حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الأيام الهشة لفيليب بيسون:

رواية الأشهر الستة الأخيرة من حياة رامبو

بتاريخ 23 تموز (يوليو) 1891 عاد آرثر رامبو الي بيت أمه في مدينة شارل فيل الفرنسية، مبتور الساق، يحتضر،أخته ايزابيل هي التي تقوم بتدوين انطباعاته في يوميات متخيلة من قبل الكاتب الفرنسي فيليب بيسون في شكل رواية. رامبو يعود الي المكان الذي كان يهرب منه دائما، أولا ليكتب بعيدا عنه، وثانيا لكي يصنع له ثروة في أفريقيا.

ايزابيل تعتني بشقيقها المريض، وفي نفس الوقت، تتعذب من جراء الأهوال التي لا ينفك رامبو عن قصها عليها. ان عفة وحشمة أذنيّ اخته التي يطلق عليها تسمية الفتاة العجوز لمجرد حفاظها علي عذريتها، كان بأمكانها أن لا تستمع اليه لو لم يكن محكوما عليه بالموت ويعاني سكرات الموت الأخيرة. أم رامبو حاضرة في البيت، لكنها غير مبالية به، قلبها قاس، لا يتمزق أو ينبض لشقاء ابنها الذي يتعذب، علي الرغم من كونها تعتبر واحدة من المفاتيح الأساسية التي أحالت حياته الي جحيم. بعد ثلاثين يوما، في بيت امه، رامبو يسافر الي مدينة مارسي علي أمل العودة ثانية الي أفريقيا للعثور علي حياته من جديد وملاقاة أخر حب لشاب تركه هناك يدعي جامي. ولكنه قبل أن يسافر بيوم واحد، يموت بعد نوبات ألم شديدة.

في هذه اليوميات السرية بين اخ وأخت لا يستطيعان التفاهم بسبب مجري حياتهما غير المتلائمة وغير المنسجمة، يكتب فيليب بيسون روايته، بكيفية تتأسس في شكلها ومضمونها علي الاختلاف بين شخصية الاثنين: فرامبو الشاعر انسان ملحد، شاذ جنسيا، يتعاطي المخدرات، في حين ان أخته ايزابيل متدينة، عذراء، شغولة، ولكن علي الرغم من هذه الاختلافات فان التيار بينهما يمر وبشكل جيد، والسبب يعود بكل تأكيد الي مرض رامبو، والي احساس ايزابيل بأن أخاها عبقري، ولكن في نفس الوقت، لا يمكن أن يدخل التاريخ الا ملوثا. ورامبو من ناحيته يعرف جيدا بأنه سيموت حتي لو كان في قرارة نفسه يقاوم الي آخر لحظة من أجل أن يهرب من جديد ويعود من حيثما أتي. ان فيليب بيسون يرتدي في هذه الرواية جلد ايزابيل الأخت لكي يجابه رامبو من خلال يومياتها الحميمية وليس شعره. أنه لا يتحدث عن شعره الا قليلا ربما لان ايزابيل لم تكن تعرف الشيء الكثير عن شعر اخيها، ولكن مع ذلك، ان ما كتبه فيليب بيسون كاف لأن يحيي ويعيد الي الأذهان عبقرية رامبو.

بهذه الطريقة ذاتها التي تضيء حياة رامبو، لا يتحدث فيليب بيسون في روايته هذه، الا علي الأشهر الستة الأخيرة التي عاشها الشاعر، متناسيا حياته التي هي بمثابة أسطورة غامضة، ولكن مع ذلك تكشف لنا الرواية عن الوصف الدقيق لبعض منعطفات حياة الشاعر. ولقد نجح فيليب بيسون من خلال بعض اللمسات الصغيرة، وابراز غير المحكي، والمسكوت عنه، وغير المرئي والأفتراضات والحدس، أن يكتب رواية جميلة بلغة بسيطة اقرب الي الشعر منها الي السرد.

نفهم من قراءتنا للرواية بأن مؤلفها اسير عاش لرامبو، ولكن الاعجاب لم يعد كافيا بالنسبة له لهذا أراد أن يفهمه، ومن أجل أن يحقق ذلك قرر أن يكتب عنه. ولكن لماذا اختار الأيام الحساسة من حياة رامبو، أي فترة احتضاره؟ ومن أجل الأجابة علي مثل هذا السؤال لابد لنا من أن نلجأ الي اسلوب الكاتب نفسه، أي الي الأفتراض والحدس واستنطاق ما هو مخفي بين السطور.

نلحظ من قراءتنا للرواية، أن رامبو الشاعر كان يلازم تفكير الكاتب بشكل دائم، فأراد أن يفهم غموضه، لا سيما أن حياة رامبو نفسها عبارة عن رواية غير مكتوبة، ومن المنطقي جدا أن الروائي الذي يريد أن يكتب عن شاعر لا بد أن يتناوله في قالب روائي، فهو الأقرب اليه من بين جميع الألوان الأدبية. وقد اختار الكتابة عن رامبو المُحتَضَرْ، لأنها الفترة التي فيها حياة الشاعر اكثر عرضة للانجراح ومن ثم أن الأشهر الستة الأخيرة من حياته هي الأكثر غموضا وتكاد أن تكون غير معروفة. ولكن هل استطاع المؤلف التوصل الي فهم شخصة رامبو كاملة؟ والجواب، (لا) و(نعم). لا، لأنه اعتمد علي الحدس والأفتراض، ونعم، لأن بمحاولته الروائية هذه استطاع أن يقترب كثيرا من المشابهة، وليس الفهم الكلي لشخصية رامبو المعقدة. ان اختيار الكاتب للحديث عن موت رامبو حجة من الحجج التي اراد من خلالها الحديث عن الألم، الموضوع الأكثر هيمنة علي روايات فيليب بيسون قاطبة. ثم أن الموت سواء أتي أو سيأتي فيما بعد، فأنه يسمح بطرح أسئلة حول من أنت وأين كنت. وفي حالة رامبو، أن مداهمة الموت له حتي وان كان لم يشعر بقربه منه بشكل واضح، كان سببا رئيسيا في عودته الي مكان ولادته. ولو لم يشعر بدنو الموت منه لكان ما عاد الي فرنسا والي بيت عائلته حتي وأن بقيت من حياته ثلاثون يوما حاول خلالها العودة ثانية الي أفريقيا. ان الألم هو الموضوع الأكثر أهمية بالنسبة للكاتب فيليب بيسون، لأنه فقد جده وهو صغير في سن السادسة عشرة في نفس الظروف التي غادر فيها رامبو العالم، لهذا ظل الكاتب يحتفظ بصور واحاسيس تلك الفترة، وما هذه الرواية الا حجة لكي يحيي فيها ومن خلالها جده.

ان اختيار المؤلف اخت رامبو ايزابيل ويومياتها الحميمة، وسيلة وغاية وفي نفس الوقت، لعبة أدبية استطاع من خلالها أن يكتب رواية علي لسان حال فتاة لا نعرف عنها الشيء الكثير، وهذا وحده كاف لأن يسمح له بأختلاق احداث كثيرة ليست بالضرورة كان لها وجود، لا سيما انه كتب رواية وليس سيرة ذاتية. لقد لبس الكاتب جلد ايزابيل لكي يتأرجح ما بين أنا الكاتب و واللعبة الأدبية التي اعتمدها في استخدامه اليوميات الحميمية لايزابيل، وهذا بحد ذاته ما منحه امكانية الرؤية العميقة للكثير من التفاصيل. هنا تكمن إمكانية وبراعة الكاتب علي التخيل، أنه اراد من وراء مشاهد غاية في الحميمية أن يصل الي حساسية لا يستطيع أن يعرفها، لأنه بكل بساطة، رجل وليس امرأة، ولكن مع ذلك يتحدث عنها وبنجاح فائق وكأنه قد عرفها من قبل، وهذا ما يذكرنا بما فعله في روايته ولد من إيطاليا ـ الصادرة عن دار نشر جوليار أيضا ـ عندما وضع نفسه في مكان جثة ميته تراقب وتعلق علي كل شيء من خلال التابوت الموجودة فيه.

بلا شك، إننا أمام رواية غريبة تبوح بما هو جيد وسيئ من الأحاسيس بين أخ، أخت وأم تعتبر نصبا تذكاريا لبرودة وجفاف الأحاسيس. ان هذه الأم لم تذهب لزيارة ابنها ولا مرة واحدة عندما كان يعاني من ويلات المرض في المستشفي بمرسي، علي الرغم من الرسائل الدامعة الكثيرة التي وجهتها لها ايزابيل راجية اياها المجيء. والأسوأ من هذا كله، عندما تسمع بموت ابنها، تذهب الي المقبرة وتحفر حفرة وتتمدد فيها وكأنها تريد أن تجربها قبل مراسم الدفن.

ان رواية الأيام الحساسة بمثابة صورة صريحة لشاعر فقد بهاءه، واخت تحاول أن تحلل حياتهما، ولكن الضياع، الصمت والموت يقترب. رامبو محكوم عليه بالموت وايزابيل تكتب في يومياتها عن الأيام الأخيرة لحياته.

في رواية فيليب بيسون هذه، هناك الكثير من الحب ولكنه مؤلم، حزين، قاس وقدري. نجد فيها أيضا شخصين في حالة مواجهة، يتساءلان عن طبيعة العلاقة التي تربط بينهما. أهو الموت اذن؟ نعم .. الموت ينتظر، والأيام تمر مثل حبات رمل في ساعة رملية، ان شبح الموت في هذه الرواية شاخص منذ البداية حتي النهاية، وكأنه آلة تستعجل عقارب الزمن.

 

محمد سيف


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri