حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الشعر لم يمت في مصر.. والشاعر يصبغ الكون بألوان الجنون والنزق

فاطمة ناعوت: شعري خرج من شرنقة الذات ليحتفي بالموضوع

«هيكل الزهر»، المجموعة الشعرية الجديدة للشاعرة والمترجمة المصرية فاطمة ناعوت، صادر عن «دار النهضة العربية» في بيروت، وفيه تلج الشاعرة مناطق جديدة شعورية وفنية، مفارقة الى حدّ عوالم جرى خوضها في مجموعات سابقة. متأملة، منصتة الى الحياة، في محاولتها التفلّت من أسر «الأنا» الى العالم الأرحب في جديدها هنا. حاورناها وكان هذا اللقاء.
صدر مؤخرًا في بيروت ديوانك الخامس «هيكلُ الزهر»، حدثينا عن الجديد فيه عن تجربتك السابقة، وعن شعورك بالنشر الأول لك في لبنان.
∎ بدايةً أحبُّ أن أشير إلى فرحتي بهذا الديوان تحديدًا كونه صدر في لبنان. هذا البلد الذي أنا مفتونةٌ به بحق، كونه حقق حلمي الذي أرجوه للوطن العربي كاملا. مجتمع راق استطاع أن يرسم نموذج الدولة المدنية التي لم تتحقق عربيًا في مكان سواه. نجح هذا البلد الصغير في تحقيق هذا المطمح السياسي الاجتماعي الإنساني الكبير والحتميّ، رغم كل ما مرّ ويمرُّ به من محنٍ وويلات. أتساءل أحيانا ماذا لو لم تمرّ كل هذه المحن بلبنان كيف يمكن أن يكون!؟ العرب كافة عليهم أن يحافظوا على هذا النموذج الفريد الراقي ويدافعوا عنه ويحموه مثلما نحمي أيقوناتنا النادرة. واستكمالا لكلامي حول رقيّ المواطن اللبناني وولعه الحقيقي بالثقافة، لا بد أن أعلن إعجابي واحترامي لمديرة دار «النهضة العربية» لينا كريدية، التي أعادت إلى عالمنا العربيّ صورة الناشر المحترم كما ينبغي أن يكون، على عكس ما نراه الآن في دنيا النشر. أن تغامر شابة مثلها لتطبع كتبًا إبداعية في وقت لم يعد فيه للإبداع قارئ ولا سوق، وأن تتبنى أصواتاً ناشئةً تراهن عليها وتدفع بها إلى دائرة الضوء، هذا دون شك يُحسب لها وإن خسرت ماديًا. على أية حال حاولت في ديواني الخامس أن ألج مناطقَ جديدةً على تجربتي، وأن أطرح من قصائدي معاجمَ وتيماتٍ شكّلت تجربتي السابقة. ديواني الثالث «قطاع طوليّ في الذاكرة» مثلا، وما قبله، احتفى بالمعجم المعماري فكان بمثابة اختبار حول مدى «شعرية» أو «لا شعرية» مفردة. كلمات مثل «الخرسانة ـ المقطع ـ اللبشة الأسمنتية ـ جسّات التربة ـ البَنّاء ـ الشاحوطر ـ المونة ـ الطوب والزلط والرمل والبلاط ولوحة التصميم المعماري» هل تخلو من شعرية لأنها نقيضُ المعجم الرومانتيكي الأنيق الذي جُبل منه الشعر مثل: «القمر والنجم والوردة والطائر والغيمة والفردوس»؟ هذا الديوان أثبت، لي على الأقل، العكس. وتأكد ذلك عبر بعض القراءات النقدية التي تناولته بأقلام نقاد مائزين مثل صلاح فضل وحسن فتح الباب وسواهما. في ديواني الأخير حاولت أن أنصت أكثر للحياة، وصوت الآخر. خرجتُ من شرنقتي الفيزيقية «لأتلصّص» على الناس وأكتب نصًّا متجاوزًا الذات محتفيًا بالموضوع. رغم إيماني بأن الذات والموضوع واحد صحيح لا يتجزأ. لكنها محاولة للتحرر من أسر الأنا المكبِّلة من أجل الفرار نحو الأرحب.
رغم فرارك من أسر الذات كما تقولين إلا أنني لاحظت أنك أصبحت تميلين إلى الصفاء الفني والشعري في «هيكل الزهر».
∎ بل ربما بسبب محاولة الفرار من الذات حدث هذا الصفاء الذي أرجوه. بالطبع الشاعرُ، والإنسانُ بعامة، لا ينفصلُ عن أناه ولا يستطيع ذلك. فالشاعر يرى الكونَ من خلال عين «أناه» أو ذاته، لكن الفكرة هي كيف نحاول أن نقشّر تلك الطبقات التي تراكمت فوق عيوننا خلال حياتنا وكونّت مكوّننا المعرفيّ والرؤيويّ من أجل القبض على رؤية أكثر موضوعية وحيادًا للعالم. صحيح أن العالم هو «ما نرى» كما قالت فرجينيا وولف، لكن بتكثيف محاولة اختراق جدار هذا العالم والنظر «فيه» وليس «إليه»، يعني في عمقه الخبيء، سوف ندهش برؤية أشياء جديدة كل لحظة. حتى وإن تناقضت الرؤى وتضاربت عند نفس الشخص حول نفس الشيء بين لحظة وأخرى. لا يهمّ. فهذا من شأنه أن يصبغ الكون بألوان جديدة وسريالية لا تخلو من جنون ونزق، وهو مطمح كل شاعر. وربما شيء كهذا هو ما عناه جون شتاينبك حين قال إن القدرة على التفكير اليوم بشكل مختلف عن البارحة تميز الحكيم من الغبي، أو بول أستر في قوله إننا دائمو التناقض مع ذواتنا، للكائن أطياف كثيرة، والثبات مستحيل. ولهذا فالنجاح في تقشير العين من خبراتها أظنه يُنتج هذا الصفاء البصري ومن ثم الشعري.
افتتان باللغة
لاحظت كذلك جملتك الأنيقة المستفيدة من قراءاتك الأجنبية وترجماتك. كذلك اللغة التي لم تتنازلي حتى اللحظة عن الاعتناء بها.
∎ أشكرك على رأيك الطيب الذي أعتزُّ به كونه من شاعرة جميلة ساست اللغةَ وطوّعتها مثلك. على أنني لا أظن أن مرجع ذلك، لو صح، سببه ترجمتي أو تعاملي مع الإنكليزية بشكل مباشر، بل يعود إلى افتتاني باللغة العربية التي أراها موسيقى صافيةً في ذاتها. اللغة العربية شديدة الاختلاف عن كل اللغات الأخرى من حيث التراكيب اللغوية والصوغ والمعمار والأجرومية النحوية والصرفية، كذلك من حيث حقولها المجازية والدلالية على النحو الذي يصعب معها أن تُفيد معرفة لغة أخرى طرائقَ تكوين الجملة العربية. وربما افتتاني بالعربية يعود إلى أمرين: القرآن وجبران. فأما القرآن فنبهني إلى الموسيقى المخبوءة والإيقاع الشجي الكامن جبلّةً وفطرةً بين ثنايا اللغة العربية، دون الحاجة للسيد الفراهيدي وتفعيلاته. يكفي وحسب ألا تلحني في صوغ جملة عربية وأن تضبطيها نحوياً وصرفياً لتطفر منها الموسيقى رأسًا. كذلك عبقرية صوغ التراكيب والجمل في القرآن أدهشتني بحق مبكرا جدًّا فغرقت في غرام هذه اللغة منذ البدء. وأما جبران فقد غُرمت به في صباي الأول، هو الذي تعامل مع اللغة كما تعامل جويا مع اللون والريشة والضوء والظل، وكما تعامل تشايكوفسكي مع النغم والصوت ليخرج من الكمان زقزقةَ العصفور بكل جمالها وعمقها. أسرني جبران حتى كنت أظن في طفولتي أن جناحين ينبثقان في الليل من منبت كتفيه فيطير إلى السماء، ثم يعود إلينا عند الصبح!
القصيدة خاطرة
لاحظت كذلك استغراقك في إعمال الفكر في القصائد، على غرار الشعر الألماني من دون الانتقاص من الشاعرية. ما زال شعرك بعيداً عن تناول اليوميات كما هي حال غالبية الشعر الآن. فيه تأمل وأسئلة.
∎ تمرُّ بنا أحداث كثيرة في حياتنا وخلال يومنا. لكننا لا نكتب حياتَنا في الشعر، بل نكتب ما يمكن أن يُعدُّ عابرًا للنفس الإنسانية وللجغرافيا وللظرف والزمان إن أمكن. يتصيد الشاعرُ من الوجود ومن حياته ومما يرى ما يتقاطع مع كل «الآخر» الإنسانيّ على اتساعه وشموليته. هنا تغدو القصيدةُ عابرةً الذات، غير مسوّرةٍ بالطوق الضيق للشخصانية. صحيح أن الفكر لم يبدأ بعد كما قال هيدغر، وصحيحٌ أن الشعرَ ليس فكرًا، لكن عقلَ الإنسان بطبيعته يعمل طوال الوقت، بل أظن أن عقلَ كلّ كائن حي لا يتوقف عن العمل والتفكير والتحليل والتبصّر، بل سيأخذني هوسُ المبالغة وأقول إن الجوامدَ أيضًا تفكّر وتمكرُ، وإلا لما تضامّت الإلكترونات والبروتوناتُ في الذَرّة الصغيرة بعضها إلى جوار بعض وقت البرودة، ولما تشتتت وتباعدت وتفارقتْ وقت الحرارة. والشاعرُ إنسان. يفكّر أيضًا. يبصر الأشياءَ وينصتُ إلى العالم. سوى أنه ينظر «داخل» الأشياء لا «إليها»، يبحثُ عن جوهرِها النشط المشتعل الموّار، وغالبًا هنالك يكمن الشعر. الفيلسوف أيضًا يفعل هذا طبعا لكنه يصبغ رؤاه بالمنطق والقانون، أما الشاعر فيطّرح المنطقَ ويكسر القانون، ثم يفعّل الخيال. القصيدة التي هي شعور في شعورٍ ونجوى في نجوى وخيال في خيالٍ وعاطفة في عاطفة، هي ـ بظني ـ شيء مسطّح أفقيّ أقربُ للخاطرة. وتظل هذه وجهة نظري الخاصة تصيب أو تخطئ.
كثرت المقولات عن واقع الثقافة والشعرية المصرية بأنهما تعانيان أزمة شديدة، هل ترين أن هناك أزمة شعر وثقافة في مصر؟
∎ الواقع الأدبيّ المصري عفيٌّ وثري، لكن تغيب عنه رؤية نقدية واعية وناضجة وشاملة. أراه مشهدًا ثريًّا رغم كل التقوّلات المضادة لهذا الزعم. وهي من أسف مقولات مصرية من سلفيي بلادي الذين لا يريدون أن يعترفوا بأن في مصر أصواتاً شعريةً بدأت تسحب البساط من تحت أرجلهم. فما كان منهم إلا أن أطلق كبيرُهم، أو كبراؤهم، مقولة «إن الشعر مات في مصر». شعراء جيدون كثر لكن ليس من نقاد معنيين بالأمر. أما الواقع الثقافي فهو مأزوم في المنطقة العربية كلها بسبب الفساد السياسي وانهيار المنظومة التعليمية والإعلامية التي لم تعد تعبأ بالرفيع مما تقدم كما كان يحدث حتى ستينيات القرن الماضي. الغلبة الآن للثقافة الاستهلاكية المبذولة التافهة، ما قلّص من قدرات القارئ الذي كان يجد جلَّ متعته في الكتاب والعلم.
فرجينيا وولف
في ظل هذا الغياب النقديّ، كيف تميز ناعوت بين الأعمال الإبداعية المصرية والعربية؟
∎ أميّز بالقراءة. كلُّ شاعرٍ ومبدعٍ داخله ناقد ذوّاقة بالضرورة. فالشاعر هو قارئ فوق العادة ومن ثم يمتلك رؤية نقدية ما حتى ولو لم يكتب نقدًا. لا أستسلم لمقولات النقّاد حول الظواهر الشعرية لأنني أعلم أن بعض النقّاد سلفيون اهترأت ذائقتهم، والبعض مرتزقة يكتبون لأغراض، والبعض كسولٌ مغرقٌ في النوم، والبعض لا يقرأ ولا يتابع، والقلّة هي الجادة العاملة المحايثة للجديد الجيد. لذلك أعتمد على عيني هاتين اللتين بوسعهما القراءة والتمييز بين الجيد والرديء.
ما هي خططك المقبلة في مجال الكتابة؟
∎ أتوفر على الانتهاء من بعض الكتب مثل «المُغنّي والحكّاء» وهو يضم مقارباتي النقدية لبعض الأعمال الشعرية والسردية التي أعجبتني. وهو بمثابة اختبار حول كيف يقرأ المبدعُ المبدعَ. هو لون من الكتابة على الكتابة لفحص مدى مشروعيتها أو صعوبتها مقارنةً بصعوبة الكلام على الكلام كما قال التوحيدي. ثم كتاب «الرسم بالطباشير» وهو بورتريهات شخصية لبعض الشخوص الذين تركوا بصمتهم في حياتي. الذين سيكون تتمة «لهوسي بعالم الطباشير»، أو انتهاء القوس الذي بدأ في كتاب «الكتابة بالطباشير» الذي صدر العام الماضي عن دار «شرقيات» بالقاهرة وقدّم له المفكر المصري الجميل محمود أمين العالم. طبعا كل هذا عدا مشروعي المستطيل في ترجمة فرجينيا وولف وخيانتها.

 

عناية جابر


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.