
رودنسون
والاستشراق الفرنسي
توفي
المستشرق الفرنسي المعروف، مكسيم رودنسون عن عُمُرٍ عالٍ، وإنتاج
غزير متواصل لأكثر من خمسين عاماً. ورودنسون متميّز داخل تقاليد
الاستشراق الفرنسي، مثلما هو متميّز داخل الاستشراق بشكل عام.
فللرجل تجربة مشرقية ولبنانية (إذ أقام لفترة قصيرة بصيدا جندياً
في الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الثانية)، بخلاف أكثر المستشرقين
الفرنسيين في القرن العشرين، الذين كانت تجربتهم جزائرية أو
مغربية أو تونسية، أو مصرية على الأقل. بيد أن تجربته هذه ما
تركت آثاراً ظاهرة في كتاباته. أما الأمر الآخر الذي تميّز فيه،
وترك الآثار العميقة في منهجه وكتاباته فهو أنه كان ماركسياً،
وقضى عقوداً عدة في الحزب الشيوعي الفرنسي، بخلاف معظم زملائه،
الذين كانت لهم مناهج أخرى في التفكير والكتابة مثل ماسينيون
وكوربان ولاوست وجاك بيرك.
بدأ
رودنسون حياته دارساً لفيلولوجيات اللغات السامية. وله مقالات
عدة في الأربعينات من القرن الماضي حول تطورات اللغات الحبشية
والعربية الجنوبية القديمة. لكنه اشتهر أول ما اشتهر بكتابه
المعروف عن النبي محمد (ص)، ثم كتاباته عن الإسلام والرأسمالية،
والإسلام والماركسية.
درس
رودنسون حياة النبي وأصول الإسلام بمنهج مادي، منبّهاً الى الأوضاع
بالجزيرة العربية في القرنين الخامس والسادس للميلاد. ولفتت
انتباهه حركة انتقال السلع، والنشاط التجاري بمكة، والزراعي
بيثرب. كما لفتت انتباهه طبائع التكوينات القَبَليّة، وشيوع
الاضطراب في القرن السادس الميلادي نتيجة لانهيار الممالك الحاجزة
على أطراف الجزيرة وفي قلبها. والى هذه التطورات يعيد الرجل
اهتمامات النبي المبكرة بالعدالة، وبالحسّ الأخلاقي العالي المستند
الى الزهديات المسيحية والتوحيد اليهودي الإبراهيمي. وقد لقي
كتابه هذا ـ الذي يبدو مكتوباً بعجلة ـ انتشاراً واسعاً في الستينات
من القرن الماضي، بسبب انتشار الفكر اليساري آنذاك، وللتبسيطية
المحبّبة التي بدت فيه.
وفي
الوقت نفسه ظهرت دراساته المجموعة عن الإسلام والماركسية، والإسلام
والرأسمالية. فقد كانت الأنظمة العربية في الستينات تتجه نحو
اشتراكية سمّوها علمية تارة وعربية تارة أخرى. وقامت اجتهادات
تحت اسم "اشتراكية الإسلام". وقد درس رودنسون هذا النزوع الإسلامي
نحو العدالة والمساواة، كما قرأ تجلياته عبر القرآن والسيرة
النبوية، وتحديدات الكسب المشروع في الفقه الإسلامي، ثم التطور
التاريخي لموارد الدولة، وللصراع عليها. وعندما أُثير النقاش
حول حوائل وموانع التكوين الرأسمالي في العصور الوسطى الإسلامية
(قارن بماكس يبر وكتاب تيرنر عن وجهة نظره بالإسلام) كان رودنسون
حاضراً لتأمّل مسألة الثروة والحركة التجارية البعيدة المدى،
ورؤى هنري بيرين وموريس لومبار عن تجارة الذهب بين الإسلام والغرب.
وقد بدت تأويلاته التاريخانية والأيديولوجية التي سندتها الفيلولوجيا
أكثر مما ساعدها التاريخ، مُريحة للتقدميين والاشتراكيين العرب،
وللتوجهات العالمثالثية في حقبة مصارعة الاستعمار، وصعود الدولة
الوطنية المعادية للإمبريالية.
استمعت
للمرة الأولى لرودنسون ـ وما كنتُ قد قرأت له شيئاً ـ عام 1968
عندما دعته جريدة الأهرام المصرية للقاهرة للمحاضرة. ومع أنه
تحدث بالفرنسية فقد استطعنا نحن الأزهريين متابعته جيداً بسبب
ترجمة كامل زُهيري الفورية لمحاضرتيه، اللتين نُشرتا أيضاً بالأهرام.
وما عدت أذكر موضوع المحاضرتين؛ لكنني أذكر أنه دعا التقدميين
العرب لاستحداث ماركسية عربية وتأصيلها في التراث العربي، لدى
ابن خلدون قديماً، ولدى حركات الزنج والقرامطة! وأظن أنّ د.
حسن حنفي قال له وقتها ان الشباب لم يقصّروا لهذه الناحية، فأحمد
عباس صالح كان قد كتب في الخمسينات روايته: رجل في القاهرة (عن
ابن خلدون)، كما كتب اليمين واليسار في الإسلام فبدا عليٌّ يسارياً
وعمر يمينياً وأبو بكر اشتراكياً فابياً!
ويؤذن
موت رودنسون بعد بيرك وكاهن بانقضاء التقليد التاريخاني في الاستشراق
الفرنسي وغير الفرنسي، وسواد المنهجيات الأبستمولوجية والأنتربولوجية
من جهة، والبنيويات والتفكيكيات من جهة أخرى. والواقع أن كتابات
كيبيل وروا وروسّون، وهم جميعاً من تلامذته، وتلامذة كاهن وسوردل،
تُظهر قطيعة شبه كاملة مع السرديات المحببة، وجماليات الفيلولوجيا
لدى الأساتذة السالفي الذكر:
ثم انقضت
تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام.
رضوان السيد
- المستقبل