
نصف
الحقيقة
أطفأت
سيجارتي علي عجل حين جلست إلي المستشرق الكبير مكسيم رودنسون
في بيته بالحي اللاتيني بباريس.
فقد
توجست أن يشب الحريق فجأة في البيت من كثرة الأوراق والكتب حولنا،
فقد كانت أكوام الكتب بيننا ونحن جالسين وفوقنا وحولنا بل وفي
كل مكان حتي المطبخ.
وكان
رودنسون يقيم في شقتين متواجهتين، خصص واحدة للعائلة والثانية
لحياته بين الكتب والأوراق، وكانت الكتب تغطي الجدران، من الأرض
إلي السقف، عدا المنافذ والنوافذ، وكلها باللغات الخمس التي
يجيدها وأغلبها عن الحضارات والأديان والإسلام والعالم العربي،
ولاحظت أن كثيرا من كتبه متورم من داخله، وأدركت أن مكسيم رودنسون
قارئ محترف، لأنه يلخص كل كتاب يقرأه ويضع فيه الملخص حتي يعود
إليه.
ولهذا
أصبح مكسيم رودنسون عالما اجتماعيا موسوعيا شارك في عديد من
الموسوعات وهو في مكانة كبار المستشرقين مثل عالم الاجتماع في
السوربون جورج جورفش، والمؤرخ أندريه ريمون عاشق القاهرة.
وليفي
بروفنسال عاشق المغرب والأندلس وجاك بيرك مؤرخ النهضة العربية
الحديثة، ورودنسون أقام سبع سنوات في صيدا وبيروت، كما أقام
في القاهرة ودمشق، باحثا ودارسا، وكان جنديا في الحرب العالمية
الثانية في لبنان ثم مدرسا في صيدا ثم مسئولا عن الحفريات والآثار،
ولكنه تميز باهتمامه باللغة الحميرية، وكان موقفه شريفا أثناء
عدوان 56 وخلال حرب الجزائر، وكتابه «إسرائيل والرفض العربي»،
وكتابه «العرب»، يشهد علي مواقفه التي تستند إلي البحث بنزاهة
دون تعصب أو انحياز.
ومنذ
نحو نصف قرن زار رودنسون القاهرة، واكتشفت فيه شغفه بالبحث في
الواقع الاجتماعي، بعيدا عن النظريات وفاجأني بطلب غريب وهو
أنه يريد أن يحضر حفلة زار! وقلت له إن الظاهرة اختفت تقريبا
من القاهرة، وليس أمامك سوي ذكريات قوت القلوب الدمرداشية لأنها
كتبت بالفرنسية عن الزار عام 1937 فقال إنه يريد أن يكتب بحثا
ويحتاج إلي مشاهدة الزار عينا بعين وقلت له إن آخر ذكرياتي عن
الزار أيام الخديوية الثانوية وكان الشيخ مهنا يسكن في بيت الشيخ
حمزة فتح الله أحد علماء العربية وقد شارك في مؤتمر المستشرقين
عام 1907، وإزاء حماسه عثرت له علي مكان بشارع الإمام محمد عبده
جوار الأزهر الشريف وبات رودنسون يومين وهو يلبس الجلباب الأبيض،
ويضع يديه في دماء الذبيحة كما روي.
وأدركت
بعدها أنه المستشرق الوحيد الذي نشر بحثه العلمي من ظاهرة الزار
وطقوسه، ومن يقرأ رودنسون يكتشف عنايته بالتفاصيل والدقائق،
ووصف الحياة اليومية والاجتماعية والطبقية...
وظل
مخلصا للتفسير الماركسي للتاريخ دون أن يجد تطور التاريخ في
الاقتصاد وحده ودون أن يقع في تهاويل الشعارات منذ استقال من
الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1958 وعكف علي آرائه وأوراقه وكتبه
العديدة.
كامل زهيري
- القاهرة