تشيئات
السلطة
في معاودة
إكتشاف آرثـر رامبــو لآرثر رامبو ذاته، متأخرا، وذلك حين أشار
شاعر فرنسا الرقيق والمهاتك، إلى أن فوضاه إنما هي شيء من وجوده
الإنساني النبيل، وهو معنًى يكاد يلتمع في تعريجة الشاعر العربي
محمود درويش عند قوله: حريـّـتي فوضاي إني أعترف.
إن تشاكل
وتداخل بنى النمو المعرفي إنسانيا، هو من المحظور الأرضي، وذلك
لما قد يؤدي إليه من معانٍ تكشف عن حقيقة مغالطات التأريخ، والسلطة
وأرباب العروش والتي يرجّح أغلب مفكري العصور المتقدمة على أنه
إضطراب إيجابي وهــوسٌ متكرّر ينتج بغايات عليا، تختزلها الذات
اللاوعية، وذلك إثر تقمّصها لأفانين المسرح الحياتي العارم والضاجِّ
بتناقضات الوجود اللا أخلاقي، وهنا يعاد التشكيل إنسانيا، ففي
الجسد المنحّى عن بوصلة التأريخ، الجسد العقل، أو العقل المجسّد
وبالتالي هو الإنسان الآخر، يكون محظور هذا الكيان المادي والعقلي
(الإنسان آنفا) لغزا عقليا محيرا، وهو ما دفع بـ (سوبرفيل) إلى
المناجاة حزنا:
كيف
يمكنني الدخول
وأنا
جبل.
إلى
هنا تبدو تشاكلات الوعي، أي تمظهراته كما يعبر الألماني هوسرل
وكذلك نعوم تشومسكي المتأخر عنه، عن ذلك، وهي تشاكلات إنما تتخذ
من الكيان المادي الإنساني، والعقل الإنساني بشموليته، ومن ثم
وجوده الإنساني برمته كأداة للتعبير ومثل الصيرورة الإنسانية
وتمثلاته المتجسدة في الحضارات والآثار الإنسانية الأخرى، وهي
ملاذا لها وللسلطة الأخري ـ السلطة التي هي الإنسان الآخر، ولكنه
المجسد هنا بـ (مملكة - دولة ـ علم ـ نشيد ـ تأريخ ـ رجالات
ـ نفوذ ـ حكومة ـ تشريع ـ أحداث ـ أمجاد... وربما رجل واحد أوحد
تماما.... الخ)، إنه الملاذ الآمن، البناء الأكثر إتضاحا ووفقا
لرولان بارت فإن قراءة السلطة ستكون النحو التالي، وكما في نصه
الغرائبي المحنك السبك:
النص
هو الاستدلال على انعدام السلطة
إن وعي
الآخر مجسّدا في النص، قضية كبرى، حين تتطلع الجماهير ـ الضد
هنا ـ إلى نخبوية السلطة وعطائها القادم هناك، وعلى أنها الغياب
الطافح بالأنين المعرفي من جهة، وهناك على المفترق مرارة البون
الشاسع بيني وبينك أنا الشعب (الثبات) وأنت السلطة (التحرك)
أنا (الشعب المراقـَـب – بفتح القاف) وأنت (السلطة المراقِبة
– بكسر القاف)، وعبر غائيات ودوغما امتلاكك لي بذرائعيات (أمن،
سيادة، تنظيم.... إلخ)، وليقف النص ـ الإنسان المتقدم في الوعي
التأريخي ـ ليدل بوضوح تام على أنه الدليل على الانعدام الصريح
للسلطة، وبمطلق ما يذهب إليه التحليل في شفرة السلطة المتقدم
هذا، وللتنويه فإن التشاكلات المتقدمة إنما تمثل في جوهرها السلطة
وبكل استدلالاتها ضمن قراءات مراتبية الحضور المادي النخبوي
اللا متعادل، السلطة النفوذ ـ Power السلطة الامتلاك والتحكم
Authority السلطة الألم الجمعي، النقد Criticisms السلطة القارئ،
السلطة التأريخ Histories السلطة الجماهير مظللة، السلطة الخطاب
محظورا، السلطة التفكير الصامت، السلطة الأنبياء، الحكماء، المدرسيون...
إلخ..
إن السلطة
هي موضوعة للإنعدام المقصود في نصّ الناقد الفرنسي النابه رولان
بارت، وهو المولود في خضم يسارٍ رديكالي الانبثاق والتوجّه،
ويمينٍ واجم الروح والجذور، مركزا تكوينه المعرفي الإنساني،
على حقيقة جوهر التغييب التام لقدرة الحدث النبيل (الإنسان مفكرا)
أو (الإنسان مصدر خطاب) والذي وعى وسيعــي دومـا حضوره القلق
بين فكي نهج السلطة وفلسفتها الضارب بقسوة في العمق، وبما هو
عليه من الاصطـلاح في اللغة العربية حيث يحمل الكثير من معاني
الإدراك على أن الانعدام مأخوذ من العدم، والعدم هو نقيض الوجود،
إن تم ذلك ضمن معادلة بارت فإن العدم سيحتمل التأريخ القادم
أي الإلغاء من لحظة التواجد السلطوي وإلى ما سيأتي من النصاب
الزمني وبموشورات الاستقراء الرياضي المطلق.
غير
أن الروائي والشاعر ميلان كونديرا، وهو اللاتيني الشفاف، يقف
بموضوعة وعي آخر، أخطر وأكثر شاعرية وديناميكية تجاه ضدّي (الإنسان
ـ السلطة)
وبقوله:
صراع
الإنسان ضد السلطة، هو على الأصحّ، صراعُ الذاكرة ضدّ النسيان
إن ميلان
كونديرا وبصورة مغايرة، يحاول الإبقاء على ضدي التواجد الكوني،
الذاكرة ـ النسيان، الذاكرة تلك الخصوبة المطلقة، والحضور المتعدد
الرؤى والهواجس، والابتهاج بما هو مقدس ونبيل على المقربة من
الحواس والوعي المبسط، غير أن النسيان وهو كناية عن الاقتراف
اللا إنساني ـ إنه وبكل بساطة، الهدف والعمل على إلغاء الآخر،
تغيب للزهرة والمرأة والأمة والقصيدة والكلمة الأولي للطفل والشيخ
والتي تروم القدوم إلى وعيها ووجودها الحر، كذلك جوهر الكلمة
(مفردة الكلام) التي وجدت لكي تقال، لا لكي تدجن أو تخبأ، إنها
اللغة التي ابتدرت لتنمو على تربة المعاني، وهو معنى معقـّد
وبلا شك، ونحن نكاد نلمحه عند الشاعر ت. س. إليــوت، وهو يتندر
حزنه الإنساني شعراً
ـ إنَّ
الكلمة
في داخلها
كلمة،
لا تستطيع
أن تقولَ:
كلـــمة.
