حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

سيرة يهودي تبرأت منه الصهيونية

رحيل هذا المستشرق من أصل يهودي الذي درس اللغة العربية وعاش في الشرق فترات طويلة من حياته وكتب سيرة النبي محمد على طريقته وحاول ان يفهم الديانة الإسلامية ويتعمق فيها عبر دراسات مطولة، هذا الرحيل يعني الكثير من هذه الفترة بالذات المحتدمة في صراعات ومواجهات بين شرق وغرب.

ورودنسون في البداية رجل عصامي ولد في باريس من أبوين يهوديين مهاجرين من روسيا، جاءا من تربية غلب عليها الفكر الشيوعي والاشتراكي فمحت بذلك آثار الانتماء اليهودي. لم يتلق رودنسون علومه في الصغر فكان عصامياً وأنهى دراسته وحده من دون مساعدة وبدأ العمل في عمر مبكر، فكان حاجباً يلبي طلبات ويودع رسائل وأوراق بين الشركات، الى أن قرر التقدم لامتحان الدخول الى "معهد اللغات الشرقية" حيث لم يكن مشروطاً دخوله بحيازة شهادة البكالوريا وهناك برع رودنسون في دراسة اللغات: التركية، الغربية الفصحى، الحبشية، كما تعلم اللهجات المغربية والمشرقية.

عام 1937، وما ان تخرج من المعهد اعتبر نفسه جاهزاً للخيارات الصعبة، فقرر أخيراً الانتماء الى الحزب الشيوعي وذلك بعد رفض كلي لاعتناق عقيدة أهله اليهود.

ألسنية

وانطلاقاً من دراسته، اعتبر رودنسون متخصصاً في علم الألسنية لا مثيل له، كان يلم بأكثر من ثلاثين لغة، وكان يعرّف نفسه على أنه ملتزم "الدفاع عن القضية الفلسطينية" الأمر الذي أثار حفيظة المتدينيين اليهود، وغالباً ما تعرض لهم بالانتقادات التي طالت الديانة اليهودية كما العقيدة الدينية التي تحكم سياستهم في العالم. وفي العام 1939، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية التحق المجند من الجيش الفرنسي مكسيم رودنسون بالكتيبة التي ارسلت الى الشرق، فكان لبنان أول مكان أو أول لقاء له بالعالم العربي. وعن هذه الفترة، كتب بعد اعوام "الجندي المستعرب" الذي وصف فيه اقامته في لبنان وهي قد طالت إذ انه بعد تسريحه من الجيش فضل البقاء للاقامة في لبنان فدرّس اللغة الفرنسية في مدرسة تابعة لجمعية المقاصد الإسلامية في مدينة صيدا. وفي لبنان ايضاً، التقى الشيوعيين العرب خاصة في اسفاره بهدف توسيع اتصالاته وكان في حينه يعمل في "دائرة الآثار" فسافر الى مصر وفلسطين للبحث عن الكتب القديمة في بلدان الشرق الأوسط.

المكتبة الوطنية

عاد الى فرنسا عام 1947 وعمل في المكتبة الوطنية ولكن في دائرة المخطوطات العربية المتخصصة، ثم انتقل الى مهنة التعليم في معهد للدراسات العليا في اللغات في باريس. والى جانب عمله التعليمي، بدأ ابحاثه الخاصة التي سوف تترجم بعد حين كتباً ودراسات، كان أهمها "محمد" (1961)، "الإسلام والرأسمالية" (1966)، "الماركسية والعالم الاسلامي" (1972)، "سحر الاسلام" (1980)، "شعب يهودي ام مسألة يهودية" (1981) وهذا الكتاب الأخير آثار جدلاً واسعاً في الأوساط اليهودية.

ومنذ بداياته ورودنسون معروف جداً في لبنان والعالم العربي على أنه من كبار المستشرقين الغربيين وهو قد يتميز بجرأته في مواجهة الأفكار الموروثة حول موضوعات كثيرة أبرزها الأفكار المكتسبة حول الاستشراق بحد ذاته. وهو اعترف أكثر من مرة بأن انجذابه لهذه المهمة لم يكن بسبب نزعة عنصرية معينة لكنه بسبب اكتشافه أن الدول الأوروبية وحكوماتها لم تكتف بالدافع العلمي للمعلومات التي جمعها علماؤها عن بلاد الشرق بل انها استفادت منها للسيطرة على هذه البلاد واستعمارها. وهو صرح في جميع كتبه ومقالاته ما يختصر بالفكرة التالية وهي أن الدول الأوروبية وجدت في المعلومات والدراسات اللغوية والانتروبولوجية والفقهية والفلسفية والأدبية وغيرها "وبالتاريخ الوقائعي" لبلاد الشرق مساعداً قوياً لها في بسط هيمنتها على هذه البلاد لنهب خيراتها طوال أكثر من قرن. وغالباً ما تساءل رودنسون حول الاستعمار وطرح الاسئلة الجريئة مثل: "بَم يمكن ان نصف علماءهم الذين كانوا يأتونها كرحالة، هل كانوا جواسيس يجمعون المعلومات لحكوماتهم من أجل التحضير للإستعمار، أم نعتبرهم علماء، فنجل اعمالهم مثل "بوركهارت" الذي اكتشف مدينة البتراء "وآثار ابي سمبل" أو غيره من العلماء؟..

تعاطى رودنسون مع الاستشراق بأسلوب خاص وكانت له مفاهيم خاصة ايضاً انطلق منها ليحدد مهمته الشخصية في الشرق.

وتعتبر مؤلفات رودنسون موجهة بشكل خاص "الى الجمهور المثقف العريض" وهي غالباً ما أثارت جدلاً في الأوساط العربية والغربية على حد سواء، لكن انحيازه الى القضية الفلسطينية والى الحق الفلسطيني جعل المجتمع الصهيوني ينقلب ضده ويتبرأ منه.

وبعد اربعين عاماً ونيف على صدور كتابه عن "النبي محمد" لا زالت هذه السيرة مرجعاً مهماً مع انها وضعت استناداً الى نظرته الماركسية، كذلك كل قراءته للعالم الاسلامي، لكن ذلك لم يمنع ابرز النقاد من تقدير اعماله التي جمعت الحس التنقيبي بالقدرة على التحليل والاستيعاب.

رودنسون واحد من الخارجين على المألوف الذي اعطوا تجارب مغايرة. فهو مثلاً حاول تفسير النبوءة القرآنية تفسيراً ينسجم مع ظاهر النص القرآني ويتوافق مع الواقع التاريخي وبهذا الطرح وضع امام القارئ رؤية جديدة تستند الى الأرقام، لا سيما فيما يتعلق بنبوءة قرآنية تحتم انكسار اليهود وانتصار المسلمين في معركة عقيدية فاصلة بشر بها القرآن الكريم منذ نزوله، وهو في ابرز كتبه عبر عن اصراره على إزالة وتدمير "الكيان الصهيوني الغاصب".

بقي رودنسون على اصراره حتى آخر رمق حيال كل افكاره ومعتقداته، وهو عرف بموضوعية الباحث على الرغم من تنكره لأصوله. فهو لم يستعمل اساليب حماسية تغيب هنا وتمجد هناك بل بقي على حسه الباحث بأسلوب علمي صرف، فظل ينتقد العرب والعالم العربي حين يلزم الانتقاد ولم يطمح الى اعطاء الإسلام مرتبة مرتفعة على بقية الأديان بل حاول بكل بساطة ان يقارب الإسلام عقلانياً وبنفس الأسلوب الذي قارب فيه جميع الأديان و الأيديولوجيات.

 

المستقبل - الخميس 27 أيار 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri