه الاعتماد
على اللغة، على ورقة بسيطة...
قصة ازرق
"قصة ازرق" عنوان أحد
أعمالك، ما الأهمية التي يرتديها كي يترجم الى اليابانية،
الإنكليزية، الكورية، وغيرها؟
- لم اكن أتوقع حين
كتبت هذا العمل انه سيأخذ ضجة كبيرة ولم اتوقع له النجاح الذي
ناله، اللون الأزرق، لون سحري بعض الشيء، انه لون البحر والسماء،
الغسق، لون ديني، لون السوداوية "البلوز"، كل ذلك أردت اكتشافه
عبره، علاقتنا بكل ما يطغى علينا، كل ما يتجاوزنا، كل ما نتطلع
اليه. فالأزرق هو لون كل ما هو بعيد. وانا سعيد لأن هذا الكتاب
يعيش في الخارج ويتجه نحو ثقافات اخرى، وهذا امر غريب خصوصا
بالنسبة الى كاتب عندما تتحوّل مفرداته الى لغة أخرى.
تنتظر حكما قضائيا سيصدر
قريبا بتهمة القدح حين وضعت على موقعك الإلكتروني تفاصيل تهجم
أحد أفراد البوليس على شخص مدني. هل انت قلق؟
- الأمر صعب، وليس واضحا
بالنسبة الى الحكم الذي جاء في المحكمة الابتدائية اذ أطلق
سراح الشرطي، وغرّمنا انا وبريس بوتي وهو كاتب أيضا بدفع مبلغ
معين، واتهمنا بالقدح. استنتج انه على المرء ان يبقى على أهبة
طالما لم يطلق الحكم.
هل ما زلت تثق بالإنترنت؟
- نظرا الى هذا الأمر
الحزين الذي ألمّ بي، أرى ان الإنترنت فخ بالنسبة الى حرية
التعبير، وعلى الشباب الذين يظنون انهم يعبرون عن آرائهم بحرية
ان يحترسوا. واشكر كل من وقف الى جانبي في هذه المسألة.
زويا مزاوي