هاكم القصة: يروي الكاتب
الفرنسي جان لوك باران في الصفحة 97 من كتابه "رامبو مجنَّحاً"
الصادر حديثاً عن "متحف أرتور رامبو ومكتبته" أنه كان في شباط
من العام 2001 في رفقة كريستيل لوكيه، في إحدى صالات البيع،
في إحدى المناطق الفرنسية المتباعدة، عندما عثر ولوكيه وسط
مجموعة من اللوحات على لوحة مائية، قديمة بعض الشيء، وتحمل
توقيع A. Rimbaud الى يمين اللوحة من الأسفل. ووراء تلك اللوحة
كان ثمة لوحتان متواريتان تحملان التوقيع نفسه.
ويوضح جان لوك باران،
ودائماً في صيغة الجمع (ويقصد هو وكريستيل لوكيه) أنه هرع
الى موسوعة "بينيزيت" الخاصة بالفنانين لعله يعثر على معلومات
تكشف النقاب عن صاحب هذا التوقيع: هل هو لشخص يكون إسمه الأول
ألفونس أو أنطوان أو أرمان رامبو، لكنه لم يعثر على شيء من
هذا، بل عثر على إسم أرتور موصوفاً بأنه "شاعر ورسّام" poete
et dessinateur وليس كرسّام للأكواريل.
ويتابع
باران قائلاً إنه اشترى اللوحات الثلاث بعدما وجد أنها استثنائية
ومثيرة للعجب والغموض، أقلّه بسبب السرّ الذي يضفيه عليها
توقيع A. Rimbaud. وفي باريس وبناء على مشورة اختصاصي في المخطوطات
المكتوبة بيد رامبو عرض إحدى هذه اللوحات المائية على خبراء
في اللوحات مشهود لهم بالصدقية بهدف التحقق من صحة نسبتها
الى الشاعر، وقد جاءت غالبية التقارير التي وضعوها بنتيجة
تدقيقهم في هذا الشأن لتؤكد أن هذه اللوحة... ليست له وأن
التوقيع ليس توقيعه.
ويكمل
باران روايته شارحاً أنه بعد سنة من الأبحاث والتدقيقات الدؤوبة
على أيدي هؤلاء الخبراء، تلقى رسالة مفادها أن هذه اللوحة
المائية هي فعلاً للشاعر أرتور رامبو.
ويضيف
أنه، بعدما أوقعته هذه التقارير في حيرة قاتلة، خلص الى الإقرار
بوجود سرّ يحيط بهذه المسألة لا يقل غموضاً عن السرّ الذي
يكتنف الشاعر رامبو، موضحاً أن تفصيلاً لافتاً أثار اهتمامه
في اللوحة: اسم بيت مري الذي يعلو التوقيع يفيد بأن المشهد
المرسوم بالألوان المائية يمثل إحدى روابي بيروت في لبنان.
ويواصل باران سرد روايته بأسلوب الحكواتي المشوّق كاشفاً أنه
عرف في ما بعد أن رامبو سافر الى لبنان ولم يكن يملك مالاً
يدبّر به أموره، وحمله هذا على التفكير أن الشاعر ربما استطاع
في هذه الحال أن يتعلم الرسم المائي بسرعة وأن ينجز بعض اللوحات
بناء على طلب زبائن من أجل سدّ حاجته.
ويقول
باران إنه لو لم يعثر على هذه المائيات لكانت اختفت نهائياً
لأن لا أحد كان اهتمّ بإسم هذا الرسّام الذي بدا أنه كان لا
يزال مجهولاً في تلك المدينة الفرنسية النائية. هكذا، صار
رامبو peintre، يقول باران، بعدما عُرف بأنه شاعر وdessinateur
ومصوّر.
المسألة مثيرة للشغف
وملهبة للخيال، وخصوصاً لدى "عشّاق" شاعر الجحيم. وهي لا بدّ
أن تلهب خصوصاً أهل الأدب من اللبنانيين الذين يشغلهم شاعر
هو أيقونة الأيقونات الشعرية كلها وخابز الفتن في عجين الكلمات
وفي قمح الحياة والأيام على حدّ سواء. فشأنهم في هذا شأن جميع
المنتمين الى شيطان الآلهة وإله الشياطين.
إنه
لشيء يفوق الوصف أن يكون الشاعر ذو النعلين من ريح قد ذهب
الى القاهرة والإسكندرية وعدن والجزائر والحبشة وهرار وأريتريا
وقبرص، باحثاً عن ذهب نفسه المبعثر في أرجاء الكون، وكاتباً
على غيمة حياته، في تجوالاته التائهة هذه، تلك القصيدة الهائلة
التي لم تجتمع في شعر الكلمات ولا في قصائد الكتب.
إنه
لشيء لا يُصدَّق أن يكون أرثور رامبو زار تلك الأماكن كلها،
وربما غيرها أيضاً، في هذا الشرق الجحيمي اللاهب والمفتن،
ولم يعرِّج على لبنان. فقد كان هنا، على مقربة، في لارنكا
القبرصية، في خراجها الشاطئي القريب، وفي جبل ترودوس وشاطىء
ليماسول ( رسائله من شباط 1879الى حزيران 1880)، وقد زرنا
أمكنة نزوله وعمله فيها. وهو زار أيضاً نواحي هذا الشرق الآسر،
اليمني منه والأثيوبي والأريتري والمصري،... مخترعاً لحياته
حالةً شعرية قصوى هي الجحيم نفسها، الموازية حياتياً لـ"فصل
من الجحيم" شعرياً، في ذاك المزيج الجنوني الفريد من نوعه،
والمصنوع، دمعةً دمعةً، من كيمياء الهامش والفتنة البوهيمية
ومن رحيق النزول الى بئر الليل وغيبوبة اللهاث وراء الشمس،
ناحتاً لحياته ولحياة الشعراء والخلاّقين جميعهم شمساً إذا
أشرقت فلكي تصنع الينابيع وتزورها بل... وترويها، وإذا أعتمت
فلكي تفتح الطريق الى سراج الباطن وأزقته وأرجائه المطلقة.
لذا،
فأن يكون مركبه السكران قد أقلّه حقاً الى شواطىء بيروت في
أواخر أيلول من عام 1887 (مثلما يزعم الناقد الفرنسي بيار
بوتي في كتابه "رامبو، سيرة 1854 - 1891)، فأمضى في لبنان
أياماً، وربما أكثر، متنقلاً بين بحره وتلاله وريفه، واصلاً
الى "رابية بيت مري" ذاك الزمان، ثم غادر "بلاد الأرز" تاركاً
وراء أذياله رسوماً مائية ثلاثةً قيل إنه أنجزها ليشتري بها
بغالاً وهي البرهان شبه الوحيد الذي يؤكد عبوره الآسر والخاطف
فيه... فهذا في ذاته يوازي لدى المؤمنين حالةً تشبه الأعجوبة.
هذا
في الأقل ما يؤكده الكتاب المشار إليه، وليس أمامنا سوى أن
"نصدّق" ما أورده هذا الكتاب. فإذا لم يكن صحيحاً ما أورده،
فعلينا أن نخترعه وأن نضيف عليه ونبهّره. لأننا نريد أن نشارك
في إعلاء الوهم وتربية التخييل، وإن "كاذباً"، ونريد أن نكون
جزءاً من هذه الحركة "الاختلاقية" الكونية المأخوذة بأسطورة
رامبو، والتي هي أسطورة الشعر نفسها، وسنقول ديانة الشعر.
؟؟؟
لكن
هل نستطيع أن نكتفي برواية الكتاب البخيلة وباللوحات الثلاث
تلك، أم نريدنا أن نلتحق برامبو في رحلة التيه المفترضة، ذاهبين
الى شواطىء عين المريسة (!) والى تلال بيت مري (!)، لنقتفي
أثر النعال المصنوعة من الريح. بل لنلقي على عبورها مزيجاً
من فتنة الحقيقة والتخييل والحلم؟ وإذا كان علينا أن نفعل
هذا، فأين الضرر في أن نسأل: لِمَ لم يرسم رامبو سوى هذه اللوحات
الثلاث المائية الملوّنة، قبل ذلك التاريخ، وبعده؟ وإذا كان
جاء حقاً الى لبنان في أواخر أيلول، على ما يزعم بيار بوتي،
واحتاج الى مال فلماذا لم يستخدم المبلغ الذي كان أودعه مصرف
"لو كريديه ليونيه" في القاهرة قبيل أشهر (سيرته في "لابلياد")؟
ولماذا بعد حصوله على المال لم يسافر الى سوريا مثلما كان
متوقعاً؟ ... وأيضاً ما قصة أنطوان ــ جان رامبو "اللبناني"
الآخر الذي عاش في لبنان في أواخر الأربعينات من القرن الفائت،
وكان رسّاماً، بل أستاذاً للرسم في مدرسة الليسيه الفرنسية،
وترك رسوماً انطباعية أو ما بعد انطباعية عن مشاهد لبنان،
تشبه تلك الرسوم المائية الثلاثة التي يزعم "متحف أرتور رامبو
ومكتبته" أنها تحمل توقيع الشاعر الكوني الكبير؟ فهل من خطأ
في التقدير لدى الخبراء والاختصاصيين الفرنسيين؟ وهل يكون
غاب ربما عن بالهم أن ثمة رسّاماً فرنسياً يحمل الأحرف الأولى
نفسها التي للشاعر، حتى وإن لم يرد إسمه في موسوعة الفن الفرنسية
خلال القرن العشرين؟ فهل يا ترى من المحتمل أن تكون اللوحات
الثلاث المزعومة للشاعر الفرنسي هي لهذا الرسام "المجهول"
الذي عاش في لبنان، وما قصة التوقيع على هذه الذي "يؤاخي"
التوقيع على تلك ويشبهه الى حدّ التماهي والتوأمة، فضلاً عن
"التآخي" في الموضوعات وفي أسلوب المعالجة؟ هل هو التباس الإسمين
والتوقيعين ــ A. Rimbaud ــ أم هو الشبه بين المقاربتين التشكيليتيين،
أم هو الذهول التخييلي والشعري، أم... هي الحقيقة الموهومة،
تجعلنا نسلّ سيف الشكوك طريقاً الى اليقين؟
روايات
ورسائل وسؤال
يروي
الكتاب ــ الفتنة أن رامبو زار بيروت في فجوة أىلولية غامضة
من العام 1887 (في 26 آب 1887 كان في ضيافة القاهرة بدليل
الرسالة التي وجّهها من هناك الى ألفرد باردي. وفي الثاني
عشر من تشرين الأول 1887 كتب من عدن رسالة الى قنصل فرنسا
في بيروت)، بهدف الحصول على جواز سفر من القنصلية الفرنسية
يمكّنه من الانتقال الى سوريا لشراء أربعة بغال ليضمّها الى
قافلته من الجمال. وتمضي الرواية في نسج التشويق الغامض حول
زيارته تلك فتقول إن الشاعر احتاج الى المال فرسم ثلاث لوحات
مائية بالألوان ليبيعها، ثم عدل في اللحظات الأخيرة (!) عن
السفر الى سوريا بل يمّم شطر عدن في تشرين الأول من تلك السنة.
فأين
أمضى رامبو أيلوله المذهّب هذا إن لم يكن قد أمضاه في لبنان؟
ما
نستطيع أن نؤكده هو الآتي بالاستناد الى أعماله الكاملة الصادرة
لدى دار arlea، وهو يكشف بوضوح ساطع أن رامبو لم يزر لبنان
في أيلول على الإطلاق بدليل الرسالة التي كتبها من عدن في
تاريخ 12 تشرين الأول 1887 ووجهها الى قنصل فرنسا في بيروت،
وفيها أنه "يخطط" للمجيء الى بيروت.
تقول
الرسالة ما يأتي، بل ما معناه: أعذرني لأني أطلب منك المعلومة
الآتية: الى من أستطيع أن ألجأ في بيروت أو في غيرها على الساحل
السوري لشراء أربعة baudets etalons (فحول الحمير بحسب القاموس)
قوية ومعافاة ومن أفضل الأجناس المستخدمة لتوليد أقوى البغال
وأفضلها في سوريا؟ وما هو سعرها؟ وما هي تكاليف نقلها أو تأمينها
من بيروت الى عدن؟
هذه
الرسالة التي تحمل تاريخ الثاني عشر من تشرين الأول 1887 تثير
لدينا شكوكاً منطقية وموضوعية ساطعة في أن يكون رامبو قد زار
بيروت قبل التاريخ المشار إليه. مما يعني أيضاً أن نظرية الكتاب
المشار إليه، ونعني كتاب بيار بوتي، حول شراء أرتور رامبو
البغال قبل شهر من ذلك، أي في أيلول، لا أساس لها من الصحة.
