
فاضح
الطاعون الطائفي!
لا تمثل
وفاة مكسيم رودنسون، في مرسيليا في 23 مايو/ايار عن تسعة وثمانين
عاماً، حزناً شديداً لدى أصدقائه، الذين سيحفظون ذكراه، تواضعه،
بشاشته فقط، وانما أيضا الخسارة ملحوظة في مجال البحث.
في فضائنا
الثقافي، وقف - وقد تحلى بمعرفة صريحة للعالم الاسلامي - على
الأرض،
ثم درسها
سوسيولوجيا. الى هذا تنضاف حساسيته كيهودي، حساسية غير يهودية،
وأبدا لم تدون ضمن منظور طائفي، بالنسبة لهذا الرجل الذي فضح
“الطاعون الطائفي”.
حياته،
تلك التي قادته الى مدرسة الدراسات العليا في منصب أستاذ الاثيوبيات
الكلاسيكية (قسم العلوم الفيلولوجية والتاريخية)، مكسوة بصور
التكريم العالمية، كمراسل الأكاديمية البريطانية مثلا. مسيرته
الثقافية الانموذجية نسبة الى مجموع الدراسات الجامعية التقليدية.
ابن
عامل روسي مهاجر الى باريس، توفي مع امرأته في معتقل أوشفيتز،
مكسيم رودنسون فرض نفسه على المؤسسة العلمية، وربح أفرادا من
انتلجنسيا العالم الاسلامي، غير بعض المفكرين الذين رأوه مهددا
لمساحتهم.
ابن
شيوعي، انضم مكسيم رودنسون الى جذ في 1937 ل “حجج وأسباب أخلاقية”.
وفي ،1958 أقصي عنه - مع اجازة من موجهي الحزب بامكانية عودته،
تحت طلبه. هذا الطلب، لم يقدمه ألبتة. متذكرا عشرين عاما من
حياته الحزبية، اندهش، بما أنه سوسيولوجي أديان، من أنه لم يلحظ،
بصورة ما، دخوله، هو نفسه، الى الدين، كما كتب متأخرا: “لما
ندخل الى صراع خاص أو عام، نستسلم لمنطق الصراع لما نلتحق بتنظيم،
نرى حدوث انزلاق يتأتى من منطق التنظيم، وهذا بقدر ما هو مناقض
ومتناقض، بقدر ما أي تنظيم مرتبط بايديولوجيا تقدس فيه كافة
التعيينات”.
مستقلا
عن هذه الاتفاقات الخاصة بالتزاماته، لم يتغير البتة: ارتباطه
بأفكار كارل ماركس كمفكر مجتمعات ومحلل للعلاقات القائمة بين
البنى الاقتصادية والسياسية والايديولوجية.
مكسيم
رودنسون مؤلف نتاج ثري، بقدر ما بواسطة الموضوعات التي أدركها
نتاجه عن عدد الأعمال التي اشتمل هذا النتاج عليها. عن الذين
تعرضوا لفكره، يسترعي انتباهنا كتابه: “محمد عليه الصلاة والسلام”،
الذي ترجم الى العربية وطبع أكثر من مرة. هذه البيوغرافيا تتميز
عن الكتب التي كرسها مؤلفون آخرون عن النبي عليه الصلاة والسلام،
بحيث أنها أقامت رابطة بين النص المقدس، سياقه الاجتماعي والسياسي
والثقافي وأحداث العصر، كمحددات تسمح “بتحليل سوسيولوجيا” حياة
النبي محمد عليه الصلاة والسلام من دون أن يصدم العقيدة الإسلامية.
نذكر
أيضا، بين كتب أخرى للمؤرخ، “جاذبية الإسلام، الذي درس مكسيم
رودنسون فيه ادراك هذا الدين من لدن المسيحيين خلال العصور الوسطى،
واستمرار هذه الأصول التاريخية حتى يومنا الحالي. ثم، “الاسلام
والرأسمالية”، بحيث أن العنوان لايستدعي رغما ولا اضطرارا كتاب
ماكس فيبر عن الأخلاق البروتستانتية والرأسمالية.
أخيرا:
“الإسلام: سياسة وأيمان، الذي تتبدى بعض عناوين فصوله ذات دلالة
عميقة: “الانقسامات السياسية في الإسلام كخدع ايديولوجية”، ومرتبطة
بالراهنية “بزوغ التشدد الاسلامي”، “بصدد الارهاب، الارهاب كذريعة”.
نجد ثابتة في كتاباته: عدم اهمال اطروحات صمويل هانتنجتون عن
“صدام الحضارات”، تلك الترسيمة المختزلة لأجل تحديد واقعة متعددة
وتوليفة كبيرة لاتدرك أي شئ يحتاج الى الادراك.
من التقليص
تحديد رودنسون كمؤرخ. نتاجه مدون في النقاشات العامة، ما يعني
أنه يوافق مزاجيته واعتقاداته الراسخة. غير أن هذا الالتزام،
اذا كان أحيانا جدليا، يستند دوما الى اعترافات مذهلة وحساسية
كبيرة تجاه “الآخر”، وهي طريقة لتجنب قبلية الأيديولوجيات.
الملحوظة
الأولى: يتكلم رودنسون عن المسلمين وليس عن الاسلام، كوسيلة،
بالنسبة له، لاسترجاع مشاغل العوالم الاجتماعية وليس تأويلات
النصوص.
في الواقع،
لايحمل سؤاله عن تأويل القرآن، وانما عن مراعاة الطريقة التي
وصلت وفهمت وفسرت الرسالة بها.
الملحوظة
الثانية: وضعه الصراع الفلسطيني - “الإسرائيلي في أوضاع معقدة،
هو اليهودي، الماركسي والمنفتح على الثقافة العربية - الإسلامية
في آن واحد.
كثرت
النصوص مع احتدام الصراع (في ،1967 خلال حرب الأيام الستة مثلا)
التي أدت الى أن يؤكد رودنسون حق الفلسطينيين في دولتهم، ضمن
حدود تكفل الاستقلال. هكذا، هل حافظ على القيم الجامعية التي
بقيت في قلب اعتقاداته الراسخة.
في هذا
الشأن، يكفي أن نعيد قراءة: “اليهود والعرب”. واذا كان حاز الظلم
والتهديدات، فإنه لم يخف.
مات
مكسيم رودنسون، وليس نتاجه. هذا النتاج، ثري ومفتوح حاليا وأبدا
في آن معا، لن يغطى بغبار المكتبات ونقد الفئران القارض، نتاجه
سيصاحب العصرنة الاسلامية ويبقى جزءا ثابتا في حركية الوطن العربي.
محمد حربي
/ مؤرخ جزائري - الخليج