حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

قرن ونصف القرن على ميلاد الذئب الوحيد

ليس هناك قصة حياة اقرب الى الأسطورة من قصة حياة الشاعر آرتور رامبو (1854-1891)‚ عندما كان في السادسة عشرة من العمر كتب واحدة من اشهر قصائد الشعر الفرنسي ثم سرعان ما صدم باريس البوهيمية بتعاطيه للمخدرات واقامة علاقة شاذة مع الشاعر يول فيرلين (1844-1896)‚ كتب رائعته «فصل في الجحيم» في أشهر قليلة (وهي المجموعة الشعرية الوحيدة التي نشرها وهو على قيد الحياة) ويقال انه احرق النسخ المطبوعة منها (وعندما اكتشفت بعض النسخ بعد وفاته في أرشيفه الخاص طلب الوصي على تركته الأدبية اعدامها لكي تأخذ الأسطورة مظهرا حقيقيا)‚ بعد ذلك راح يجوب المعمورة ويمارس اعمالا غريبة‚‚ اغرب ما تكون عن الشعر‚ ولم يكتب كلمة اخرى‚

في العادة يعتبر ابداع الشاعر وما يقدمه من اعمال بمثابة ترياق مفيد للميل نحو الأسطرة ولكن الاعمال التي تركها رامبو محدودة وملتبسة‚ شعره كله أقل من مائة قصيدة قصيرة‚ والنص النثري (فصل في الجحيم) لا يزيد على سبعة آلاف كلمة وقصائده النثرية المعروفة بـ «اشراقات» (آخر ما كتب من شعر) الى جانب 250 رسالة وبضعة نصوص اخرى‚‚ كل ذلك يكون مجلدين بالكاد‚ شعره يتراوح بين قصائد ملهمة وخربشات صبيانية معظم رسائله أكاذيب واضحة وبعض كتاباته الاخرى مشكوك في صحتها‚ هذا بالنسبة للأعمال التي تركها‚ اما المصادر الاخرى فحافلة بمشكلات والتباسات اضافية‚ مذكرات اقاربه واصدقائه السابقين عبارة عن منازعات متضاربة ومشكوك في صحتها كذلك وبالرغم من ذلك كله حاول كثير من النقاد «استخدام» رامبو وأعماله كمرآة تعكس اهتماماتهم الخاصة‚ وبكلمات الناقد «غراهام روب» ‚‚ تم احياء رامبو باعتباره شاعرا رمزيا وسيرياليا وشاعرا حديثا ومتمردا طلابيا وشاعرا غنائيا ورائد شذوذ ومدمنا للمخدرات كما كان يستشهد به ويتوسله فنانون كبار مثل بيكاسو وجيم موريسون وعلى الرغم من ذلك كله تظل الاسئلة الاساسية عن حياته دون اجابة شافية كيف استطاع ان يكتب شعرا كهذا في مثل تلك السن الباكرة؟ ولماذا هجره؟ وهل هجره أم أن ما كان يريده لم يأته؟ وهل كان يريده حقا؟

السنوات الأخيرة شهدت اصدارات كثيرة حاولت كلها ان تتناول هذا الشاعر تناولا شاملا فالى جانب سيرة الحياة التي كتبها روب ــ وهي اكثر الاعمال المكتوبة بالانجليزية شمولا على مدى نصف القرن ــ هناك الآن «رامبو‚‚ كاملا» الصادر عن مودرن ليبراري بترجمة وتحرير «يات ماسون»‚ كان المجلد الاول الصادر بالانجليزية عام 2002 يضم كل اشعار رامبو بالاضافة الى كتابات لم يسبق نشرها تتنوع بين موضوعات التعبير في المدرسة ونثار قصائد تم تجميعها عن طريق المعارف والاصدقاء وقبل اشهر صدر المجلد الثاني‚

يقول ماسون ان الرسائل تحاول ان تصحح الصورة وتوضح الجانب الرصين منها ــ الا انها ــ ولا نعرف ان كان ذلك قد تم بقصد أو دون قصد من المحرر ــ قد اوضحت كل شيء فلم تكشف عن ان الشاعر كان ذميما وبغيضا ولحوحا وكثير المطالب فحسب بل لعلها فعلت ما هو اكثر من ذلك كشفت الرسائل انه بعد ان ترك الشعر لم يفكر فيه على الاطلاق وهنا يقفز الى الذاكرة قول «كامو» «للابقاء على الاسطورية لا بد من تجاهل هذه الرسائل» كان «كامو» يرى انها يمكن ان تكون «مدنسة» شأن الحقيقة احيانا‚

بدأت اسطورة رامبو منذ لحظة مولده في العشرين من اكتوبر عام 1854 في مدينة شارلفيل الصغيرة (في مقاطعة الاردين شمال شرقي فرنسا) البعض يقول انه ولد وعيناه مفتوحتان دلالة على «الرائي» الذي سيكونه في قادم السنوات ويقول آخرون ان المولود فاجأ القابلة عندما وقفت مدهوشة مشدوهة وهي تراه يحبو في اتجاه الباب وهكذا ــ في نظرهم ــ يكون رامبو «مشاء» المستقبل او «العابر بنعال من ريح»‚ في طفولته كان رامبو قليل الاهتمام باللعب مثل سائر الاطفال ولكن موضوعات التعبير التي كان يكتبها في المدرسة اكسبته شهرة العبقرية‚ شارك في مسابقة لكتابة الشعر وهو في الخامسة عشرة‚ نام الساعات الثلاث الاولى من زمن المسابقة ثم تناول افطاره وقبل انتهاء الوقت المحدد سلم قصيدته وفاز بالمسابقة‚

رسائل رامبو التي بقيت تبدأ تقريبا من تلك المرحلة في حياته وللوهلة الاولى يتضح فيها ذلك المزيج الغريب من المداهنة والعناد والاصرار على تلبية مطالبه وهي صفات سوف تظل ملازمة له طوال حياته‚ في رسالة عجلى لاستاذه جورج ايزمبار يتبدى ميله للاثارة وعندما كتب للشاعر «تيودور بانفيل» محرر انطولوجيا «البرناسي المعاصر» نجده يقلل من شأن نفسه رغم فتنته بوعده الخاص: استاذي العزيز حاول ان تحتفظ بهدوئك وانت تقرأ قصائدي لا تضحك‚ لا تبتسم‚ بوسعك ان تدخل السعادة على قلبي وأن تزرع الأمل في نفسي لو انك وجدت لها مكانا ولو صغيرا بين البرناسيين‚‚ طموح؟ جنون؟! كان آنذاك في الخامسة عشرة وأرفق برسالته ثلاثة نماذج من اشعاره كان من بينها قصيدته «احساس»: في اماسي الصيف الزرق‚ سأمضي عبر الدروب‚ ينقر القمح أقدامي‚ ادوس العشب النابت حالما‚ سأحس بندواته‚ وأدع الريح تضمد رأسي الحاسر‚ لن اتكلم لن افكر في شيء‚ لكن الحب اللامتناهي سيتصاعد في نفسي وسأمضي بعيدا‚ بعيدا جدا مثل بوهيمي عبر الطبيعة سعيدا كما لو مع امرأة‚

وهي غنائية تقوم بعملية تقطير لأعمال الأسلاف على نحو اصيل كما حدث بالنسبة للوحة «مونيه» الانطباعية الشهيرة «شروق الشمس» تلك اللوحة التي ستبدأ الحركة الانطباعية في التصوير بعد ذلك‚ باستخدام رامبو للزرقة لوصف ليالي الصيف لعله كان يتطلع الى «السيريالي» الذي سيكونه ايضا بعد سنوات قليلة من ذلك اما تركيزه على ما يشعر به اكثر منه على ما يرى فهي عملية مزج بين افكار شعر الطبيعة عند البرناسيين والانجذاب الشديد نحو الحسية‚

وفي مايو 1871 كتب رامبو الرسالتين اللتين ستعرفان بـ «خطابات الرائي» وفيهما نجد تعبيرا واضحا عن عقيدته او بيانه الشعري‚ الاولى موجهة الى «ايزمبار» وتبدأ باهانة الشعر الذاتي الجاف وتتضمن اغنية قصيرة رتيبة: «اهبط الآن الى اسفل الدرجات‚ لماذا؟ اريد ان اكون شاعرا وأحاول ان اصبح رائيا‚

