حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

صديق العرب

فقد العالم العربي المستعرب مكسيم رودسون، والمثير في حياة هذا الباحث العملاق هو أنه وُلد في باريس عام 1915 داخل عائلة يهودية روسية ـ بولونية. لكن أصوله الدينية لم تمنعه من أن يصبح أحد أهم المستشرقين الأكثر اعتدالاً وحكمة. ومنذ صغره، سيولع رودنسون بتاريخ الديانات وباللغات القديمة، وبشكل خاص بالإسلام والنبي محمد. عصامي منذ المراهقة نظراً الى فقر والديه، شغفه الوحيد آنذاك كان القراءة والعلم. فبدون معلّم سيُحضّر امتحان دخول "مدرسة اللغات القديمة" فينال منها بعد مسار جامعي مثالي درجة دكتوراه. وتجدر الإشارة هنا الى إتقانه بعد ذلك عشر لغات سامية، نذكر منها: اللغة الإثيوبية القديمة والعربية والعبرية والفينيقية...

عام 1937، ستوجّه ثلاثة قرارات حياته: زواجه، دخوله الى "المركز الوطني للأبحاث العلمية" وانخراطه في الحزب الشيوعي. لكن الحرب العالمية الثانية لن تلبث أن تقوده كجندي الى الشرق الأوسط، فيمضي في سوريا ولبنان سبع سنوات خلال الانتداب الفرنسي. وبعد فترة عسكرية قصيرة، سينجح رودنسون في دخول السلك التعليمي، فيُعيَّن أستاذ اللغة الفرنسية في إحدى مدارس صيدا التابعة لجمعية المقاصد الإسلامية، قبل أن يعمل بعد الحرب الى جانب عالمَي الآثار الكبيرَين دونان وشلوبرغر اللذين سيستخدمان معرفته العميقة باللغات السامية. وبعد فترة قصيرة، يكلفه قسم الآثار الخاص بسلطة الانتداب بشراء الكتب العلمية التي تعنى بهذا المجال في العراق وفلسطين ومصر، فيستغل فرصة أسفاره للاتصال بالشيوعيين في هذه الدول وإقامة علاقات صداقة مع عدد منهم. لكنه لن يلبث أن يدفع ثمن آرائه السياسية والتزامه في الحزب الشيوعي حين يحاول بعد الحرب البقاء كطالب داخلي في المعهد الفرنسي في دمشق أو الحصول على منصب دبلوماسي. وبكثير من المرارة يُغادر رودنسون الشرق، مما يحول دون رغبته في تحضير أطروحة دكتوراه حول "الإسلام في القرون الوسطى".

لدى رجوعه الى فرنسا، سيعين أمين مكتبة في قسم المخطوطات الشرقية التابع للمكتبة الوطنية، متابعاً في الوقت ذاته قراءاته العلمية والانتقائية. لكن عام 1955، سيتخلى عن هذا المنصب ليبدأ تعليم اللغة الإثيوبية القديمة في "المدرسة التطبيقية للدراسات العليا". وعام 1959، يُعطي الى جانب هذه المادة حصصاً في علم الأنثروبولوجيا الشرق أوسطية. وبموازاة تعليمه، ينخرط الباحث ـ العلامة أكثر فأكثر في النشاطات النضالية داخل الحزب الشيوعي. لكن سلوكه الحر ومضمون مقالاته النقدي يجلبان إليه المتاعب الى أن يتم طرده من الحزب عام 1958.

عام 1961 تصدر سيرته حول النبي محمد التي تعتبر الى حد اليوم المرجع الغربي الأساسي للطلاب والباحثين. كما أنه، باعترافه، الكتاب المفضّل لديه من بين الكتب الكثيرة التي وضعها. وتجدر الإشارة هنا الى إنتاجه الكتابي الهائل: عدد كبير من الأبحاث، أكثر من ألف مقالة علمية وصحفية، بدون أن ننسى كماً من التقارير الموقعة وغير الموقعة التي كان يمنحها الى "النشرة النقدية للكتاب الفرنسي". ولن يتردد رودنسون في استخدام معارفه العلمية لإلقاء الضوء على مواضيع آنية ساخنة تتعلق بالشرق الأوسط وتنصف العرب في مواجهتهم لإسرائيل. ففي هذا الإطار، كتب صديقنا: "الإسلام والرأسمالية" (1966)، "إسرائيل والرفض العربي" (1968)، "الماركسية والعالم الإسلامي" (1968)، "العرب" (1979)، "سحر الإسلام" (1980)، "شعب يهودي أم مشكلة يهودية؟" (1981)، و"الإسلام : سياسة ومعتقد" (1993). ومجموع كتبه يدل على انخراط الباحث والمستعرب (كما كان يُفضّل أن يُسمّى) داخل زمنه. فمع المستعرب العملاق الآخر، جاك برك، سيؤسس عام 1968 "مجموعة البحث والتحرّك من أجل حل المشكلة الفلسطينية".

رجل علم وقلب قل نظيره، حاول رودنسون دائماً مد جسورٍ بين اللغات والثقافات والميادين العلمية. ويشهد على ذلك ولعه الذي سيدفعه الى العمل على تاريخ الكلمات. أما بحثه الدؤوب وعقلانيته فقد فتحا له أبواب المعرفة والنجاح بدون أن ينزعا عنه بساطته المؤثرة والمدهشة.

 

انطوان جوكي - باريس


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri