البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

بعد كل تجربتي شعرت بأن الكتابة بالعربية هي الأكثر سحراً

لما تحتويه اللغة من جماليات لا نجدها في لغات أخرى

تزور الكاتبة ياسمينا طرابلسي بيروت حالياً للمشاركة بباكورة اعمالها الروائية "أولاد الساحة" في معرض "صالون الكتاب: اقرأ بالفرنسية والموسيقى" لهذا العام الذي يبدأ مع نهاية الشهر الحالي. وليست زيارة طرابلسي الأولى لها، فهي تعود الى بيروت مع كل صيف وعطلة بعد هجرة العائلة الى البرازيل قبل ولادتها. طرابلسي فرنسية المولد والمنشأ وتعيش في لندن منذ سنتين، كما انها من ام برازيلية، ولطالما كانت البرازيل مكان العطلة الآخر لسنوات خلت حين كانت الحرب تشتد في لبنان. هذه الانتماءات الاربعة والمتنوعة كانت محور حديثنا مع طرابلسي في لقاء خاص، ومنها ايضاً اختارت عالم روايتها الأولى: البرازيل. "أولاد الساحة" نموذج مصغر عن المجتمع البرازيلي الخاص بالمناطق الفقيرة ورواية ساحرة تضج بعشرات الشخصيات التي تتوالى على الفصول والمحاور وتعرف عن نفسها وعن بؤسها وأيضاً عن أحلامها. طرابلسي روائية لبنانية فرانكوفونية واعدة بمشروع كتابة مغايرة وهي أيضاً مرشحة لجائزة "أفضل رواية أولى" وهي جائزة فرنسية تمنحها لجنة تحكيم متخصصة ومهمتها البحث عن المواهب الشابة لدعمها، وقد تكون من نصيب طرابلسي التي توقع كتابها في "صالون الكتاب" في الثامن والتاسع من الشهر المقبل. وقبل خمسة ايام على تاريخ موعد الجائزة اجرينا هذا الحوار معها وتحدثت فيه عن هاجسها بالأمكنة وبالمسائل الانسانية العالقة وعن تجربتها الكتابية وايضاً عن الهجرة والوطن والانتماء.
غالباً ما استقر الروائيون العرب على الرواية التاريخية أو على موضوع الشرق في اطار تاريخه وتصوير مجتمعه وتفاصيله لجلب القارئ الغربي. كيف تحددين تجربتك الخاصة انطلاقاً من كونك كاتبة لبنانية فرانكوفونية؟
ـ لست فعلياً في هذا الصدد، لأنني أتيت الى الرواية من دون تصميم مسبق للمشروع. فأنا درست الحقوق وعملت لفترة قصيرة في هذا المجال، أما رغبتي في الكتابة منذ سنوات المراهقة فكنت أحاول اخفاءها أو استبدالها بأمور أخرى ارضاءً للعائلة وأيضاً لأني لم أكن جاهزة تماماً. لكن منذ بضعة أعوام قررت المضي في هذا العالم الخاص، ولذا لم تكن عندي أفكار جاهزة أو مسبقة. كتبت بالفرنسية لأني عشت في فرنسا وتعلمت اللغة واخترت موضوع كتابي بشكل عفوي. فذات يوم، وبعد زيارة الى البرازيل شعرت بنوع من الحالة الصفر، تلك الحالة التي تنعدم فيها كل الأفكار وتشعرين بالأحاسيس والانفعالات تجري في عروقكِ وأنت راغبة في تدوينها ليس أكثر. كتبت عن البرازيل في "أولاد الساحة" لأني اعرفها في العمق أكثر من لبنان. وثمة ما يربط بين البلدين إذ كلنا يعرف أن هناك ما يقارب خمسة ملايين لبناني في البرازيل وهذه الجالية اللبنانية تعد أكثر من سكان لبنان الأصليين. وهناك تقارب من نوع آخر بين البلدين فأنا أجد أن الوجوه متشابهة قليلاً هنا وهناك وأيضاً طبيعة المجتمع وأفراده، كذلك هناك تقارب في التوزيع المناطقي للفقر. البرازيل بلد معروف بفقره نسبياً وطبعاً لبنان يعرف ازدهاراً أكبر إذ ثمة طبقة غنية وطبقة وسطى فيه ولكن حين تجولت في الشوارع الفقيرة تذكرت مناطق معينة في البرازيل. وأنا شخصياً أتأثر كثيراً بهذا الموضوع إذ تشغلني المسائل الانسانية وآلام الانسان أكثر من أي شأن آخر. وبعض المناطق السكنية ذكرتني بمأساة البيوت الكرتونية في البرازيل.
القارئ اللبناني
إذاً كيف تقدمين كتابك الى القارئ اللبناني؟
ـ تبدأ أحداث روايتي في شمال البرازيل في ساحة تاريخية وشهيرة في منطقة باهيا وهي السالفادور. في هذه الساحة غالباً ما يجتمع الشحاذ والمتشرد والعاهرة وكاتب خائب وموسيقي الشارع وامرأة هجرها عشيقها وصبي متشرد وكلب جائع وبائع يانصيب وغيرهم من أفراد المجتمع المهمشين.
كلها نماذج طالعة من حياة شمال البرازيل وهذه المنطقة "السلفادور" بالتحديد هي تقريباً "ساحة العجائب". ذات يوم تختفي ماريا اباريسّيدا وهي ملكة السامبا سابقاً وعلى الرغم من انها أصبحت عجوزاً الا انها بقيت رمزاً حيوياً لكل افراد مجتمعها الصغير. مع اختفاء ماريا تختل ميزانية حياة الجميع هناك، فيرحل الواحد تلو الآخر بحثاً عن الملكة وهم جميعهم في الحقيقة يبحثون عن ذواتهم. يرحلون ناحية ريو وسان باولو وهما مدينتان ضخمتان وهناك بالتأكيد يسهل أكثر البحث عن المال، لكن ثمة مناخ مختلف في الريو وسان باولو حيث الحياة أكثر قسوة وعنفاً. أما ناحية شمال البرازيل فهناك الحياة تضج بالموسيقى والفنون وهي تمر بنعومة أكثر. لكن شخصيات الرواية يتلقون صفعة كبيرة إذ يهربون جميعهم من الفقر فيقعون على العنف في الريو.
وفي هذه الرواية أصف بشكل خاص حياة البيوت الكرتونية والخشبية الفقيرة التي تؤوي المئات من العائلات البرازيلية في كل منطقة، في ظل التجارات الممنوعة وتعاطي المخدرات والدعارة، والا فالجوع والمرض يغلبان الانسان هناك. هذه القضايا الانسانية تشغلني كذلك. هناك أمكنة أخرى تستحوذ على اهتمامي وأنا اراقبها وأدرسها حالياً في صدد كتابات أخرى عنها كالسجون والمياتم والمآوي الخاصة بالعمر الثالث إن في البرازيل او في لبنان. أعتقد ان وضع هذه المؤسسات ليس على ما يرام في لبنان أيضاً، حاولت زيارة بعض منها لكن الأمر صعب للغاية.
الأسلوب
يبدو أن الناحية الانسانية تطغى على الرواية. هل ثمة بحث في قالب الرواية والأسلوب أم انك اعتمدت اسلوباً تقليدياً لتقديم الفكرة؟
ـ بصراحة لم أبحث كثيراً في هذا الشأن لأن ايقاع الرواية فرض نفسه: كل شخصية تتكلم على حدة وبضمير المتكلم وننتقل بسرعة من "ماريا" الى "بيبوكا" بائع المكسرات ومن "غابرييلا" العاهرة الى "سيرجيو" الصغير ومن "ماما لورد" قارئة اليد الى "أوتافيو" الكاتب المحبط الى آخره.. ومع هذه الكتابة الأولية للفصل الأول شعرت أن ايقاع الرواية يشبه الى حد كبير ايقاع "السامبا" والرقص البرازيلي المفعم بالحيوية والضجيج والعدد الهائل للناس المشاركين. في داخلي أشعر ان روايتي هي مجرد "سامبا" صاخبة ارتوت من مشاهداتي الكثيرة في البرازيل. أعتقد أنه ليس ممكناً ان أحدد شخصياً حداثة الرواية أو أهمية طرحها إذ ليست مهمتي، لكن ما يمكن ان أضيفه ان لغتي فجة وواقعية وايقاعي سريع: لست أشبه بروست وجماعته بالطبع. فلست هنا في صدد الانشاء الطويل والممتد على صفحات بل ايقاعي سريع للغاية.
ربما هذا التقطيع المعتمد لديك يفيد في اقتباس الرواية الى السينما أو المسرح، الا تشعرين بذلك؟
ـ بلى أظن انني ارى بسهولة "أولاد الساحة" في هذين الاطارين وما أعرفه بالتأكيد هو انني لم أخطط لذلك. شخصيات روايتي يطلعون من الحياة اليومية وأنا شاهدت بعضهم في الواقع واكتفيت بوصفهم.
الجالية اللبنانية
تحدثت عن الجالية اللبنانية في البرازيل، هل يوجد بين شخصياتك أحد اللبنانيين المهاجرين أم أنك في صلب البرازيل؟
ـ في الواقع، أنا أتعاطى مع البرازيل كمواطنة عادية إذ لدي عائلة، والدتي هناك، لكني اختلط كثيراً بالمواطنين الذين هم من أصل لبناني وثمة شخصية واحدة تطل في "أولاد الساحة" وهي لرجل لبناني اسميته "تركو" وأنا أسكن في قرية صغيرة ونائية وتصوري أنه يوجد هناك بعض المحال مثل: "شي سمير" أو "شي قاصوف" وغيرهما وهما من الجيل الثالث للبنانيين في البرازيل لأنه في الواقع كل المهاجرين اللبنانيين قدموا الى البرازيل في بدايات القرن العشرين هرباً من المجاعة في سوريا ولبنان وكل المنطقة التي كانت تحت الحكم العثماني، وحتى اليوم كل لبناني أو سوري أو فلسطيني أو أردني في البرازيل يسمونه "توركوس" نسبة للأتراك وهم أي البرازيليون لا يعرفون كيف يفرقون بين سوري وأردني ولبناني... في كل الأحوال، اللبناني معروف حالياً في البرازيل بقوة خاصة بعد وصول الرئيس معلوف الى الحكم، وأكبر مستشفى في سان باولو يدعى "مونتي ليبانون" مثلاً. أنا اختلطت كثيراً بهذا المجتمع لكنني أكتب عن البرازيل بشكل عام، وببساطة هناك شخصية لبنانية تطل في الرواية. احب ان أكتب عن كل ما يلفت نظري من دون تصميم مسبق. هل تعرفين لقد تجولت في كل لبنان وأكثر ما أحببت المناطق السكنية الصاخبة مثل منطقة "الكروكوديل" و"الغبيري" و"برج حمود". أنا أعبد هذه المناطق وأقوم بزيارتها حالياً وأراقب كل عاداتها وتقاليدها. ولقد التقيت بعدد كبير من الأشخاص الذين سردوا لي قصصاً وحكايات. لبنان مثقل بالحكايات المثيرة فهو أرض خصبة للتغيير والحروب والأزمات السياسية والاجتماعية.
هل انت على صلة ببعض الكتاب العرب في باريس؟
ـ ليس كثيراً انما تعرفت الى فينوس خوري وأندريه شديد منذ فترة قصيرة.
العرب
ومن تقرئين من العرب الفرنكوفونيين؟
ـ من الفرنكوفونيين وأيضاً الذين يكتبون بالعربية إذ أني أقرأ العربية ايضاً بسهولة من دون أن أتقن الكتابة فيها جيداً.
أحب كثيراً كل ما كتبته ناديا تويني وجورج شحاده، وأقرأ كل الكتاب العرب من نجيب محفوظ وطه حسين وجبران خليل جبران الى محمود درويش وعدد كبير من المعاصرين. أما من بين الكتاب العالميين أحب كثيراً ماركيز وكل عالمه الشعبي والمكتظ. كذلك أحب من البرازيل جورجي أمادو، ماشادو وبعض المعاصرين الشباب، ومن وقت الى آخر أحب الكتابات من نوع مختلف: أحب كثيراً ج.م. كويتزي من جنوب افريقيا الذي حاز نوبل للآداب لهذا العام، كذلك أقرأ بشغف الفرنسي المعاصر جان اشنوز، فرناندو بيسوا، فيليب روشا، والكثير من الكلاسيكيين. لكن بعد كل تجربتي، شعرت ان الكتابة بالعربية هي الأكثر سحراً لما تحتويه اللغة من جماليات لا يمكن ان نقع عليها في لغات أخرى، حين أقرأ بالعربية أشعر بلذة غريبة لا توصف، لكن حالياً يصعب علي كتابة الأدب بالعربية.
مرشحة
انت مرشحة لنيل جائزة أدبية فرنسية تعرف "بجائزة الرواية الأولى" وهي مرتقبة في كل دور النشر التي نشرت هذا العام باكورة أعمال العديد من الروائيين. هل تعتقدين انك سوف تنالينها؟
ـ "أتمنى ذلك مع انني لا اعلق أهمية كبيرة على النتيجة لمتابعة الكتابة. فأنا سأكتب ان نلت الجائزة أم لا. لكن بالطبع إن تم اختياري فهذا سيطمئنني على واقع كتابتي التي وجدت من يهتم بها. الاثنين (اليوم) في العشرين من تشرين الأول تعلن النتيجة، أنا سأكون في الطائرة عائدة الى باريس، إن ربحت أبقى أسبوعاً هناك وفي الحالتين أعود الى بيروت لتوقيع كتابي في الثامن والتاسع من تشرين الثاني المقبل ضمن معرض "صالون الكتاب".
بين بيروت وباريس ولندن والبرازيل أنت تتجولين، هل تشعرين بالغربة مع هذا التجوال الدائم أم تستفيدين من هذا التعدد في انتماءاتك؟
يمكن ان يولّد هذا الأمر للبعض تجاذبات عاطفية وأحياناً كثيرة نوعاً من الحنين الى المجهول، لا نعرف أين يجب أن نكون بالتمام. لكنني شخصياً عثرت على طريقي التي أتقدم بها ولا أتوقف. أحب الانتماء بالمعنى العاطفي لا المادي، أي أنني أحب لبنان والبرازيل وفرنسا وكل الأمكنة من دون ان اجعل هذا عائقاً لدي. لماذا اختار؟ فأنا أتجول في كل الأمكنة وبسعادة، وعثرت أيضاً على لغتي الخاصة التي تشعرني بلذة قصوى حين أجعل بعض الشخصيات والوجوه والاسماء تدخل في فلك عالمي الخاص، أي الرواية.

 

حاورتها: كوليت مرشليان الروائية الفرانكوفونية اللبنانية الأصل ياسمينا طرابلسي - المستقبل - الاثنين 20 تشرين الأول 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri