حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الشاعر والروائي الأميركي شيرمان اليكسي:
الهنود الحمر ربما أصبحوا أكثر غنى لكنهم فقراء روحياً

بادر موقع باولز الثقافي الإلكتروني المتخصص في عروض الكتب إلى إجراء هذه المقابلة مع الروائي والشاعر والسينما شيرمان اليكسي المنتمي إلى قبيلة سوكاني من الأميركيين الأصليين مع صدور روايته الجديدة «التحليق»، حيث ألقى الضوء على ملامح من عالمه الإبداعي ومدى تأثره بأجواء العنف والعزلة التي نشأ فيها مع أبناء قبيلته التي يحتجز فيها الهنود الحمر.

وتطرق أيضاً إلى التغييرات التي طرأت على الحياة في هذه المعازل التي عرفت بعض الغنى بفضل الموارد المالية للكازينوهات والتي يقول إنها مع ذلك ظلت فقيرة روحياً، وهو يقيم الصلة بين الأدب الذي يكتبه الأميركيون الأصليون وكتاب المناطق التي تتعرض للقمع والبطش، مشيراً إلى أن الانتزاع لا يزال أبرز ملامح هذا الأدب حتى اليوم. وفيما يلي نص الحوار:

* يعيد السطر الأول من روايتك الجديدة إلى الأذهان عملاً كلاسيكياً من أعمال الأدب الأميركي.

ـ رواية «موبي ديك». وقد قصد بهذا السطر أن يكون استهلالاً طريفاً ومثيراً للاهتمام. وقد حاولت ـ وبالنسبة لبعض مراجعي الكتب فشلت ـ في الإشارة إلى أنه بالنسبة لبعض المراهقين فإن حالة بشرتهم مهمة على الأقل بقدر أهمية موبي ديك بالنسبة للقبطان أهاب.

وباعتباري شخصاً له بشرة سيئة ولا يزال يعاني من حب الشباب، فإنني أعرف أن ذلك له أهمية فائقة. وربما كان هناك استهلال أفضل، إيماءة أخرى إلى رواية أو قصيدة تعبر بشكل أفضل عن هذا المعنى، ولكن ذلك هو ما أحاول القيام به، أي إظهار إلى أي حد أثرت في البطل ندوبه وكيف غيرت نظرته للعالم.

* هناك شيء يلفت النظر لدى قراءة كتابك «موسيقى بلوز المعزل» فيما يتعلق بصلته برواية «التحليق» وهو مدى تجذر عنف الطفولة. ولست أقصد الحديث عن انطلاق الفتية إلى الأماكن العامة شاهرين مسدسات، وإنما أتحدث عن تعرض البطل توماس للضرب المبرح على يد أصدقائه.

ـ لقد نشأت في عالم عنيف. وهذا ما رأيته، فقد كان القتال بقبضات الأيدي شائعاً على نحو يستعصى على التصديق. وقد تعلمت كيف أقاتل. ولم أتعلم كبح جماح نفسي والامتناع عن توجيه لكمة إلا بعد أن تركت مدرسة المحمية ومضيت إلى مدرسة للبيض عند حدود المحمية.

* في العديد من كتبك هناك يتيم أو شخصية تفتقد الأب. والطفل يفتقد الكثير من الأجزاء بحيث لا يشكل كياناً مكتملاً أو صورة مرضية للذات.

ـ حسنا، هذا موضوع دائم الحضور في أي أدب كولونيالي. وذلك هو ما أكتبه.

* كيف ذلك فيما يتعلق بالأدب الكولونيالي؟

ـ الانتزاع. مقتل أبيك الحقيقي وإحلال أب بديل محله. فكر في أبيك الحقيقي باعتباره ثقافتك الأصلية وأبيك البديل باعتباره الثقافة الكولونيالية. وبهذا المعني فإن الأميركيين الأصليين، وكل من تعرض للاستعمار، يجدون أنفسهم في وضعية اليتيم. وإذا نظرت على امتداد العالم فإن هذا الأب المفقود ستجده موضوعاً دائم الحضور في أدب الشعوب التي تعرضت للاستعمار.

وهنا في أميركا وبعد أجيال عدة من التعرض للاستعمار، فإن الأمر لم يعد يدور حول القتل الفعلي، وإنما يدور حول القتل الرمزي وتراث القتل. ومن الطرق التي يحدث الاستعمار تأثيره بها أنه يقضي على الوحدات العائلية ويدمر التواصل بين الأجيال، وأنا لم أحظ بأجداد لأنهم ماتوا جميعاً لأسباب متعلقة بالظاهرة الكولونيالية. ومن دون هذه الصلة بأجدادي فقدت صلتي بتاريخي.

* كيف تغير المعزل والحياة فيه منذ سنوات نشأتك في أحد المعازل؟

ـ من الأمور التي ننساها نحن الأميركيين الأصليين وغير الأصليين أن المعازل تم إنشاؤها باعتبارها مراكز اعتقال. فهي قد أنشئت لكي يشحن إليها الهنود الحمر ليموتوا فيها. وأنا لا أزال أعتقد حقاً أن ذلك لا يزال الغرض منها، أي القتل. ما الذي تغير؟

لقد غيرتها كازينوهات القمار، لم تغيرها جميعها، وإنما الكثير منها، وهكذا أصبح هناك المزيد من المال والمزيد من الوظائف، ولكن لا يزال هناك افتقار واضح إلى التعليم، ولا تزال هناك المشكلات الاجتماعية عينها. لقد زاد مقدار المال المتداول في أي قبيلة بعينها، ولكن المشكلات الاجتماعية مستمرة، وهذه القبائل ربما لم تعد فقيرة مادياً، ولكنها فقيرة روحياً. هناك تغير كبير، فحوالي 70% من الأميركيين الأصليين يقيمون خارج المعازل الآن، والهرب منها مستمر في الحدوث.

لقد عشت في معزل منقطع عن العالم تماماً في وقت يعاني من العزلة إلى حد كبير، فلم تكن هناك إنترنت، ولم تكن هناك خمسة آلاف قناة تلفزيون، ولم تكن هناك أقمار اصطناعية. وحتى الهنود في المعازل الآن لم يعودوا يشعرون بالعزلة كما كانت الحال في السابق.

وحتى الشلل الاجتماعي الذي أصابهم يأخذ اشكالا متعلقة بثقافة البوب. وعندما تنظر إلى المعازل ذات المشكلات الاجتماعية السيئة حقاً، مثل بعض معازل هنود السهل ومعازل السيوكس، فإنك تجد أن المشكلات الاجتماعية في صفوف شبابها قد أفصحت عن نفسها في صورة عصابات متحاربة تعكس متابعة المسلسلات الشعبية التلفزيونية.

ولم تعد هناك عزلة ثقافية فنحن الى حد كبير جزء من التيار الثقافي الرئيسي، وحتى حياة المعزل لم تعد معزولة تماما بسبب التقنية. وباعتبارنا فقراء ومنبوذين فإننا نبدو أقرب إلى الفقراء والمنبوذين الآخرين في أميركا.

* لقد قمت بتأليف الكثير من الكتب، فماذا بعد؟

ـ الآن، ومع صدور رواية «التحليق»، فإنني مع تقديمي لقراءات منها في مجالس عامة، فإنني أعيد كتابتها، فأنا لا أقرأ من النص، وإذا كان الكتاب أمامي وأنا أقرأ فإنني أقفز في النص مع ورود شيء إلى ذهني، وأيا كان الأداء فإنني أقوم بتطويره، ولسوف تخطر لي أفكار عظيمة، صور أخرى، أجزاء من كتب أخرى، شخصيات أخرى، لسوف أجرب شخصيات من كتب أشتغل عليها.

وجلسات القراءة التي أعقدها هي عملية إعادة كتابة، وحتى الكتاب الذي صدر بالفعل ليست لدى مشكلة في إعادة كتابته في سياق سرد قصة عنه.

ورواية «التحليق» أعيدت كتابتها بصورة مكثفة للغاية في ذهني بحيث انني سأقوم بإعادة كتابتها بصورة مكثفة وإعادة إصدارها في غضون عام ونصف العام من الآن. وأنا أميل إلى القيام بذلك وليست لدي مشكلة في إعادة كتابة هذا الكتاب مرة كل عامين أو ثلاثة أعوام ومراقبته وهو يتغير. ولم يحدث أن قام أحد بذلك.

* لكن الكتاب ما إن يتم تغليفه وتقديمه للقراء يكون قد اكتمل باعتباره كتاباً؟

ـ ثقافتي لا تتعامل مع القص بتلك الطريقة، ولم يحدث قط أن تعاملت مع النص باعتباره شيئاً مقدساً. فلم لا نمضي بذلك الشعور إلى عملية النشر ذاتها؟

 

منى مدكور


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.