
عروبة
مكسيم رودنسون
عندما
جاء خبر موت المستعرب الفرنسي الكبير مكسيم رودنسون، تذكرت المركز
الثقافي الجامعي في بيروت، حيث استمعت اليه محاضراً للمرة الأولى،
في أواخر ستينات القرن المنصرم. كنا مجموعة من الطالبات والطلاب
في الجامعة اللبنانية وكلية الآداب العليا الفرنسية، نجتمع في
ذلك المركز في البسطا، نطالع الكتب، وندرس، ونشارك في مناقشات
صاخبة حول الثورة الطالبية في العالم واليسار الجديد. المركز
الذي أسسه كاهن يسوعي يدعى سليم عبو، تحوّل ملتقى لتيارات فكرية
وسياسية مختلفة. من شهابية بول طنوّس المستترة، الى ماركسية
اليكو بيضا ومجموعة الـ F.F.E. (جبهة القوى الطالبية) التي مهّدت
لانشقاقات الحزب الشيوعي اللبناني، الى الازدواج اللغوي اللبناني
بحسب سليم عبو. في ذلك المركز الصغير خيضت معارك فكرية، وجرى
اكتشاف العلمانية والمقاومة الفلسطينية، وتمت يسرنة جيل من الشباب،
أخذته الحياة والحرب الأهلية بعد ذلك، في دروبها المختلفة والمتناقضة.
يومها
اجتمعنا حول رودنسون، اليساري، اليهودي، المناضل ضد الكولونيالية،
والمدافع عن الحق الفلسطيني. كانت كتاباته عن إسرائيل كظاهرة
كولونيالية قد ترجمت الى العربية، وكان وجود هذا المثقف الفرنسي
في بيروت، وحوله مجموعة من الشبان والشابات اليساريين، جزءاً
من البحث عن قاموس سياسي وفكري جديد، يحاول نفض الغبار الستاليني
البكداشي عن العقول، ويعيد اكتشاف القضية العربية، في وصفها
رؤية تحررية، وجزءاً من ثورة العالم الثالث.
لم يدهشنا
رودنسون بتواضعه ونضاليته فحسب، بل ادهشتنا معرفته التفصيلية
والدقيقة بالثقافة العربية والاسلامية. اكتشفنا معه ان طريق
المعرفة يحتاج الى الكثير من العمل، وأن الوصفات الجاهزة التي
كانت دارجة في تلك الأيام، الشعائرية الماوية والقداسة الغيفارية
والبيان الشيوعي، ليست ادوات سحرية للمعرفة والتغيير، بل قد
تكون عوائق أمام قدرتنا على اكتشاف مجتمعاتنا بتعقيداتها الثقافية
المختلفة. كنا نريد منه أن يبدأ من الاستنتاج السياسي، في حين
أن بحثه كان يتركز على تحليل الظواهر في وجوهها المختلفة، نازعاً
عنها قشرتها الخارجية من أجل الوصول الى المعرفة.
أردنا
التركيز على انتمائه الديني، في وصفه مناضلاً يهودياً ضد الصهيونية.
في تلك الأيام لم يكن الانحطاط قد وصل الى ذراه التي تجعل من
كل يهودي صهيونياً رغماً عنه، ولم تكن الأقلام الفاشية تجرؤ
على اتهام، من يدعو الى بيروت مناضلاً يهودياً ضد الصهيونية،
بالعمالة او "التطبيع". بل على العكس، كان الوعي الخارج بجروح
الهزيمة الحزيرانية، يحاول ان يعي الأسباب الداخلية لهزيمة العرب
الكبرى، وأن يصنع وعياً جديداً عبر الاندراج في الحركة الثورية
العالمية المعادية للامبريالية. لكن الهزيمة نجحت في تسليط الفكر
الأصولي الذي كان بديلاً - رديفاً للعسكريتاريا القومية المتسلّطة،
بحيث تمّ ايصال المشرق العربي عشية نهاية الحرب الباردة الى
الحضيض. كانت يهودية رودنسون علامة على بطلان الحجة الصهيونية،
ودليلاً على أن حلّ المسألة الفلسطينية ممكن في دولة علمانية
ديموقراطية كانت المرتجى في مشرق عربي ديموقراطي جديد، يصنع
الشرق الأوسط الكبير، ولكن ضد الهيمنة الاميركية والطغيان الصهيوني.
رودنسون الذي كتب كثيراً عن اسرائيل والصهيونية، ورسم أول الأطر
النظرية لفهم المشروع الكولونيالي الصهيوني، لم يكن يهودياً
إلا بمقدار تصنيف الآخرين له في وصفه كذلك. كان أممياً يحاول
أن يضع المعرفة في خدمة رؤيته للحق والعدالة.
البروليتاري
الذي بدأ حياته كادحاً، جاء الى لبنان مع الجيش الفرنسي خلال
الحرب العالمية الثانية. كان شيوعياً فرنسياً وصديقاً لليساريين
اللبنانيين. عمل في صيدا، وتنقل بين مدن البلاد الشامية، وبقي
حتى آخر حياته المديدة استاذاً لأجيال من الجامعيين العرب الذين
تعلموا منه الوعي النقدي، الذي تجاوز المقولات الاستشراقية الجامدة.
لم يكن
رودنسون مستشرقاً. عندما جاء ادوارد سعيد عام 1980 الى بيروت،
من أجل صدور ترجمة كمال ابو ديب لكتابه "الاستشراق"، سألته عن
رودنسون الغائب عن كتابه، فكان جوابه مقتضباً وحاسماً: انا ابحث
في الاستشراق كبنية للهيمنة، وردونسون شيء مختلف. هذا الاختلاف
يجب أن يستوقف الباحثين والدارسين اليوم. فإحدى أكبر الاساءات
الى كتاب سعيد، الذي أسس لدراسات ما بعد الكولونيالية في الثقافة
العالمية، تقديم قراءة أصولية له، أو جعله سلاحاً في حرب الهوية.
فالاستشراق بنية توظف المعرفة في خدمة الامبراطورية، وتضع واقعاً
متخيلاً يبرر للقوى الكولونيالية مشاريعها التوسعية. لذا فإن
المشروع الاستشراقي يجد اليوم تعبيراته الجديدة، في بقايا المستشرقين
كبرنارد لويس وتلامذته العرب المتأمركين، أو في جيش الاعلاميين
"الخبراء" في شؤون الشرق، الذين أثبوا في العراق أن معرفتهم
لا تتجاوز حقلاً مليئاً بالأوهام، وهذا ما قاد الى مزج المتخيّل
الاستشراقي - الجنسي بالمتخيل الفاشي - البورنوغرافي، في صور
سجن ابو غريب، التي احتلت المشهد العراقي، وكشفت ان مرض الامبراطورية
الاميركية القاتل هو القمع والتسلّط.
رودنسون
كان منذ البداية خارج هذا الحقل الاستشراقي. انتماؤه الماركسي
عصمه من السقوط في الفخ الذي سبق للحزب الشيوعي الفرنسي أن سقط
فيه في بداية حرب التحرير الجزائرية، ومعرفته بالثقافة العربية
جعلته نقدياً وليس مساوماً. هذا هو الدرس البليغ الذي يقدمه
هذا الكاتب الى الثقافة العربية اليوم. كتابه عن سيرة النبي
العربي، أو دراساته عن الاسلام والرأسمالية، والماركسية والعالم
الاسلامي، لا تزال في حاجة الى قراءة وتقويم نقديين، لأنها كانت
مساهمة في اكتشاف طبقات الثقافة العربية، ودراسة واقعها ومشكلياتها.
المؤسف ان ترجمة كتابه عن الرسول العربي، لم تجد طريقها الى
النشر في العربية، بل اكتفت "دار الطليعة" بنشر مقدمة حسن قبيسي
المتميزة لهذه الترجمة.
واحد
وتسعون عاماً من الجهد والبحث والتعليم والتأليف. ومع ذلك، ورغم
ثقل السنين، لم يغب رودنسون عن فلسطين، أو عن اصدقائه، فكان
ان كرمت الثقافة العربية هذا الكاتب الكبير في كتابين سيرتين
لفيصل جلول وجيرار خوري. صحيح أن رودنسون الذي لم يداهن نظاماً
عربياً، بقي خارج أطر كل تكريم رسمي (وهذا من علامات حسن الحظ
ونظافة السيرة)، لكنه وجد في تلامذته واصدقائه العرب الإمكان
لكي يطل في أعوامه الأخيرة، على تجربته في بلاد المشرق، وعلى
شبابه، وعلى تاريخ التجربة الثقافية في سوريا ولبنان.
السؤال
الذي يطرح بعد موت كاتب او مفكر، هو ماذا يبقى منه، وهذا سؤال
خاطئ. فالموتى لا ينتظرون الموتى، وبقاء الكاتب مرهون بقدرته
على التقمص في كتابات الآخرين الذين يأتون من بعده. وفي العادة،
ننسى ان الانجاز العلمي والمعرفي يبقى، حتى حين ننسى اسم المكتشف
أو المؤلف. رودنسون دخل تاريخ البقاء هذا من زمان، وتحوّل تحليله
لاسرائيل والصهيونية واليهودية، جزءاً من المعرفة التي نستخدمها
من دون الاشارة الى اسم كاتبها. ورغم كل هذا الضباب الذي تصنعه
النزعة الفاشية المهيمنة على الامبراطورية، فإن اسرائيل سوف
تبقى واقعاً استعمارياً، وقراءة التاريخ الصهيوني تنطلق من هذا
المعطى الذي أرساه رودنسون، وكان أول من استخلص دروسه.
غير
ان ذكرى الرجل، يجب أن تكون حافزاً لخروج الثقافة العربية من
درك الانحطاط الذي تقاد اليه، بين ليبيرالية كاذبة صارت مطية
للاجتياح الاسرائيلي، وبحث محموم عن أصالة وهمية، صارت رداء
للانخراط في حرب الهوية المدمرة.
مع رودنسون
وأمثاله، نستعيد الثقة بالثقافة والمعرفة، ونعود تلامذة للمعلمين
الذين فتّحوا عيوننا على أن الثقافة جهد وعمل وموقف أخلاقي.
إلياس خوري
- ملحق النهار - 2004