
مدارات الشاعر
وكواكب نحسه
لا أحد يصدق بالنجوم،
لا أحد يؤمن بكواكب النحس، لا أحد يعترف بخوفه ورعبه من المجهول،
والغامض، والمصير الملغز، غير أن أيرا دوفيل المنجمة الأدبية
الشهيرة درست حياة الشعراء والأدباء طبقا إلى خطوط الكواكب ومدارات
النجوم وعلم الفلك، فتوصلت إلى أثر مدار بلوتو في حياة آرثور
رامبو، تقول أيرا دوفيل أن الفنان المتسامي يرتبط بعمليات التحويل
السايكولوجي المعمّقة: البحث عن طرق جديدة في التعبير أمام انقراض
الأشكال الباطلة من الوجود والعاطلة عن التجديد أو الانبعاث،
بلوتو يرتبط أيضا بأولئك المتمردين، وأولئك الذين يمتلكون الوعي
العميق بتعديل الاتّجاه جوهريا، ويبيّن بلوتو القدرة الكاملة
على إعادة صنع النفس، وإبراز الموت بشكل رمزي، وتطهير الماضي،
وتحويل الفن إلى شكل متجدد دائما، وهي الخصائص الأساسية في شعر
رامبو.
الزهرة حاكمة الفنون،
إلهام الإلهام المبدع، رمز الجمال والانسجام والتناسق، الكوكب
الذي عدّل إسهامات رامبو الملهمة في الفن، وفي تقاليد الشعر
الحديث إلى الأبد، القدرة على جمع تشكيلة واسعة من تأثيره على
الفنون، جاذبيته من صنّاع مختلفين، وبعد أن درست حياته الشعرية
حددت ولادة الشاعر الطفل تحت شعاع القمر بالتعامد مع الزهرة،
موقع خطّ بلوتو الأساسي، رامبو أعظم الشعراء هكذا تقول خطوط
المذنب في السماء، ولد في تشارلفيل في العام 1845، لأب هو فريدريك
رامبو يعمل ضابطا في الجيش وأم برجوازية هي ماري كاترين فيتالي،
ولد تحت خط النحس مباشرة، بين الزهرة وبلوتو، كانت قصيدته الأولى
قد أحدثت صدمة كبيرة لأستاذه إيزمبار، تسلم هدية سنة الأيتام
الجديدة فكانت إنذارا بوجوده، خطوط السماء تنبأت بهروبه إلى
باريس واعتقاله لعدم امتلاكه تذكرة قطار، وإجباره على العودة
إلى البيت، خطوط بلوتو تنبئ عن هروب متغطرس آخر، تكشف عن مراهق
ناطق بالبذاءات، متشرد في الشوارع، مجدف بالكنيسة، شاتم للنساء،
متوافق مع الشروط القذرة للحياة، عن قارئ للفلسفة الغامضة ومحب
لبودلير.
حياة الشاعر ترتفع من
موقع الزهرة فوق الزاوية الشمالية الغربية، أرض محلية تحت كوكب
الزهرة، من منتصف بلوتو، إذن فهو أحد شعراء العالم الأكثر تأثيرا،
أكمل مجموعته الشعرية الأولى بعمر ستّة عشر عاما فقط، هرب إلى
باريس، شعره يكشف الأكاذيب الكبيرة، فيتحرك من موقع الزهرة إلى
الخط الأخير من كوكب بلوتو، الطيش الأول في باريس، تحرك كوكبي
سريع ثم عودة إلى تشارليفيل، صعود بلوتو هو كتابة المركب السكران،
نشرت بعد عدّة أشهر قبل عيد ميلاده السابع عشر، العمل الهائل،
الإبداع الكبير، الخط الحار من خط الاستواء، صعود الشمس بالتعامد
مع كواكب أخرى، هبوط آخر لخطوط الحظ، غير أن العمل الشعري الرمزي
الكبير يهز تاريخ الأدب برمته، فالهذيان الذي يشدد عليه الشاعر
ينتقل من اللغة إلى الحياة ليخلق "انسجامه" الشعري مع الكوكب
الذي أخذ يتحرك نحو موقع القمر.
قدّم رامبو عدّة قصائد
بعد ذلك ومن ضمنها السوناتة، "فويليس، "إلى الشاعر الباريسي
الأكبر سنّا بول فيرلين، أعجب الأخير بهذا العمل الخلاق ودعاه
إلى باريس، سافر رامبو لاحقا مع فيرلين إلى لندن، انتقل موقع
رامبو مرة أخرى من خطين متقاطعين بين بلوتو والزهرة، سافرا بعد
ذلك إلى بروكسل. عاشا سوية، هدّد رامبو فيرلين بتركه؛ ردّ الشاعر
السكران بإطلاق النار فجرح رامبو في الرسغ، بينما أودع فيرلين
السجن، خطوط النحس تتحدد مرة أخرى بعودة رامبو إلى تشارليفيل
لكتابة فصل في الجحيم 1873، اعتراف نثري مدوّن بنوع من الهذيان
"الجهنمي" الذي يصور حياته السابقة وقضيته، رفض النقّاد العمل،
وعاملوه ببرود ثلجي؛ في التاسعة عشرة من عمره، في الخط الساخن
من بلوتو وتعامده: توقف رامبو عن كتابة الشعر. لقد رفضه الأدباء
الباريسيون لأنه سكير متغطرس وفظّ. ترك الكتابة في العشرين.
تعلم العربية والروسية والهندية والألمانية. مغامر عبر الألب
مشيا على الأقدام. انضم إلى الجيش الهولندي. هرب وانضم إلى سيرك
ألماني في اسكندنافيا. سافر إلى مصر وعمل في قبرص. عانى نكسات
المرض والمشقّة. اشترك في معارك. أصيب بحمّى التيفوئيد، في 1879.
بلوتو يقترب من الزهرة
ويبتعد من مدار القمر، فتبدأ سلسلة السفر المغامر، حاول تجميع
الثروة التي حلم بها بالعمل: تحول إلى تاجر أوربي في أفريقيا،
مستورد قهوة, مهرب أسلحة gunrunner، جندي، ومستكشف، في فترة
اختفائه بالضبط نشر فيرلين الإشراقات، في العام 1886، فأحدثت
صدمة للأوساط الأدبية، رامبو لا يكترث، وتقوده حمى البحث عن
الذهب الى مواقع مختلفة: ألمانيا، السويد، وشمال أفريقيا، اقترب
أكثر فأكثر من كوكب المريخ فتحرك نحو: شمال شرق أفريقيا، الشرق
الأوسط، وعلى طول الساحل الشرقي لأفريقيا. مدارات الكواكب الحارة
قادته إلى المعاناة، والسقوط المأساوي، التطلع للنجاح التجاري،
غير أن الشاعر الفرنسي الساذج استُّغلّ كليّا من قبل التجار
الأحباش، ثم تحسنت أوضاعه التجارية شيئا فشيئا، لكن الخط الساخن
للكواكب الحارة اقترب منه، فبدأت معاناته: اجتياز المسافات العظيمة
في شروط غير صحية هدمت ساقيه.
طرق التجارة التي سلكها
رامبو انضوت في حقل الكوكب الرئيسي (اورانوس)، الكوكب الذي تقوّس
على شرق ووسط أفريقيا، تقدم واستقر على مصر؛ تحرك نبتون، ووصل
إلى موقع منتصف الليل، وأصبح عموديا على طول ساحل إثيوبيا، بالضبط
على رأس أقصى شرق أفريقيا، قرب مقر تجارة رامبو في هرر، زحل
يشترك في هذا الحقل، ويصل منتصف المدار، يرتكز على طول الساحل
الشرقي لأفريقيا، أشكاله تقوده لأن يصبح ضحيّة للمكر، الصفقات
المحترفة كثيرة، ما يوقفها هو نضوبه الطبيعي والروحي، معاكسات
غير متوقّعة في خطوط المصير والثروة، إعياء، اندفاع، نبتون يميز
المرحلة النهائية من حياته كتاجر.
هكذا لخصت إيرا دوفيل
حياة آرثور رامبو، فالشاعر يدرس في كل شيء، لا بالنقد فقط إنما
بالتنجيم أيضا، ونحن أي شاعر من شعرائنا سندرسه ولو بالنقد فقط.
علي بدر / كاتب من العراق