


انبعاث
الشعر في أمريكا اللاتينية
شهدت العاصمة الأرجنتينية
بوينس أيرس في الأيام الأخيرة مهرجاناً شعرياً رائعاً نظمته
وزارة الثقافة في مركز "سان مارتين" الذي يعتبر من أهم المراكز
الثقافية في القارة الأمريكية اللاتينية، واستغرق المهرجان
أربعة أيام استمتع جمهور الشعر خلالها بسماع أروع القصائد
من مختلف المدارس الشعرية. وشارك في هذا "اللقاء الشعري الدولي
الثاني" شعراء من الأرجنتين ومختلف دول أمريكا اللاتينية وأوروبا،
وعلى هامش أعمالهم الشعرية والأدبية فقد أوضح هؤلاء في العديد
من المقابلات والحوارات رأيهم بالمسيرة الشعرية الراهنة في
أمريكا اللاتينية، مؤكدين بأنها تشهد مرحلة ازدهار فريدة من
نوعها، ودافعوا أيضاً عن الشعر في هذه المرحلة التي يطغى فيها
النثر كوسيلة لقراءة الواقع.
وقد وكان من بين الشعراء
المذكورين، الشاعر الكوبي خوسيه كوسير (1940) مدرّس الآداب
في معهد كوين كوليج والذي صدر له نحو 15 كتاباً وديوان شعر،
والشاعرة الأرجنتينية مرسيدس روفي (1954) الحائزة على جائزة
غوغنهايم، والتي أصدرت ديوان" "الأوبرا الوهمية"، والشاعر
والروائي الأوروغوي روبيرتو إيشافارّين (1944) المدرّس في
جامعة نيويورك، والشاعر البرازيلي ماورو فاشيوني فيلهو الذي
يحرر مجلة بابل الشعرية، والشاعر والروائي والمترجم الأرجنتيني
دانييل موخيكا (1950)، وفيما يلي ردود هؤلاء الشعراء على الأسئلة
التالية:
هل ثمة مدرسة شعرية
فعلية حالياً في أمريكا اللاتينية؟
خوسيه كوسير: بكل تأكيد،
فهناك شعر أمريكي لاتيني، وهو يشهد حالياً عملية انبعاث، وما
يحدث برأيي هو ظاهرة حيوية ورائعة وفريدة من نوعها.
دانييل موخيكا: أوافق
خوسيه كوسير الرأي بشأن ازدهار القصيدة الأمريكية اللاتينية
ولكني أعتقد في ذات الوقت بأن جذوة الشعر الأمريكي اللاتيني
لم تخبُ أبداً، بل تشهد مداَ في بعض المراحل وجزراً في مراحل
لاحقة.
مرسيدس روفي: إن فكرة
الانبعاث توحي بحصول انهيار مسبق وأنا لا ألمح مثل تلك الظاهرة،
وإنما أتوافق في الرأي بشأن الازدهار الذي يتحقق بفضل بعض
الأصوات الهامة جداً في أمريكا اللاتينية.
ماورو فاشيوني فيلهو:
إن الجيل الذي أنتمي إليه والذي بدأ نتاجه عملياً في حقبة
التسعينات تميز بظهور عدد كبير من المجلات المستقلة التي بدأت
بتوجيه أنظارها نحو أمريكا اللاتينية وصبت اهتماماتها على
الأعمال والنتاج الحالي وليس على الأعمال التي كانت قائمة
منذ ثلاثة عقود.
- ما هي الأقنية المتوفرة
لانتشار الشعر في السوق الأدبية الحالية التي تفضّل النثر؟
روبرتو إيشافارّين:
رغم اعتقادي بأن قارئي الشعر في منطقة النهر الفضي يفوقون
نظرائهم في بقية مناطق أمريكا اللاتينية فإنني على يقين بأن
الشعر انتشر عادة في دوائر محدودة جداً. وقد تبدل هذا الوضع
نسبياً مع ظهور شبكة الإنترنيت، وأصبح هناك سوق للشعر، ناهيك
عن أن القصيدة تسلك طريقاً لا يمكن تكهنه، فقد يعتقد الشاعر
أحياناً بأن أحداً لن يقرأ القصيدة التي نظمها فيفاجأ بأنهم
اكتشفوها في التشيلي أو البيرو مثلاً!!
دانييل موخيكا: عندما
نتحدث عن السوق فإننا نقصد دور النشر الكبرى، ومن وجهة النظر
هذه فإنه لا يوجد سوق فعلي للشعر، ولذلك فلا يمكن التكهن بمدى
انتشاره.
مرسيدس روفي: إن الموجود
عملياً هو أصوات متنوعة وغير منصهرة في بوتقة واحدة، وهي أشبه
ما تكون بالكثير من الجزر المتوزعة هنا وهناك والموصولة نسبياً
بواسطة الإنترنيت، كما وأن العامل الرئيسي الجامع بينها هو
اللغة الواحدة.
- يعزف الكثيرون عن
قراءة الشعر لاعتقادهم المسبق بصعوبة فهمه، فهل توافقون على
هذا الرأي؟
دانييل موخيكا: صحيح..
فهذا التفكير متأصل كثيراً بين الناس، وما يحصل في الواقع
هو أن الشعر لا يقدّم تأكيدات.
روبرتو إيشيفارين: إن
الشعر وفي كثير من الأحيان لا يقدّم تفسيرات إضافية للمعنى،
بل العكس تماماً، فالشعر يهدم ما تم بناؤه، وينزع إلى تفريغ
المؤكد في اللغة، وهذا الأمر مزعج أحياناً حتى بالنسبة لدارسي
الأدب.
ماذا تقترحون على أولئك
الذين لا يطالعون الشعر تباعاً؟ وهل يمكن للشعر أن يوفر لهم
متعة في المطالعة يفتقر إليها النثر؟
روبرتو إيشافارين: يمكن
للشعر أن يسمح لهذا القارئ الاستمتاع بسحرية الحيرة والغموض.
خوسيه كوسير: إن الشعر
يهدي هالة ذات قيمة هائلة، فكثيراً ما نصادف أثناء قراءتنا
لإحدى القصائد جمهوراً لم يسبق له أن قرأ قصيدة واحدة طوال
حياته، ومع ذلك تجده يتقبل فجأة قصائد بمنتهى الصعوبة. وهذا
الإقبال من جانب الجمهور يعتبر بمثابة الحيرة التي تنتاب العاشق،
إذ ينتابه شعور متسرّب إلى أعماقه بواسطة الدروب الخفيّة للغة.
مرسيدس روفي: إذا ما
أردنا إغراء الجمهور علينا اغتنام الفرص المتاحة واغتنام اللقاء
والاتصال. فبذلك يكون الجمهور معرّضاً لشمس الشعر، وفي تلك
اللحظة يجب أن تنشده أكثر قصيدة تحبها.
ماورو فاشيوني فيلهو:
أتوافق مع ذلك الرأي. فالشعر هو شبكة لأسر الأفكار والمشاعر
التي تنتج نوعاً من الحيرة، فواحدنا لا يعرف منبع ذلك الشعور،
ومع ذلك يجد نفسه فجأة غارقاً في تلك التجربة التي يستمتع
بها أيضاً.
أجرى الحوار الخاص لموقع
الإمبراطور: عصام الخشن
((بوينس أيرس))