
العيش
في مدينة صيدا
صادفت
مواقف عجيبة في صيدا خلال التدريس في المقاصد. دخلت صباح يوم
من شهر أيار (مايو) 1941 الى الصف كبقية الأساتذة فبادرني الطلاب
بالوقوف والهتاف دفعة واحدة: فليسقط الاستعمار. قلت حسناً. فهمنا.
فلنبدأ الدرس. قالوا: "لا. لا. انتهى الصف ألم تسمع الأخبار
من الإذاعة. هناك انتفاضة تدور الآن في العراق وكلنا مستنفرون
هنا ولن ندرس بعد الآن لا اللغة الفرنسية ولا اللغة الإنكليزية
ولا الرياضيات. لا شيء على الإطلاق. لقد حضرنا أنفسنا للحرب
من اجل دعم إخواننا في العراق.
قلت
للطلاب: لا بأس إذا قررتم ألاّ تتعلموا فهذا الأمر يناسبنا نحن
الأساتذة, يمكن أن نمضي الوقت في التنزه... وبالفعل غادرت الصف
متوجهاً الى غرفتي. بعد قليل من الوقت طرقوا باب الغرفة ودخلوا
ثم قالوا لي: أستاذ نريد منك ان تساعدنا على التدرب على السلاح
والقتال. أدهشني هذا الطلب وقلت لهم انا لا اعرف شيئاً من ذلك.
لقد كنت جندياً بسيطاً في الجيش الفرنسي. قالوا: كنت جندياً
وهذا يكفي. أنت تقول ذلك عن نفسك ولكن ليس صحيحاً فقد رأينا
على طاولتك كتاباً بعنوان "دليل ضابط المشاة", إذاً يجب ان تساعدنا
لأننا حاولنا ايجاد مدرب آخر دون جدوى. وشددوا عليّ كثيراً وأتعبوني
بإلحاحهم فقلت لهم: حسناً سأعلمكم ما أعرف ولكن انتبهوا, ما
اعرفه لا يبدو انه مفيد للغاية بدليل ما حصل في فرنسا أثناء
الهجوم النازي, ولو كانت هذه المعرفة مفيدة جداً لما حصل ما
حصل في السنة الماضية. فقالوا ليس لدينا خيار آخر.
كنت
بالفعل احتفظ بالكتاب الذي اشاروا اليه كما احتفظ بكتب كثيرة,
لكني لم اكن مهيأ لنقل معرفة مفيدة. قلت لهم حسناً وبدأت بتدريبهم
على كيفية اطلاق النار, نظرياً بطبيعة الحال. شرحت لهم وضعية
إطلاق النار وقوفاً ثم ركوعاً ثم انبطاحاً. كان المشهد جديراً
بأن تنقله ريشة مؤلف كوميدي.
كان
مشهد التظاهرات والتجمعات في ساحة صيدا الرئيسية لافتاً للنظر.
كنت اشاهد من غرفتي المطلة على الساحة حكواتياً يروي قصصاً للناس
في طرف الساحة حيث يقع مقهى كبير, وكنت احب بفضول معرفة ما يدور
في الساحة, وكيف يتصرف أولئك الرجال الذين يدخنون النارجيلة.
خلال الجلسات كان يتوقف الحكواتي احياناً عن الكلام, ويُشَغَّل
في المقهى مذياع كبير يرتفع منه صوت يقول: هنا برلين حيّ العرب,
فيرد الحضور بالعربية: أهلاً وسهلاً. وهنا يبدأ المذيع بالكلام.
اعتقد ان اسمه يونس بحري. كان يتحدث بطلاقة كبيرة, وقد التقيته
بعد سنوات في احد مقاهي بولفار سان ميشال.
أهالي
صيدا يخضعون كغيرهم لقانون العرض والطلب في السوق, وهذا القانون
مهيمن في لبنان عموماً. اذكر انني اشتريت قبل دخول الإنكليز
الى المدينة بعض الكتب من صاحب المكتبة الوحيدة في المدينة,
وهو من آل الأنصاري. كان يبيع كتباً بلغات شتى من بينها الانكليزية
فاشتريت بعضها. وكان اهالي صيدا قد علموا ان الجيش الانكليزي,
سيدخل الى مدينتهم واستنتجوا ان دخوله سيحوجهم الى تعلم اللغة
الانكليزية وسيرفع اسعار الكتب الانكليزية, لذا بادروا الى شرائها
بكثرة.
ذات
يوم, وبعد إلحاح الزبائن, قال لهم الأنصاري: إذهبوا الى المدرّس
مكسيم في مدرسة المقاصد فهو اشترى بعض الكتب من عندي باللغة
الانكليزية, يمكنكم ان تسألوه اذا كان راغباً ببيعها.
لم يتردد
الزبائن فجاء منهم 5-6 شبان صيداويين وقالوا إن الانصاري اخبرهم
ان لدي كتباً باللغة الانكليزية اود بيعها, فأجبتهم انني غير
راغب في ذلك لأنني احب الكتب كثيراً, وأحب الاحتفاظ بها, وبعضها
لم انته من قراءته فقالوا لي: استاذ يبدو انك تريد ان تنتظر
حتى يرتفع ثمنها كي تبيعها بسعر مرتفع أليس كذلك؟! هذه الواقعة
تعكس بعضاً من خصائص المجتمع الصيداوي.
لم اتمكن
من زيارة الكثير من البيوت الصيداوية ولم اتعرف تماماً الى مطابخ
البيوت, لأنني كنت اعيش حالاً خاصة, فالمقاصد تتحمل نفقات اقامتي
وتقدم لي الاكل اليومي, ولم اكن حسن الهندام بسبب ضآلة راتبي.
دعيت مرتين من طرف عائلة استاذ لبناني من المدرسة من آل أفتيموس.
بقيت
في صيدا من شهر كانون الاول (ديسمبر) 1940 الى شهر حزيران (يونيو)
عام 1941 وغادرتها مجبراً بسبب دخول الانكليز اليها. ما زلت
اذكر ان التجار هم اول من علم بتحركات الانكليز.
مقطع
من كتاب "الجندي المستعرب" لفيصل جلول, منشورات دار الجديد -
بيروت 1998.
مكسيم رودنسون
- الحياة - 2004