حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الشاعر الليبي صالح قادريوه:

أعتبر نفسي نقار خشب حاذق

صالح قادربوه هو أبرز الأصوات الشعرية في الساحة الأدبية الليبية حاليا. شاعر كاميكازي بكل معنى الكلمة. نص قادربوه زئبقي مثله، يجعلك تراوده دون أن تشعر. قارئ نهم و شاعر نرجسي و متدفق دونما حدّ. لا يعترف قادربوه بما أنتج من نصوص سابقة بل يتبرّا منها بحزم.تلقّبه "ليلى الشافعي" ب "قاتل بوه" في حين أدعوه أنا "صامت بوه" فهو يحول القلق الشعري إلى صمت. في هذا الحوار نحمل معنا عبوات صالح، والعبوة هنا ليست ناسفة ذات تدمير شامل بقدر ما هي ذات تعمير داخليّ /خارجيّ. لعل صالح في هذا الحوار كان "قاتل بوه" في تصريحاته:

1 – صالح قادربوه،هذا الشاعر المشبوه. كيف يسبق اسمه؟
الشاعر في نظري عداء، لا يكتفي بالتجاوز بل بالقفز فوق
الحواجز المفروضة السائدة، أنا لا أسبق اسمي.. أنا
مشبوه لذلك أنا أعيش في حالة تسابق مع اسمي، ولست أكيدا
من سيربح.. إذا كان ثمة من سيربح أصلا.. المشبوهون هم
نحن، يطلق علينا الآخرون اسم "هم" ونحن لا نملك إلا
أن نكون "نحن" في شعرنا وحزننا وموتنا ورغبتنا في هجر
كل شيء وفي الهجرة إلى أي شيء، لكنني مازلت أؤمن بمقولة
كزنتزاكس: "حياتنا ومضة سريعة، لكنها كافية".. أنا
أمسك ضحكتي بصعوبة وأنا أقول: أؤمن!!!! لكن على الأقل
أنا أحب كزنتزاكس، ولكنني لا أنتمي إلا إلى ديستويفسكي

2 – نمت حول حديقتنا الشعرية نباتات طفيلية كثيرة..
صراحتك الشعرية تؤكد لحدسي أنك ستذكر أسماء شويعريّة
أثارت تقزّز الشعر أولا و حفيظتك ثانيا..؟
أنا أعتبر أن هناك وهما كبيرا اسمه رموز قصيدة النثر
العربية، فأدونيس في نظري لا علاقة له بكتابةالشعر
الحديث، ولو استمر باحثا في شؤون الحداثة والقطيعة مع
التراث أجدى من ادعائه الشعر بل ادعائه أنه أهم شاعر
عربي وأنه مرشح لنوبل، أنا لا أعتبر شاعرا من يستغل
الأيديولوجيا ليحولها إلى شكل ويركب على ظهر المتلقين..
كذلك نزار قباني هذا من أكبر النزلات المعوية في جسد
الشعر العربي، ولا أدري من أخبرني من المترجمين أن
نصوص قباني هذا حين تترجم تتحول إلى خواطر مراهقين..
كذلك الشعر ليس منشورا ماركسيا ليصبح بذلك البياتي شاعرا
كبيرا!! أنا أحب السياب وصلاح عبدالصبور وخليل حاوي
وداليا رياض والغامدي والنجار والإبراهيم وياسين عدنان
وغيرهم ممن تجد في نصوصهم محاولة حقيقية لكتابة ذوات
مهجوسة باللغة، وبلعنة الواقع، ومطلة باتساع على
المخيلة.

3 – في تونس الخضراء، فرّ الشاعر الفلسطيني الكبير محمود
درويش من كل لون و أصرّ على أن الشعر العربي الحديث باتت تميزه
النمطية على الرغم من أن هذا الشعرفي حد ذاته يمثل الثوزة على النمطية
في الشعر العربي بل مضى في القول على أن الشعر العربي مصاب
بالتكرار والتشابه. ما تعليقك على ما قاله أنت شاعر قصيدة النثر الحديثة؟
درويش هذا هو أحد أكبر النمطيين، ويأتي الآن ليقول إن
هناك تنميطا!! عموما مقولته هذه حقيقية لكنها تنسحب
عليه أيضا، وكون هؤلاء لا يقرؤون نصوصا للشعراء الجدد
ليس ذنب الشعر العربي الحديث بل ذنبهم هم، إذا كان
نموذجه هو هذا الهراء الذي ينشر كل يوم في الصحف
والمجلات وتخرجه دور النشر الرسمية فهو ونموذجه، خصوصا
أنه صرح بذلك في تونس وهي بلد لا شعر فيه.. فليطلع
درويش هذا على التجربة الحقيقية لقصيدة النثر التي
نرسمها نحن الآن، أو ليذهب إلى بيته ويشرب حليبا دافئا
وينام.

4 – تعترف أن مجموعتيك الشعريتين مييتان على نحو ما،
باهتتان في في قلبك على نحو آخر، بائستان جدا على نحو
ثالث. و تشي بفرح و غبطتك و انتظارك بشغف لمجموعتك
الثالثة" التأويل الرودي لبياض الكوكب".. ألن تأتي بعدها
و تقول " مجموعتي هذه هي الأخرى لعنة على الشعر و
علي، سأنتظر صدور المجموعة التالية..!"؟؟
على الأقل أعتبر مجموعتى التي ستصدر (التأويل الوردي
لبياض الكوكب) من أفضل ما كتب في مشروع قصيدة النثر
الحديثة، وعلى فكرة هي المجموعة الرابعة لا الثالثة.

5 – الإنسان بحسب أوكتافيو باس هو شجرة صور، لذا فالشاعر
الحقيقي هو نقار خشب حاذق يثقب المتلقي ليضع بيضه(صوره بيضه الجديد
والملون... بهذه القولة لباث تقدّم لديوانك الجديد. صالح،
هل أنت نقار خشب حاذق؟ و كيفه المتلقي؟ علما أنك تقول
في نصك "ممنوع الابتسام":
رائحة ملل أحسه الآن
رائحة نقاط ثلاث أضعها نهاية السطر الأخير من قصيدة
عامود.. أي
رائحة متلق غبي
ينتبه لما أقول.. ثم يبتسم!!!
أعتبر نفسي نقار خشب حاذق، ولا أخفيك سرا أنني لا أهتم
للمتلقي العربي كثيرا بل المتلقين من الولايات المتحدة
وروسيا وبولندا وهولندا وفرنسا وفنزويلا وكولومبيا
وغيرها، فأنا لا أعول لا على المثقف العربي الدعي، ولا
على المتلقي العربي التعس.. وأعذرهم لأنهم صنيعة الآلة
السياسية العربية المدمرة.

6 – متى ستعرف إن كنت تؤمن أم لا تؤمن بشاعريتك؟
للأسف.. أنا مؤمن بنفسي وشعري الآن.. لا أستطيع أن
أخفي كوني شاعرا جيدا مهما حاولت!!

7 – كيف تجد قصيدة النثر المغربية، المصرية، السعودية و الليبية؟
قصيدة النثر في المغرب نموذج عال للتجريب الواعي، وهي
أفضل المشاهد العربية _ أي المغرب _ في الشعر وربما
القصة أيضا، ناهيك عن النقد.. لكن الرواية الجيدة هي
مشرقية رغم كل شيء.. هناك بعض الأصوات في مصر تحاول حقا
كتابة نص يختلف عن الوهم المصري السائد بالتفوق،
وبالقوميةالأسمى وغيرها من الأوهام المختلفة.. لكن هذه
الأصوات لا تقارن بالنصوص الرديئة التي تملأ الساحة
المصرية من شمالها لجنوبها، في السعودية تتعرض الحداثة
للاستفزاز والضغط وأعتقد أن حالة كهذه ستفرز أدعياء كثرا
لكنها بالمقابل ستفرز أصواتا قليلة تتميز بالسمة
الشعرية العالية.. أما في ليبيا فالكتابة هي جهد فردي
بالأساس، والشاعر الليبي صورة باهتة لكتاب المشرق أو
المغرب.. الحالات الشعرية في ليبيا نادرة.. تحتاج
لطموح كبير لتصبح أسماء كبيرة... عموما في قصيدة النثر
أنا أتحيز لأصوات شعرية أظنها تطرح في المشهد ألعابا
جديدة ومختلفة في كتابة الشعر مثل العراقية داليا رياض
والمصرية زهرة يسري والسعودي محمد خضر الغامدي،
والسورية إيمان الإبراهيم واليمني عمار النجار،
والمغربيين جمال بدومة وياسين عدنان، وقليل غيرهم.

8 – إلى متى يا صالح ستعتبر الشعر رحلة في المطلق،
حالة طُهرية سرمدية، تهتم بالاكتشاف، وتدور دائماً
حول ضوء الرؤيا والنبوءة والحلم، انطلاقاً من الذات ورجوعاً إليه؟
لم أعد أؤمن بهذا الرأي الذي أطلقته في لقاء قديم معي،
أنا نقار خشب، والنص لدي لعبة ممتعة، لكنها خطرة،
فسيرة الكتابة في اعتقادي هي سيرة النقر المتحايل..
وسيرة القراءة هي سيرة تنسيق البيوض، وإقصاء الفراغ
لتخزين الصور.

9 – ماهو النص الذي يمكن أن نقول أنه السيرة الشخصية لحلمك؟
كل نصوص ديواني (التأويل الوردي لبياض الكوكب) هي
أشكال مني، من حلمي، ومن سخريتي، ومن قرصي لأذني
اللغة، وعلى فكرة ليس هناك سير شخصية للكتاب العرب،
لأنهم يعيشون وهما عربيا واحدا، دون أحلام حقا.

10- كيف هي بنغازي في قلب صالح قادربوه أهي صحراء داخل الصحراء؟
بنغازي شكل من أشكال إدانة الواقع، مليئة بالحفر مثل
وجه مجدور، كثيرة النميمة كعجوز إيطالية، تصفعها
السياسة فترفع رأسها القبيح بشجاعة مثيرة للإعجاب..
بنغازي موطن أحببته وسأظل أحبه.. لكن يلزمنى زمن من
السفر خارجها، لأتفحصها بشكل أدق.

11 – تقول أنّه ليس من هو أسوأ من نزار قباني غير البياتي..
أهم حقا كذبة كبيرة صدقتها طويلا و يكف تراك تعاقبها أخيرا؟
بصدق أنا لم أصدق البياتي هذا ولم أحب نصوصه من البداية
فأنا لا أحب الخطب السياسية، ولا الشعارات، لكن نزارا
هذا في فترة المراهقة لا بد أن تمر به كما تمر الفتيات
بروايات عبير الرخيصة، إنه يوفر عليك أن تبعث رسالة
لفتاة غرة مثلك دون أن تشغل مخك، ويوفر على مهرجانات
التضامن العربية مادة وفيرة من الكلام الموزون المليء
بشتم الواقع العربي بشكل مهذب وحسب الطلب، وهو الآن بعد
موته نجم قناة روتانا رغم حضور روبي الطاغي... الشعر
ليس هذا ولا هؤلاء ولن يكون.

12 – في الوسط الثقافي الليبي يشاع كثيرا أن صالح قادربوه مغرور جدا.
أكان الغرور أم تراها النرجسية أم لعلها الثقة الشعرية من جعلك
تقول أنه إن كان هناك من شعراء ليبيين حقيقيين فهما أنت و محمد زيدان؟
أنا أثق في تميزي فضلا عن كوني شاعرا جيدا، والمشهد
الثقافي الليبي لم يتعود ظهور شاعر فرد، يرفض السائد
بقوة وبصدق لا على سبيل المجاز، ويطرح مشروعا غريبا
عليهم.. يعتبرونه مصادرة لهم لأنه يوضح تفاهة المطروح،
لذلك نادرا ما تسمعين عن أمسية أقيمت لصالح قادربوه في
أي مدينة ليبية بينما تتوفر هذه الأمسيات لهذا الشاعر
خارج بلاده، هناك لوبي كلاسيكي مسيطر، ولوبي يدعي كونه
حداثيا لا يريد أن يفضح أكاذيبه أحد... وشعراء صحفيون،
وصحفيون شعراء، و شعراء زوايا صوفية وشعراء جمعيات
استهلاكية ومقاهي وتاكسيات ومجمعات ومستشفيات... إلخ من
المآسي الليبية بتميز، لدي نصوصي وهم دون نصوص لذلك لم
يتحدث أحد عن نصوصي بل يهاجمون شاعرا مثلي بالتجريح
الشخصي أو تنفير الآخرين من غروري وغير ذلك مما يتهمونني
به.. مسكينة ليبيا، تحملت كثيرا ومازالت تتحمل..
مسكينة فعلا.