لن تفهم كل شيء وربما لا استطيع ان اشرح لك يجب ان تصل الى المجهول باجراء خلل لكل المعاني‚ العذاب كبير‚ ولكن ينبغي ان تكون قويا وأن تكون قد ولدت شاعرا‚ ولقد اكتشفت انني شاعر وهذا ليس ذنبي‚ من الخطأ ان تقول انني افكر يجب ان تقول انهم «يتفكرونني»‚ انا آخر ! معذرة لهذا اللغو واللعب بالكلمات»‚ الرسالة الثانية الى صديق ايزمبار‚ بول ديميني (وهو شاعر شاب كان قد تعرف عليه قبل عام في دوية) وفيها تكرار وتفصيل لقراراته التي ستجيء سريعا: «اول مهمة لمن يريد ان يصبح شاعرا هي ان يعرف نفسه تماما‚ ان يبحث عن روحه يفتش فيها‚ يختبرها‚ يفهمها‚ الشاعر يجعل نفسه رائيا عن طريق تعطيل وتلويث كل الحواس يمارس كل أنواع الحب والمعاناة والجنون‚ يبحث عن ذاته‚ ينهك كل ما يمكن بحيث لا يبقى سوى الجوهر ولكن رامبو لم يستطع ان يحقق ذلك بمفرده‚

ولكن حياته في افريقيا لم تكن غامضة كما يوحي اسلوبه في استدراء العطف‚ ما كتبه تشارل نيكولز عن تلك السنوات بعنوان: شخص آخر‚‚ آرتور رامبو في افريقيا يكشف ان اصدقاءه كانوا يتذكرونه باستمرار باعتباره محدثا جميلا ورجل اعمال بارعا استطاع ان يغوص في ثقافة المنطقة‚ اثناء وجوده في هرر‚ عاش مع امرأة محلية عاما ونصف العام وكان لديه خادم يحبه لدرجة انه جعله المستفيد الوحيد من وصيته وهناك شهادات كثيرة وأدلة على اهتمامه بالثقافة العربية وبالاسلام وأنه كان يحتفظ بخاتم محفور عليه الاسم الذي اختاره لنفسه وهو عبده رامبو وليس صحيحا انه لم يكن هناك من يكاتبه فقد اختار ماسون ان يستبعد من هذه الطبعة من الكتاب اكثر من ثلاثين رسالة منه الى «ألفرد الج» ــ تاجر سويسري ــ بزعم انها لا تتضمن سوى معلومات عن اعمال تجارية بيد ان الاقتباسات التي نشرها آخرون من هذه الرسائل توحي بأن الاتـــصالات التي جرت بين الرجلين (33 رسالة) خلقت بينهما علاقة حميمة وأن الرسائل وان كانت مراسلات عمل الا انها تكشف عن شخصية رامبو المرحة وقدرته الفذة على الوصف‚

الحدث الأهم في مرحلة عمل رامبو في افريقيا هي تجارة السلاح التي مارسها لحساب «منليك» ملك «شوا» في قلب اثيوبيا ويقال انه تاجر بالعبيد وان كان ذلك ليس مؤكدا‚

في 1888 كتب الى امه وشقيقته «‚‚‚ ضجر طوال الوقت‚ لا أجد شيئا مهما للقول‚ صحارى يسكنها زنوج اغبياء‚ لا طرقات‚ لا بريد‚ لا مسافرين‚ عم تريدوننا ان نكتب من هنا؟ عن اننا نضجر ونمل ونصبح اغبياء؟ وكما ان الامر لا يسلي احدا فالسكوت افضل!»‚ كانت امه تحاول ان تقنعه بالزواج وكان يرد عليها بأنه ليس لديه الوقت للبحث عن زوجة ولكن رأيه تغير في أغسطس 1890 عندما سأل امه في احدى رسائله: «هل يمكن ان اجيء للزواج عندكم في الربيع المقبل؟ الا انني لا يمكنني ان اقبل بالاقامة بينكم ولا بالتخلي عن اعمالي التجارية هنا‚ هل تظنين انني يمكن ان أجد من تقبل ان ترافقني في اسفاري؟»‚

يبدو ان رامبو كان يستشعر اقتراب نهاية الرحلة اذ عندما عاد الى «هرر» في فبراير 1891 زادت آلام ركبته اليمنى حيث نقرأ في رسالة الى امه: «حالتي تسوء في الوقت الحاضر‚ تؤلمني وتوجعني على الاقل الدوالي في ساقي اليمنى‚ هذا ما نفوز به من عملنا في هذه البلاد التعيسة (‚‚‚‚‚) اشترى لي الجوارب المخصصة لمرض الدوالي‚‚ لساق طويلة ومتيبسة بانتظار ذلك احتفظي بقدمي مربوطة»‚ ولكن عندما وصلت الجوارب كانت ساقه قد تورمت وكان لا بد من العودة الى عدن للعلاج لكنه لا يستطيع السير أو ركوب دابة كتب في 30 أبريل 1891:

تلقيت رسالتك والجوارب في ظروف بائسة بعد انتفاخ ساقي وتورم ركبتي وتفاقم آلام المفاصل‚ قررت العودة الى عدن‚ اعيش وحدي في «هرر» بين الزنوج‚‚ لا دواء ولا نصيحة‚‚ اقتضى ذلك مني ان اتخلى عن اعمالي التجارية ولم يكن الامر سهلا‚ توصلت الى تصفية كل شيء تقريبا‚ الألم شديد والنوم لا يعرف طريقه الي عيني‚ استأجرت 16 حمالا زنجيا وطلبت صنع نقالة ليحملوني عليها‚ توصلت الى اجتياز ثلاثمائة كيلومتر في الصحراء بين جبال «هرر» وميناء «زيلع» في 12 يوما‚ بعد وصوله ادخل المستشفى الاوروبي ثم سافر الى مرسيليا بالبحر وفي الثاني والعشرين من مايو ابرق الى امه «تعالي انت أو ايزابيل الى مرسيليا اليوم بالقطار السريع‚ سيتم بتر ساقي صباح الاثنين‚‚ خطر الموت !»‚ ومات بالفعل في مرسيليا في العاشر من نوفمبر 1891 ودفن في مدافن العائلة في مسقط رأسه شارلفيل‚ لم يمش احد وراءه الى القبر سوى امه وشقيقته‚ ووضعت شاهدة تشير الى قبر التاجر جان آرتور رامبو اما شاهدة قبر الشاعر فلم تظهر الا في عام 1946 أي بعد سبع وخمسين سنة من موته عن طريق جماعة مرسيليا الأدبية‚

هل رسائل رامبو الافريقية مدنسة بالفعل للمقدسات ومنتهكة لحرمة الاسطورة كما كان يقول «كامو»؟ المؤكد انها لا ترسم صورة ايجابية أو مرضية للشاعر فهي لا تكشف الا عن رجل «عادي»‚«نثري»‚«مبتذل»‚«تاجر»‚ من جانبهم‚ حاول النقاد تجاهل المرحلة الثانية من حياته ليزعموا ان رامبو في افريقيا كان «شخصا آخر»‚ بالمعنى الحرفي للكلمة اذ ليس هناك شاعر حقيقي يمكن ان يتخلى عن فنه كلية دون نظرة واحدة ــ خاطفة ــ الى ماضيه‚ ولكن السؤال الاكثر صعوبة الذي تثيره حياة رامبو هو: ماذا نقول عن فنان ينتهي عمله قبل ان يصل الى مرحلة النضج؟ كيف يهجر الشاعر الواعد الشعر تماما بعد اعمال مثل المركب السكري وما فيها من رؤى مدهشة‚ واشعاره المرئية وما فيها من سيريالية واشراقاته وما فيها من تصوير رائع؟ رامبو كان يمضي ــ كما يقول في قصيدته بوهيميتي ــ وقبضتاه في جيبيه المثقوبين!.

 

طلعت الشايب


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri