رامبو
وزمن القتلة
في عام
1969 صدر عن "دار الهلال" بمصر كتاب رامبو / قصة شاعر متشرّد،
كتبه حينها الأديب السوري المرحوم "صدقي اسماعيل"، وكان فاتحة
اطّلاعنا على سيرة وأشعار الشاعر الفرنسي "جان آرثر رامبو" الذي
انطلقت أشعاره مع نور الشمس لتعمّ الأصقاع المختلفة من العالم
لشاعر يحمل رؤية وفلسفة في الحياة.
واليوم
نقرأ ترجمة جميلة للشاعر "سعدي يوسف" لكتاب "رامبو وزمن القتلة"
للروائي الأمريكي المشهور "هنري ميللر" والذي كان كتبه في العام
1955 بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد رامبو، حيث احتفلت الأوساط
الفرنسية بشاعرها المغامر، والذي بات اسمه على كلّ شفة ولسان..
"ولا يمكن القول إن شاعراً من العصر الحديث قد لقي نفس هذا الانتباه
والاهتمام"، ولما كان رامبو مازال مجهولاً في أمريكا فإن الروائي
المشاكس "هنري ميللر" أراد أن يعرف القارئ الأمريكي به عبر دراسة
حميمية ووجدانية لأدبه، تدفعه إلى ذلك رغبة متّقدة في إحياء
الشعر في بلاد لا تكترث به.
إن كتاب
"رامبو وزمن القتلة" يضيء لنا في البدء اكتشاف "هنري ميللر"
لرامبو في العام 1927 عن طريق امرأة كانت تسكن معه، ثم ازدادت
معرفته به بعد أن سافر إلى باريس، ولكن ذلك أخذ ثمانية عشر عاماً
بين بدء تعرفه على كتاباته في بروكلن، وبين باريس، "الآن فقط
وبعد ثمانية عشر عاماً من سماعي اسمه للمرة الأولى، أستطيع أن
أراه بوضوح، وان أقرأه قراءة المتبصّر. الآن أفهم كم عظيمة كانت
مأثرته، كم رهيبة كانت محنه.."، والمأثرة التي يتحدث عنها هنري
ميللر هنا هي قدرة الشاعر على التكيف مع حالة التشرد الكبرى،
بعد مغادرته مدينته ولم يتجاوز من العمر سبعة عشر عاماً، نحو
عوالم جديدة سعى إليها برغبة متّقدة في تحقيق وهم الحرية الذي
اعتراه وهو في هذه السن المبكّرة، حيث تجلّت أزمته العظمى في
لحظة الاصطدام الكبير بين الشاعر الذاهب إلى التعري من أخلاق
المجتمع البورجوازي الفاسدة، ومن وحشيته المدمرة وهو يستعد للانقضاض
على العالم، فيحيله إلى مستعمرات، ويجعل من سكانه عبيداً يرسفون
في الأغلال، وهي حالة لا يمكن لشاعر حسّاس مثل رامبو أن يقبلها،
فتتعدد سفراته، وتتعدد مغامراته في بلدان العالم المختلفة بدءاً
من بلجيكا ولندن وانتهاء بعدن، ليعيش الحياة التي أرادها، ومن
رسالة لأمه بعثها من عدن يقول: "لا تستطيعين أن تتخيلي المكان،
فلا شجرة حتى ولو كانت ذاوية، ولا تربة. إن عدن فوهة بركان خامد
مليئة برمل البحر. إنك لا ترين إلا الحمم والرمل في كل مكان،
هذه التي لاتنبت أضأل نبت، وهي محاطة برمال الصحراء. وهنا تصدّ
فوهة بركاننا الخامد، الهواء. وإننا لنشوى كما لو كنا في فرن
جيريّ." وهنا يتساءل ميللر قائلاً: كيف رضي إنسان عبقري، مفعم
بالطاقات العظيمة، أن يسجن نفسه، مشوياً متلوياً، في غار تعس
كهذا؟ نحن نعلم، بالطبع، أنه كان يصارع الأغلال، ويدبر تدابير
لا تحصى، ومشاريع من أجل أن يعتق نفسه، ليس من عدن فقط، ولكن
من كل عالم الكدح والعرق. إن رامبو وهو المغامر، كان مسكوناً
بفكرة الانعتاق التي ترجمها بصيغ الأمان المالي، لكي يغدو مستقلاً،
في أي مكان كان.. كانت لديه الجرأة على المغامرة في أراض لم
تطأها قدما رجل أبيض، وكانت حصيلة ما جمعه بعد مغامراته كلها
في عدن وهرر لاتزيد عن أربعين ألف فرنك، ولكن السرطان هاجم رجله
فكانت تلك نهاية أحلامه: "هذه الفرنكات الأربعون ألفاً ! أي
زمن مفزع بائس قضاه، وهو يحمل خميرته معه ! لقد كانت هذه الفرنكات
دماره عملياً، عندما حملوه من هرر إلى الساحل على محفة.." ويعزو
ميللر هذا الإصرار على جمع الأموال من قبل رامبو إلى أنه "الخوف
الذي يعرفه كلّ فنان مبدع؛ أنه غير مرغوب فيه، ولا يفيد العالم
بشيء.." أنه أمل موهوم بإمكانية شراء الحرية وفي ذلك بالضبط
تتحد معالم شخصيته، وأسباب إصراره على التشرد فوق أرصفة العالم
المختلفة هرباً من هذه القوة العمياء المسماة حضارة، وفي رسالة
له كتبها في العام 1888 من عدن يقول: "كلّ الحكومات جاءت لتبتلع
الملايين (وحتى المليارات) على هذه السواحل اللعينة الحزينة
،حيث يظلّ أهل البلاد شهوراً بلا غذاء ولا ماء، تحت أقسى مناخ
في الأرض.وكلّ هذه الملايين الملقاة في أحشاء البدو، لم تحمل
إلاّ الحروب، والكوارث" وتعليقاً على رسالة رامبو هذه يقول ميللر:
"أي صورة أمينة هذه.. لحكوماتنا العزيزة ! هذه الباحثة أبداً
عن مكان ما تعس، مضطهدة أو مبيدة السكان المحليين، مدافعة عن
ممتلكاتها ومستعمراتها، بالجيش والبحرية، لأولئك الذين يرفعون
الهراوة الاقتصادية.. أي مسخرة في أن على الشاعر المتوحد الهارب
إلى نهاية العالم من أجل تدبير معيشة بائسة.. أن يجلس مبسوط
الذراعين، وهو ينظر إلى الدول الكبرى تفسد حديقته." فهو في الوقت
الذي كان يجلس إلى فتية وفتيات هرر ليعلّمهم القرآن بلغتهم،
ستأتي الحكومات لتبيع هؤلاء في سوق النخاسة..
وتعظيماً
لسعيه للخلاص من وطأة القوّة يقول ميللر: هكذا هو أبداً لقد
جاء إلى العالم مثل عربي مقاتل، إن له قواعد وسلوك أخرى.. إنه
بدائي مسربل بكلّ نبل السلالة القديمة، بينما الناس اليوم في
عجلة من أمرهم نحو عالم جديد كلّ الجدة، عالماً من الرعب والمنع
يدقّ علينا الأبواب، "سوف نستيقظ يوماً، لنرى مشهداً عصياً على
الفهم، لقد ظلّ الشعراء والمتنبئون ينذرون بهذا العالم منذ أجيال،
لكننا رفضنا أن نصدّقهم.. إن نموذجاً أعلى تطوراً من باقي الأنواع
ـ وأنا هنا أقصد ب "الشاعر" كل أولئك الذين يسكنون في الروح
والمخيلة ـ لم يمنح إلاّ فترة الحمل نفسها، مثل سائر الناس،
وعليه أن يتمّ هذه الفترة بعد الولادة.."
يعتبر
ميللر أن موت رامبو المبكّر دفن عبقرية كان من الممكن لها أن
تقول أشياء كثيرة، هذا على الرغم من أنه سكت عن قول الشعر قرابة
العشرين عاماً (كان آخر عمل له "فصل الجحيم" كتبه في الثامنة
عشرة) ، وإن حمّى نشاطه المبكّر هذا ربما ينمّ عن الشعور بحياة
قصيرة مثله في ذلك مثل د.هـ . لورنس فهما حققا الكثير "إلاّ
أنهما لم يؤديا الدورة كاملة. وإذا أردنا أن نكون عادلين إزاءهما
فعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار، ذلك المستقبل الذي لم يحيوه..
إن أياً منهما، لو عاش ثلاثين عاماً أخرى، فلسوف يغني أغنية
مختلفة النغم، تماماً كانا دوماً متّحدين مع قدرهما. قدرهما
هو الذي خانهما.." وإلى ذلك فإن ميللر يعتبر النصف الثاني من
القرن التاسع عشر كان أكثر فترة حلّت عليها اللعنة في التاريخ،
فإلى جانب رامبو عانى كلّ من نيتشه، وسترندبرغ، ودستويفسكي مرّ
العذاب، ومن بين هؤلاء الشهداء المفعمين جميعاً بشارات المستقبل،
نجد أن فان غوخ هو الأقرب مأساة إلى رامبو: التشرّد، تبدّل المهن،
التقلبات، الإحباطات، والمهانات، وغيوم الجهل التي أحاطت بهما..
كلّ هذه الوقائع التي كانت مشتركة في حياتهما، جعلتهما ينتصبان
أمامنا مثل توأمين منكودين. إن حياتيهما من بين أشد الحيوات
التي سجّلت في العصر الحديث حزناً.
الشاعر
الرائي:
الأدب
الفرنسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان يعيش حالة
صراعية بين ثلاثة اتّجاهات: الواقعية والطبيعية، الرومانسية،
والبرناسية، وكان كلّ اتّجاه يسعى جاهداً إلى فرض رؤيته على
الآخرين، ثمّ جاء بودلير بموهبته الفذّة ليجمع بين هذه التيارات
في جدول واحد كان يسميه "عفوية الشاعر" وإن الشعر هو الشاعر،
هو هذه الفعّالية المبدعة التي تصهر العالم الخارجي والشاعر
في خيال مبدع أشبه ما يكون بالسحر... وقد استفاد رامبو من هذا
المفهوم الحي العميق للشعر فوضع فلسفته الجديدة التي أسماها
"فلسفة الرائي" وملخّصها أن الشاعر هو الذي يستشفّ بكلّ حواسه
وكيانه ما وراء الأشياء.. هو الذي يضع يده على الجوهر المقدّس
في كلّ مظهر من مظاهر الوجود، وينضح من أعماق نفسه موسيقى الشعر،
ولا يتاح له ذلك إلاّ إذا صار رائياً، إذا كان وجهاً لوجه أمام
المطلق، أمام اللانهاية.. عندئذ يصبح إحساسه موسيقى وانفعالاته
صوراً، وكلماته غناء، وتكون جميع حواسه في اتصال وتآلف، كما
لو أنه عاد إلى ينبوع واحد لها جميعاً...
وبعد
إعلان مذهبه هذا يعلن بملء إرادته أن كلّ ما كتبه من قبل يعتبر
باطلاً، وقد كتب إلى أحد أصدقائه قائلاً: "أحرقها، تلك إرادتي،
واعتقد أنك تحترم إرادتي كما تحترم وصية لميت، أحرق جميع الأشعار
التي كان من الحماقة أن أرسلها إليك خلال إقامتي في دوى.." وإثر
ذلك سيكتب رامبو قصيدتين هما أروع ما كتب، الأولى: "ما يقال
للشاعر عن الأزهار" والثانية "المركب النشوان"، وبهاتين القصيدتين
يرقى رامبو، وهو لم يتجاوز السابعة عشرة مرتبة أعظم شعراء فرنسا.
إن
قصيدته "المركب النشوان" هي صورة رمزية لمركب يتحدث عن رحلة
سحرية ينقذف فيها دون بحارة عبر أنهار منيعة، مزبدة الأمواج،
عجيبة الآفاق، متوجّهاً صوب البحر تباركه العاصفة، وتهدهده الزرقة
السكرى:
"ثمّ
غسلتني قصيدة البحر
وابتللت
بلمعان النجوم
وانطلقت
متلألئاً ناصعاً
لكي
أفترس الآفاق الخضراء"
ويرى
ميللر أن الإشارات والرموز التي يستخدمها الشاعر هي أوثق البراهين
على أن اللغة وسائل تعامل مع العَصي المُلغز، وأن الرموز إن
أصبحت قابلة للإيصال على كلّ مستوى، ستفقد حتماً صحتها وفاعليتها.
"وطلبك من الشاعر أن يتحدث بلغة رجل الشارع، يماثل انتظارك من
النبي أن يوضّح نبوءاته، والمسألة هنا ليست مسألة تربية لفظية،
وإنما التطور الروحي.."
وعن
الطيور الذهبية التي تحفل بها قصائده، يذهب ميللر إلى أنها ليست
حمائم ولا جوارح، إنها تسكن الأنواء، رسلاً تحضنها الظلمة، وتنطلق
في نور الإشراق.. إنها طيور الروح العابرة المتنقّلة من شمس
إلى شمس، وهي ليست سجينة القصائد، وإنما هي حرة، متحررة، لن
يتقبلها مجتمع الثقافة في باريس وقد هزّ كيانه هذا الشاب المقبل
من الريف، وسينسحب الشاب من هذا المجتمع ومن الأدب غير آسف:
"رامبو كان ذئباً وحيداً. وهو لم ينسلّ خفية من الباب الخلفي
وذيله بين رجليه. لم يفعل شيئاً كهذا، البتة، فقد وضع إبهامه
على أنفه، وبسط أصابعه بوجه جبل "بارناس"، وبوجوه القضاة والقساوسة
والمعلمّين والنقاد والنخّاسين والأغنياء والمشعوذين الذين يتألف
منهم مجتمعنا الثقافي الشهير. (لا تخدع نفسك فتظنّ ان عصره كان
أسوأ من عصرنا! لاتظنّ لحظة أن هؤلاء التافهين، والحمقى، والضباع،
والفارغين على كلّ مستوى قد اختفوا) ـ وما بين القوسين المعترضين
لميللر الذي يتابع قائلاً: لا.. لم يكن قلقاً من أنه لن يُتقبل..
لقد احتقر الحاجات التافهة التي يتوق إليها أكثرنا. كان يرى
فيها كومة نتنة، ويرى أن كونه صفراً تاريخياً آخر لن يؤدّي به
إلى مكان. كان يريد أن يحيا، يريد فضاء أوسع وحرية أكثر.
الكتاب:
رامبو وزمن القتلة
المؤلف:
هنري ميللر
المترجم:
سعدي يوسف
الناشر:
دار المدى. دمشق 1998