13 – أول أمس أهديت نصك "صمت النوة" لسرطان الحلق. اليوم تهدي
ديوانك الجديد للون وحده..بين سرطان الحلق و اللون، أينك صالح؟
أدهشتني بقدر ما ارعبتني فكرة أن يفقد الشاعر صوته، وهو
ما حدث لكفافيس بطل نصي (صمت النوة) لذلك أهديت نصي
لسرطان الحلق لأنه القادر الحقيقي على أن يفقد الشاعر
صوته.. فالشعر مازال فعلا صوتيا رغم كل شيء، أما
الألوان فعلاقتي بها عجيبة، مازلت أحاول استيعابها لذلك
لن أحدثك عن هذه العلاقة لأنني لم أفهمها حقا بعد..
وربما تستطيعين تبين بعض ملامحها في نصوص من مجموعتي
الأخيرة مثل (ليه يا بنفسج) لكنني موجود في اللون
الأزرق، وفي فكرة فقدان الصوت معا..

14 – عرفنا أن أحلامك لا تخص فرويد، من تخص هي غيرك أنت؟
تخص الكاتب الحقيقي، والطفل الحقيقي... أحلامي لغة
شعرية تتخذ من النثر مفسرا، لكن من يستطيع أن يجزم أن
التأويل صحيح!!

15 – إلى أي حد خشن هو صوت الشعر داخلك؟
صوت الشاعر هو صوت النقر، وصوت الشعر هو صوت سقوط أكوام
من أكياس الرمل.. خشن بقدر بلاهة المتفائلين، وناعم
بقدر انقضاء العمر في نوبة بكاء بدون سبب

16- ماذا تقول لهؤلاء:
المتنبي – امبرتو إيكو
– زوربا – ابراهيم الكوني- أدونيس-سعاد حسني
المتنبي / أنت شاعر كبير، لكن لنكون حداثيين يجب أن لا
نصدق الوهم القائل أن نصوصك تصلح نموذجا للحداثة.. ألست
معي؟
أمبرتو إيكو / عملك (اسم الوردة) سيجعلني أفكر فيك كل
يوم، وأقول إنك في نظري أعظم روائي بعد ديستويفسكي
زوربا / اعتبرك سقطت في كتب كزنتزاكس سهوا، فأنت شخصية
لجورج أمادو.. لن أسامحك لأنك أفقدتني بعض حبي الكبير
لكزنتزاكس كاتب (الإغواء الأخير للمسيح) ولأنك سمحت
لكل أدعياء الثقافة العربية بأن يتبجحوا أنهم يشبهونك
إبراهيم الكوني / عندما وقف أحد سفهاء الثقافة الليبية
واتهمك بانك تروج لفكرة الأقليات برصدك لحياة الطوارق،
عرفت أنك ستظل كبيرا، فلا يهاجمك إلا اثنان ليبي لا
يقرأ وهي ظاهرة عامة في ليبيا، وحسود وهم كثير في جسد
الثقافة العربية المريض
أدونيس / لن اقول له شيئا فهذا لا يسمع ولا يبصر ولا
يغني عني شيئا
سعاد حسني / خسارة أنني لم ألتقط مشهد سقوطك من البلكونة،
يبدو أن جولييت فضلت أن ترمي نفسها لروميو في نهاية
الدنيا.. وروميو هنا كان عزرائيل متنكرا.. معليش تعيشي
وتاكلي غيرها

17- "فالنتينو" يقول "أعتذر لك فأنا لا أحب قفاك الغليظ ولا
ابتسامتك الموسميّة!!" لمن تقولها أنت بدورك؟
أقولها لظاهرة الحب العربية، المادة الوحيدة والمملة
للمسلسلات والنصوص الدرامية والقصصية والشعرية العربية
وللون الأحمر الذي يلبسه الأغبياء في عيد الحب كما يفعل
طلاب المدارس الذين يرتدون زيا موحدا أو الجنود المتاعيس
أو المحكوم عليهم بالإعدام

18 – هل افتقدك الشعر بعد حوارنا هذا أم أنّه يلعنك الآن؟
الشعر يعرفني، لذلك هو يلعنهم.. لأنهم يلعنونني،
وينسبونه إليهم، وهو منتسب لي.

 

حوار: منى وفيق


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri