
بالإذن
من سفر التكوين
سيرة
صراعية بين الحياة والموت
إلهام
منصور: لا تناقض بين الفلسفة والسرد
إلهام منصور، أستاذة
الفلسفة في الجامعة اللبنانية، والروائية الحاملة أفكار التحرر
النسائي وقضاياه، وابنة البيت السياسي العريق، صدرت لها مجموعة
من الروايات والدراسات الفلسفية التي تجعل منها صوتا نسائيا
مميزا في الساحة الثقافية اللبنانية. وبمناسبة صدور روايتها
الجديدة <بالإذن من سفر التكوين> أجرينا معها هذا الحوار:
روايتك السابقة <حين كنت رجلا> سيرة ذاتية تحكي قصة
الدرب التحرري الذي مشيت عليه.
إلى أي مدى تقترب او تبتعد روايتك الجديدة <بالإذن من سفر
التكوين> عن حياتك الشخصية؟
} ليست لها علاقة إطلاقا
بحياتي الخاصة، لكنني أعتبرها نموذجا لكل حياة خاصة باعتبار
ان كل حياة هي هذه السيرورة الصراعية بين الحياة والموت. ولهذا
السبب بطلة الرواية اسمها <حياة>، والموت إسمه <المبتسم>
لأنه الساخر الأبدي.
واضح انحيازك الى الشخصيات
<الإنسية> (النسائية) والمصطلح لك بدلا من <الأنثوية>.
لماذا هذا التهميش المتعمد للشخصيات الذكورية. هل يمكن اعتبار
رواياتك روايات إنسية (نسائية) مقابل الروايات الذكورية؟
} أحاول في رواياتي
أن أجد حيزاً للقول الإنسوي. هذا القول الذي أفتقده في قراءاتي
حيث ان المسيطر هو القول الذكوري حتى في الكتابات النسائية.
ومحاولتي هذه بنيت على تحليل نظري حول القول الإنسوي وقد نشر
كملحق في نهاية كتاب <حين كنت رجلا>.
لا تشعرين بالحرج إزاء
وصف التفاصيل بدقة ووضوح لكل لقاء جنسي بين امرأة وامرأة أو
بين رجل وامرأة. هذه التفاصيل يغلفها السرد الروائي عموما
بالرموز والاستعارات. هل تحملين موقفا فكريا يبرر هذا التعامل
الوصفي المفضوح؟
} هذا الوصف الذي تسميه
واضحا ودقيقا لم يظهر بشكل جلي إلا في روايتي <صوت الناي>
أو <سيرة مكان>. كنت أتقصد ذلك، لأن الجنس في هذا الكتاب
هو بورنوغرافيا متعمدة نظرا لطبيعة الرواية.. بينما الجنس
في الكتب الاخرى لا يدخل في تفاصيل العلاقة ولكنه يدخل في
الكتابة الايروتيكية الايحائية وبعض القراء والنقاد، خاصة
في رواية <أنا هي أنت> طالب بتفصيلات حول هذا الموضوع.
ولكنني مقتنعة بما قمت به. لأن التفصيل هنا لا يضيف شيئا الى
الرواية.
مساواة واختلاف
كيف تختصرين علاقتك بالرجل عموما. هل هي علاقة تملك من قبلك
أم من قبله. هل هي علاقة مشاركة أم هيمنة. هل بالامكان قيام
علاقة مساواة بين طرفين غير متساويين أصلا؟
} علاقتي بالرجل هي
علاقة <ندية> قائمة على المساواة القائمة بدورها على
الاختلاف. هناك اختلاف كبير بين المرأة والرجل ولكن هذا الاختلاف
لا يشكل تميزا إطلاقا. وفي العلاقات هذه، أنا ضد مفهوم التملك.
ولهذا السبب كل علاقة بين <إنسي> ورجل هي علاقة لا ينقذها
سوى الاحتيال.
احتيال على ماذا؟
} على الذات وعلى الآخر.
في العلاقة الجنسية الحميمة هل تعتقدين ان الطرفين، المرأة
والرجل، يقفان على المستوى نفسه وينظران الى الجنس من منظار
واحد؟
} للإجابة عن هذا السؤال
أستطيع التكلم عن الإنسي وأترك الشق المتعلق بالرجل كي لا
أقع في الادعاء. أستطيع أن أعرف ماذا تريد المرأة ولكنني أحاول
أن أتخيل ما يريده الرجل، من خلال سلوكه وأقواله. من هنا أستطيع
القول ان الاثنين يبغيان المتعة التي تتدرج من المتعة الجنسية
المحض الى المتعة التي تطاول كل الكيان الانساني.
هل هدف الرغبة الجنسية عند المرأة الوصول الى الرعشة أو الأورغاسم،
ام الحصول على طفل من إنسان تحبه؟
} أظن الهدف الأول
تحقيق النشوة او الأورغاسم. أكثر من ذلك، أعتقد ان العلاقة
الجنسية بين المرأة والرجل هدفها المتعة أما التوالد فهو نتيجة
وليس هدفا.
لهذا السبب نجد العلاقات
المثلية التي أعتبرها علاقات طبيعية وإن كانت تشذ عن القاعدة.
وربما عاد ذلك الى حكمة ما في الطبيعة للحد من التكاثر في
النسل الذي ينمو بشكل كارثي.
ما هي الصفات التي
تعتبرينها مفضلة لديك عند الرجل؟ بتعبير آخر: ما الذي يثيرك
في الرجل؟ عقله، بدنه، ثروته، أم ماذا؟
} لدي فكرة حول هذا
الموضوع، تكلمت عنها في كتاب <أنا هي أنتِ>. إذا اعتبرنا
كل كائن إنساني مزيجا من أنوثة وذكورة بنسب مختلفة تجعل من
الذكر ذكرا ومن الأنثى أنثى، اذا اعتبرنا ذلك صحيحا، وهو صحيح،
فما يجذب المرأة الى الرجل هو تلك الأنوثة التي تنقصها، وما
يجذب الرجل الى المرأة هو تماما تلك الذكورية التي تنقصه.
كتبتِ عن علاقات مثلية
بين النساء في روايتك <أنا هي أنتِ>. هل أحببت امرأة
ما؟ أو هل استهوتك امرأة ما على الأقل؟
} بعد كتابة <أنا
هي أنتِ> سمعت أسئلة من هذا النوع ولو أنها أسئلة غير مباشرة.
كان جوابي دائما: لو كنت سحاقية لما ترددت لحظة في إعلان ذلك.
لكن لدي صديقات عديدات أحبهن، وليس الحب لشخص من جنسنا نحن
النساء بالضرورة حبا مثليا، كما يحلو لبعض الأذهان الغبية
اعتباره. لست حلقة، أنا النهاية
هل كنت تريدين أن يكون لديك اولاد؟ وهل يمكن احتمال الحياة
بلا أولاد بالنسبة للمرأة المبدعة؟
} عدم الرغبة في إنجاب
أولاد نظرة الى الحياة مفعمة بالتشاؤم. كأن الحياة لا تستحق
ان نورثها لغيرنا. وهي نوع من التمرد على المسيرة الطبيعية
لتسلسل الحياة. من لا ينجب كمن يقول: <أنا لست حلقة، أنا
النهاية>. أظن ان الحياة بلا إنجاب حياة مخففة من الأثقال،
تشبه الطيران بتحليقه المستمر. ما الدور الذي يلعبه كل من
الأب والأم في فانتازيا ممارسة الجنس؟
} حسب النظرية الفرويدية
كل منا يبحث عن صورة والده في الجنس الآخر. الذكر يبحث عن
صورة أمه والانثى تبحث عن صورة أبيها. ولكن هذا القول مبدئي
جدا، لأن الصورة التي نشكلها عن والدينا هي في أغلب الأحيان
ليست الصورة الحقيقية. فأحيانا كثيرة نجمّلها وأحيانا كثيرة
نبشّعها. ولا ننتبه الى هذه الناحية إلا في حالات الإشكال،
بمعنى في الحالات التي نلجأ فيها الى التحليل النفسي وهي حالات
نكون فيها غير راضين عن الواقع الذي نعيش فيه. كونك
تعرفين جيدا نمط الحياة في أوروبا وأميركا، هل تشعرين بأن
المرأة تختلف من الناحية الجنسية العاطفية، باختلاف الثقافات؟
} إن كان هناك من اختلافات
فهي اختلافات في السلوك والتعبير أكثر مما هي اختلافات في
عمق الأشياء وجوهرها. احيانا كثيرة، تبدو <الإنسى غير المثقفة>
أكثر قدرة على التعبير عن حالاتها الداخلية من المرأة المثقفة
لأنها تستعمل الألفاظ المباشرة بينما عند <الإنسى المثقفة>
تطغى المكتسبات الثقافوية فتشوه براءة ومصداقية المباشرة.
ماء يحمل الباخرة
أسلوبك السردي واقعي الى حدود اللغة اليومية. هل هذا مقصود
منك ام أنه يأتي عفواً؟
} أنا في رواياتي لا
أكتب الانشاء البلاغي. همي ملاحقة الفكرة والحدث وسرده بأقل
جهد لغوي ممكن كي يحافظ على ماهيته. وأستعمل اللغة التي لا
يتوقف عندها القارئ، كالماء الذي يحمل الباخرة. هذه اللغة
<المائية> الواقعية مقصودة، لأنني أبتعد عن قصد عن كلمة
لا يمكن أن تقال بشكل أبسط. ما هو الدور الذي يلعبه التخييل
في سردك الروائي؟
لماذا تتجنبين استعمال الكنايات
والاستعارات والتشابيه البلاغية؟
} يفهم من السؤال كأن
شرط الكتابة الروائية أن تستعمل هذه الادوات، وهو أمر متعارف
عليه تقليديا. أنا لست ضده بالمطلق ولا معه بالمطلق. استعملته
في أماكن عديدة من كتاباتي وتخليت عنه في أماكن اخرى، حسب
ما أرى من ضرورة. في روايتي <صوت الناي>، وهي رواية
رمزية بكل معنى الكلمة، حكيت قصة الشعب اللبناني وما مورس
عليه منذ فترة الاستقلال وحتى كتابة الرواية عام.1995 السياسة
في هذه الرواية مرمزة بشكل ان القارئ غير المسيس يصعب عليه
فك رمزيتها، ويقرأها وكأن ليس لها علاقة بالواقع السياسي إطلاقا.
إلى أي حد تتدخل ثقافتك الفلسفية في السرد الروائي. ألا تجدين
ثمة تناقضا بين التفلسف والسرد؟
} جئت الى الرواية
من خلفية فلسفية والفلسفة داخلة في صلب رواياتي التي هي كلها
تمثيل على أفكار فلسفية. ليس هناك أي تناقض بين الفلسفة والسرد.
بل هناك تزاوج تكاملي.
حيدر صفوان - (السفير)