وهناك
سؤال آخر يرخي بظلاله: لنفترض أن رامبو جاء بعد تاريخ الثاني
عشر من تشرين الأول هذا الى بيروت، فهل يعقل أن يكون تلقى
رسالة جوابية من قنصل فرنسا في بيروت بعد ذاك التاريخ ثم سافر
من عدن مباشرة ووصل الى بيروت ثم سافر مجدداً الى عدن ليوجّه
من هناك رسالة الى القنصل دو غاسباري تحمل تاريخ الثالث من
تشرين الثاني؟
إنه
لسؤال مضن حقاً، إذ كيف يستطيع أن يفعل هذا كله وبهذه السرعة،
وبأي وسائل نقل سريعة مفترضة؟
علماً
بأنه كان لا يزال في عدن حتى الخامس عشر من كانون الأول ،1887
بدليل الرسائل التي وجهها من هناك الى كل من عائلته والقنصل
دو غاسباري والمونسنيور توران. وأنه وجه رسالة ضائعة الى أرمان
سافوري في الثاني والعشرين من كانون الأول 1887 من عدن أيضاً،
ثم رسالة الى عائلته في الخامس والعشرين من كانون الثاني 1888
من عدن أيضاً، ورسالة مؤرخة في الأول من شباط. وهلمّ.
عَودٌ
على بدء
كل
ما كُتب عن رامبو، تحليلاً لشعره وتأريخاً لحياته يوماً بيوم،
وساعة بساعة... تقريباً، وكل ما كتبه هو بنفسه من مراسلات
وتأريخات، لم يحمل أيّ إشارة الى أنه سافر الى لبنان في ذلك
الشهر بالذات، أو الى أنه رسم لوحات مائية بالألوان، في حين
أن المؤرخين والأدباء والبحاثة والنقاد لا يزالون حتى اللحظة
يلاحقون شعره وقصائده وأنفاسه ورسائله فيدرسونها ويحصونها
ويروون أسفاره ويلقون الأضواء حول تفاصيل إقامته في الأماكن
التي زارها ويتحدثون عن رسومه بالأسود والأبيض فقط. أما أن
يكون قد "حجّ" الى لبنان وأمضى أيلول 1887 فيه، أو بعضه، أو
أكثر، ورسم "رابية بيت مري" والمشهد البحري في عين المريسة
ومشهداً جبلياً أو ريفياً ثالثاً، فهذه معطيات جديدة، صاعقة
ومذهلة، تشكّل كشفاً كبيراً ومفاجأة غير مسبوقة.
فهل
الذي يصنع النار من أشعة عينيه وأسفار تخييلاته ويشعلها في
الكلمات فيجلعها تترنح كمراكب سكرى، هل كان يُعقل حقاً أن
يكون قد ذهب بعيداً للقبض على روح الذات والكون والأشياء،
وبعيداً جداً وحتى الحدّ الأقصى الذي لا حدّ بعده، في تلك
"البلدان الشيطانية"، كما سمّاها يوماً في إحدى رسائله من
عدن الى عائلته، بحثاً عن نار الشعر والحياة، ولم يعرّج على
لبنان الذي كان رحّالة ذاك الزمان يصفونه بالأسماء الفردوسية
ويطلقون عليه ألقاب الجمالات الأرضية ويسمّونه بلد اللبن والعسل؟
كان
لا بدّ أن يكون ثمة مكامن فتنة وسحر وإغواءات متبادلة بين
هذا الشاعر الرائي وبلد الرؤيا والغموض هذا، وكان سيكون مؤلماً
حقاً لو أن مجيئه الى لبنان لم يتحقق. أفكان سيظل رامبو قابلاً
ببقاء تلك الفجوة العميقة، فجوة لبنان الناقصة، مفتوحة الى
الأبد؟ هذا السؤال الذي ظل في فم الحيرة والالتباس والنقصان
طوال هذا الزمن، ربما وجد بداية جواب عنه الآن، وإن ناقصاً
أو ملتبساً أو واهماً أو خاطئاً، في كتاب جان لوك باران.
اللوحات
الثلاث التي كانت مجهولة طوال مئة وخمس عشرة سنه، كشف النقاب
عنها جان لوك باران هذا قبل سنة من الآن، عندما كان في زيارة
لإحدى المناطق الفرنسية النائية، فعثر ــ يا للمفارقة ــ على
ثلاث لوحات مرسومة بالألوان وتحمل توقيع A. Rimbaud أ. رامبو.
لم تصدّق عيناه بادىء ذي بدء حين شاهد اللوحة الأولى ممهورةً
بتوقيع غريب وأخّاذ. اقترب من اللوحة فعرف للتو أنها للشاعر
الملاحَق الى الأبد بتهمة تخريب الحياة والكلمات لإعادة توليدهما
من جديد. وشاهد خلف اللوحة اثنتين أخريين تحملان التوقيع نفسه:
A. Rimbaud
اشترى
جان لوك باران اللوحات الثلاث، ولعاً وفضولاً، وحملها الى
حيث استطاع أن يتأكد (؟!) من أنها للشاعر الكوني الكبير دون
سواه، وأن لا رسّام آخر في العالم كله يحمل هذا الإسم أو يوقّع
به على هذه الطريقة (هل هذا صحيح وأكيد حقاً ؟!). واكتملت
الصورة عندما انبرى "متحف أرثور رامبو ومكتبته" لتبنّي اللوحات
الثلاث وإعلان صحة التوقيع بعد التأكد من ذلك، والسماح بنشر
الكتاب الذي يضمّها. بل بتبنّي نشره.
أضواء
نقدية على اللوحات الثلاث
في
ضوء على اللوحات الثلاث الممهورة بتوقيع A. Rimbaud أ. رامبو،
يقول الناقد والمؤرخ التشكيلي والرسّام فيصل سلطان إن لوحة
بيت مري المائية تظهر معالجة الظلال الملوّنة، على طريقة الإنطباعيين،
ويبدو فيها الرسّام ملمّاً بأجواء المناخ، وعارفاً بسرّ تقسيم
اللوحة أفقياً ثلاثة أقسام: السماء بالأزرق، كتل البيوت والأشجار،
ومقدمة اللوحة الترابية. كما يُظهر الرسّام مقدرة لافتة وأكيدة
على رسم المنظور التشكيلي، مرجِّحاً أن تكون رُسمت صيفاً.
يُذكر
أن كتاب جان لوك باران نشر هذه اللوحة بالألوان بطريقة متواضعة
وبخيلة، مكتفياً بنشر اللوحتين الأخريين بالأسود والأبيض (لماذا؟!)،
وقد ظهر فوق توقيع رامبو إسم بلدة بيت مري اللبنانية التي
يؤكد الكتاب أن رامبو أقام فيها، واصفاً إياها بأنها رابية
من روابي بيروت. ذاكراً أيضاً أن كلمات بالعربية كانت مكتوبة
على قفاها.
في
اللوحة الثانية التي يورد الكتاب تسميتها Sauv sur le chemin
du CHAM ثمة فيها ما يوحي، في رأى سلطان، أنها مرسومة في مرحلة
ما قبل الظهيرة، وأنها ريفية الطابع وتحمل بصمات الطبيعة اللبنانية.
بل هي تذكّر بأجواء لوحة المشهد الريفي وبـ"منطق الشجر" في
أعمال عمر الأنسي.
أما
لوحة المشهد البحري التي يسمّيها الكتاب Les siecles de verre
فهي "بيروتية" في الغالب، في رأي سلطان، بل ومن أجواء عين
المريسة في ذاك الزمان وما يليه. وتتميز اللوحة بدقة متناهية
في رسم المنظور وفي التعبير عن ظلال المشهد المرسوم في مرحلة
ما قبل الظهيرة، بحسب حركة الظلال المستلقية على جدران البيت.
وتتمتع
اللوحات الثلاث بغنائية لونية ومشهدية ومنظورية واضحة القسمات
والبصمات والانفعالات.
ويؤكد
سلطان أن اللوحات الثلاث، وإنْ لم تكن لفنان "كبير" Grand
Maitre، في المعنى التقني للكلمة، فإنها تنمّ على مقدرة واضحة
في الرسم، وعلى إلمام وافٍ بالنقاط الرئيسية التي يقوم عليها
المشهدان البحري والريفي الجبلي. بل تنضح بموهبة فنية أكيدة،
وبجرأة في معالجة الضربات اللونية، بدليل عدم وجود أيّ إشارة
لاستخدام القلم الرصاص الذي يمهّد عادةً لرسم المنظر. وهذا
يعني أن الفنان بارع في التقاط الهنيهة المنظرية. فإذا كانت
هذه الملاحظات التشكيلية الجوهرية هي في صلب لوحات أرتور رامبو
الثلاث هذه، فلماذا لم يُعرف قبل هذه اللوحات، وبعدها، كرسّام
للمائيات، علماً بأن الأبحاث عنه تكتفي بالقول إنه كان يرسم
بالأسود والأبيض؟
ومن
جهة أخرى، يلفت الناقد التشكيلي نفسه الى أن اللوحة المائية
كانت منتشرة في فن الرحلات في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع
القرن العشرين، مذكّراً بأن رسوم فنّاني الجيوش الفرنسية الى
الشرق تؤكد ذلك بوضوح.
وفي
مستوى أساسيّ آخر، يشير الناقد الى أن إيقاعات المنظر في اللوحات
الثلاث تذكّر بمرحلة بدايات الموجة الإنطباعية في لبنان مع
عمر الأنسي ومصطفى فروخ وقيصر الجميل (أو هي تسبقها بالتأكيد
إذا كان صحيحاً أنها لأرتور رامبو وأنها رُسمت في العام 1887).
بل يقول إن معالجة الظلال البنفسجية وطريقة التقاط مقاطع من
الأشجار هي ــ للمفارقة ــ من خصائص الأسلوب الذي اتبعه عمر
الأنسي في الثلاثينات من القرن العشرين. فأيّ علاقة يا ترى؟
وهل من اختلاط بين هذه اللوحات وصاحبها وموقّعها، وتلك اللوحات
التي عُرفت في الأربعينات من القرن الفائت للرسّام أنطوان
ــ جان رامبو الذي كان يوقّع لوحاته بـA. Rimbaud؟
من
هو رامبو "اللبناني" الآخر؟
ما
ان صدر كتاب جان ــ لوك باران في فرنسا، "رامبو مجنَّحاً"،
حتى التهبت المخيّلات بالأرق وخصوصاً مخيّلات المهتمين بأدب
هذا الشاعر وبحياته وأسفاره وتفاصيل يومياته البوهيمية. زميلنا
الشاعر عيسى مخلوف خصص فقرة إذاعية خاصة في "إذاعة الشرق"
في أوائل أيلول الجاري لإلقاء الضوء على هذا الحدث الأدبي
والفني البالغ الأهمية، وملقياً في الآن نفسه ظلاًّ من الشك
حول موضوع اللوحات. زميلنا الشاعر عبده وازن خصص قسماً كبيراً
من صفحة الثقافة في جريدة "الحياة" للموضوع نفسه وللأسئلة
نفسها في السابع عشر من أيلول الجاري أيضاً. إذاً، ما أن ذاع
خبر هذا "الاكتشاف" حتى صار محور الإهتمام الأدبي والفني والإعلامي.
من
جهتنا سنحاول إلقاء الضوء على شخصية أنطوان ــ جان رامبو ورسومه
وتخطيطاته في لبنان. بدايةً، يحضر السؤال الآتي: ما العلاقة
بين أ. رامبو الشاعر، وأ. رامبو، الرسام الفرنسي الذي جاء
الى لبنان في أواخر الأربعينات وتزوج من لبنانية ودرّس الرسم
في مدرسة الليسيه الفرنسية وترك أعماله لورثته من آل طراد
بعد وفاته؟
العارفون
بتاريخ الفن التشكيلي اللبناني، يعلمون تماماً أن ثمة رسّاماً
وأستاذاً فرنسياً يدعى أنطوان ــ جان رامبو، ولد في مرسيليا
(هل من علاقة متوسطية مع رسومه اللبنانية البحرية؟! بل هل
ثمة التباس واختلاط أسماء وتوقيعات بين لوحة عين المريسة التي
يؤكد كتاب "رامبو مجنّحاً" أنها من أعمال الشاعر الفرنسي الكبير
وإقامة أنطوان ــ جان رامبو في عين المريسة؟!)، وأقام في بيروت
بل في عين المريسة بالذات وقرب مقهى "البحري" وقهوة الحاج
داوود، ورسم مناظر البلد ومشاهده وبيروته وعين مريسته وريفه،
و... كان أيضاً صديقاً للرسام اللبناني الإنطباعي وما بعد
الإنطباعي عمر الأنسي، وثمة من يؤكد أنه كان متأثراً بطريقته
في المعالجة اللونية الانطباعية.
في
أطروحة عن الفن التشكيلي في لبنان، أعدها الزميل فيصل سلطان
في الفرنسية (اتجاهات الفن في لبنان 1861 - 1986) وناقشها
في جامعة السوربون الثامنة في باريس، يذكر إسم أنطوان ــ جان
رامبو الى جانب لائحة من الفنانين الفرنسيين الذين عاشوا في
لبنان القرنين التاسع عشر والعشرين.
وفي
الصفحة 72 من الجزء الثاني من "موسوعة مئة عام من الفن التشكيلي
في لبنان 1880 ـ 1980" الصادرة لدى "منشورات غاليري شاهين"
(لصاحبها ريشار شاهين)، يرد في الفرنسية إسم A. Jean RIMBAUD
تحت باب O ويقصد بها المستشرقين من القرن السابع عشر الى القرن
التاسع عشر، لكنه يضع الى جانب الإسم المذكور إشارة 20 s التي
تعني القرن العشرين.
وتكشف
أرشيفات "غاليري شاهين" أن أنطوان ــ جان رامبو ضابط في البحرية
الفرنسية قدم الى بيروت واستقر في لبنان في العام 1939 وتزوج
في العام 1950 من ليندا طراد التي لم تنجب منه.
ويذكر
قاموس فن الرسم في لبنان dictionnaire de la peinture au liban،
الذي أصدره ميشال فاني في العام 1998 في الفرنسية عن منشورات
l,escalier في الصفحة 231 أن أنطوان ــ جان رامبو هذا، هو
بحّار فرنسي استقر في لبنان وعمل أستاذاً للرسم في مدرسة الليسيه
الفرنسية في أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات. ويكشف أنه
عرض عام 1945في صالة في مركز الدراسات العليا طريق الشام ويشير
ميشال فاني الى أن إسم أنطوان ــ جان رامبو ظل وارداً في معارض
الربيع والخريف في الأونيسكو التي كانت تقيمها وزارة التربية
الوطنية حتى العام .1959 في حين يلفت فيصل سلطان الى أن "جريدة
الأحرار" أوردت في آذار من عام 1950 (وتؤكد ذلك أرشيفات غاليري
شاهين) أن أنطوان ــ جان رامبو عرض في صالة مركز الدراسات
العليا، وأن لوحاته تمثل مناظر ومشاهد من الطبيعة اللبنانية
فضلاً عن مشاهد فرنسية، وأنه كان على صلة وثيقة بالكونت أرمان
دو شايلا.
وتفيد
المعلومات لدى المصادر المشار إليها أن أنطوان ــ جان رامبو
توفي في منتصف الستينات، مرجِّحةً أن يكون ذلك في العام 1964(؟)
وأنه دفن في مدافن عائلة نقولا طراد في مار متر وانتقلت لوحاته
الى زوجته ليندا، ثم آلت بعد وفاة هذه الأخيرة الى إبن أخيها
نقولا طراد التي توفي قبل سنتين تقريباً من الآن، فآلت ممتلكاته
الى زوجته إليان وأولاده الأربعة.
ويؤكد
فيصل سلطان بحسب مقابلة أجراها مع الفنان سعدي سينوي الذي
كان صديقاً لأنطوان ــ جان رامبو وعارفاً برسومه ومقتنياً
بعضها أن أنطوان ــ جان رامبو تعرف الى عمر الأنسي على أثر
زواج الأنسي الثاني عام 1939 من الفرنسية ماري بوير التي كانت
تدرّس في الكوليج بروتستان.
وفي
تلك المرحلة كانت لوحات الأنسي حافلة بموضوعات المشاهد والأشجار
وحركاتها وإيقاعاتها، وهو كان يبحث في ما يرسم عن قوتين حيويتين
عظيمتين، إحداهما الطبيعة الحية وثانيتهما الإنسان الحي، حيث
كانت إيقاعات الشاطىء وحركة الأشجار ومدى الكثبان تحتل مرتبة
عالية في أعماله. ويؤكد الناقد فيصل سلطان أن أنطوان ــ جان
رامبو تأثر في تلك المرحلة بفن الأنسي على مستوى التقاط زوايا
المنظر ولاسيما بعدما صار رامبو هذا أستاذاً للرسم في مدرسة
الليسيه.
*
* *
...
ومن خلال البحث والتدقيق عثرنا لدى غاليري ريشار شاهين على
صورة لوحة لمنظر لبناني بالألوان تحمل توقيع أنطوان ــ جان
رامبو وعلى لوحتين تمثلان مشهدين باريسيين. وفي غاليري بخعازي
في الأشرفية عثرنا على ثلاث لوحات لأنطوان ــ جان رامبو (من
المفارقات ان نادر بخعازي درس الرسم على يد أ. جان رامبو في
محترفه)، وهذه وتلك تؤكد بيقين شبه ثابت، إن على صعيد المعالجة
التشكيلية أو على صعيد التوقيع، أن "العلاقة" بين اللوحات
المزعومة لأرتور رامبو وهذه الأكيدة لأنطوان ــ جان رامبو
هي لشخص واحد، ولا بدّ أن تكون للثاني حكماً.
قصدنا
منزل ورثة أنطوان ــ جان رامبو في الأشرفية، وهم عائلة نقولا
طراد، ودخلنا الى حيث أودعت تخطيطاته، فوقعنا على دفتر كامل
من التخطيطات خصص غالبيتها الساحقة لرسم مشاهد من "مقره" الصيفي
في بيت مري (أليس مفارقاً ومشكوكاً فيه، في هذه الحال، أن
يكون أرتور رامبو هو الذي رسم بيت مري؟)، إضافة الى تخطيطات
أخرى للروشة ولمناطق فرنسية ولغيرها.
على
كل واحد من هذه التخطيطات، نقرأ ملاحظات كتبها أنطوان ــ جان
رامبو تفيد أن هذه التخطيطات هي مشاريع لوحات مائية وزيتية،
وقد آلت ملكيتها بعد رسمها الى أصحابها من اللبنانيين ومن
غير اللبنانيين، من مقتني اللوحات، بينهم اللايدي كوكرن والنائب
الراحل الدكتور البر مخيبر والآنسة (...) بيروتي والسيدة فيرا
نجار والمحامي (...) شمالي والسيدة (...) توسان.
*
* *
...
لكن أياً تكن حقيقة هذه المسألة، نحبّ أن نعود الى رامبو الشاعر
لنقول: أكان هو الذي جاء الى لبنان أم غيره، أكان هو الذي
رسم اللوحات الثلاث أم تكون لرسّام آخر، فإن شيئاً لن يتغيّر
في قصتنا معه ومع الشعر. ويقيننا أنه جاء الى هنا من دون ان
يجيء او من دون ان يدري أحد بمجيئه. بل من دون أن يحتاج أحد
الى برهان. فهو جاء ورمى الفتنة في الينابيع وسمّم المياه
وخرّب الفصول وحركة الليل والنهار وأصاب القمر الشمس والنجوم
بالعماء الخلاّب وأشعل في الغيوم والذهب وأعماق العقل الباطن
نار الحرائق الأبدية. والدليل أن هذه الحرائق لا تزال نيرانها
مستعرة في ذهب الشعر، وفي ذهب الشعر اللبناني والعربي الحديث
تخصيصاً. وإذا كان من شكّ أكيد أو شبه أكيد في نسبة هذه اللوحات،
فهو يضاف الى الألغاز التي تكتنف شخصية هذا الشاعر الكوني
وحياته.
في
قصيدة "إشراقات" يذكر أرتور رامبو إسم لبنان بالجمع فيقول
"لبنانات الحلم". هذه اللبنانات التي عاشها رامبو في الحلم،
ترى هل سكنها وعاشها في الواقع؟
*
* *
...
لا نريد لهذا المقال أن يدحض ما جاء في الكتاب الفرنسي حول
صحة نسبة هذه اللوحات الى الشاعر الكوني، لكننا نريد أن نلقي
بعض الأضواء على المسألة ونطرح الأسئلة الحارقة، مرجِّحين
ان لا يكون ارتور رامبو هو راسم هذه اللوحات، ولكن من دون
أن نحسم نفياً أو إيجاباً في الجواب، تاركين كشف النقاب الكامل
عن هذا الموضوع في أيدي النقّاد والمؤرخين التشكيليين اللبنانيين
والفرنسيين لكي يتحرّوا عن هذا الشأن، ولأهل الخبرة والصدقية
من الإختصاصيين الفرنسيين الذين يتولون "متحف أرثور رامبو
ومكتبته"، وغيرهم من الخبراء، أن يرووا الغليل الذي لن يشفى.
وفي
الأخير الأخير، هل ثمة علاقة ما بين عثور جان لوك باران على
هذه اللوحات الثلاث في منطقة فرنسية نائية وبين مسقط رأس أنطوان
ــ جان رامبو في مرسيليا ومنطقتها؟
وفي
الأخير الأخير أيضاً: إذا كان التشابه قاطعاً بين التوقيعين،
فهل يكون أنطوان ــ جان رامبو قد قصد عن سابق تصور وتصميم
أن "يقلّد" توقيع الشاعر الكوني ليكتسب... شهرته؟!
وغايتنا
في الأخير الأخير الأخير أن نحصل على الجواب الآتي: هل أرتور
رامبو هو الذي رسم هذه اللوحات الثلاث، أم هو أنطوان ــ جان
رامبو؟ ومن يكشف على تواقيع هذا البحّار الفرنسي الذي صار
أستاذاً للرسم ولوّن ورسم وترك لوحات ودفاتر تعجّ بأعمال تشبه
الى حدّ كبير اللوحات الثلاث المفترضة لأرتور رامبو، وخصوصاً
لوحة بيت مري، أسلوباً وطريقة معالجة و... توقيعاً؟
هل
ثمة من يأخذ على عاتقه هذه المسألة، هنا وفي فرنسا بالذات؟
عقل العويط
- ملحق النهار