
رامبو
في الذكرى المئة والخمسين لولادته
(1854-1891)
وحش
من النقاء
منذ
150 عاماً ولد الشاعر الفرنسي آرثور رامبو الذي يعتبر الأكثر
عبقرية بين شعراء فرنسا مع انه طلّق الشعر في سن مبكرة وانطلق
في مغامرات مختلفة، لكن شعره بقي مشعاً في سماء الكلمة والابداع.
رامبو كان ايضاً التلميذ المتفوق والشاعر الملعون، والتاجر المفاوض
والمسافر الدائم. اما القصائد فبقيت شاهدة على عبقرية فذة لم
يترك لها صاحبها ان تبرز الى العلن في كل فصول حياته، فالشعر
توقف معه في العشرينات وهو مات في أواخر الثلاثينات من العمر
والقصائد بقيت لتشير الى إمكانية ما كان يمكن ان يطور ويعطي
فوق أوراقه البيضاء التي تركها كما هي، على لونها ومضى الى مغامرات
مغايرة.
فرنسا
تتذكر شاعرها اليوم، كذلك كل من أحب شعره الذي تُرجم الى لغات
عديدة. وبالمناسبة إعادة إصدار كتبه وبطبعات جديدة، احتفالات
وخاصة في منطقة شارلويل حيث ولد، ومواقع تتزايد وتتشعب على الانترنت
وتحمل كل قديم وجديد حوله وحول مؤلفاته الشعرية.
ولد آرثور في 20 تشرين الأول 1854 في شارلويل وتعتبر مسيرته
الشعرية من أقصر المسيرات زمنياً وهي في حدود المئة صفحة مكتوبة
بخط اليد وكلها منجزة قبل العشرين. يلي ذلك صمته الطويل الذي
كلف النقاد الحبر الكثير لمحاولة شرح هذا الابتعاد المفاجئ عن
مملكة الشعر التي وصل اليها بسهولة في حين كان عدد كبير من شعراء
جيله يتخبطون في سعيهم الدؤوب الى المنصب الذي رفضه هو بعد حين،
حتى انه وحسب أقوال صديق طفولته وزميل الدراسة ومؤرخ وكاتب سيرة
حياته ارنست دولاهاي، فإن رامبو لم يعد يذكر شيئاً من تجربته
الشعرية في الفترة الأخيرة من حياته، حتى انه نعت قصائده "بالخربشات"
و"القذارة". اما بول فيرلين، الشاعر الذي ربطته علاقة "شاذة"
به حين كان في سن المراهقة فقد كتب عنه فيما بعد: "انه شاعر
ملعون، واحد من الشعراء المعلونين، لكن الغريب في أمره انه هو
الذي يلعن نفسه ولا ينتظر الأمر من الآخرين".
كل
هذا وقصائد رامبو كان لها اثرها ووقعها في الشعر الفرنسي إذ
يعتبر النقّاد انه قطع بها مع المدرسة البارناسية ومع التيار
الرمزي الذي كان قد تأجج منذ بودلير وصولاً الى فيرلين وغيره
من معاصريه، وأسس لكتابة جديدة تنطلق من تجربة أو اختبار "الرؤيا"
وهذه الكتابة شكلت لغزاً وتحدياً تماماً مثل حياته.
عفوية
تعاطى رامبو مع الشعر بعفوية وسهولة تماماً كمن يبحث عن وسيلة
تعبير تفجر مكنوناته الداخلية وليس من باب السعي الى الكتابة
التي تشد القارئ وبالتالي تجلب الشهرة والنجاح.
اعتبر
رامبو انه عاش طفولة قاسية بعض الشيء الى جانب والدة متسلطة
جداً وقاست في تربية أربعة أطفال بعد وفاة زوجها.
لكن تسلطها لم يمنع العاطفة الصادقة التي اعترف بوجودها لاحقاً
رامبو بعد بداية اسفاره وابتعاده عنها. عن قسوة الطفولة استعاض
رامبو المراهق بحب الشعر والكتابة وكان تلميذاً لامعاً كتب في
البداية من وحي التيار البارناسي، بعدها وجّه أستاذه ايزامبار
الذي لاحظ موهبته القوية وهو كوّن كل ثقافته الادبية، كما سيذكر
رامبو بعد حين في اماكن عدة.
عام
1870، اندلعت الحرب بين فرنسا وبروسيا، فقرر رامبو الهروب ناحية
باريس وبلجيكا لانه لم يعد يطيق عزلة مدينته. عام 1871، كتب
"رسالة الرؤيوي" واشتهر بعد نشره قصيدة "المركب السكران". في
هذه المرحلة، التقى فيرلين وعاش معه علاقة شاذة ذاع صيتها في
الوسط الثقافي، خاصة بعد اعتراض زوجة فيرلين، فسافرا الى انكلترا
عام 1872 وتعتبر هذه المرحلة من أغزر مراحل فيرلين ورامبو الشعرية
فكتب الاثنان وابدعا، ومن المؤلفات الشهيرة لرامبو في تلك الحقبة
كتاب "الاشراقات". انتهت هذه العلاقة بأن اطلق فيرلين النار
على رامبو واصابه اصابة طفيفة. كان ذلك عام 1873، وكأن هذه الحادثة
وضعت نقطة النهاية على مرحلة باريس وعلى الحياة البوهيمية فيها
وعلى علاقته بفيرلين وايضاً على قريحته الشعرية.
مرحلة جديدة
بعد هذه الحادثة بدأت مرحلة جديدة من حياة رامبو وبدأت اسفاره،
من ايطاليا الى هولندا والسويد والدانمارك وافريقيا وقبرص. لكنه
كان يعود من وقت الى آخر ليمضي بعض أشهر من الشتاء في منطقة
شارلويل حيث ولد. عمل في اسفاره في التجارة وكان موهوباً في
جمع الأموال تماماً كما ظهرت مواهبه في كتابة الشعر، لكنه اكتفى
بمبلغ بسيط "ليعوّض عن كل الوقت الضائع"، وعن "المرحلة الملعونة"
ـ كما يسميها ـ حين استعاد موقعه في عائلته وراح يسعى الى مساعدة
والدته. وفي هذه المرحلة وطد علاقته به واكتشف ـ حسب كلامه ـ
انها كانت تحبه على عكس ما كان يعتقد.
ومع
رامبو يصعب فصل الاسطورة عن الواقع وماضيه عن حاضره الذي شغل
بال النقاد والادباء وراح كل واحد يطلق عليه تسمية تليق به ومن
وحي حياته. انه الشاعر الثائر والفوضوي والبوهيمي الذي ثار ايضاً
على الثورة وعلى الفوضوية والبوهيمية وعاش عكس ذلك في الفصل
الثاني من حياته. الشاعر الفرنسي ستيفان مالارميه وصفه بالتالي:
"بوهيمي 1885 قد اصبح الرجل المحترم"، وفيرلين الذي قال عنه
ذات يوم انه "الاجمل بين أسوأ الملائكة" صار يسميه "الملاك المنفي"،
كذلك بول كلوديل قال عنه "انه المتصوف في حالة التوحشية" وجاك
رفيير كتب عنه انه "وحش من النقاء".
اما
بروتون فقال عنه "انه العبقري الذي يجسد جيل الشباب".
وفيليب سوبو وصفه بالتالي: "الازعر الرائع" وهنري ميللر ذكره
بالتالي: "انه يجسد صورة الانسان العاصي"، ورينيه شار قال عنه:
"انه الشاعر الاول لثقافة غير منظورة بعد".
كل
هذا لم يكن بالكثير لشاعر شاب كتب اجمل قصائده في السادسة عشرة:
"نائم الوادي" و"بوهيميتي" حتى انها تدرس في المدارس. وهو في
العشرين اخذ على عاتقه ايجاد لغة شعرية جديدة فإذا كان عفوياً
في قصائده الاولى الا انه بعد حين التزم بهدف ادبي: "عليّ ايجاد
لغة (...) وهذه اللغة ستكون من الروح الى الروح وستختصر كل شيء،
الروائح والاصوات والألوان، الفكرة المربوطة بفكرة..." وهنا
كان التحدي الكبير الذي عاشه رامبو مع "الملاك" أو مع "الشيطان"
الذي في داخله، أو هو "ملاك شيطاني" حسب تعبير العديد من الذين
عرفوه. ردد ذات مرة وكتب: "الأنا" هي شخص آخر. وهنا لا يتعاطى
الشاعر مع الفلسفة الميتافيزيقية، بل هو يحاول ان يشرح التيار
العميق الذي اجتاح كيانه يوم ولد من جديد مع كتابة الشعر.
هذا
"الرجل المنتعل الريح" الذي كتب عنه كل شعراء ونقاد القرن العشرين،
نزل عليه المدح والهجاء من كل صوب، المديح طاول شعره والهجاء
حياته التي اتسمت بالفوضوية والشذوذ. ويبقى اجمل ما قيل فيه
انه "نقطة سوداء في سماء الشعر لربما، لكن هذه النقطة تجلب كل
النجوم باتجاهها".
رامبو
ابن الشعر الضال، لماذا كتب الشعر وهو الطالع من بيئة لا علاقة
لها بالشعر؟ بالطبع كان لاستاذه ايزامبار الفضل الكبير في توجيه
التلميذ الموهوب الى شغف القراءة والاطلاع على كتّاب العالم
الكبار. لكن موهبته الخارقة كانت كل البداية. البداية القريبة
جداً من النهاية، إذ ان اربع أو خمس سنوات في كتابة الشعر لا
تعد الفترة الطويلة نسبة الى المراحل الطويلة التي قضاها الشعراء
في التحضير لكتاباتهم.
لكن
يبقى السؤال المحير حتى اليوم: لماذا توقف رامبو عن كتابة الشعر؟
ومن قال انه توقف كلياً عن الامر خلال اقامته الطويلة في القارة
الافريقية؟ من يؤكد لنا انه لم يمر "بأزمات" شعرية حادة هناك؟
من يؤكد لنا انه لم يكتب أجمل القصائد ثم مزقها؟ هل كان يستفيق
الشعر في روحه خلال انشغالاته اليومية؟ كيف قاوم الشعر؟ ولماذا
قاومه؟ كل هذه التساؤلات بقيت معلّقة في سماء رحيله المؤلم،
ليبقى رامبو فتى اللغز الأكبر في تاريخ الشعر الفرنسي.
كوليت مرشليان
- المستقبل - السبت 18 أيلول 2004