الشاعر
السعودي محمد الحرز:

قصيدة النثر بدلت منطق الخطاب بمنطق الصورة!
ينطلق
الناقد و الشاعر السعودي محمد الحرز من فهم مركب للعملية الشعرية
بشكل خاص، وعملية الكتابة بصورة عامة،
ذلك
ما يكشف عنه إصداره الثاني أخف من الريش أعمق من الألم، دار
الكنوز ببيروت، والذي هو أوسع من مجرد نصوص شعرية، إذ يمكن اعتباره
اشتغالا دخل دائرة أوسع واكثر استفزاز لمدارك ومخيلة الحرز.
كان الإصدار أقرب إلي أن يكون كتابا، من حيث شموليته وطرحه للعديد
من الأسئلة الكبيرة التي تتجنب قصيدة النثر الشابة في السعودية،
طرحها بحجة أن التعاطي مع الأسئلة والقضايا الكبري أصبح تركة
خاصة بقصيدة التفعيلة.. هنا حوار معه.
بدا إصدارك الجديد أخف من الريش أعمق من الألم مكتظا بالكثير
من القضايا والأسئلة الكبري، كما تركز الاشتغال الشعري فيه داخل
حقل كتابي أوسع من مجرد النصوص الشعرية، فكنا أمام كتاب وليس
ديوان، في مواجهة مع كتابة ثرية ملتبسة ومتنوعة ومتراكبة الطبقات
وليس نصا شعريا، بصفتك شاعر وناقد في آن، هل يمكن القول أنك
خططت لكتابك هذا أم أنه جاء عفويا؟
لو تكلمنا عن التخطيطات المسبقة للكتابة، فهي بالنسبة لي تعتمد
بالدرجة الأولي علي مسألة الإيقاع في الحياة، بمعني كل ما هو
موجود من تجربة كتابية، هو انعكاس لإيقاعات متوفرة ضمنيا في
الحياة، إيقاع علي المستوي الجسدي، إيقاع علي المستوي الشعوري
الإحساسي، ايقاع علي مستوي العلاقات الاجتماعية من منظور مختلف
طبعا، كلها هذه شضايا، من ايقاعات متعددة تعكس حالة الكتابة
المرئية علي السطح، هذا جزء من حقيقة التجربة كما أعتقد بها.
حفل الديوان بأسئلة عميقة، وكانت قصيدة النثر، علي الأقل عند
بعض الشعراء الشباب، تتهيب طرح مثل هذه ا لأسئلة والقضايا الكبري،
كيف استطعت أن تستوعب مثل هذه الأسئلة؟
أعتقد أن كل نص من النصوص، يعتمد علي تجربة منعزلة تماما عن
ما سبقها وعما تلاها، بمعني أن القصيدة تطرح نفسها بصورة إشكالية،
هذه الإشكالية، تنتمي بدرجة أو بأخري إلي عمق الواقع المطروح
في النص، هل هو عمق ينتمي إلي اللحظة الراهنة وينتمي إلي التاريخ،
لو قسمنا التاريخ إلي تاريخ شعري أو إلي تاريخ الكائن الانساني
المطروح، كل هذه الأسئلة مرتبطة بدرجة كبيرة بقدرة تصعيد النثر
إلي حالة شعرية متعالية نوعا ما، ولكن ليس بالصورة المتعارف
عليها في الشعر، ولكن بالصورة التي يراها الشاعر من منظور ما
من زاوية مختلفة في بعض الأحيان، لذلك كل مرجعيات القصيدة تخترق
الكائن الذي يكتبها إلي القارئ، وهنا الحركة الجدلية بين القارئ
والشاعر، بمعني، أنني عندما أطرح تجربتي أعتقد أن القارئ له
قدرة كبيرة في إعادة خلق ذاتي داخل النص، يعني إذا كان النص
منفتح بصورة قوية، فجانب آخر يتقبل القارئ أن هناك ذاتا مختلفة
نوع ما بهواجسها وبأسئلتها ويعيد خلقها بدرجة كبيرة، هذه هي
المشاركة الحقيقية للنص، لو اعتبرناها بهذه الصورة. أعتقد أننا
عندما نتكلم عن قصيدة النثر بشكل عام، لن ننسي أن قصيدة النثر
بدأت من خلال النثر، أو من التصعيد الشعري للنثر، بصورته السردية،
فأنا مقتنع تماما بأن ولادة قصيدة النثر من خلال تبديل منطق
الخطاب بمنطق الصورة، بصورة مختزلة نوع ما.
أيضا، استطرادا للخروجات النصية علي مألوف قصيدة النثر في السعودية،
كيف يمكننا الحديث عن نصوصك التي جاءت طويلة ولم تكن كعادة النصوص
قصيرة أو قصيرة جدا؟
إيقاع الجملة يفرض نفسه، سواء كان علي مستوي الطول أو القصر،
لكن البؤرة المركزية، هي مسألة التوتر الذي هو الإيقاع، كيف
تخرج الجملة في حالة الشعرية، هي التي تحدد سماتها، لحظة الكتابة،
هي لحظة متجادلة ومتقاطعة ما بين وعينا بالجملة ووعينا اللاشعوري
بالجملة، فكل هذه السمات تنطبق في لحظة زمنية، أنا مؤمن تماما
بأن كل قصيدة هي تجربة قائمة بذاتها تختلف عن التجربة الثانية،
ولكن هنا استدراك، بمعني أن رؤيتي الشعرية تبقي كما هي، هناك
خطوط عريضة تخترق المجموعة من أولها إلي آخرها وتشكل رؤية ثابتة
للشاعر، بمعني يمكننا أن نستخلص هذه الرؤية من خلال النصوص،
كرؤية ذات شعرية منفردة، فهذا جزء من إيماني التام وقناعتي التامة،
وربما من طرف آخر أحلم كثيرا، كما حلم الرومانسيون في الحالة
الرومانسية، بأن أجمع طرف الحياة بجميع تناقضاتها عندما أجمع
النثر والقصيدة في جانب مهم فيها. هذا انعكاس عن تناقض في الحياة.
لكن ماذا عن النثرية الخالصة التي نجدها مبثوثة في الديوان،
النثرية العادية، والتي من الممكن أن يري فيها القارئ الدقيق
نوعا من مأخذ علي القصيدة عندك، وعدم توترها كفاية؟
ينبغي أن تكون هناك هنّات، هذه الهنّات هي ما تعبر عن ثغرات
الكائن، بمعني أنني لا أقدم نفسي، كصورة للشاعر الملاك، أو الرجل
المكتمل أو المثالي، أنا أعتقد تماما أن هناك مسافة حقيقية ما
بين المثال وما بين الواقع، عندما أطبق النظرية الشعرية وأطبق
بجانبها الشعر، يجب أن اؤمن تماما بأن هناك مسافات متوترة ما
بينهما. من المستحيل أن لا تكون هناك مسافة، خذ أكبر الشعراء،
إليوت مثلا، نظرياتها الشعرية تختلف عن تجربته الشعرية، بشكل
قاطعة، هذا جزء حقيقي ويجب أن نؤمن به، وأنا أستغرب من بعض الشعراء
أنه يخفي تماما هناته الشعرية، ويلقيها في متاهات النسيان، في
حين هي جزء حقيقي من علاقتك بالحياة.
نصوصك أشبه بمساءلة مستمرة للكتابة وأدواتها ومنطلقاتها داخل
الكتابة نفسها، هذه المساءلة هل يمكن أن نعيدها إلي الناقد فيك،
خاصة وأنك مهموم بمتابعة تجليات الكتابة الجديدة سواء في الشعر
أو السرد، ومحاولة إضاءتها بما يحايثها نقديا؟
المسائل المهمة والمطروحة كهاجس قوي في التفكير وفي التأمل وفي
الحياة، مسألة الكتابة بالنسبة لي مسألة وجودية، يعني أولوياتها
تأتي بصورة هرمية، أو من المسائل الهرمية الموجودة في تفكيري
بدرجة أولي.
السؤال الراهن، كيف تحولت الكتابة من حالة إيقاعية فكرية إلي
حالة حياتية، بمعــني أن هذا التنافر ما بين الاثنـــين يولد
لي حالة من التصورات الإرجاعية، بمعني هذه الحالة ترتبط ذهنيا
بمرحلة من الطفـولة، لا أعلم كيف أتت هذه المرحلة ولكن هي متلازمة،
فعندما أفكر بالكتابة فأنــا بالدرجة الأولي أفـــكر في مرحلة
طفولية معيــنة، في العـلاقة الجدلية القائمة بينـــهم، عندما
أفكـر بالكتـابة، فأنا أفكر بتجارب تمر مر الطيف في الذاكرة
الطفــولية، وإذا اقتنعـــت تماما بأن جانب من الشعر هو غزو
براءة الطفولة، كيف تغزوها، هذا مهم جدا بالنسبة لمهمـــة الشعر،
انعكاساتها طبعا تبدأ في علاقاتك باللغة والفكر والحياة والتاريخ،
كلـها مصهورة مع بعض بصورة قوية.
هذا جزء حقيقي من مهمة الشعر، إذا كان هناك للشعر مهمة في الحياة،
بأنها تتخلص من جميع الشوائب المطروحة أمامها. هناك مقولة لهايدجر،
يطرحها بصورة قوية وهي مؤثرة حتي علي أكبر التجارب الشعرية والروائية،
أنه كيف علي الفن استعادة الكائن، استعادة نسيان الكائن، الكائن
منسي في هذه الحياة، كيف تستعيده هذه هي مهمة الفن.
إلي جانب استعادة الذاكرة الطفولية، تحضر لديك بعض رموز الذاكرة
القرائية، لنقل فرناندوا بيسوا الذي يرد ذكره في النص، وأيضا
طبيعة التأملات في الكتاب، تحيل بشكل أو بآخر إلي مدونة هذا
الشاعر الكبير؟
طبعا، من المستثيرات القوية جدا في المخيلة. السؤال الحقيقي
يا أحمد بأن هناك مرجعيات بلا شك، وأنا أومن إيمان كبير بمفهوم
قلق التأثر عند هارد بلوم، هذا القلق في التأثر موجود عند كل
شاعر، ولكن بتفاوتت معينة، حسب الجدل المطروح بينك وبين الآخر،
بينك وبين الشاعر نفسه، الفرق هنا، أن هناك شاعر يتعالق أو يتماهي
تماما مع الآخر الشاعر، إذا كان لا يملك مخيلة بمستوي المخيلة
المتعالق معها علي الإطلاق، تصبح المسألة مجرد تقليد، مجرد استعادة
ما كتب، بصورة نمطية، بالنسبة لي أعتقد أن هذا قلق التأثر المطروح
يكمن في أنه يستثير المخيلة ويترك لي مسافة قوية حتي أتحرك بصورة
واعية للكتابة، بمعني يجب أن تأخذ المخيلة إلي مناطق خصبة، أنت
تفرضها علي مخيلتك بطريقة أو بأخري، من خلال الضغط الواعي علي
الكلمات المطروحة أمامك، بمعني أنني أستفدت كثيرا من التفكير
في لحظة الإبداع، كيف أفكر في لحظة الإبداع وكيف أومن تماما
بكيف تخرج الكلمات من الجسد، بطريقة أو بأخري وحالاتها وحالات
تصارعها مع ذاتك ومع جسدك ومع ذاكرتك، كل هذه أعطتني نوع من
المناطق الخصبة للكتابة، ووجدت عالم مفتوح، كنت لا أومن سابقا
بأن الشاعر القوي يؤثر ويخترق مناطق محصنة جدا، ولكن من يؤمن
تماما من يخصب ذاكرته ويخصب مخيلته ويترك مسافة من الوعي بينه
وبين الآخرين، فأعتقد أننا سنكون أمام أفق مفتوح جدا. ولذلك
هنا تكمن أهمية الشعر، وأنا أعتقد جازما بأن من يمارس الشعر
بهذا المستوي فهو أهم بالنسبة لي بصورة كبيرة من الروائي ومن
الآخرين، لأنه هو المركزية في استقطاب حياة أخري، في الضد من
جميع ما يطرح في ا لسائد من ثقافة وأشياء أخري.
هناك شعراء ينكرون قراءاتهم للشعر، يدعون أنهم قراء غير جيدين
لسواهم من الشعراء، هل يمكن في رأيك أن ينجز شاعرا ما نص شعريا
بدون ذاكرة شعرية، بدون نموذج يتماهي معه أو يخرج عليه؟
هذه من الحالات الساذجة في الشعر العربي. لنتحدث عن التجربة
الغربية، بوصفها الأكثر تطورا، طبعا ليس علي المستوي الإنساني
لكن علي المستوي التقني، التجربة الغربية لا حظ أنها تحولت،
اخترقت الزمن، أعتقد أن التجربة الحداثية، هي بالدرجة الأولي
تنتمي إلي نقد الزمن، جوهر الحداثة هو نقد الزمن بلا شك، لذلك
لا حظ أن التجارب الغربية الأدبية ترتكز تماما علي تحويل هذا
الزمن من حالته الخطية إلي حالة إيقاعية مختلفة، حالة دائرية
نسميها، هذه الحالة هي التي تنقد الواقع، هي التي تعيد صياغة
الواقع بصورة أو بأخري، سمات هذا الخــط، بأنــه تراكمي، بمعني
كل شاعر يأتي ويلغي قصيدة الآخر، بمعني هناك مفهوم للتناظر ما
بين الشاعر والشاعر الآخر، كما يقول أوكتافيو باث، كل قصيدة
عند كل شاعر هي صدي لقصيدة أخري عند شاعر آخر، لكن هذا التناظر
لا يشكل إلغاء للذات، وإنما يشكل لنقل مفهوم الاختلاف ضمن مفهوم
التشابه، وهذه هي إحدي ميزات الأدب الأوربي بصورة أو بأخري،
لا ننكر هذا الجانب. إذا فهمنا هذا الجانب وعاودنا النظر إلي
أدبنا العربي سنجد أنه بدل أن يكون هناك خط تراكمي ضمن مفهوم
التناظر والاختلاف، نجد أن هناك نوع من النمطية، بل علي العكس،
هذه النمطية حاولت أن تكرس نوع من المغالطة، في مفهوم التجربة
الشعرية، كما هي موجودة عند تجربة مجلة شعر مثلا، رغم ما في
تجربة شعر من إيجابيات وتعريف القارئ بالشعر الحر، إلا أنها
سقطت في ما يسقط فيه كل ناقل من لغة إلي لغة أخري، هذا جزء من
إشكالية مطروحة من الخمسينات وحتي الآن، وجيل تربي علي مفهوم
الشعر من زواياه الضيقة، مفهوم الشعر ينتمي بالدرجة الأولي،
وهنا لنقل مفهوم مرحل من المشاهد الأخري الثقافية والاجتماعية
والسياسية، إما أن تكون في هذا الجانب أوفي ذاك الجانب، لكن
البحث عن مناطق أخري مختلفة، لم تكن مطروحة علي الإطلاق، هذه
الاشكالية تجعل الشاعر ينغمس في إشكاليات، لكن الحقيقة لا يمكن
أن نتغافل أن الشعر خطاب كأي خطاب آخر، ينبغي أن ينتقل من ذات
إلي آخري بصورة مختلفة، حسب مرجعيات الشخص وحسب قدرته علي التواصل،
وأعتقد أن عنصر التأمل ضروري جدا في خلق مخيلة تنتمي إلي المستقبل
وإلي كل ما يسبب اختراق للواقع، هذه إحدي الوظائف، لو تعلمنا
أن نفهم الشعر في حالته المتعالية.
من موقعك كناقد شاب، يجهد في تقديم رؤية نقدية جديدة ومنطلقة
من ثقافة وإحاطة نقدية واسعة، عربيا وعالميا، كيف تري إلي ما
يسمي بالنقاد الكبار في السعودية؟
أعتقد أن هناك فوضي في المشهد، هذه الفوضي تفرض علينا أن نميز
ما بين شخصية وأخري، لأنك بالدرجة الأولي لا تملك معايير محددة،
معايير مثبتة حقيقيا في النظر إلي الشخصيات المثقفة، لو أخذنا
معيار الأكثر شهرة، وهو معيار إطمئناني، يطمئن الثقافة بشكل
كبير، بين التوازن ما بين عبد الله الغذامي وما بين سعيد السريحي
أو معجب الزهراني علي مستوي الشهرة، المعيار الحقيقي، هو أن
كل هؤلاء ينتمون إلي هذه الثقـــــافة المطروحة لكنها مطـروحة
بهشاشتها، لأنه لا يحركها الوعي النقدي، الوعي النقدي الأعمق
المطروح قبالة الحياة، ما يحدث مجرد تبني نظريات وتطبيقها الذي
يأتي بصورة تعسفية، كما نري عند عبد الله الغذامي، الذي يأخذ
نظرياته النقدية من الغرب، وبدلا من أن يغنيها ويثريها ثقافة،
نجده يفقرها تماما، مثل مفهوم الكتابة، مفهوم المؤلف.
محمد
الحرز / الرياض - القدس العربي - 2003