ليس لشعراء
الصيغ المعقدة الكثير ليقولوه
قارئة نهمة للشعر، لا تنفك
جيزيل فانيز تحمل القصيدة الى مجهر النقد والتحليل وتفكيك رموزها
والاشارات. واذ تفعل هذا ففي شغف نادر وفي دراية مَن يتعامل مع الشعر
بكونه روحا وجوهرا. استاذة الادب الفرنسي والادب المقارن في كلية
الآداب والفلسفة في جامعة كالابر الايطالية، تتمحور ابحاثها ودراساتها
حول الشعر الرومنطيقي والشعر المعاصر الفرنسي واللبناني والروماني،
وهي ذات باع طويل في تحليل صيغ المتخيل الانتروبولوجية، والرموز
الاسطورية. لها جملة ابحاث تناولت فيها شعراء كبارا امثال ايف بونفوا
ولوسيان بلاغا وجورج شحادة وناديا تويني وجيرار دو نرفال. واذ تبدي
تعلقا خاصا بشعر تويني تقول انها اتجهت من خلالها الى الاهتمام بالشعر
اللبناني الفرنكوفوني الذي ترى ان فيه نوعية شعرية فريدة في العالم.
جيزيل
فانيز التي كانت بين الكتاب المدعوين الى معرض الكتاب الفرنسي في
بيروت، وقّعت بحثها الصادر عن "دار النهار" تحت عنوان "الثلج القرمزي"،
وكان هذا الحديث معها.
*
كيف تقاربين اختيارك الشعر عامة، حقلا للبحث الادبي؟
-
يمثل الشعر لي التعبير الاكثر صفاء، التعبير الادبي الاكثر نهائية.
يساعدنا الشعر على فهم اكبر للثقافة التي نعيش في كنفها سواء كانت
فرنسية او فرنكوفونية او اي ثقافة اخرى. اذن، لم اهتم بالشعر الفرنسي
في القرنين التاسع عشر والعشرين فحسب، بل بالشعر اللبناني بالفرنسية
وبالشعر الروماني ايضا. ومن ا لطبيعي ان اطالع ايضا شعراء آخرين
مترجمين راهنا الى لغات اخرى. انا قارئة ليلية نهمة للشعر.
*
متى بدأ اهتمامك بالشعر اللبناني الفرنكوفوني تحديدا ولماذا؟
-
مثلما تحصل الامور الكبرى صدفة في معظم الاحيان. كنت في مهمة عمل
في باريس، ودخلت مكتبة تضم كتبا بالعربية والفرنسية فرحت اتصفح اسماء
شعراء إما مترجمين او يكتبون بالفرنسية. وعثرت على كتب صادرة عن
"دار النهار" التي لم اكن اعرفها. وكانت تلك الكتب لناديا تويني
وهي التي وجّهتني نحو الاهتمام بالشعر اللبناني الفرنكوفوني.
شغف
بناديا تويني
*
متى كان ذلك؟ وفي اي مرحلة بدأ اهتمامك هذا يترجم عمليا عبر الدراسات
والكتب المنشورة؟
-
كان ذلك عام .1991 شغفت بقصائد لناديا تويني قرأتها في تلك المكتبة
واشتريت الكتاب، ثم قرأت شعرها وكتبت مقالة عنه نشرت في مجلة جامعية
في البرتغال. اعتقد انها نشرت عام ،1992 اي بعد عام على قراءتي اعمالها
الشعرية. لم يكن شعرها معروفا في البرتغال. وربما انا هنا اليوم
بفضل دراستي تلك، بعدما دعاني السيد غسان تويني الى بيروت في حزيران
.1994 ولاحقا، جئت الى لبنان لحضور العرض الاول المستوحى من "حزيران
والكافرات" لناديا تويني، وتم يومذاك توزيع نسخ من بحثي عن الشاعرة.
كما اعاد الشاعر والزميل جاد حاتم نشره في مجلة الجامعة اليسوعية.
وتعرفت في بيروت الى شعراء لبنانيين فرنكوفونيين آخرين وبدأت اهتم
بانتاجهم وظللت متعلقة بشعر تويني. وممن كتبت عنهم صلاح ستيتية (لندوة
عقدت في باريس) وفينوس خوري غاتا. واطلعت على اعمال شعراء ينتمون
الى جيل اصغر، وتابعت مختلف مراحل تطورهم، واذكر منهم الان طاسو
وجاد حاتم وانطوان بولاد وميشال قصير. واجريت ابحاثا عن طاسو وحاتم،
واشرف على ابحاث عنهما يقوم بها طلابي اليوم في مرحلة "الاستاذية".
فرادة
شعرية
*
ماذا تعني لك تجربة الكتابة البحثية عن شاعرات وشعراء لبنانيين فرنكوفونيين؟
بل اي مميزات لمست عندهم؟
-
انهم نوعية نادرة وفريدة في العالم، والا لما كنت اهتممت بهم اصلا.
*
اين تكمن فرادتهم تحديدا؟
-
اولا، في طريقة مقاربتهم الحياة والشعر والفن. ثانيا، وهذه نقطة
مهمة ايضا، استخدام اللغة الفرنسية في اسلوب مختلف قليلا عن اسلوب
الفرنسيين او الفرنكوفونيين الآخرين الكنديين وسواهم. واذكر في هذا
السياق ما قاله صلاح ستيتية في بحث له ان الشعراء اللبنانيين بالفرنسية
يحملون المتلقي الى بانوراما اكثر لمعاناً وعبر لغة اكثر تلويناً.
واستعيد قولا لمالارميه ان الشعراء اللبنانيين الفرنكوفونيين "يعيدون
المعنى الاكثر نقاء الى كلمات الجماعة"، اي انهم يقومون بعمل وتأمل
فعليين في ما خص اللغة الفرنسية، ذاك انهم يحبونها في عمق ويتعاملون
معها في جدية.
*
"الثلج القرمزي" عنوان بحث صدر لك حديثاً عن "دار النهار". لِمَ
هذا العنوان وكيف تفسرين اختيارك الشعراء موضوع البحث؟
-
ادرس في هذا البحث موضوع الثلج والدم لدى شعراء معاصرين كبار: إيف
بونفوا الشاعر الفرنسي العظيم، بول سولان الذي يعتبره النقاد شاعر
اللغة الالمانية ويختصر كل الشعر الاوروبي الحديث، الى سلفادور كوازيمودو
الحائز نوبل ،1959 وثمة شاعر آخر احبه كثيرا هو الاميركي لانس هانسن
وله اعمال مهمة جدا. ولا انسى شاعراً لبنانيا - ولذلك انا هنا -
هو ألان طاسو الذي لم يكتب قصيدة او اثنتين فقط عن الثلج الاحمر
او الثلج والدم، بل وضع مجموعة شعرية بكاملها عن هذا الموضوع عنوانها
"دم الثلوج". ومن اهداف زيارتي للبنان ايضا العمل على نشر الشعر
والثقافة اللبنانيين، وفي هذا الاطار انجزت عقدا بين جامعتي وجامعة
لبنانية - وآمل توقيع عقود اخرى - يقضي بتبادل المثقفين والاساتذة
والطلاب بين البلدين. وادرّب في جامعتي مترجمين ادبيين باشر بعضهم
ترجمة شعراء لبنانيين بالفرنسية الى الايطالية ومنهم طاسو وحاتم،
على ما اسلفت.
*
تتعاملين مع القصيدة بعين الباحثة والناقدة الم يعترضك يوما "إغراء"
كتابة قصيدة تخصك وحدك؟ او ربما تكتبينها ولا تعلنين عنها؟
-
الاهم لي هو تعريف الناس على الشعر ودفعهم الى مطالعته. لا اكتب
الشعر، بل اهتم به من خلال التدريس وتدريب المترجمين الادبيين، وايضا
من خلال كتاباتي عن الشعر. اني فرحة بما اؤديه اكاديميا وبحثيا،
وخاصة حين المس اهتماماً بالشعر لدى الجيل الشاب.
الجوهر
الميتافيزيكي
*
قبيل انطلاقنا في هذا الحديث اثرت موضوع الرهانات التي يخوضها الشعر.
هل تستعيدين ما قلت، ولاسيما انه ما زال يحلو لكثر ترداد مقولة موت
الشعر وتراجعه؟
-
افضل من تكلم في هذه المسألة هو إيف بونفوا. يعتبر ان ثمة رهاناً
على المستوى الوجودي، وآخر على المستوى الفني - الجمالي. لديه ان
الشعر يساعدنا لنحيا، وانه ذو جوهر ميتافيزيكي عميق جدا. لذا فان
الشعر الحقيقي المعاصر صعب. انه سهل لناحية الدخول اليه، لكنه صعب
كذلك من ناحية المضمون. معظم الشعراء المعاصرين يستخدمون لغة بسيطة،
وهذا ما يسميه بونفوا البساطة الثانية. اعتقد ان الشعراء الذين يستعملون
صيغاً معقدة هم بعامة شعراء لا يملكون الكثير ليقولوه - هذا رأيي
- وقد يصنع هؤلاء تفاصيل اكثر من صناعة الاساس.
*
لكن البساطة تنطوي ايضا على اخطار الوقوع في خفة ما.
-
يقول بونفوا ايضا ان البساطة الاصلية ضاعت وتنبغي العودة الى بساطة
ثانية. هو نفسه قدم المثال: لغته بسيطة جدا لكن ادراك شعره يستلزم
تفكيرا عميقا. شعره نقيض الشعر الخفيف.
*
عَوْدا على بدء، ما كان دافعك الى انجاز بحث محوره "الثلج والدم"؟
- في "الثلج القرمزي" تنافر
ما: بياض الثلج من ناحية، والاحمر الذي هو عامة احمر الدم. انها
تيمة جديدة لم تدرس قبلا. وحتى موضوع الثلج لم يدرسه اي من النقاد
المهتمين بالرموز الاسطورية. انتمي الى هذا التيار النقدي وادرس
النماذج المثالية والرموز في الشعر. يمكننا القول ان موضوع "الثلج
والدم" ظهر باكرا جدا في الادب الفرنسي، وخاصة لدى الروائي والكاتب
القروسطي الكبير كريتيان دو تروا، ولاحقا لدى شعراء من بينهم لبنانيون
فرنكوفونيون مثل الان طاسو. اذن، ثمة اولا تعارض بين الثلج والدم.
ثمة قيم ذكرية مع الدم، وقيم انثوية مع الثلج، وهذان العنصران سيتناغمان
من منظار الشعراء ويتزاوجان نوعا ما. يمكن ايضا ان نفكر ان للثلج
مفهوماً ابولونيا (نسبة الى ابولون اله النور والحقيقة) وان للدم
مفهوماً ديونيزياً (نسبة الى ديونيزوس اله النشوة والشغف). اذن،
درست هذين الموضوعين والرمزين لدى بونفوا الذي وضع مجموعة مهمة جدا
عنوانها "بداية الثلج ونهايته" حيث يبين غالبا "زواج" بين الثلج
ودم ليس دما، بل هو الاحمر، وهو ما سميته الدم الملمح اليه لانه
غير حاضر (مباشرة). وعلى العكس، نجد حضورا مأسوياً للثلج الدامي
عند شاعر آخر هو سولان. الثلج ذو اهمية كبرى لديه اذ يذكره بوطنه
الام رومانيا حيث ماتت والدته. ومع تذكر الموت، أمسى الثلج تراجيدياً
بالنسبة اليه. نقرأ له قصائد مأسوية جداً في هذا السياق حيث الثلج
ملطخ بالدم، وهو دم الحرب في النهاية. ونصل الى كوازيمودو الشاعر
الايطالي المتوفى منذ فترة طويلة. نظم عددا قليلا جدا من القصائد
عن الثلج. كان شغوفا بمسقطه صقلية التي غادرها مرغما الى ميلانو
لأسباب مهنية، وهناك رأى الثلج، لكنه الثلج الذي "جمده" على الصعيد
العاطفي إذ جسد له رمزاً للخسارة، خسارة منطقته الام وهي له المكان
الحقيقي الاصيل.وتتجلى نزعته الى سحب رؤية دراماتيكية على مشهد الشتاء
والثلج (...). اما الان طاسو فالميزة المهمة لديه انه صاحب مجموعة
شعرية تتناول بأكملها موضوع الثلج وتربط بين الثلج والدم، ثم هناك
تلك العودة الهاجسة من ناحية بالثلج والبياض، ومن ناحية اخرى بالاحمر
والدم، لكن غالباً في صلة مع الاسود. وأشير الى ان الاسود لون مفضل
لطاسو الرسّام ايضا، ووضع قصائد جميلة جدا عن اللون الاسود. ارى
ان في كتابات الان طاسو بحثا خيماوياً، وبودلير هو القائل ان الشعر
هو نوعا ما خيمياء. مثلا، يتكلم عن الحجر العبارة التي يكتبها بحرف
البداية الكبير، مما يوحي بالاشارة الى حجر الفلاسفة. ولدى طاسو
ثمة غالبا ليس بقع الدم على الثلج فقط بل ندائف حمراء، وربما ثمة
تلميح مجازي هنا الى صورة عظيمة في الشعر المعاصر من خلال ريلكه،
وهي صورة رئيس الملائكة المحمر (المتأرجن: من ارجوان)، اي الملاك
الابيض، النقي، لكنه ايضا ذو الجانب البشري جدا الذي هو الدم والقلب
وسواهما. واود ان انهي بالكلام على هنسن الذي يتخذ الثلج لديه البعد
التراجيدي كما لدى بونفوا. يتحدث عن الحروب التي دمرت الكوكب، وبالتالي،
ويا للاسف، ليس الدم مجازاً عنده بل دم حقيقي.
حنان
عاد - النهار - 25.11.2003