حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

المفكر الفرنسي جان بيار فاي:
تولد المفاهيم الفلسفية بعد انهيار بنيات تاريخية كبيرة

كثيرة هي الميادين التي عبرها جان بيار فاي (1925) خلال مساره العمودي الطويل. الفلسفة أولاً حيث قام بإعادة تأهيل فكر الفيلسوف نيتشه ونقد فلسفة مواطنه هايدغر المتواطئة مع الأيديولوجية النازية. الشعر حيث اضطلع بمهمة الكشف عن الوظيفة المحوّلة للكلمات وقدراتها الثورية على تغيير العالم، من داخل القصيدة ولكن أيضاً من خلال الأبحاث العديدة التي وضعها أو قام بتوجيهها داخل مجلة "Change" الشهيرة. الرواية حيث وضع نظرية جديدة لعملية السرد وإطار جديد لها كمحاولة للخروج من الأسلوب الرومنسي التقليدي والتخلص من مفهوم "البطل" ومن البعد السيكولوجي وذلك المتعلق بالسيرة الذاتية. علم الألسنية حيث اهتم بنظريات ناؤوم تشومسكي وكان أوّل من كشف في فرنسا عن تجارب التيار الشكلي الروسي في تحديث أشكال الكتابة الشعرية. التاريخ حيث بيّن في كتابه الرائع "مدخل إلى اللغات التوتاليتارية" الفارق بين الأحداث التاريخية وعملية سردها الفاعلة في التاريخ والخطيرة أحياناً. علم التحليل النفسي ولكن أيضاً الترجمة ومواضيع أخرى كثيرة نمّت رغبتنا في مقابلة هذه الشخصية الفرنسية الفريدة. وقد شاءت الصدف أن يكون فاي من بين المدعوين إلى مهرجان "أصوات المتوسط" الشعري، مما سمح لنا بالتعرف عليه عن كثب وتحديد موعد لمقابلته. وقد حصل اللقاء في منزله الباريسي (منزل أندريه جيد سابقاً)، فكانت أسئلة حول أبرز المواضيع الفلسفية والشعرية التي قاربها. وهنا نص الحديث:

المعروف أنه لا يمكن تعريف الفلسفة إلا من موقع فلسفي خاص. والفلسفة، بالنسبة إليك، هي سفر عبر الأسماء واللغات وعمليات السرد. ماذا تقصد بذلك؟

جان ـ بيار فاي: أعتقد أن الفلسفة تتألف من مفاهيم، كما يقول جيل دولوز وغواتاري، صديقاي في الفلسفة وفي الحياة. ولكن قبل أن تكون "مصنع" للمفاهيم، تصغي الفلسفة إلى سردٍ ينمو داخلها ويأتي من مصادر مختلفة. واللحظة الفلسفية الحاسمة هي، باعتقادي، تلك التي يتحوّل السرد فيها إلى مفاهيم، غالباً بفعل جروح تاريخية بليغة وكوارث، الأمر الذي قد يدفع بالفلسفة أحياناً في اتجاه القسوة والعنف، كما حصل مع الفيلسوف مارتن هايدغر. إنني أول من بيّن أن فلسفة هذا الأخير هي أقسى من النازية بكل أفعالها، لأنها ستعلن إبادة العدو الداخلي عشر سنوات قبل حصول ذلك. ويحدد هايدغر هوية العدو الداخلي "بالآسيوية" التي يقصد بها اليهود. وهايدغر ليس حالة معزولة، فالقسوة تعبر الفلسفة ولكن العكس صحيح أيضاً، إذ فجأة تولد الفرضيات لكن قد يمر وقت طويل قبل اعتبارها بكامل أبعادها. حين قال أرسطو: "فرضية الديمقراطية هي الحرية" لم تكن الحرية بعد حقاً بمتناول الجميع، فالعبد لم يُعتبر مواطناً في الديمقراطية الأثينية. إذاً لم تكن هذه الأخيرة ديمقراطية بالمعنى الكامل وإنما مشروع في هذا الاتجاه. أما الفرضية ذاتها فكانت لا تزال عند انطلاقتها. ولكن بدونها لما كانت الديمقراطية الفرنسية في العام الثاني والرهيب بعد الثورة الفرنسية الذي سنشهد فيه إعلان حقوق الإنسان وإلغاء العبودية وظهور المقصلة على ساحة "الكونكورد" (يضحك)! في هذه اللحظات تولد المفاهيم، تظهر بعد انهيار بنيات تاريخية كبيرة. وهي لحظات تستكشف الفلسفة خلالها التحوّلات التي تشهدها، وتسعى إلى الامتلاء من فكر فلاسفة كبار سبقوها. لا يوجد فيلسوف لا جذور له في فيلسوف آخر. وُلدت الميتافيزيقيا الغربية مثلاً في آسيا الوسطى وباللغة العربية مع الفارابي. تستكشف إذاً الفلسفة تحوّلاتها وتعلّمنا قراءة تحوّلات التاريخ في الوقت ذاته. وبذلك هي أمثولتنا الكبرى. لكنها بحاجة دائمة إلى لمس التاريخ بطرف أصابعها والتأثر بما سبقها، أي عمليات السرد التي تشكّل مصادرها الحية والتي تتحوّل فجأة إلى أنوار، إلى مواضيع فكرية. الفلسفة التي لا تصغي إلى التاريخ تضيع، وهذا ما حصل مع هايدغر المشهور في فرنسا، لأنه لا يوجد شعب تعبّد هايدغر مثل الفرنسيين. لكن هذا الفيلسوف خان أستاذه هوسرل Husserl)) وفينومينولوجيته من خلال إعادة تأهيله للميتافيزيقيا وتوجيهها نحو عدمية لهدف استراتيجي صرف: كي لا يبدو كفيلسوف يهودي، كما وصفه "فيلسوف" نازي عند بداية الثلاثينات! والمثير هو أن هذه الاستراتيجية هي التي ستأتي بالفيلسوف سارتر ووجوديته! وستظهر العبثية مع الفيلسوف نيتشه لقراءته دُستويفسكي ونقله حرفياً أحياناً. فهذا الأخير هو الذي قال:7-7-إنني عدمي لكني أحبّ الجمال7-7-. وكلمة 7-7-لكن7-7- تعترض انحلال العدم والجمال وتحوّلهما إلى مسلّمة، كما حصل ذلك مع هايدغر. المسلمات المرتجلة قد تكون مخيفة لأنها محمولة غالباً بموجات تجعلها تشبه المسلمات لكنها في الحقيقة طحلب يسبح في محيطنا السردي. إذاً ثمة عملية سرد تسبق الفلسفة وعلى هذه الأخيرة أن تصغي إليها بأذن واحدة وأن تنظر في نتائج التحوّلات التي تأتي بها. الفلسفة هي الميدان الأفضل لمشاهدة كيف تحصل التحولات في العالم وفي اللغة وكيف يمكنها أن تكون نشيطة، محرِّرة أو خطيرة. محرّرة حين يتعلق الأمر بالحق الطبيعي الذي انبثق في الشرق الأوسط في مدينة صور الفينيقية، مع أولبيانوس الصوري الذي رأى انهيار الأمبرطورية الرومانية قبل حصوله فطرح فكرة الحق الطبيعي الذي يطالب بتحرير العبد ومنحه كامل حقوق الإنسان الحر. أولبيانوس الحقوقي الكبير الذي ساهم بقوة في كتابة قانون جوستينيانوس. إنه مثالٌ يبيّن كيف أن صور الفينيقية ستروي الثورة الفرنسية ثم كامل أوروبا انطلاقاً من عام 1848.

أحد النقاد، بمعرض حديثه عنك، قال: "الفلسفة هي السفر والترجمة. ومشروع جان بيار فاي هو توسيع الفضاء الذي يمكن التنفس داخله"...

ـ قولٌ جميل! بالفعل، إنه تنفّس اللغة. واللغة ليست الكلمات ولا القواميس ولا القواعد، باستثناء قواعد تشومسكي التحويلية التي ساهمت في تعليمي قراءة قواعد "الكتابة من جديد" (r??criture la)¡ تلك الموجودة داخل البنيات العميقة للغة. وتحدث تشومسكي أيضاً عن كفاية اللغة التي تعني قدرتها على خلق عدد لا يُحصى من الجمل بواسطة عدد محدد من الحروف والأصوات. والمقصود بالتنفس هو كيف يُشكّل الخارج في كل لحظة مصدرنا، كالأوكسيجن الذي يمنحنا إياه عالمنا، وهذه ليست استعارة فقط، إنها الطريقة التي أرى فيها الآن العلاقة بين الأشياء. جسدنا، الجنس البشري ليس فقط نوعاً من الفطر المسموم، كما قال شوبنهاور. إنه مرآة العالم، لأن جميع وظائف هذا العالم وتاريخه بحاجة إلى جسد الإنسان لاستنتاجه. كل جملة من لغتنا، بما فيها اللغة العلمية، جسدنا هو مقياسها الأول. بدون الجسد البشري لا يمكن معرفة العالم، ولكن هذا الجسد هو بدوره جزءٌ من معرفة العالم.

هايدغر

هل كل فكر هايدغر يستوجب الشجب أم يمكن إنقاذ جزء منه؟

ـ لقد جاهر، مع خمس شخصيات ألمانية بارزة، بعقيدة هتلر داخل نص لم يملِه عليهم أحد ولا أحد كتبه مكانهم، كما كنا نوقّع مكان سارتر أو ميرلوبونتي النصوص ضد حرب الجزائر. كثير من تلاميذ هايدغر البسطاء ظنوا أن الأمر لا يتعدى هذا الإطار. لكن الحقيقة هي أنه سيؤكّد هذا الالتزام الفكري في نصوصه الفلسفية التي سيعلّمها لمدة 12 عاماً. فكره الأونطولوجي المطلق مرتبط بشكل عميق بعرقيّة غاضبة وقاتلة. ولهذا لا أرى ما يمكن إنقاذه، بما فيه فكرة أن الكائن البشري مرمي على الأرض بشكل عبثي. إذ يمكن مناقشة هذا الفكرة من منطلق فلسفي. ولكن حتى هذه الفكرة لها علاقة بفكره ككل. ففي حال سلّمنا بقوله وقلنا بأن الإنسان مرمي، عندها يمكننا أيضاً رمي الآخرين أو حتى إبادتهم. المسألة ليست في معرفة إذا كان علينا إدانة كل كتابات هايدغر أو الإبقاء على جزء منها، لأن كتاباته تشكّل وحدة لا تتجزأ. ما يمكن إنقاذه هو بضع جمل ثاقبة وجميلة حول الشاعر هولدرلين والتي تبدو منزّهة من الرعب الذي يسكن كتاباته الفلسفية. ولكن في الوقت الذي يستوجب فيه إدانة مسار هايدغر وكتاباته، يُشكّل هذا المسار وهذه الكتابات مختبراً عظيماً ومنجماً لدراسة التحولات الفلسفية وخطرها ومشاهدة كيف تتحوّل مفاهيم رائعة من الفلسفة الألمانية، آتية من الفيلسوف كانط الذي هو ومضة مجيدة من الفكر البشري، إلى شيء مرعب وخطير لا سابق له.

.. ونيتشه

وماذا عن الفيلسوف نيتشه الذي يمكن اعتبارك من الأخصائيين بفكره ومن الأشخاص الذين سعوا إلى إعادة تأهيله؟ ما الذي دفع بكتاباته وأفكاره إلى الظهور بحلة تختلف عما هي عليه عن حق؟

ـ لأنه شخصياً استكشف أشياء خطيرة. أراد أن تكون الفلسفة خطيرة ولكن ليس بمعنى أن تتحول إلى سلاح، فالمقصود بذلك وظيفتها. أراد نيتشه إظهار خطورة الفلسفة، اقترابها من الخطر وانبثاقها منه. فالفلاسفة يظهرون في زمن الخطر. ولكن هم ليسو خطيرين. لجأ الفلاسفة الفينيقيون إلى الساحل الآسيوي من اليونان تحت الضغط العسكري الإسبرطي (spartes)¡ وأوّلهم طاليس ثم كثيرون غيره كانوا مفكرين عظاماً. وسيكتشفهم نيتشه من جديد ويكتشف ظروف بروزهم وانتقالهم إلى اليونان فيستنتج عندها بأن الفلاسفة يظهرون في الزمن العصيب، حين يدور دولاب القدر بشكل سريع. ولكن بعكس هايدغر، لم يكن نيتشه يشغل منصباً أكاديمياً حساساً. كان هدفه فقط الذهاب بالفلسفة إلى أقرب ما يمكن من الخطر كي تقول ما عليها أن تقوله. فكرة "الإنسان الأسمى" (le surhomme) بالذات غير مؤذية لكنها تنتج نقيضاً هو "الإنسان الأدنى"homme) Le Sous) الذي هو ابتكار نازي حصري. فالفيلسوف لم يستخدم أبداً هذا النقيض في كتاباته. بالعكس، عظمة نيتشه هي في امداده جمله بمعنى أعمق مما تقوله. وفي حال وقعنا في كتاباته على جملة مسممة في ظاهرها، نجد بسرعة وراءَها الجملة التي تلغي السم وتبدد شكّنا بمعنى الجملة السابقة. مشكلة نيتشه هي أنه قُرئ بشكل سيء وتُرجم بشكل أسوأ. لم يكن هذا الفيلسوف أبداً معادياً للسامية، كما اعتقدناه لفترة طويلة. فبالنسبة إليه، محور المعرفة البشرية الأعلى يبدأ مع العبريين ويمر بعصر النهضة وبالثورة الفرنسية. معاداة السامية كانت لدى مترجميه. فحين يقول "حتمي" يترجمون هذه الصفة إلى "وحشي"، وحين يقول "رهيب" يترجمون "غضوب"! لم يهاجم نيتشه أبداً الأنبياء العبريين الذين أتوا، بنظره، بمحبة جديدة وبشّروا بها. أما أوروبا خلال عصر النهضة الذي أحبها نيتشه بشكل خاص فقد رغب بوحدتها بشكل سلمي وليس أبداً بواسطة الحرب. نيتشه أعلن الحرب على الحرب.

.. ودريدا

يقول الفيلسوف جاك درّيدا: "قد أكون مخطئاً، لكن "الهو" و"الأنا" و"الأنا المثالي" ومثال الأنا واللاوعي وسياق الكبت، باختصار، جميع هذه المفاهيم التي وضعها فرويد ليست بنظري سوى أدوات فصاحة مفبركة بشكل تقريبي ضد فلسفة الشعور والقصدية (intentionnalit?) الشفافة والمسؤولة بشكل كامل". ما رأيك بهذا القول؟ وهل تعتبر مثله بأن هذه المفاهيم لا تصلح للتفكير بما يحصل اليوم؟

ـ إنه رأي هايدغر ولكن بصياغة سيئة، مع أني أكنّ احتراماً أكبر لدرّيدا الذي عرفته عن قرب وكانت لنا روابط وثيقة في البداية. أنا أعتقد بأن هذه اللحظات الفرويدية هي خلاصة عملية سرد طويلة لفرويد الذي كان يروي دائماً ما يكتشفه بدون أن يقول أبداً: لقد وجدتُ الحقيقة. بل كان يقول مثلاً: لقد وصلتُ أمام فرضية غريزة الموت المحيّرة، ولا أعلم مدى جدّيتها. وقد عاد إلى هذه الفكرة في نص "ما وراء مبدأ اللذة"، الذي يُذكّرنا بنيتشه وكتابه "وراء الخير والشر". إنها إشارة واضحة وإن لم يذكر فرويد ولا مرة هذا الفيلسوف، بالتأكيد لاقترابه منه بشكل كبير ولكن أيضاً لأنه لم يكن سهلاً في فيينا آنذاك الارتكاز على فكر نيتشه. المثير والجدي لدى فرويد هو أنه كان دائماً يتساءل انطلاقاً من حالة معينة أو حلم ما. لم يقم أبداً بكتابة بحث نفسي شامل معتمداً على الحدث والاستبصار. إذاً لا أوافق على قول درّيدا لأن فرويد برهن أن الشعور الصافي (la conscience claire) أو الشفاف هو في الحقيقة معكّر جداً، كفنجان ماء مليء بجميع أنواع الثمار. أحب أشياء كثيرة لدى درّيدا، حين يفسّر قصائد إدمون جابس مثلاً، وبُعد التيه لديه في كتاباته الأولى. وفجأة بدأ شبح هايدغر يكبر داخله. وحين وصل به الأمر إلى قول بأن الميتافيزيقيا هي في النهاية مصيبة يمكن مقارنتها بالنازية، وبأنه شخصياً ضحية الميتافيزيقيا، عرفتُ عندها بأنه وقع كلياً بفخ هايدغر. فحين أمسك درّيدا بمفهوم 7-7-التفكيك7-7- الخاص بهايدغر، اعتقد بأنه وجد "حجر الفلاسفة"، بينما في الحقيقة أمسك بسلاح ألدّ أعدائه، ذلك الذي كان قد أرسله إلى أحد معسكرات الموت لو لم يكن آنذاك في الجزائر. فالتفكيك لدى هايدغر غايته استرداد اختبارات الإنسان الأصلية، وهذه قصة خرافية مخيفة تقودنا إلى إعادة تحديد عناصر العرق الأصلية، أي إلى كتاب هتلر! أنا أعتقد بأنه يمكن للفلسفة أن تفحص فرضياتها. الفلسفة ليست تيهاً خارج الحقيقة. فيلسوف فرنسي مشهور كان يقول دائماً في محاضراته بأن الحقيقة غير موجودة والأقوال الفلسفية هي كما هي، لا يمكن أن نحكم بأن هذا القول صحيح والآخر خطأ. أنا لا أوافق على هذا القول. يجب أن نكون قادرين على تحديد إلى أي درجة هذه الفكرة أو تلك صحيحة أم خاطئة. فلو كانت الحقيقة أيديولوجيا، كما قال الفيلسوف ألتوسّر، لتحوّلت أسطورة الغول الذئبي حقيقة. (يضحك)

تقول في أحد نصوصك: "غلغامش، غرغانتوا وأبطال كثيرون غيرهم يشكّلون نسيجاً واحداً يربط الفرات بأيرلندا، طبقة واحدة وعميقة من الذاكرة البعيدة"...

ـ أدركتُ قرابة غلغامش وغرغانتوا بشكل حدسي، ليس فقط لأنهما عملاقان طريفان. فخلال رحلتي الأولى إلى بغداد، وقع في يدي منشور سياحي من القنصلية العراقية مكتوبٌ فيه اسم غلغامش بكلمتين: غلغام ـ إيش. وعبارة "إيش" بالعبرية تعني آدم وحواء. أصل الكلمة إذاً "غلغام". وفي فرنسا، يوجد اسم "غلغان" أو "غرغان" وليس "غرغانتوا" المفبرك. و"غلغام" العراقي و"غلغان" الفرنسي هما شبيهان جداً، كما أن كلاً منهما يسعى وراء عشبة الخلود. رابلي، مؤلف كتاب "غرغانتوا" كان يستقي قصصه من القصص الشعبية ومن الحكايات التي كان الحجاج يروونها وهم في طريقهم من الشرق إلى جبل "سان ميشال" الذي كان اسمه في السابق "جبل غرغان"! إذاً نتشارك القصص ذاتها والطبقات السردية ذاتها التي تعبر القارات قبل الأفكار الفلسفية. لولا رابلي لما جاء ديكارت. فهو الذي سيصقل لغة فرنسية تسمح بانبثاق الفيلسوف مونتاين (Montaigne) ثم ديكارت. إذاً تشكّل هذه الأسفار السردية أساساً للحظة التي ينبثق فيها المحوّل الفلسفي. الفلسفة والشعر والاستكشاف الأسطوري هم مادّتنا اللغوية التي نستخدمها بدون أن ندري.

شعر

عام 1965، صرّحت في مجلة "Tel Quel" بأن كلمة "شعر" هي "الكلمة الأبشع في اللغة الفرنسية". ماذا كنتَ تقصد بهذا القول وأين أنت منه اليوم؟

ـ أردتُ بهذا القول الإشارة إلى بهتان هذه الكلمة الرهيب. لقد ضعفت هذه الكلمة في عالمنا الحديث فأضحت كبنفسج تافه. ولردّ قوتها وغضبها لها ارتأيتُ العودة إلى الكلمة اليونانية "Poesis" التي تعني بالتحديد العمل على اللغة، وبها نقترب من "الشعرية" التي كتب عنها أرسطو. إذاً أردتُ رد للشعر غضبه، نزع "وريقاته" وجانبه "الفاتن" لإظهار ما يحتويه من عنف وشراسة.

شاركتَ في مغامرة "Tel Quel" الشعرية لمدة خمس سنوات. ما كانت حسنات هذه التجربة وسيئاتها؟

ـ علاقتي بمجموعة هذه المجلة ترتكز على القربى في المكان وفي زمن إصدار الكتب. وفي أحد الأيام طلب مرسيل بليني مني العمل بشكل أوسع معهم، فقلتُ له بأن هذا حاصل سلفاً لأنهم كانوا قد طبعوا نصوصاً لي في هذه المجلة. وبعد بضعة أيام، عرفتُ من خلال إعلان رسمي بأني أصبحتُ في لجنة تحرير هذه المجلة. إذاً دخلتُ نواة هذه المجلة قبل أن أعرف! وانطلاقاً من هذه الفترة عملتُ مع هذه المجموعة فترة خمس سنوات وكانت لحظات مثيرة واكتشافات مشتركة واهتمام عميق بأبحاث رولان بارت وشغف بشعر مالارمي. أنا أول من كشف في هذه المجلة أهمية رومان جاكوبسون وعمل الشعراء الشكليين الروس على الشكل اللغوي والشعري، مثل ماياكوفسكي وخليبنيكوف. إذاً، انطلقنا معاً على قاعدة استكشاف عام وكانت النتيجة مثمرة. وفجأة حصل انحراف على مستوى التوجّه النظري والسياسي للمجلة بعد اهتمام عدد من الأحزاب اليسارية بها، فبدأ أقطابها بإعادة تأهيل ستالين وذكر جدانوف والدخول في ماوّية ساذجة. ولهذا ابتعدتُ عنهم، ولكن أيضاً لخلاف طرأ بينهم وبين صديقي الشاعر موريس روش الذي كان مشاغباً رائعاً. وقد أدى ذلك إلى ولادة مجلة "Change" بمشاركة جاك روبو وموريس روش.

النصوصية

ما كانت توجّهات هذه المجلة مقارنة بمجلة "Tel Quel"؟

ـ الخروج عن الاستنتاجات التي قاموا بها انطلاقاً من سفرنا المشترك داخل التيار الشكلي الروسي. فقد وصلوا إلى فكرة وجوب ممارسة نوع من العبادة للنص. ومنذ البداية، بدا مفهوم الكتابة النصوصية بالنسبة إليّ غريباً هيكلياً وهزيلاً، كما لو أننا لا نأخذ من التاريخ سوى مجموعة الهياكل العظمية! وحين أعلنوا بأن الكتابة النصوصية هي التاريخ الحقيقي، تبيّن لي بأنهم نسوا الدم والروح. ولكن هذا لا يعني أننا أردنا في المجلة الجديدة إدخال رومنسية جديدة. كتابة جاك روبو كانت نقيض أي رومنسية وتميّزت، ولا تزال، بعنفٍ واحتقار كبيرين. وقد فرحتُ لوقوعي على شخص مثله منزّه من أي عواطفية شعرية. إذاً، أردنا استخراج البعد البركاني للقول الشعري والجانب الثوري الذي كان حاضراً دوماً في نصوصنا.

ما رأيك في النصوصية الجديدة التي لا تزال تحتل جزءاً من الساحة الشعرية الفرنسية، مثل جان ماري غلايز؟

ـ أحب كثيراً بعض نصوص غلايز. أوافق حين ننظر إلى النص كنسيج. لكن المشكلة هي أن كلمة "نص" أصبحت استحواذية في لغة البعض إلى حد فرضها كنظرية، خاصة لدى مجموعة "Tel Quel". ولكن حتى لدى الذين جاؤوا بعدهم، نلاحظ جانباً "كهنوتياً" ومقنناً، كما لو أن النص يسعى إلى قانون ما. والمعروف هو أن الشعر يربك القوانين ويقلقها، ينبثق من لحظة انفجارية.

كيف تلخّص تجربة مجلة "Change"؟

ـ اعتمدنا توجّهين داخل المجلة: تيار الشعراء وتيار الروائيين. التيار الأول أشرف عليه جاك روبو واعتنى بالشعرية كما عرّفتُ بها منذ قليل. أما التيار الثاني فضم أشخاصاً لا يكتبون الشعر، مثل جان كلود مونتل ودانييل كولوبر. ومعهم حاولنا إدخال أسلوب "السرد الجديد" الذي لم يلق النجاح الذي يستحقه. وهدفنا كان إظهار داخل النص كيف أن الفعل أو الحدث الذي نحاول وصفه يتغير خلال عملية وصفه. فبسرد وقائع هذا الفعل أو الحدث، يمكننا إدانته أو قبوله أو دعمه. وهذا ما أوصلني إلى مسألة خطورة اللغة التي دفعت بي في النهاية إلى كتابة بحث بعنوان "اللغة التوتاليتارية" أبيّن فيه كيف أن رواية فعلٍ ما تتحوّل، بواسطة الأسلوب أو الطريقة المتبعة، إلى فعلٍ بذاته. ولا بد من الإشارة إلى توجّه ثالث داخل مجلتنا اعتنى بنظريات الألسنية وأهميتها في شرح وتفكيك الكتابة الشعرية.

في النهاية، ثمة اهتمامات مشتركة عديدة بين مجلتك ومجلة: "Tel Quel" الشكلية الروسية، الألسنية...

ـ نعم ولكن بشكل مختلف. نحن أردنا إبراز الحدة الشعرية من خلال هذه الاهتمامات وتطويرها. بينما هم أرادوا صياغة قوانين كتابية لازمة تسمح لهم بانتقاد كل من يبتعد عنها! والمثير هو أن ثمة جانباً تعليمياً مزعجاً في موقفهم مع أن مجموعتهم لم تضم أي أستاذ جامعي، بينما جاك روبو وميتسو رونا وأنا كنا أساتذة جامعيين ولم نحاول أبداً فرض توجّهاتنا.

كيف تصف المشهد الشعري الفرنسي اليوم؟

ـ سؤال صعب للغاية لأني لا أعلم أين موقعي بالذات وأين أنا، فكيف المشهد الشعري كله!

هل ما زلتَ وفياً لروح مجلة "Change"؟

ـ لا. لا أفكر بالماضي حين أكتب الشعر، بل أفكر بشيء أراه في الأفق وأرغب في الاقتراب منه لأن يداً خفية تمسك بجسدي وتعصرني وتحطمني. وفي هذه اللحظة أكون خارج أي مشهد. فما أسعى إلى بلوغه هو مشهد غائب. وقد تتعجب إذا قلتُ لك بأني أشعر بقربة وتناغم كبيرين مع الشعراء الشبّان الذين لم ينشروا أي ديوان بعد، يرسلون لي قصائدهم مرفقة برسائل جد مؤثرة. وقد ساهمت في نشر عدد منها في مجموعة "شعراء القارات الخمس" لدى دار "لارماتان"الباريسية. إذاً، لا يمكنني وصف الشعر الفرنسي اليوم لانفتاحه على تجارب لا تحصى ولسيري بشكل غير إرادي على دربٍ تائهة.

 

انطوان جوكي


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri