حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الشاعر لطيف هلمت لـ(المدى):
أنا اول شاعر كردي تم توقيفي لكتابتي قصيدة النثر الحديثة

الشاعر لطيف هلمت، صوت شعري كردي مميز عرف بتجريبيته ومغامراته الشعرية التي بدأها مطلع سبعينيات القرن الماضي، طرد من مهرجان الشعر الكردي الاول في كركوك، وتم توقيفه لساعات لانه كتب قصيدة النثر الحديثة! هلمت كتب الشعر باللغتين الكردية والعربية كما كتب للاطفال القصة والقصيدة وله الكثير من البحوث والدراسات في مجال الادب (المدى) التقته في مدينة السليمانية وكان معه هذا الحوار:
*هل لك ان تحدثنا عن بداياتك الشعرية ومرجعياتك الثقافية التي اسهمت في تكوينك؟
-في أواخر اربعينيات القرن الماضي ولدت وترعرعت في احضان عائلة دينية مفعمة بالاساطير فقد كان بيتنا يشبه الى حد كبير احد بيوت امريكا اللاتينية (أيامها) مليئة بالاساطير وكان ابي أعوامئذ شاعرا ورجل دين مهتما بمشكلات الناس، حيث كانوا يفدون اليه من كل النواحي القصية التي تقع بعيدا عن جغرافيا مدينتنا، حيث يطلبون منه الادعية، وكان بعض الفلاحين يطلبون منه ان يدعو لهم بنزول المطر اذا ما حصل جدب او قحط، وكان بعض المرضى يأتون اليه لطلب التعازيم والرقي للشفاء، فضلا عن هذه المكانة، فهو شاعر وعاشق للشعر قرأ اشعار حافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي وجلال الدين الرومي وبخاصة مثنوياته كما اطلع على كتابه المميز (شمس التبريزي) وكان يقص علينا كل ليلة بطولات الامام علي بن أبي طالب (ع) كما ويقرا علينا القصيدة البردية (مولاي صلّ وصلّ) في كل اسبوع والف كتابا باللغة العربية بعنوان (كأساً بهاقا) ضاع في احدى مطابع كربلاء ايام تهجير العراقيين بذريعة نسبتهم الايرانية.
لذلك، مثلما قلت، ضاعت مسودة الكتاب.
لكل ما تقدم اقول ان مرجعياتي الثقافية والمعرفية التي ساهمت في بلورة تجربتي الشعرية ومن ثم انضاجها بدأت من البيت الذي ولدت تحت سقفه. اضافة الى الاجواء الاسطورية التي ذكرتها، كانت في بيتنا مكتبة كبيرة وفيها مختلف العناوين، واتذكر اول ما قرأت من تلك المكتبة، قصص الانبياء باللغة العربية حيث كانت دراستنا باللغة العربية، لانني من محافظة كركوك وبالتحديد من مدينة كفري فكانت اللغة السائدة قراءة وكتابة وشرحاً للدروس هي العربية لذلك كانت قراءاتي منذ البداية بتلك اللغة، واتذكر ان بداية قراءاتي للشعر كانت لبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وشعراء آخرين الى جانب ذلك كنت ابحث عن النسخ القديمة لمجلة شعر التي كان يشرف عليها يوسف الخال وادونيس والتي كان يكتب فيها محمد الماغوط وشعراء حداثيون آخرون، وكنت ايضا اتابع مجلة الاداب البيروتية ومجلة الكلمة لحميد المطبعي، كما كنت اتابع مجلة "شعر 69" التي صدرت عام 1969 حيث صدر معها بيان شعري وقعه الشعراء، فاضل العزاوي، سامي مهدي، فوزي كريم، خالد علي مصطفى، حيث كان لهذا البيان وبيانات شعرية سوريالية واخرى دادائية اضافة الى بيانات في الفنون الاخرى سواء التي صدرت منها داخل العراق او خارجه، اقول كل ذلك كان له تأثير في تكوين شخصيتي الثقافية والشعرية في عمري المتزامن مع دراستي في المرحلة المتوسطة.
وهناك جوانب اخرى من الثقافة العربية قد سحرتني، فقد كان لكتاب الف ليلة وليلة وحكاياته المترعة بالاساطير التي كانت تتحول الى حقيقة والحقيقة تتحول الى اساطير وما زلت اعتبر بعض تلك الاساطير جزءا من حياتي لانني قرأتها في فترة زمنية لا استطيع ان اهجرها، لذلك اقول عن مكوناتي الثقافية انها بدأت من هنا ومن ثم قراءاتي لكبار الشعراء الكرد أمثال: كوران، بيره مرد، محوي مولوي، نالي، ناري، فايي، وشهرزاد طالباني وهو شاعر هجائي فظيع وما زلت أتذكر بعض قصائده النقدية التي كانت تتناول بعض مظاهر الحياة السلبية في المجتمع الكردي اعوامئذ من القرن الثامن عشر، وهناك شعراء آخرون فضلا عن قراءاتي لعيون الشعر العالمي من خلال الترجمات الى اللغة العربية، امثال اليوت وعزراباوند، ووايتمان، ولوركا، وبايرون، ورامبو، وبودلير، وريلكه، في الحقيقة استمتعت بتلك الاشعار كما استطعت من خلال هذه التجارب الشعرية ان اكون صوتي الشعري، وازعم بأن شعري في جغرافيا الشعر الكردي الحديث هو شعر مميز ولا يشبهه شعر آخر، كما انني اول من نشر مجموعة قصائد نثر كانت بعنوان (الله ومدينتنا الصغيرة) في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وقد تعرضت تلك المجموعة الى الكثير من الانتقادات والتعليقات والانطباعات في السلب والايجاب على حد سواء حتى انني احيانا كثيرة كنت اطرد من المهرجانات الشعرية الكردية لان تلك المجموعة لاقت موقفا سلبيا بل رافضا من المثقف الكردي آنذاك بل لا يعترف بشرعيتها حتى انني طردت واوقفت ومنعت من القراءة في المهرجان الاول للشعر الكردي الذي اقيم في مدينة كركوك في مطلع السبعينيات وكان الراحل الشاعر الجواهري حاضرا في فعاليات ذلك المهرجان، كل ذلك حصل لي لانني اكتب قصيدة النثر الحديثة، لذلك انا فخور جدا بكوني اول شاعر كردي تم توقيفه لكتابته قصيدة النثر!.
استطيع ان اقول انني بدأت بكتابة القصائد الشعرية الصوفية الثورية، حيث اطلعت على الكثير من تجارب بعض الشعراء المتصوفة وبخاصة الحلاج الذي اتسمت مواقفه بالرفض.
اما عن الجيل الشعري الذي ينتمي اليه فيقول هلمت:
انا احسب شعريا على الجيل السبعيني، لانني نشرت اول ديوان في مطلع سبعينيات القرن الماضي وهو ديواني المنبوذ الذي رجم بالحجارة حتى ان احدهم في مدينة السليمانية وعند احد ارصفتها سألني: هل هذه المجموعة الشعرية لك؟
قلت: نعم، فوصفها وصفا غير لائق!
فقلت له: زدت قصيدة عليها.. وهي مجموعة (الله ومدينتنا الصغيرة) وطبعت عامئذ في كركوك وكان صاحب المطبعة رجلا مسيحياً نبيلا، اذ ما ان اعطيته المبلغ، حتى اعاد الي مبلغ خمسة دنانير من المبلغ المتفق عليه تشجيعا منه على مواصلتي كتابة الشعر.
ويضيف الشاعر لطيف هلمت عن منجزه الشعري والادبي قائلا: في الحقيقة انجزت اثنين واربعين كتابا بين قصة وديوان شعر ومسرحية ولي كتاب في الدراسات النقدية حول الادب والثقافة الكردية بصورة عامة، ولي من بينها ثلاث عشرة مجموعة شعرية وقصصية للاطفال وحزت على جائزة في مجال ادب الاطفال من احدى دور النشر الكردية السويدية، باسم جائزة (آبيك) عام 2000 بطبيعة الحال انا اكتب باللغتين الكردية والعربية، ولي مجموعتان شعريتان كتبتهما باللغة العربية، وهما: "المدن الحديدية" و"شيخوخة كيلوباترا واطفال المطر" ولي دراسات ومقالات بالعربية فضلا عن الترجمة من الكردية الى العربية وبالعكس.
أما عن تقييمه للاصوات الشعرية الكردية الجديدة، فقد تحدث معلقا: نحن الان ازاء اصوات شعرية مختلفة، فيها ما هو ابداعي وينبئ بمستقبل شعري راق، ان نسقت امكاناتها واشبعت قدراتها بالحداثة المعرفية والفكرية والشعرية.

 

علي ياسين / السليمانية


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.