
الصدمات
العاطفية
شكلت محور
الكتابة عندها
آن ـ
ماري برغلوند،
كاتبة سويدية،
أقامت في عدد
كبير من المدن،
إذ أنها بحاجة
إلى هذا الآخر
كي تتحاور
معه. نشاطاتها
الأدبية متنوعة،
إذ تكتب الشعر
والرواية
والحكاية
والقصة، كذلك
هي رسامة. حول
ذلك كله، كان
هذا الحوار،
الذي أجري
معها في صيف
العام الماضي،
في مدينة سانـ
نازير الفرنسية.
من يقرأ سيرة
حياتك يجد
أنك ولدت في
هلسنكي لكنك
سويدية. كذلك
يجد أن أحداث
قصصك تجري
في تريستي،
فرنسا، مونتيفيديو،
وغيرها الكثير
من مدن العالم.
تقولين أيضا
إنك منذ صغرك
راسلت عددا
كبيرا من الأشخاص
الذين كانوا
يقطنون في
مختلف أصقاع
الأرض. تتحدثين
عدة لغات لكنك
تشعرين بأنك
من «الاسكيمو».
هل يمكن القول
إزاء ذلك كله
إنك من أؤلئك
الكتاب الذين
يعتبرون اللغة
وطنهم الوحيد
أم أنك تشعرين
بأنك مواطنة
وحيدة في بلد
لا يمكن له
أن ينتمي إلى
أي شخص آخر؟
اللغة هي
مملكة طفولتنا،
حتى إنها تسبقها
في الواقع،
إنها بالفعل
بلد كل واحد
منا. من هنا،
إن كانت اللغة
هي موطننا،
فإنها ـ ما
أن نبدأ بالكتابة
ـ حتى تصبح
أرضا خاصة
لا يستطيع
الدخول إليها
إلا عدد قليل
جدا من الغرباء.
هذه اللغة
التي نخترعها،
نغنيها كل
يوم لأنفسنا:
إنها على شكل
ذبذبات موسيقية
كامنة داخل
ذاتنا الحميمة.
لا تستطيع
اللغة أن تولد
إلا داخل الحب،
إذ في البداية
هناك اللغة
الأم ومن ثم
اللغة الأخرى،
الغريبة،
التي نقع في
حبها. من هنا
أرى أن اللغة
هي مخرج، هي
ثغرة تنفتح
لتمنع «رهاب
الانغلاق».
كان علي أن
أقوم بمجهود
جبار كي أخرج
من ذاتي، وقد
استطعت عبر
الكتابة،
كما عبر الرسم،
أن أهرب من
الانطواء
الذي كان يهددني.
الكتابة والرسم
هما وسيلتا
تعبير «فقيرتان».
أقصد إذا أحببنا
أن نتعلم الموسيقى
فنحن بحاجة
إلى مدرس،
علينا أن ندفع
التكاليف.
لسنا بحاجة
إلى ذلك لندخل
إلى عالمي
الكتابة والرسم،
حتى وإن كنا
نخشى من الآخرين،
هذا ما منعني
مثلا من تجربة
المسرح أو
الرقص.
ابتعد
بهذا المعنى،
كيف يمكن للكتابة
أن تسمح لنا
بالخروج من
ذاتنا في حين
أن ليس هناك
إمكانية لهذا
الغريب بأن
يدخل إليها؟
ثمة مسلك
من دون شك،
مسلك ضيق،
محفوظ «لحساسيات»
مجاورة ستتمكن
من التسرب
إلى الداخل.
إننا لا نتخاطب
مع الأفراد
بشكل مباشر،
بل مع أحاسيس
واشارات خاصة
يمكن لبعض
الأفراد أن
يجدوا أنفسهم
عبرها.
هل تظنين أنه
من الصعب عيش
حياة عادية
وأي فرق تجدين
بين «حياة
الآخرين»
و«حياة الأوراق
والرسائل»؟
أشعر أكثر
بأني في مرحلة
«التخاطب»
حين أكون وحدي
أمام ورقتي.
حين نسير في
الشارع، حين
ندخل إلى مقهى،
نادرا ما أشعر
بأنني أتخاطب
مع أحد. كتبت
مرة أن «البشر
ليسوا حقيقيين
إلا في اللحظة
التي يكونون
فيها في أسرتهم
وحدهم». لتشعر
بمعنى الحب
عليك أن تبتعد
عنه دوما. إننا
نخترع الآخر،
نبدعه مرات
عدة. الحب عبر
الكتابة،
وبالتحديد
عبر كتابة
الرسائل يجعل
الناس أقرب
إلى بعضهم
من اؤلئك الذين
يعيشون معا
بشكل يومي.
من هنا، تبدو
الكتابة بمثابة
اقتراب من
الأحداث،
أي نعود لنحياها
بألوان مختلفة.
لقد أعاد الفن
التكعيبي
اختراع الأشكال.
لذلك أجد أن
«الصدمات
العاطفية»
شكلت دائما
محرك الكتابة
عندي، إنها
هي التي دفعتني
إلى الكتابة،
هي التي تحرك
كتابتي. يمكن
لشيء شاهدته
اليوم في الشارع
أن يتحول في
ما بعد إلى
كتاب، ربما
بعد زمن طويل.
الكتابة معناها
أن نقوم بعملية
تصنيف في هذا
العالم، أن
نقوم بترتيب
معين، أن نصنع
تشكيلات أخرى.
لكن حين يترجم
ذلك كله إلى
لغة أخرى،
يمكن لهذا
التحول أن
يبدو كمرآة
تعكس صورة
مشوهة. من هنا،
يمكن للترجمة
أن تنزع من
الكاتب هذا
الأمر، هذه
الخاصية التي
جعلته كاتبا:
صوته الخاص،
لُبسُه.
متعة الكاتب
تشيرين إلى
كلمات من مثل
اصلاح، ترتيب،
اعادة اختراع...
ألا يعني ذلك
أن الكاتب
أيضا يواجه
المخاطر عينها
التي يواجهها
المترجم؟
∎ لا يفك الكاتب
رموز الأشياء
إلا وفق طريقته
الخاصة. كلما
تعدد الكتاب
كلما تكاثرت
الحلول المقترحة.
هنا تكمن متعة
الكاتب. هدفه
هو في أن ينجح
في إدهاش نفسه،
في اختراع
عالم من الدهشة
يمكن أن يكون
«عالما سحريا»،
أي عالم لا
نجد فيه أي
شيء قد حدد
مسبقا، عالم
يظهر فيه هذا
غير المتوقع.
إن كانت الكتابة
صوتا ما، فهي
أيضا هذا الشيء
غير المسموع؟
∎ ثمة العديد
من الأشياء
غير المسموعة
الخبيئة،
التي يحاول
الكاتب من
خلال عمله
أن يسمعنا
إياها. الكتاب
المعجبة بهم
أكثر من غيرهم،
هم اؤلئك الذين
وجدوا بابا
استطاعوا
أن يخرجوا
عبره من الحياة
اليومية،
أن يخرجوا
من أنفسهم،
من قصصهم الشخصية.
استطعت أحيانا
إيجاد ذلك
عبر قصائدي
ورسومي.
وأنت لمَ تكتبين؟
∎ لا نكتب من
أجل الوصول
إلى نتيجة
ما. الكتابة
تستهلكنا،
«تنـزع عنا
ريشنا». الكتابة
فعل مجاني،
مكتف بنفسه
لكنها لا تُحيل
الكاتب مكتفيا
أبدا. لا يمكن
للكتابة أن
تسد الحاجات،
إنها تجعلنا
أكثر شرها.
هل ما زلت تكتبين
الكثير من
الرسائل كما
في الماضي؟
∎ نعم، لكني
لم أعد أرسلها
كلها... ربما
كان ذلك اشارة
سيئة. ربما
بدأت أفقد
الثقة بعملية
التخاطب هذه.
ربما أصبح
وجود الآخر
تهديدا أكثر
من كونه دعما
ما. يحدث لي
أحيانا أن
أندم على الرسائل
التي أرسلتها.
تحدثت في بداية
الحوار عن
وحدة الكاتب،
ممّ تحمي الوحدة
الكاتب؟
∎ لم أتحدث
عن الكاتب
بالمطلق،
بل عن نفسي.
عبر الكتابة
(التي هي دائما
فعل وحداني)
استطعت بناء
تشكيلات معقدة
قد تكون حمتني
من الابتذال،
من قساوة الحياة
التي هي عليها.
شعرت، وبسرعة،
بأن الحياة،
بأن قدرتها
الخرقاء،
يمكن لها أن
تدمرني. مع
الكلمات،
يصبح المرء
سيد نفسه.
لا بد أن يقودنا
هذا كله إلى
السؤال التالي:
إلى من تتوجهين
في الكتابة،
بمعنى آخر
لمن تكتبين؟
∎ هل من مُرسَل
إليه حين نكتب؟
لفترة طويلة
ماضية كنت
مقتنعة بوجود
الآخر، وأنا
أكتب. مع العلم
أنني كنت حساسة
جدا تجاهه،
وهذا ما دفع
بكتابتي إلى
أن تكون واضحة
جدا. أن أكون
مفهومة هي
رغبة عندي
منذ المراهقة.
في ما بعد،
تحول هذا النبض،
أي أسكتّ الرغبة
في أي شيء. وأصبح
الآخر ذاك
الذي يسكنك.
أي ذاك الغريب
الخاص بك والذي
ترغب في أن
تتخاطب معه.
هذا المونولوغ
هو الحوار
الحقيقي. حين
يأتي اليوم
ونكتب فيه
كتابا لا يمكن
لمن كتبه أن
يفهمه، فهذا
معناه أننا
أصبحنا داخل
الحلبة.
تعتبرين أنك
لست روائية
بالمعنى المتعارف
عليه أي أن
نصوصك المتفرقة،
هي بمثابة
أناشيد أكثر
من كونها قصصا؟
كيف تحددين
الكتابة عندك؟
∎ عشت طويلا
في «حقائب
السفر»، لم
أستطع البقاء
مسمرة إلى
طاولة واحدة.
كتبت دائما
على عجل، سرقت
اللحظات كي
أكتب. من هنا
أجد ان نصوصي
هي نتاج وضعي
الاجتماعي،
المادي.
لو كنت في وضع
آخر، أي مستقرة
في مكان معين،
في بيت محدد،
هل كان يمكن
لك أن تكوني
روائية عندها؟
هل ما زلت ترغبين
في ذلك؟
∎ أجل، أرغب
في ذلك، لأن
الرواية هي
أيضا هذا المنزل
الذي احلم
به، أي ثمة
هوس سابق لهذا
العبور الدائم.
هل تعرف أنني
لم أستطع العمل
هنا، في هذه
المدينة،
لأن الوقت
كان محددا
سلفا، أي أرغب
في البقاء
لزمن غير محدد
في المكان
الذي أكون
فيه. تشلني
حدود الوقت.
حتى لو كان
عندي موعد
في يوم من الأيام،
فأنا لا أستطيع
الكتابة في
ذاك اليوم..
في النصوص
التي قرأتها
لك، هنا، وهي
من خلال اللغة
الفرنسية
فقط، وجدت
أن ثمة ثيمة
تعود في كتابتك:
ثيمة الانتظار.
كما لو أن الكتابة
هي صالة الانتظار
هذه.
∎ الكتابة
هي مثل العيش،
تحضر المستقبل.
كل نبض من هذه
الحياة، تشعر
به، لا بد أنه
يحضر للنبضة
التالية. الجميع
يعيشون كذلك.في
الكتابة،
في اغلب الأحيان،
نكون متقدمين
على الحياة،
لأننا نذهب
بسرعة، ويمكن
لهذه السرعة
أن تصبح خطرة.
هل يمكن لكتابة
«المستقبل»
ان تصبح بدورها
خطرا؟
∎ كل شيء يأتي
عندي مختلطا
ببعضه البعض.
لم أتعلم التفكير
يوما، وقد
نتج عن ذلك
أنني أجد نفسي
داخل فكر يذهب
بسرعة كي أستطيع
أن ألحق به
أو أسيره. غالبا
ما أتيه في
تقاطع الطرقات
هذه. لذلك أتوقف
عن الكتابة
أحيانا، إذ
عليّ الخروج
من هذا المأزق،
من هذه المتاهة.
إن لعب الكاتب،
في كتاباته،
مع المازوشية
أو الانتحار
أو العنف،
لوجدنا أن
هذه الأمـور
ستتذكــره
دائمــا. للكتابة
قوة تنزع مذاق
أي شيء آخر.
(السفير)
اسكندر حبش