انه
الحبس الانفرادي لآلة التفكير النطقي والصراع الخفي في الحواس
الرافضة، وهو الأشد خطورة هنا، حيث يبدأ من الرغبة الجامحة للسلطة
ـ على تشتيت دور الموروث اللغوي، لكـي لا تقول شيئا بالمرّة،
إنه الزحف المصحوب بألم خفــي مثل حمى ذكية في جسد مسجى، إنه
القطع الدوغمائي لموتور شفرة التفكير الحق، أن يقف الإنسان متطلّعاً
فقط، مشاهداً وحسب، خارج المشهد الذي هو فيه أصلا، وهو يطوق
بنسيانه المرِّ الذي منحته !! ـ مع الوقوف مليا عند موضوعة ـ
المنح، السلطة إياه، لكي لا يمنح شيئا البته، ولتكون بعد حين
سلطته الممثلة، ما يعود إليه من الجذور التي ترفضها مرشحّـاته
الإنسانية،
إنه
القرار الأعم، إنسان مغيب، ذاكرة معطلة، وجود مغيب الدور، خوار
مجمّلٌ بهيئةٍ عنقوديةٍ سادرة، تأريخ ما لشيء ما غير مسمى ولا
يمكن استعادته بأية هوية، تراث من الحزن والإنكسار والإنكفاء،
عالم أشبه بمستشفى للمجانين والمدانين عقليا ووجودويا، وهو ما
أقتبسته مكابدات الخلق الدرامي السيمي، عبر سينوغرافيا المعني،
تعبيرات فضاء المعاني التي تكشف عن سبب صمت النص أزاء السلطة،
قبالة السلطة، ومَقدَم رمزية الفن في جيناته المحدثة ـ الإنسان
بتشيـيئاته المحظورة، والتشيّئ Thing can be true إصطلاح يعزى
إلى الفيلسوف الألماني هيغل في حثّ الأشياء على التشيّئ كونيا،
لأن الأشياء وجدت لكي تسمّي، وكذلك الإنسان، أي المبتكر الفذ،
وهو الديالكتيك الماركسي آنفا، حيث تمظهرات epresentatives ومعاودة
روح هوسرل، في أن الوجوم عن النطق تغييب، إنه القدرة على الإلغاء،
القدرة على البقاء حيا، وكما يذهب الساحر الكولومبي غابريل غارسيا
ماركيز في مبتدأ روايته الذائعة الصيت مئة عام من العزلة، وهو
يصف قرية ماكندو ـ مكان دراما الوجود قائلاً:
كانت
الأشياء بــلا أسماء، تشيرُ إليها الأيدي، لكي تتعرّف عليها.
وفي
الشارع الإسلامي، نلمح جذورا ترتبط هي الأخري بذات المعترك ومنها
قوله تعالي:
"إنَّ
الملوكَ إذا دخلوا قريةَ، أفسَدوها، وجعلوا أعـزّة أهلِها أذلـّـهْ"
وقوله:
"عبادي ليس لك عليهم سلطان"
وقوله:
"فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر"
فالملوك،
ودونما مواربة، هم كناية عن السلطة، والفساد، هو التغييب المعرفي
والأخلاقي بلا شك وعبر الإحالة إلى ألم الإذلال، إنه الإنسان
ملغيا هنا، وبسلطة أخيه الإنسان، وبذرائعية الحفاظ على الإنسان
ذاته أخوه، رفيقه، جاره، مواطنه، زميل عمله ومن ثم وائده أي
قاتله......
والذي
هو الملك، بما امتلك، والرئيس بما ترأس وقرين الوعي والاعتقاد
بما اعتقد به ومنها معرفة الإرهاب الإتيان على الإنسان بسم الله
خالقه (معرفة الحزب، مجموعة افراد ومنظر ضمن زمنية مقيدة الوعي
والمديات، (وإن جدوى السلطة هنا، هي الضدية، كما عبّر القرآن
الكريم عن مكــة، بصفتها الدولة، كل الدولة بتشريعاتها السلطوية
ذات النماذج الأولية في صياغة قرار السلطة، فالقرية في القرآن،
وكما تذهب جمهرة من المفسرين، هي كناية عن الدولة أو التنظيم
السلطوي، ومنها قوله تعالي: " لتنذر أم القرى "
وهي
بمعني العاصمة الروحية، أو مدينة الأقرب من كل المدن، وباستدراك
لفظة الملوك تقع علة السلطة في محظور عليتها، كما يذهب إجماع
الفقهاء إلى ذلك، أي سببّيتها، وهو تشيّئ (تأويل بلغة أهل الفقه)
آخر، لطالما نشأ على الضدِّ من وجودية الآخر، الفاضل، النبيل،
العضو والداخل في ضمن الجنينية الأفلاطونية، والمنفي والخارج
عن قرار حملة القرار في خارجية كولن ويلسون وبحثه الفلسفي الخفي
في اللا منتمــي (Outsider).
عباس الحسيني
/ أمريكا - أفق - abbasalhusainy@yahoo.com