عدن
قاعدة سياحية
كانت
عدن ذات يوم أجمل و"أرخص" مدينة في الجزيرة العربية. وكانت أمنية
كل من ركب سفينة أن يتمكن من التوقف فيها ولو لساعات. واليوم
نتوق إلى أن تصبح مدينتنا عدن مدينة جميلة كي نسعد بمشاهدتها
نحن وأولادنا وضيوفنا و...كذلك السيّاح. والسؤال هو: كيف يمكن
أن تتحقق تلك السعادة، لنا وللسياح؟ ما السبيل إلى جعل عدن مدينة
سياحية حقاً وإنقاذها من شبح سياحة "الباراموتوهوتيلات"؟
في البدء
أعتقد أنّ علينا أن نذكر أنّ عدن مدينة قديمة وتمتلك، مثل كثير
من المدن اليمنية، مخزونا كبيرا من الموروث الثقافي الشعبي والعمراني
بالإضافة إلى بحرٍ أزرق دافئ وجبال شاهقة الارتفاع.
ولنبدأ
بالموروث العمراني أي بالمعالم الأثرية التي - لو تمّ الاهتمام
بها بشكل ذكي- يمكن أن تجعل من عدن - من جديد- محطة إجبارية
للسياح القادمين إلى اليمن. فمن حسن حظ عدن أنها لم تعد عاصمة
سياسية أو قاعدة عسكرية. وأعتقد أنه صار بالإمكان التفكير في
تمكيننا نحن والسياح من اكتشاف تحصينات عدن الأثرية والبغدات
وشبكات توزيع المياه (السدود) الموجودة فوق الجبال وليس فقط
قلعة صيرة والصهاريج. يقال إن هينز قد رمم تحصينات عدن ليحميها
من هجمات أهلها العرب والمستعمرين الآخرين وليجعلها قاعدة عسكرية.

فلنرمم
نحن تحصينات عدن - فهي بحق من أهم المعالم الأثرية في اليمن-
لنجعل من عدن قاعدة سياحية. وأرى كذلك أن أندية عدن يمكن أن
تبادر إلى تشجيع رياضة تسلق الجبال قبل أن يفكر وكلاء الوكالات
السياحية العالمية في احتكار جبالنا.
وفي
مجال العمران أيضا، يوجد في عدن أنماط من المنازل لا يمكن العثور
عليها في أي مدينة يمنية أخرى: بيوت ذات طوابق خشبية ومشربيات
مميزة وواجهات علوية مصبوغة باللون الأسود وتتوسطها مسهّمات
بيضاء (وهذا على ما يبدو من اللمسات الهندية في عدن). وحبذا
لو سارعت السلطة المحلية في عدن إلى وقف حملات الهدم التي تتعرض
لها تلك المنازل القديمة وشجعت بشكل ملموس أصحابها على المحافظة
عليها وصيانتها. فهي جزء من ذاكرة المدينة.
من المؤكد
أن ذكرى الشاعر الفرنسي يمكن أن تجذب آلاف السياح إلى عدن
أما
في مجال التجارة، ليس من المعقول أن ينتظر التجار أن تصبح عدن
بأكملها (من العَلم إلى دار سعد إلى جولد مور) منطقة حرة كي
يكتشفوا سياسة سعرية ذكية تمكن المدينة من استقطاب الريالات
والدولارات من كل جيب وصوب. ويمكن أيضاً التفكير في تنظيم مهرجان
متواضع للتسوق أي للبيع والشراء وليس للمعاكسة والتحرش بالنساء.
وسيكون من المناسب العمل على مزامنة هذا المهرجان مع موعد إحدى
الزيارات أو المواسم الشعبية.

وأخيراً
لابد من تشجيع المترجمين والباحثين على ترجمة ما كتبه الأجانب
عن عدن ودراسته ونشره وتنظيم الندوات حوله، والكشف، من خلال
تلك النصوص، عن أبرز المعالم التي يمكن أن تجذب السياح في المدينة.
ويمكن كذلك الاهتمام بالمواقع التي سكنها بعض الرحالة الأجانب
المشهورين. ونذكر هنا أن النهاية المؤسفة التي لحقت بـ "دار
رامبو" الذي كان بمثابة كعبة يزورها سنويا عدد ليس بالقليل من
السياح الأجانب، قد جعل معظم وكالات السياحة لا تتردد في حذف
عدن من مسار أفواجها في اليمن. ولاشك أن الدراسة الجيدة لما
كتب عن عدن في الأدلة السياحية الفرنسية والإنجليزية ستساعدنا
على خلق معالم سياحية جديدة. فمن المعلوم أن السياحة - من بين
أنشطة أخرى كثيرة- صارت اليوم تحتوي على قدر كبير من الصناعة.
د. مسعود
عمشوش