
الإبداع
تذكر
في تحديد الإبداع،
أو الإبداعية
Creativity لدى الإنسان
تعريفات متعددة
في الدراسات
النفسية والنقطة
المشتركة بين
هذه التعريفات
الإشارة إلى
«خاصة الإبداع»
أو «القدرة
على الإبداع»،
وإلى وجودها
لدى الأشخاص
المبدعين بوجه
خاص. وتكون
هذه القدرة
من مستويات
متعددة، وتبدو
في أشكال من
السلوك المبدع،
وفي مقدمة
ما يشمله هذا
السلوك: التأليف
والتخطيط والاستنباط
والاختراع.
فإذا
وضع الإبداع
موضع التحليل
من حيث ما يشمله
من نشاط مبدع
أمكن القول
إنه القدرة
على حسن تفهم
علاقات قديمة
في خبرة الشخص،
وتصور أو استنباط
علاقات جديدة،
والانتهاء
من الاختيار
والتمييز بين
الإمكانات
المتعددة إلى
حلول مبتكرة
وذات معنى
لمسألة أو
موضوع. ويحتمل
في هذا الموضوع
أن يكون فكرياً
أو أن يكون
متصلاً مباشرة
بما هو مادي.
من هذه الزاوية
تبدو هذه القدرة
في نوع الانفكاك
في منظومات
فكرية سابقة
أخذت صيغة
جديدة تنطوي
على الأصالة
وتوصف بالإبداع
أو الابتكار.
الاهتمام
بالإبداع:
إن المبرزين
في مختلف ميادين
الأعمال كانوا
دوماً موضع
تقدير الناس
واهتمامهم.
إلا أن دراسات
غالتون Galton في
إنكلترة عام
1869 كانت في مقدمة
ما لفت أنظار
العلماء إلى
العباقرة والبحث
في مكونات
عبقريتهم.
لم يحاول غالتون
جدياً فهم
العمليات العقلية
الموجودة في
إبداع العباقرة
لأفكارهم الجديدة،
بل اتجه بدراساته
نحو محدِّدات
الإبداع الوراثية.
ولقد
اهتم ـ أكثر
من اهتم ـ بدراسة
الأسر التي
أنتجت العباقرة
وبصلات القربى
فيها. ثم أصبحت
دراساته من
«كلاسيكيات»
علم الوراثة
وإن لم يتوصل
إلى تعيين
ماهية الإبداع
وكيفية توارثه.
على
أن دراسات
علم النفس
للذكاء والمتفوقين
فيه [ر. الذكاء
وقياسه]، والموهوبين
منهم بوجه
خاص، واستعمال
طرائق علمية
مبتكرة في
ذلك، مثل التحليل
العاملي، هي
التي يسّرت
لعلماء النفس
في النصف الثاني
من القرن العشرين
فهم الإبداع
وتحديد عوامله
وروزه والاهتمام
بالكشف عنه
وتربيته.
ومن
الممكن القول
أن النصف الأول
من القرن العشرين
يتصف باهتمام
خاص يتجه نحو
الذكاء وروزه،
وفهم طبيعته،
وظهور روائز
الذكاء الأولى
وتطورها وانتشارها،
في حين أن النصف
الثاني منه
يتصف بالاهتمام
المتجه نحو
الإبداع وروزه
والمبدعين
وتربيتهم بغية
الوصول إلى
مزيد من إنماء
إبداعهم والإفادة
من مواهبهم.
ويعدّ
عام 1950 نقطة تحول
في دراسة الإبداع
وفهمه. والعوامل
في ذلك كثيرة
بينها آثار
الحرب ودراسات
الذكاء.
فقد
استدعت الحرب
العالمية الثانية
بذل جهود عظيمة
للاختراع والتجديد
والابتكار
في مختلف ميادين
الحياة، ولاسيما
ما اتصل منها
بأدوات الحرب
والقتال. وكان
بين ما وقع
في ذروة المخترعات
القنبلة الذرية
وما إليها
من أسلحة الدمار
الهائلة. وبعد
انتهاء الحرب
وحلول السلام
بدأ عصر الفضاء،
وذلك حين أطلق
الروس قمرهم
الصناعي الأول
«سبوتنك» ثم
تصاعد السباق
بين الدولتين
العظميين،
ولحقت بهما
دول أخرى،
وظهرت الصواريخ
وأشكال الحاسوب
وتقنياته،
وبرز تطور
كبير وسريع
في كل هذه المجالات.
وكان مما لحق
بذلك كله ازدياد
الطلب على
المبدعين والمخترعين
والكاشفين،
كما ازداد
الإلحاح على
علماء النفس
والتربية للكشف
عن المبدعين
ومميزاتهم،
ودراسة الإبداع
وعوامله وتربيته،
وتهيئة المبدعين
للإفادة منهم
في مختلف ميادين
العلم والعمل
وتقنياته.
ومن
جهة أخرى قدمت
دراسات تيرمان
Terman ومعاونيه
عن العلاقة
بين الذكاء
والإبداع قاعدة
غنية للتوسع
في الاهتمام
بالإبداع والمبدعين.
ففي عام 1920 بدأ
تيرمان ومعاونوه
دراسة طويلة
الأمد لفريق
من الأطفال
في كاليفورنية
بالولايات
المتحدة الأمريكية
يقدر عددهم
بربع مليون
طفل كان بين
نتائجها استخراج
من يزيد حاصل
ذكائهم على
140، وهو حاصل
ذكاء لا يشاهد
لدى أكثر من
1٪ تقريباً
من الأطفال.
وقد كشف هؤلاء
الباحثون أن
ألفاً وخمسمئة
طفل، من أصل
ربع مليون
طفل، كانوا
موضوع الدراسة،
بلغ متوسط
حاصل ذكائهم
مئة وخمسين،
وكان بينهم
ثمانون بلغ
حاصل ذكائهم
مئة وسبعين
أو أكثر، ولقد
تابع الباحثون
دراسة هؤلاء
الأذكياء مدة
تزيد على ربع
قرن، وقدمت
هذه الدراسات
خدمة كبيرة
في فهم معنى
الإبداع والموهبة
والعبقرية
والعوامل التي
ترتبط بذلك
والإنجازات
التي تظهر
مع الإبداع.
طبيعة
الإبداع:
يقدر
العلماء أن
نسبة المبدعين
المرموقين
بين الناس،
منذ فجر التاريخ
لا تتجاوز
اثنين في المليون،
وقد تساءل
الناس دوماً
عن سبب ندرة
المبدعين وعن
العلاقة بين
العبقرية والتربية.
ومن هنا كانت
المشكلة الحاضرة
مع الإبداع
مشكلة ذات
وجهين، أولهما
كشف المقدرات
الإبداعية
الواعدة عند
الأطفال والشباب،
وثانيهما كيفية
تنمية شخصياتهم
المبدعة.
وبدهي
أنه لا فائدة
من محاولة
الإجابة عن
هذين السؤالين
ما لم تعرف
ماهية الإبداع
وتحدد عوامله
وما لم يتم
التوصل إلى
طرائق للكشف
عنه لدى الأحداث
والشباب والعمل
على تنمية
شخصياتهم المبدعة.
إن ثمة
قناعة عامة
عند علماء
النفس المتخصصين
بدراسة الإبداع
تذهب إلى أن
جميع الأفراد
يملكون، إلى
درجة ما، كل
القدرات، ولا
يستثنى من
ذلك إلا الحالات
المرضية. ولذلك
فإننا نستطيع
أن نتوقع وجود
الأعمال الإبداعية
عند جميع الأفراد
بقطع النظر
عن مقدارها
وقوتها وتكرارها،
بيد أن العلماء
مجتمعون على
توقع الأعمال
المبدعة من
الأعظم ذكاء
أكثر ممن هم
أقل ذكاء،
ويستدرك علماء
النفس فيقولون:
ليس كل متفوق
في الذكاء
عبقرياً وإن
كان العكس
صحيحاً. ومعلوم
أن روائز الذكاء
العادية لا
تروز الإبداع
بقد رما تروز
وظائف عقلية
تتأثر كثيراً
بالإنجاز المدرسي
والمعلومات.
لقد
لجأ غيلفورد
Guilford إلى التحليل
العاملي لتبيُّن
القدرات العقلية،
ورسم لذلك
مكعباً مشهوراً
يعرف باسم
«مكعب غيلفورد»
أظهر فيه وجود
مئة وعشرين
قدرة أو عاملاً
للنفس البشرية.
ووضع عدداً
من الفرضيات
عن طبيعة التفكير
الإبداعي.
وكان في ذهنه،
حين وضع هذه
الفرضيات،
نماذج من المبدعين
من مثل العالم
والفنان والمخترع،
وكان يعتقد
أن ثمة فروقاً
بين أنواع
الإبداع وفي
ميادينه المختلفة.
وذلك مع اعتقاده،
بوجود عوامل
مشتركة بين
المبدعين وأنماط
قدرتهم. ويرى
غيلفورد أن
القدرات الأولية
التي يمكن
أن تسهم في
الجهود الإبداعية
لمختلف المبدعين
هي من مكونات
المحاكمة،
ولكنه يخص
بالذكر منها
الإحساس بالمشكلات
والطاقة والمرونة
والتجديد والتوسيع
والقدرة التركيبية،
والقدرة التحليلية
وإعادة التنظيم
والتقعيد والتقويم.
بيد أن تورانس
Torrance وكاتيناKhatena
وغيلفورد،
وهم القادة
في روز قدرات
التفكير المبدع،
يولون الأهمية
لقدرات أربع
هي: الطلاقة
والمرونة والأصالة
والتوسيع أو
التفصيل.
الطلاقة
Fluency: هي القدرة
على إنتاج
الكثير من
الأفكار فيما
يخص مهمة ما.
ومعنى هذا
أن الشخص القادر
على إنتاج
عدد كبير من
الأفكار في
وحدة زمنية
معينة فإنه
- إذا تساوت
الشروط الأخرى-
يكون صاحب
حظ أكبر في
إبداع أفكار
ذات معنى. ويوجه
غيلفورد ومعاونوه
اهتماماً شديداً
ودقيقاً للعوامل
المكونة للطلاقة.
وقد وجدوا
أن لها في فئة
الاختبارات
الذهنية (أو
الكلامية)
وحدها ثلاثة
عوامل مميزة
هي: الطلاقة
الفكرية والطلاقة
الترابطية
والطلاقة التعبيرية.
المرونة
Flexibility: هي القدرة
على إنتاج
الأفكار التي
تظهر تحرك
الإنسان من
مستوى تفكير
إلى آخر أو
تظهر نقلاته
التفكيرية
في حال مهمة
معينة. أما
الأفكار التي
تكرر الأعمال
ذاتها فإنها
لا تظهر مثل
هذه النقلات
التفكيرية.
وعلى هذا فإن
مرونة الفكر
ذاته أو سهولة
تغييره لتهيئه
النفسي، عامل
مهم من عوامل
الإبداع.
والإنسان
الذي يقف عند
فكرة، أو يتصلب
بشأن طريقة
من الطرائق،
هو أقل قدرة
على الإبداع
من إنسان مرن
التفكير قادر
على التغيير
حين يكون ذلك
لازماً. ويميز
غيلفورد بين
أنواع المرونة
مثل: المرونة
العفوية والمرونة
الكيفية وسواهما.
التفصيل
أو التوسيع
Elaboration: هو القدرة
على إضافة
التفاصيل إلى
فكرة أساسية
ثم إنتاجها.
وهكذا ففي
واحد من الاختبارات
يُعطى الممتَحَن
مخططاً بسيطاً
لموضوع ما
ويطالَب بتوسيعه
ورسم خطوات
تؤدي إلى جعله
عملياً، وبطبيعة
الحال فإن
الدرجة التي
يحصل عليها
تتناسب مع
مقدار التفصيلات
التي يعطيها.
الأصالة
Originality: هي القدرة
على إنتاج
أفكار غير
عادية ولا
يستطيع إنتاجها
الكثير من
الناس وذلك
بوصفها أفكاراً
بعيدة عن المألوف
وذكية.
ويميز
علماء النفس
المختصون في
دراسة الإبداع
بين نوعين
من التفكير
هما التفكير
المطابق Convergent
thinking والتفكير
المجانف Divergent
thinking ويرون أن
بعض الناس
يتصفون بتفكيرهم
المجانف وهم
المبدعون حقاً.
إنهم لا يقبلون
المألوف بل
يخرجون عليه
طلقين مرنين
متوسعين أصيلين.
على أن كل نوع
من نوعي التفكير
هذين ألزم
لبعض الناس
من النوع الآخر.
وقد أضاف تورانس
ومعاونوه فيما
بعد قدرات
جديدة مثل
القدرة على
التجديد والقدرة
على التحليل
والتركيب والقدرة
على الإغلاق
Closure أي القدرة
على تأجيل
إكمال مهمة
ما إلى وقت
يسمح بإنتاج
الأفكار الأصيلة.
نموّ
الإبداع
يرى
تورانس أن
بعض الأطفال
يبدون، منذ
الولادة، أكثر
إبداعاً من
بعضهم الآخر.
إنهم يبدون
فعالين نشيطين
ويظهرون كأنهم
يلاحظون كل
شيء ويستجيبون
لكل صوت أو
رائحة أو صورة.
إنهم يتعلمون
بسرعة كيف
ينقلون حاجاتهم
وطلباتهم إلى
من حولهم وكيف
يفسرون سلوك
هؤلاء الذين
يحيطون بهم.
إنهم يتفحصون
كل شيء ويحشرون
أنوفهم في
كل شيء، وحينئذ
يقال عنهم
إنهم فضوليّون.
ومن
الغريب أن
هذه الفروق
الفردية في
الإبداع التي
تبدو ظاهرة
منذ الولادة
تضعف أو تزول
بتأثير الطريقة
التي يلجأ
إليها الأهل
في مواجهتهم
لهذه القدرة
الإبداعية
وهذا الفضول.
وبطبيعة الحال
فإن الأمر
لا يقتصر على
الأهل بل يتعداهم
إلى كل من يحيط
بالطفل وله
دور في حياته
وخاصة المدرسة.
ولما كانت
فاعلية الأطفال
الصغار أو
نشاطهم أمراً
يزعج الراشدين
ويتعبهم، فإنهم
لا يشجعون
دائماً مثل
هذه الفاعليات
أو النشاطات.
وليس من المبالغة
أن يقال أن
الطفل النشيط
الطُلَعَة
يعاقب على
سلوكه هذا
أكثر من الطفل
الطيّع.
وثمة
أمر آخر اهتم
به العلماء
المختصون بدراسة
الإبداع وهو
علاقة الإبداع
بالعمر، والسؤال
عما إذا كانت
هناك مرحلة
من العمر يكون
فيها الطفل
المبدع أكثر
إبداعاً منه
في المراحل
الأخرى أم
أن الإبداع
يتزايد مع
التقدم في
العمر؟ وهل
يتم نمو الطفل
الإبداعي في
مراحل مختلفة
أم هو مستمر؟!
إن للعالمين
غوان Goan وتورانس
فكرتين متمايزتين
في هذا الصدد.
يميل غوان
إلى النظر
في الإبداع
والنمو الإبداعي
بوصفهما على
صلة بمراحل
محددة من عمر
الإنسان، أما
تورانس فيميل
إلى أن النمو
الإبداعي عملية
مستمرة تتبدى
مع التقدم
في العمر.
ويرى
غوان أنه إذا
كان من الممكن
النظر إلى
النمو الإبداعي
على أنه مشابه
لأي نمو آخر،
أي أنه مستمر
وينمو مع نمو
الطفل، فإن
هذه النظرة
ليست دقيقة
ولا صحيحة،
وذلك لأن النمو،
في رأيه، يحدث
على مراحل
تشبه المراحل
التي قال بها
فرويد Freud وإريكسون
Erickson وبياجيه
Piaget عن النمو
العقلي والنفسي
عامة.
ويحدد
غوان هذه المراحل
بما يلي:
ـ مرحلة
الكمون latency Period
وهي تشمل المراحل
(1-4-7) وفيها يتعرف
الطفل الأشياء
من حوله. ـ مرحلة
الهوّية identity
period وهي تشمل
المراحل (2-5-8)
وفيها يقوم
الطفل والحدث
والراشد بالتساؤل
عن هوّيته.
ـ مرحلة الإبداع
creativity period وهي تشمل
المراحل (3-6-9).
وفي المرحلة
(3) ينمو الإبداع
وفي المرحلة
(6) يتزايد إبداع
المراهقين.
ويرى
غوان أن الحب
أساسي للإبداع.
فإذا أراد
أحد أن يكون
مبدعاً فإن
عليه أن يغني
حياته بمزيد
من الحب.
تلك
هي أهم أفكار
غوان عن مراحل
النمو أما
تورانس فيقول
إنه ومعاونيه
وجدوا أن عدم
الاستمرار
هو ما يميز
قدرات التفكير
الإبداعي.
ولقد وجدوا
أن ثمة أطواراً
واضحة من التدني
في قدرات التفكير
الإبداعي تحدث
عند الأطفال
ولاسيما في
الأعمار 3-9-13-17
وأن أسوأها
يحدث في التاسعة
من العمر،
وذلك العمر
الذي تحدث
فيه أسوأ اضطرابات
الشخصية ومشكلات
السلوك ومصاعب
التعلم.
ويوافق
كاتينا على
ذلك لكونه
قد شارك في
دراسات تورانس
وكان واحداً
من معاونيه.
وأياً ما كان
الأمر، فإن
من المهم أن
يلاحظ لدى
كل من غوان
وتورانس أن
السن قبل المدرسية
الممتدة من
الرابعة إلى
السادسة سن
إبداعية، وأنه
حين يدخل الطفل
المدرسة الابتدائية
لا يتاح للإبداع
إلا النمو
القليل. لذلك
فإن من واجب
الأهلين والمتعلمين
مساعدة الطفل
على أن يكون
مبدعاً في
المرحلة الثالثة
(4-6 سنوات) وفي
المرحلة الرابعة
(9-10 سنوات).
ومن
الواجب أن
يذكر هنا،
أن الانتقال
من مرحلة تعليمية
إلى مرحلة
أخرى، أو من
مدرسة إلى
أخرى، أمر
يسبب حدوث
الشدّات والقلق
وأن من واجب
الأهل والمعلمين
أن يساعدوا
الطفل على
حسن التكيف
مع محيطه الجديد
مما يتيح له
الإبقاء على
شعلة إبداعية
لاهبة.
الإبداع
والذكاء والموهبة
والعبقرية:
الذكاء
شرط لازم للإبداع
ولكنه غير
كاف. وقد ثبت
للعلماء أن
العلاقة بين
القدرات الإبداعية
الكامنة والإنتاج
الإبداعي،
من جهة، وحاصل
الذكاء، من
جهة أخرى،
منخفضة القيمة
وذلك حين يكون
الأمر مختصاً
بفئات من الناس
يكون حاصل
ذكائهم مرتفعاً.
أما في النسب
المتدنية من
حاصل الذكاء
فإن ثمة علاقة
واضحة بين
حاصل الذكاء
والقدرات الإبداعية.
فإذا
أخذت حاصلات
الذكاء من
أدناها إلى
أعلاها، أو
قل مثلاً من
65 إلى 150، فإنه
يلاحظ اختلاف
وتنوع. ومعنى
ذلك أنه حين
يكون حاصل
الذكاء عالياً
فإن القدرات
الإبداعية
تراوح بين
الانخفاض والعلو.
وهكذا فإن
حاصل الذكاء
- فيما يبدو
- يضع حداً أعلى
للقدرات الإبداعية،
ولكنهم يقصرون
عن تحقيقها
ووضعها موضع
الاستخدام
والإفادة،
وأن هناك عدداً
قليلاً جداً
ممن يتجاوزون
قدراتهم الإبداعية
في إنجازاتهم.
وأياً
ما كان الأمر،
فإن علماء
النفس اليوم
يرون أن الإنسان
قد يكون موهوباً
بأشكال متعددة،
كما يرون أن
المرتفع الذكاء
يمتلك، إلى
جانب قدرات
التعامل مع
المعلومات،
قدرة تعاملية
أخرى هي المحاكمة
التي تقود
إلى عدة حلول
ممكنة لمشكلة
ما: وهو قدرة
«التفكير المجانف»
التي يمكن
القول إنها
القدرة على
التفكير المبدع.
وهنا
يطرح السؤال:
هل يكون الشخص
ذاته مبدعاً،
وبدرجة متساوية
في مجالات
العلوم والفنون
وغيرها؟ ويجيب
غيلفورد عن
هذا السؤال
بقوله: «استناداً
إلى نتائجنا
التحليلية
نستطيع القول
إن هذا الأمر
ممكن الوقوع
ولكننا نادراً
ما نتوقع أن
يكون الشخص
عينه قادراً
على الإبداع
وبصورة متساوية
في العلوم
والفنون والرياضيات
والإدارة والتأليف
الموسيقي.
إن الأفراد
المبدعين بدرجة
عالية في كثير
من هذه الميادين
المختلفة قد
تكون لها صفات
ممتازة مشتركة
فيما بينهم،
ولكن الدراسات
النفسية تدل
كذلك على أن
بينهم فروقاً
واضحة»
وأما
ما يتصل بالعباقرة
والموهوبين
فيمكن القول
أن واحداً
من الأخطاء
الكبيرة التي
وقع فيها بعض
علماء النفس
في تاريخ روز
الذكاء كان
إطلاقهم كلمة
«عبقري» على
الشخص الذي
يبدو حاصل
ذكائه عالياً
جداً (أو فوق
140) وكان هذا الخطأ
سبباً في كثير
من الاضطراب،
لأنه عنى أن
كل فرد عنده
مثل حاصل الذكاء
المرتفع هذا
من الأطفال
واليافعين
سيصبح عبقرياً.
وقد خابت آمال
الأهل وآمال
العبقري الموعود.
ولذلك فإن
من الأنسب
علمياً أن
يسمى أمثال
هؤلاء بالموهوبين،
ونسبتهم لا
تزيد على 1٪
من مجموع السكان،
والاحتفاظ
بكلمة عبقري
لأولئك الذين
يتصفون بالذكاء
المبدع من
بين هؤلاء
الموهوبين.
إن صفة الموهوب
تعني قدرة
عقلية عالية
جداً، في حين
تعني صفة العبقري
إنجازاً إبداعياً
وأصيلاً تماماً.
ولا يتسع المجال
هنا للتحدث
عن التكوين
النفسي لكل
من الموهوب
والعبقري مما
يستطيع القارئ
أن يرجع فيه
إلى المراجع
المختصة. ولكن
يفضل تأكيد
خطأ النظرية
التي تقرب
بين العبقرية
والجنون لأن
الغالبية الساحقة
من العباقرة
أشخاص أسوياء
تماماً.
روز
الإبداع:
صمم
كل من غيلفورد
وتورانس اختبارات
لروز الإبداع
عند الأطفال.
لقد وضع غيلفورد
اختبارات سماها
«اختبارات
الإبداع عند
الأطفال» Creativity
Tests for Children عام 1971، كما
وضع تورانس
اختبارات سمّاها
«التفكير إبداعياً
بالكلمات»
Thinking Creatively with Words، «التفكير
إبداعياً بالصور»
Thinking Creatively with Pictures 1974، و«التفكير
إبداعياً بالأصوات
والكلمات»
Thinking Creatively with Sounds and Words وذلك
بالاشتراك
مع كاتينا
عام 1973.
أما
اختبارات غيلفورد
التي وضعها
بمساعدة بعض
العاملين معه.
والتي تقوم
على أساس من
فكرته عن القدرة
الإنتاجية
المجانفة،
فقد وضعت بصورة
أساسية لتلامذة
الصفوف الرابع
والخامس والسادس
مع قوله إنها
ممكنة الاستعمال
في حال الأطفال
الأكبر سناً.
وحتى حال الراشدين.
وعدّد القدرات
المجانفة المقيسة
وهي عشر من
أربع وعشرين.
أما في الاختبارات
المعدة للراشدين
فإن القياسات
تشمل ثماني
عشر من أربع
وعشرين قدرة.
وتتألف
اختبارات غيلفورد
للإبداع من
المهام التالية:
أسماء الحكايات،
وماذا تفعل
بها، والمعاني
المتشابهة،
وكتابة الجمل،
وأنواع الناس،
وافعل منه
شيئاً ما،
والجماعات
المختلفة،
وعمل الأشياء،
والحروف المخبوءة،
وإضافة التزيينات.
والمهام الخمس
الأولى ذهنية
(أو كلامية)،
أما الخمس
الأخرى فإجرائية
(أو غير كلامية).
أما
اختبارات تورانس
عن التفكير
المبدع فتعمل
على قياس القدرات
التفكيرية
الأربع التي
سبق ذكرها
وهي: الطلاقة
والمرونة والأصالة
والتوسيع أو
التفصيل. وتتكون
الاختبارات
من صيغ بديلة
من اختبارين
سماهما «التفكير
إبداعياً بالكلمات»
و«التفكير
إبداعياً بالصور».
وتستعمل من
سن ما قبل المدرسة
الابتدائية
حتى سن الرشد،
ويمكن تطبيق
الاختبارات
بصورة إفرادية
أو جماعية.
وتشمل
الاختبارات
الذهنية (أو
الكلامية)
الاختبارات
التالية: اسأل
واحزر، تحسين
الإنتاج، الاستعمالات
المألوفة،
الأسئلة غير
العادية، افترض.
أما الاختبارات
الإجرائية
فتشمل الاختبارات:
بناء الصور،
الوحدة غير
الكاملة، الوجوه
المتكررة.
والجو
الذي تجري
فيه الاختبارات
يجب أن يشبه
جو اللعب والتفكير
وحل المشكلات،
فلا يشعر الشخص
الذي يختبر
بالرهبة بل
بالتشجيع على
الاستمتاع
بالفاعليات
التي يقوم
بها، ويكون
الجو مريحاً
ومثيراً في
الوقت ذاته.
ولما
كانت عملية
التحمية warm-up
ضرورية من
أجل السلوك
الإبداعي فإن
تصميم كتيب
الاختبارات
وغلافه يجب
أن يكون مساعداً
على ذلك بما
يثيره من فضول
الممتحن وخياله.
ويرى تورانس
أن هذا الأمر
مهم وأساسي
في عملية الاختبار.
أما
مقياس «التفكير
إبداعياً بالأصوات
والكلمات»
ففيه اختباران
للأصالة الكلامية
هما: الكلمات
والصور. وقد
وضع تورانس
الأول مع كنغتون
Cunnington وشاركهما
كاتينا في
الثاني. وفي
حين أن اختبار
«الأصوات والصور»
يعطي الأصوات،
فإن اختبار
«الكلمات والصور»
يعطي الكلمات
البدائية بوصفها
مثيرات للشخص
الذي يراز
إبداعه.
وكل
من المقياسين
يتطلب الاستدعاء
الحر من أجل
إعطاء صورة
كلامية أصيلة
لها علامات
عن الأصالة.
والمقياسان
يتطلبان الخيال
المبدع من
أجل مجانفة
الأمور الواضحة
المألوفة والابتعاد
عنهما وذلك
استجابة للأصوات
والكلمات البدائية
ومن أجل إعطاء
صورة كلامية
أصيلة.
بعض
مشكلات الأطفال
الموهوبين:
دلت
دراسات تيرمان
Terman عام 1959 ودراسات
أودن Oden عام 1968
وكوكس Cox عام
1969 على أن الأطفال
المتفوقين
الذين درسوهم
كبروا وأصبحوا
راشدين متفوقين،
وقد حافظوا
على قدراتهم
العقلية المتفوقة،
وكانت نسبة
الوفيات المبكرة
بينهم أقل
منها عند متوسط
السكان كما
كانت صحتهم
الجسمية والنفسية
ممتازة بجودتها.
وكانت نسبة
الإجرام عندهم
في أدنى الحدود
كما كانت إنجازاتهم
التربوية والمهنية
عالية جداً،
وكانوا فعالين
في خدمة مجتمعاتهم،
كما كانت آراؤهم
السياسية والاجتماعية
معتدلة، وقد
شعر ثلثاهم
بأنهم حققوا
ما كانوا يصبون
إليه. ويشير
كوكس إلى أن
المتفوقين
لا يتصفون
في طفولتهم
بالذكاء العالي
فحسب بل إنهم
يتصفون كذلك
بالاهتمامات
المتعددة والمتحمسة،
وبالفعالية
وقوة الإرادة،
وجودة الطبع،
وحسن الأخلاق
مما ينبئ بإنجازات
مستقبلية متميزة.
ولكن
علماء النفس
المشتغلين
بالإبداع ينبهون
إلى المشكلات
التي يعانيها
الأطفال الموهوبون
في أثناء نموهم
وتقدمهم في
العمر. إن الطفل
حين يواجه
المشكلات فإن
السبب قد يعود
إلى كونه موهوباً،
والكثير من
المشكلات التي
تبدو عند أمثال
هؤلاء الأطفال
تنجم عن الصراع
بينهم وبين
من حولهم من
أهل ومعلمين
وأصحاب نفوذ.
إن الطفل
الموهوب كثيراً
ما يكون تحت
تأثير قواه
الداخلية الناجمة
عن قدراته
الإبداعية
التي تدفعه
إلى القيام
بأعمال يعجز
عن التحكم
فيها.
إنها
قد تدفعه إلى
أن يكون استقلالياً،
متحرراً ومجانفاً
للأعراف والتقاليد
في علاقاته
مع الآخرين
الذين يريدون
منه أن يقوم
بأعماله وفقاً
لما تعارفوا
عليه. وهذه
الحال كثيراً
ما تقود إلى
صراعات ومجابهات
تتطلب من الطفل
أن يتكيف تكيفاً
جديداً قد
يستطيعه وقد
يعجز عنه. وهكذا
فإما أن يتعلم
مواجهة الضغوط
المتزايدة،
وإما أن يكبت
حاجاته الإبداعية.
فإذا استطاع
معالجة هذه
المصاعب ومواجهتها
انتهى به الأمر
إلى سلوك إبداعي
وصحة نفسية
طيبة.
أما
إذا عجز عن
ذلك وكبت قدراته
الإبداعية
فإنه قد يواجه
مشكلات نفسية
يحتمل أن تكون
خطيرة. وكثيراً
ما قيل إن الإنسان
المبدع إنسان
لا يضايقه
التعقيد أو
عدم التوازن
أو الغموض
أو عدم التكامل،
وهو يتعامل
بـ «اللامعقول»،
لأنه يجد فيه
ينبوع تفكيره
الأصيل المبتكر.
ثم إنه يرفض
ادعاء المجتمع
أن على كل إنسان
أن يكيف نفسه
وفق معايير
معينة محددة
لكل زمان ومكان،
ويؤكد أن الثورة
ورفض الانصياع
لقيود المجتمع
والإصرار على
تحقيق الذات
والاستمتاع
بالفردية كثيراً
ما تكون علامات
تدل على طبع
صحيح سليم.
وهو أخلاقي
عادة بالمعنى
البسيط للكلمة.
ولعل
أكثر مصاعب
الطفل الموهوب
شيوعاً شعوره
بالعزلة عن
مجتمعه، والغربة
عن أقرانه
وأهله ومعلميه،
وذلك بسبب
من إصراره
على المجانفة
والتحرر من
الاتباع في
تفكيره وعمله
مما يخلق له
ضغوطاً وتوترات
بينه وبين
الآخرين الذين
يريدون إرجاعه
إلى صراطهم
«المستقيم».
شواهد
من مجالات
الإبداع:
يتصور
عامة الناس
أن العبقري
إنسان مهزوز
وأنه مغفل
في كل شيء ما
عدا اختصاصه
الضيق، وأنه
يخالف قواعد
الذوق العام،
وأن من الصعب
معايشته. ولكن
هذه الصفات
ـ لحسن الحظ
ـ لا تنطبق
على الواقع
إطلاقاً.
إن العباقرة
ـ سواء أكانوا
فنانين أم
كتاباً أم
علماء ـ يصعب
فهمهم في كثير
من الأحيان،
وهذا أمر صحيح.
ولكن معايشتهم
ليست أصعب
من معايشة
سواهم من معظم
الناس. وليس
معنى هذا عدم
وجود عباقرة
ذوي مشكلات،
فبعضهم كذلك.
إن فناناً
مثل فان غوغ
Van Gogh [ر] الهولندي
انتهت حياته
بالجنون ثم
الانتحار،
وكذلك فإن
الكاتب الأمريكي
إدغار آلان
بو E.Alan Poe [ر] كان
مدمناً الخمر،
كما كان الروائي
الروسي دوستويفسكي
Dostoyevsky [ر] مقامراً
مدمناً، وكان
إبسن Epsen [ر] كاتبا
القصة النروجي
طاغية في أسرته،
كما كان مختالاً
فخوراً حتى
إنه كان يلصق
بقبعته مرآة
يستطيع أن
ينظر فيها
إلى نفسه إذا
ما جلس في متنزه.
وفي مقابل
هؤلاء، فقد
كان سلوك عشرات
العباقرة من
أمثال أرسطو
[ر] وكوبرنيك
[ر] ودانتي [ر]
وابن سينا
[ر] طبيعياً
سوياً. إن باستور
Pasteur [ر] العالم
الفرنسي كان
يعيش عيشة
بسيطة جداً،
أما داروين
Darwin [ر] فقد وصفه
أحد أولاده
بأنه بشوش
ومحب، وكذلك
أينشتاين Einstein
[ر] كان لطيفاً
وعطوفاً ومحبوباً
من كل الناس.
لهذا فالقول
الصحيح هو
أنه ليس من
الضروري أبداً
أن يكون العبقري
مجنوناً أو
غريب الطباع
أو شاذاً،
حتى وإن كان
بين العباقرة
من دلل سلوكه
على قدر ما
من الشذوذ.
تربية
الإبداع
الحاجة
إلى تربية
الإبداع: تتعرض
التربية الحاضرة
إلى كثير من
النقد، وترد
بأشكال من
الدفاع. والواقع
أن التحدي
الذي تواجهه
التربية في
أواخر القرن
العشرين لا
يكفي، في التغلب
عليه، النقد
والدفاع الشائعان
لأن هذا التحدي
يتجاوز كل
حدود التوقع.
إن هذا
العصر لم تعد
تناسبه الأفكار
القديمة. والحق
أنه لا يعرف
إطلاقاً ما
سوف يكون عليه
الإنسان والعالم
بعد نحو خمسين
سنة من الزمن.
فالتطور سريع
جداً، وكبير
لدرجة مذهلة،
ولذلك كان
لابد لإيجاد
المبدعين الذين
عليهم أن يضطلعوا
بأعباء العالم
المقبل، من
تغيير جذري
للتربية في
أهدافها ومناهجها
وطرائقها ووسائلها،
وتغيير يصنع
ذوي الفكر
الخلاق والعزم
والخيال والمثابرة.
إن أول
تغيير ينتظر
أن يحدث يجب
أن يتناول
الأهداف التربوية،
أو الهدف الأساسي
من التربية.
إن هدف التربية
كان حتى وقت
قريب تعلم
الحقائق والمعارف
التي وصل إليها
العلم. والواقع
أن هذا الهدف،
وما يستتبعه
من مناهج وطرائق
ووسائل، بات
قديماً، إن
هدف التربية
في عصر الفضاء
وعصر الحاسوب
يجب أن يكون
التفكير، التفكير
بكل معانيه:
التفكير الناقد،
والتفكير البناء،
والتفكير الحر،
والتفكير المنطقي
والتفكير التحليلي،
والتفكير التركيبي.
وهذا الهدف
«التفكيري»
يغير المناهج
والطرائق والوسائل
والبرامج والعلاقات
وكل شيء آخر
في البيت والمدرسة
والمجتمع.
ولقد
سبقت الإشارة
إلى نوعي التفكير:
التفكير المجانف
والتفكير المطابق.
والتفكير المجانف
هو لب الإبداع
وجوهره. ولذلك
فإن تشجيع
التفكير المجانف
وتعهده بالرعاية
والتوجيه هو
الطريق إلى
تفتيح العملية
الإبداعية
وازدهارها.
إن المدارس
والبيوت تشجع
التفكير المطابق
وتكاد تقتل
التفكير المجانف.
فالطفل الذي
يحفظ ما في
الكتاب ويقول
ما يقوله المعلم
طالب «ذكي»
ممتاز يستحق
النجاح وينال
الدرجات العالية.
أما الطالب
الذي يخرج
على المألوف،
ويناقش المعلم،
وينقد الكتاب،
فكثير ما يقال
عنه أنه طالب
مشاغب يجب
إسكاته وتأديبه،
لكن هذا الطالب
المخالف، الناقد
السؤول، المستفسر،
المناقش، هو
في الأغلب
الطالب المبدع.
وفي اليد أن
يسمح له بالانطلاق
والإبداع أو
أن يكبت وتقتل
مواهبه.
وإذا
كان لابد من
تغيير هدف
التربية فلا
بد من أن تغير
طرائقها ومناهجها
وأساليبها،
وأساليب تقويم
الطلاب خاصة.
ومن هنا كانت
الحاجة ماسة
إلى البحث
التربوي ودراسة
الإبداع بغية
فهمه وتنميته
ووضع المناهج
اللازمة لهذه
التنمية. لقد
دلت الدراسات
الإبداعية
الجادة على
أن القدرات
الإبداعية
لدى تلامذة
رياض الأطفال
أكثر بكثير
مما كان يعتقد،
وأن هذه القدرات
متوافرة عند
تلامذة المدارس
الابتدائية
والإعدادية
والثانوية،
ولذلك فإن
تعهد هذه القدرات
في جميع مستويات
التعليم واجب
مقدس من واجبات
السلطات التربوية.
والقدرات
الإبداعية
- كما دلت على
ذلك الدراسات
العلمية - تنمو
بسرعة منذ
الدخول إلى
رياض الأطفال
حتى الصف الثالث
الابتدائي.
وفي الصف الرابع
يحصل هبوط
ملحوظ ثم يحدث
كسب في الصفين
الخامس والسادس
وهبوط جديد
في الصف السابع،
ثم يحدث كسب
في الصفوف
الثامن والتاسع
والعاشر والحادي
عشر. إن علميات
التفكير، عمليات
آلية وسريعة
وعفوية إذا
لم تواجه إعاقة
خارجية. والمزعج
أن علاقات
الراشدين بالأطفال،
والأحوال في
البيت والمدرسة،
تتدخل في هذه
العملية التفكيرية
الطبيعية.
والسؤال
المهم هنا
هو: كيف يتحاشى
الأهلون والمعلمون
إيقاف تيار
الإبداع عند
الأطفال؟ إن
الجواب يكمن
في العلاقة
بين المربي
والطفل التي
يجب أن تكون
علاقة إبداعية.
إنها
ليست علاقة
الفعل برد
الفعل، ولكنها
علاقة تجريبية
اختبارية مشتركة.
وهذا الواقع
يتطلب أن يكون
المربي - والداً
أو معلماً
- ذا نفس محبة
للتفكير، مستعدة
للمغامرة متمتعة
بقدركاف من
الخيال، تسمح
بالسؤال والمناقشة
والنقد والخروج
عن المألوف،
مما يشجع الأطفال
على التفكير
الأصيل والتخيل
المبدع. وبالتالي
على الإبداع
والابتكار.
تربية
الإبداع في
البيت: يختلف
الأطفال الموهوبون
عن سواهم اختلافاً
قد يؤدي إلى
سوء فهمهم
وارتكاب الأخطاء
الجسيمة بحقهم،
ولذلك كان
من الأهمية
بمكان أن ينظر
بتمعن في نفسية
الطفل الموهوب
المبدع، وأن
يتم استكناه
خفاياها وتعرفها.
ووالدا الطفل
الموهوب هما
أولاً الشخصان
المهمان في
حياة هذا الطفل،
وهما بالتالي
أول من يجب
أن يساعداه
على إظهار
مواهبه الكامنة
والتعبير عنها.
ولذلك كان
مهماً جداً
أن يكون للأبوين
القدرة الكاملة
والمعرفة المتبصرة
والطرائق الصحيحة
لإعانة الولد
على إظهار
مواهبه والتعبير
عنها وصقلها
ووضعها في
خدمة المجتمع.
إن من واجب
الوالدين إظهار
المحبة للطفل
وتفهمه وإشعاره
بأهميته وإعطاء
معنى لحياته
وتقدير مواهبه
تقديراً يكفي
لدفعه إلى
الدأب والمثابرة
في إنتاج ما
هو مبتكر.
إن الطفل
المبدع طفل
يبدو لامعاً
وفقاً لروائز
الذكاء التقليدية،
ولكن هذه الروائز
قد تشير أحياناً
إلى أنه استثنائي،
لكن روائز
الذكاء لا
تسمح للأطفال
الموهوبين
بإظهار مواهبهم
الخاصة. إن
الأطفال الموهوبين
المبدعين لا
يختلفون عن
الأطفال ذوي
حاصل الذكاء
المرتفع إلا
بأنهم يستعملون
استراتيجيات
تفكيرية مبدعة
ويلجؤون إلى
خيالهم أكثر
من سواهم في
تعاملهم مع
البيئة المحيطة
بهم. ويلاحظ
العلماء اليوم
أن على المشتغلين
بكشف المبدعين
أن يستعملوا
مركباً يضم
عدداً من روائز
الذكاء والإبداع.
ويوجد اليوم
عدد كبير من
المقاييس لهذا
الغرض. بيد
أن الملاحظة
كانت ومازالت
الطريقة المثلى
في الكشف عن
الموهوبين
المبدعين ولاسيما
حين يكون الحديث
عن الطفل في
البيت، وهذه
الملاحظة يجب
أن تكون دقيقة
ومنهجية.
اقترح
أكثر من باحث
بعض الطرائق
العملية التي
يمكن أن يلجأ
إليها الوالدان
والتي تعين
على الكشف
عن الطفل المبدع
بينها أن يكون
الوالدان منتبهين
إلى فاعليات
الطفل ومقدرين
نوعية هذه
الفاعليات.
وما إذا كانت
من طبيعة إنتاجية،
وإذا كان الطفل
يستذكر النواحي
الجمالية من
أعماله التي
يقوم بها. ومدى
حبه للفاعليات
العقلية وتفضيله
حل المشكلات
على الحفظ
عن ظهر قلب.
إن مدى تصور
الطفل للمشكلة
واستراتيجيته
في مواجهة
مشكلة تتطلب
الحل يدلان
على تمتعه
بالقدرات الإبداعية
العالية أو
عدم تمتعه
بها. إن على
الوالدين أن
يلاحظا طفليهما
فيما يخص الأمور
التي تقع ضمن
واحدة أو أكثر
من الزمر الست
التالية:
إذا
كان الطفل
حساساً بمحيطه
فإن الوالدين
سيجدانه يربط
أفكاره بما
تمكن رؤيته
أو لمسه أو
سمعه ويظهر
اهتماماً بالوجوه
الجمالية لما
خبره ومواضع
النكتة فيها.
إضافة إلى
إحساسه بالعلاقات
ذات المعنى.
وإذا
كان لدى الطفل
روح المبادرة
فقد يجده الوالدان
قائداً أو
زعيماً في
التمثيل أو
الموسيقى أو
غيرهما. مجدداً
ومغيراً في
الإدارة والتنظيم.
وإذا
كان ذا شخصية
قوية فإنه
سيبدي الثقة
بالذات والقدرة
على التقويم
واستسهال أداء
الأعمال، والرغبة
في المخاطرة،
والتوق إلى
التفوق، والقدرة
على التنظيم.
وإذا
كان الطفل
يتمتع بالعقلانية
فإنه سيظهر
فضولاً عقلياً
وسروراً بالتصدي
للمهمات الصعبة،
وخيالاً خصباً،
وتفضيلاً للمغامرة،
وحباً لإعادة
بناء الأشياء
والأفكار،
وكرهاً للقيام
بالأعمال وفق
رتابة محددة.
وإذا
أظهر الطفل
ملامح فردية
فإن مما يلاحظ
لديه أنه يفضل
العمل منفرداً
على العمل
مع الجماعة،
وقد تلاحظ
فيه بعض الأطوار
الغريبة والميل
إلى نقد الآخرين،
كذلك الميل
إلى العمل
مدداً طويلة
من دون كلل
أو ملل.
وإذا
كان لديه الروح
الفنية فإنه
سيبدو ميولاً
إلى الإنتاج
ولاسيما الصور
والرسوم والنماذج
وكتابة الشعر
والقصص والروايات
وغير ذلك.
إن ملاحظة
هذه الصفات
تعطي الوالدين
إشارات إلى
أن طفلهما
مبدع، وإلى
نوع الإبداع
الذي سينجح
فيه. وحينئذ
سيجدانه بحاجة
إلى مزيد من
العناية، وتعهد
مواهبه، وإتاحة
الفرص له في
البيت والمدرسة
والنوادي والمنظمات
وسواها. ثم
إن من المناسب
أن يكافأ على
إبداعاته ويشجع
بالقول والفعل.
إن معرفة
الوالدين طفلهما
ومواهبه ستساعدهما
بالتأكيد على
تقرير ما يجب
فعله من أجله.
وليس من الصعب
تقديم المساعدة
التي قد توثق
الصلة بين
الوالدين وأولادهما.
لقد
أنشأ سدني
بارنس Sydney Parnes ورشة
للعمل الإبداعي
ألح فيها على
الصفات التي
يجب تشجيعها
عند الطفل
في لعبه وأعماله
ومحادثاته
مع الأهل والرفاق.
وهذه الصفات
هي الطلاقة
(قابلية إنتاج
أفكار متعددة)
والمرونة (قابلية
إنتاج أفكار
متعددة تظهر
التنقل في
التفكير) والأصالة
(القدرة على
إنتاج أفكار
غير عادية
ولا مبتذلة)
والتوسيع أو
التفصيل (القدرة
على إضافة
تفاصيل جديدة
إلى الفكرة
الأساسية)
والحساسية
(القدرة على
الوعي الشديد
للمضاعفات
الممكنة).
وثمة
محاولة أخرى
لدى تورانس
في كتابه عن
الإبداع وفيها
يفصّل ما يستطيع
الوالدان فعله
لمساعدة الطفل.
إنه يذكر ثماني
طرائق يستطيع
الآباء باتباعها
إعانة أولادهم.
هذه الطرائق
هي تشجيع روح
الريادة والبحث،
وتشجيع التجريب،
وتشجيع الخيال،
وقياس المواهب
الإبداعية،
وإعداد الطفل
لتقبل الخبرات
الجديدة، وتحويل
قدرات الطفل
التخريبية
إلى سلوك بنائي،
والتشديد على
أهمية النمو
وعدم اللجوء
إلى العقاب،
واستعمال طرائق
إبداعية لحل
صراعات الطفل،
وتمكين الطفل
من إسهاماته،
والتعاون مع
المدرسة في
هذه المجالات.
أما
كاتينا فقد
أكد في دراساته
التجريبية
التي أجراها
في الأعوام
1971-1973 الجدوى العظيمة
التي تنشأ
عن طريق مساعدة
الأطفال على
التفكير بطرائق
إبداعية باستعمال
استراتيجيات
تفكيرية إبداعية
والابتعاد
عن الطرائق
المألوفة واللجوء
إلى طرائق
غير عادية
في التفكير،
وكذلك بإعادة
تحليل الأفكار
وتركيبها من
جديد، وإعادة
تنظيم الأفكار
ومزجها مزجاً
جديداً، والجمع
بين كليات
جمعاً جديداً،
وغير ذلك من
طرائق برهنت
على جدواها
في استثارة
الأفكار المبدعة.
تربية
الإبداع في
المدرسة: إن
الكثيرين من
الآباء والمعلمين
يضيقون ذرعاً
بأبنائهم أو
تلامذتهم إذا
أظهروا ميولاً
للتعلم والتفكير
بطريقة إبداعية
فعلية. إن واحداً
من أسباب هذا
الضيق هو الخوف
من أن يحسب
الناس أن أولئك
الأولاد مختلفون
عن غيرهم أو
أنهم ملحاحون
أو أنهم شاذون.
والصحيح أن
الطفل المبدع
طفل سوي أصلاً
ومن اللازم
رعايته لإنماء
قدرته على
الإبداع، وأن
في هذه الرعاية
ما يدعم عدداً
من جوانب حياته
وإنتاجه في
مقدمتها ما
يلي:
إن الوالدين
والمعلمين
يرغبون في
أن يتمتع أطفالهم
بالصحة النفسية
الكاملة ولكنهم
قد يجهلون
أن مثل هذا
التمتع رهن
بأن يسمح لهم
بالتعبير عن
أفكارهم وميولهم
ورغباتهم وأن
تشجع تساؤلاتهم
وفضولهم، وإلا
فإنهم سيصابون
بالإحباط.
يريد
الأهل والمعلمون
أن يكون الطلاب
عاملين جديين
وأن ينموا
قدراتهم العقلية،
ولكن كل البحوث
التربوية الحديثة
تؤكد أن هذا
الأمر لا يتم
حين يكون التعليم
قائماً على
السلطة. ولكي
يتعلم الطفل
إبداعياً وينمي
قدراته عليه
أن يسأل وأن
يبحث ويجرب.
ويجب أن يوضح
للوالدين والمعلمين
أن مجرد حصول
الطفل على
علامات عالية
في الامتحانات،
أو على حاصل
ذكاء عال،
لا يدل على
أنه يتعلم
التعلم الصحيح
أو يتقن عملية
التفكير الإبداعي.
ويريد
الأهل من أبنائهم
أن يتعلموا
في المدرسة،
ولكن يجب أن
يعرف الأهل
والمعلمون
أن التعلم
عن طريق التفكير
الإبداعي يتطلب
جهداً ووقتاً
وتصميماً أكثر
مما يتطلبه
التعلم بالسلطة،
وأن هذا التعلم
الأخير هو
الأضعف.
كذلك
يرغب الآباء
والأمهات في
أن ينجح أبناؤهم
في مهنهم ولكنهم
ينسون أن الإبداع
في أي مهنة
من نصيب المفكر
الواعي المجرب
الدؤوب. وأن
الكشوف العلمية،
والاختراعات
العلمية، والتقدم
التكنولوجي،
والتميز في
الآداب والفنون،
إنما هي حكر
على المبدعين
الذين يتقنون
التفكير الإبداعي.
إن الأب
والأم، كليهما،
يريدان أن
يتميز أولادهما
اجتماعياً
ولكن مثل هذا
التميز الاجتماعي
يتوقف على
الذكاء والإبداع
والتخيل المبدع
ومواجهة المشكلات
وحلها حلاً
إبداعياً.
وأن
التعلم والتفكير
المبدعين ينطلقان
من تحسس المشكلات
والمصاعب،
ورؤية الخطأ
والمخاطر،
ثم التخمين
وصوغ الفرضيات،
ثم التجريب
والتقليب والاختبار،
وأخيراً صوغ
المبادئ العامة
والقوانين
والنظريات.
ولذلك
كله يجب أن
يتاح للأطفال
الوقت اللازم
للتفكير، وأن
يعطوا حق المخالفة،
وأن تنمى فيهم
روح التساؤل
والمناقشة،
وأن تربى فيهم
القدرة على
مواجهة المشكلات
والتصدي لها
والعمل على
تذليلها.
يبدو
أن الكثير
من الضغوط
البيتية والمدرسية
والاجتماعية
تتدخل في كبت
العملية الإبداعية.
إننا جميعاً
نتشدد في أهمية
أن يكون الطفل
مطابقاً لآرائنا
وسلوكنا ومفاهيمنا
وقيمنا. وإن
مجمل حضارتنا
يقف من التعلم
هذا الموقف
الخاطئ ويضغط
البيت والمدرسة
والمجتمع من
أجل عدم المخالفة،
من أجل المطابقة
وعدم الشذوذ،
وهذا ما يقف
حجر عثرة في
وجه الإبداع
والتفكير المبدع،
وإن من واجب
البيت والمدرسة
والمجتمع مكافأة
التفكير المبدع.
وقد أورد تورانس
في التعبير
عن مثل هذه
المكافأة،
ست نقاط، هي
ما يلي:
ـ عامل
الأسئلة غير
العادية باحترام.
ـ عامل
الأفكار غير
العادية باحترام.
ـ أظهر
للأطفال أن
لأفكارهم قيمة.
ـ هيأ
فرصاً للتفكير
الذاتي عند
الأطفال واعترف
بأهميته.
ـ هيأ
فرص تدريب
وتعلم خيالية
من التقويم
بالدرجات.
لتكن
المهام التي
يقوم بها الطفل
من النوع الذي
يطالبه باستخدام
خياله في تطبيق
الحقائق، ولا
تشجعه على
«الحفظ» من
دون فهم وتطبيق.
فاخر
عاقل
الإبداعية
في الأدب
يرى
بعض النقاد
العرب أنه
يحسن أن نترجم
لفظ romanesque في الفرنسية
وromantic في الإنكليزية
و romantisch في الألمانية،
بكلمة الإبداعي،
نسبة إلى الإبداع،
في حين أن مدلول
هذا اللفظ
لايفضي في
هذه اللغات
إلى معنى الإبداع
وحده. بيد أنه
من المناسب
أن نتكئ على
مصطلح «الإبداعية»
romantisme لشيوعه وألفة
الأقلام له،
علماً بأن
بعضهم يؤثرون
مصطلح الابتداعية
على الإبداعية.
الإبداعية
في الأدب
إن مصطلح
romantisme مشتق، في
الأساس من
لفظ roman وكان تعبير
romanesque يعني قديماً
ما يُروى من
قصص، باللغة
المحكية الشعبية،
المواكبة للغة
اللاتينية،
لغة الصفوة
النبيلة العلمية،
ثم ضاقت رقعة
دلالته وأضحت
مقصورة، منذ
القرن الرابع
عشر، على سير
البطولة المروية
شعراً ثم نثراً،
غير أنه ظل
مجهولاً غائباً
عن المعاجم
الأوربية كلها
ولئن عرضت
الأكاديمية
الفرنسية له
عام 1798، فقد اجتزأت
بإيراده من
دون أن تجلوه
على نحو دقيق،
ثم ظفر بمزيد
من الدلالة
الموضحة حين
أورد الناقد
الألماني فريدريك
فون شليغل
Frederic Von Schlegel مصطلح
«الإبداعي»
romantisch أي منهج يرفض
الاتباعية
ويناقضها،
ويتراءى تياراً
جديداً يستمد
قوته من القومية.
ومن هنا يمكن
تفسير الدور
المهم الذي
نهضت به الإبداعية
في ألمانية،
ولدى أي بلد
يتشوف إلى
الوحدة - ولاسيما
في إيطالية
- إذ كان تعبير
romanticismo يعني صفة
الشعب الطامح
إلى الوحدة
والتحرر من
النير النمسوي،
ومن تعبير
«الإبداعي»
romanesque تحدر مصطلح
«الإبداعية»
على النحو
الذي يرد فيما
بعد.
أما
تعريف «الإبداعية»
فيبدو صعباً،
ملتوياً، عصيّاً
على التحديد.
فقد جاءت الإبداعية
خصماً مخالفاً
للاتباعية،
كما لو أنها
فوضى تواجه
نظاماً واضحاً
محدداً، ويرى
دي بوا De Bois أن
مصطلح الإبداعية،
هو تعبير يلهج
به الناس من
دون أن يتاح
لشخصين تكوين
فكرة واحدة
عنه. «إننا
نشعر بالإبداعية
- كما يؤكد سباستيان
مرسييه Sébastien
Mercier ولكن ليس
في ميسورنا
تحديدها وتعريفها
على نحو واضح،
فلايمكن إذن
أن تحبس في
قفص أي تعريف».
وقد رأى الناقد
الفرنسي غايتان
بيكون Gaëtan Picon أن
من الممكن
تعريف الإبداعية
وتحديدها بسماتها
وملامحها الأكثر
تناقضاً فيما
بينها إذ من
الميسور أن
تُحدَّد الإبداعية
برمزها الميتافيزيقي
كما تحدد بعفويتها
الخالية من
أي فكرة مبطنة
وبهيمنة «الأنا»
le moi، كما بذوبان
هذه الأنا
ضمن سمو ديني
أو اجتماعي،
بذاتها النفسانية
الصافية كما
بمذاقها للشيء
الصلب المتماسك
وبحميميتها
كما ببرقشتها
الباهرة، وبمعاصرتها
كما بانكفائها
إلى الماضي،
وبجرّها الإنسان
إلى أرض دنياه
كما بحرصها
على انسلاخ
روحه عن أرضه.
ويلخص بيكون
ذلك كله بقوله:
«إن الإبداعية
هي المجلى
الفني للأديب
الذي يستشعر
فجأة أنه يحيا
متعجلاً نافد
الصبر ملتزماً
العيش في عالم
يدمر كل هيمنة
تقليدية، حافزاً
إياه على أن
يعمل من دونها»،
ومن قبل رأى
فكتور هوغو
Victor Hugo [ر]: «أن الإبداعية
هي أشبه ببستان
من الشعر،
من دون أية
فاكهة محرمة،
لأنها الفن
الذي يسمح
بكل شيء».
نشأة
الإبداعية
يمكن
القول إن الحركة
الإبداعية
قد انطلقت
أول ما انطلقت
مع استدارة
القرن التاسع
عشر في ألمانية
وإنكلترة قبل
أن تنطلق في
فرنسة وإيطالية
حيث تأخرت
إلى العقدين
الثاني والثالث
منه. ويعود
الفضل في نشأتها
إلى رواد مهدوا
لها من مثل
كنت، وغوته،
وشيلر، وإلى
دعاة مفوهين
من أمثال الأخوين
شليغل، ونوفاليس،
وشلايرماخر
الذين أصبحت
ألمانية بفضلهم
مركزاً لإشعاع
الفكر الأدبي
بعد أن كانت
مجرد متلق
سلبي في عهد
الاتباعية
الجديـدة [ر].
وربما كانت
إنكلترة أول
متلق لهذا
الإشعاع الألماني
الذي تلقفه
كل من وردزورث
Wordsworth وكولريدج
Coleridge الذي أغناها
بقراءة معمقة
للتراث الأفلاطوني
وما لبث هذا
المد أن وصل
فرنسة التي
ظلت الاتباعية
مهيمنة فيها
أكثر من قرنين،
مما جعل تفجر
الإبداعية
فيها مقروناً
بالتوهج والعنف،
وقد ساعد على
تفجيرها، مدُّ
الثورة الفرنسية
ثم انسياح
الملحمة البونابرتية
التي طبعت
أوربة بميسمها
في مدى عشرين
عاماً، وعلى
الرغم من شعور
الكراهية لعهد
الإرهاب الذي
خيم على الثورة
بظله البغيض،
فإن مبادئها
ظلت ترفد الخيال
وتمده بدمها
الحار المتدفق
في شرايين
الأدب، محدثة
صدعاً عميقاً
في كيان الاتباعية،
حتى لقد قال
لودفيغ فيته
Ludovic Vitet: إن الذوق
الأدبي في
فرنسة ينتظر
أيضاً يومه
الرابع عشر
من تموز. بيد
أنه لابد من
التنويه بأن
إرهاصات ممهدة
للإبداعية
سبقت ظهورها
حركة ذات منهج
واضح، وتجلت
هذه الإرهاصات
في مؤلفات
تهيمن بين
سطورها روح
الإبداعية
وبعض ملامحها
المتميزة،
ولعل أهم هذه
المؤلفات ما
كان أزجاه
جان جاك روسو
Jean Jacques Rousseau في روايته
«هلوييز الجديدة»
La nouvelle Héloïse و«الاعترافات»
Les confessions، وقد بسط
فيهما الموضوعات
الرئيسة التي
تزهو بها الإبداعية،
في تصويره
لبدوات العاطفة
ومفاتن الطبيعة،
وما أزجاه
برناردان دي
سان بيير Bernardin
de St Pierre [ر]، في روايته
«بول وفيرجيني»
Paul et Virginie التي جلا
فيها تيمة
theme الاغترابية
exotisme وأخيراً
ما كان قد بسطه
شاتوبريان
Chateaubriand في كتابه
«عبقرية المسيحية»
Génie du Christianisme من تيمات
روحية وعاطفية
تسخو بها الإبداعية.
ويمكن
أن يعد ديوان
«تأملات شعرية»
Méditations poétiques للكاتب
لامرتين Lamartine
منبلجاً لفجر
الإبداعية
الفرنسية.
وقد ساوق انطلاقها
آنذاك، دعوة
مُلِحَّة إلى
الاطلاع على
الآثار الأدبية
الرفيعة في
أوربة - ولاسيما
في إنكلترة
وألمانية اللتين
تقدمتا فرنسة
في تبني الإبداعية
وقدمتا من
الآثار الملهمة
الشعرية والنثرية
ما رفد الإبداعية
الفرنسية بزاد
شهي ومنهل
عذب، متحت
منه وتأثرت
به لتتضوأ
نجومها المتلامحة
في سماء الأدب
بألق جديد.
وكالجداول
التي تتجمع
لتؤلف نهراً
لجياً، فقد
ائتلفت حركة
مطردة متنامية،
داعية إلى
الإبداعية،
غير أن هذه
الحركة انبثقت،
في البدء،
مشتتة مكونة
جزراً مترامية
في منفسحها،
تباعد السياسة
والأهواء ما
بين أتباعها،
فكان بعضهم
يجتمع حول
صحيفة «الكونسرفاتور
الأدبي» وبعضهم
الآخر يضمه
صالون «إِتيين
دي لوكلوز»
Étienne de Lecluse وانقسم
مريدوها إلى
فئتين تنطق
بلسان الأولى
صحيفة «ربة
الشعر الفرنسية»
La Muse Française ذات الاتجاه
المعتدل، وتنطق
بلسان الثانية
صحيفة «الكوكب»
Globe ذات الاتجاه
التحرري، وبدا
فكتور هوغو،
كأنه الرئيس
الموجه للإبداعية،
وإذ إنها ترتكز
على المسرح
بصورة خاصة،
فقد ألفى الإبداعيون
أنه من الأجدى
لهم أن يفوِّقوا
سهام نقدهم
إلى معقل الاتباعية
التقليدية:
المسرح. وكذلك
ترادفت مقالات
وبيانات شتى
وقعها هوغو
ودي شامب وسانت
بوف، جلوا
فيها منطلقات
الإبداعية
وأسسها، مركزين
اهتمامهم على
المسرح، ومع
ذلك فلم يكن
في جعبة الإبداعيين
أثر مسرحي،
يمكن أن يضاهي
بنضجه وكماله
مسرحية «السيد»
Le Cid لكورنّي Corneille
[ر] حتى وافى
تاريخ 25 شباط
1830، وفيه تصدى
هوغو بمسرحيته
«هرناني» Hernani
لقلعة الاتباعية
وقواعدها المعروفة
في المسرح،
ولاسيما لقاعدة
الوحدات الثلاث،
وقد وسم تصديه
العنيف بمعركة
هرناني الناشبة
ما بين مرحب
منافح عنها،
ومهاجم منتقد
لها، وقد استلهم
هوغو موضوعها
الشائق من
تاريخ إسبانية،
واتسق له أن
يستشرف بها
ذروة الإبداع
والروعة، بما
يترقرق فيها
من غنائية
وماءٍ وطلاوة.
وهكذا أضحى
عام 1830 منعطفاً
مهماً ضمن
أبرز اتجاهات
الأدب الفرنسي
في القرن التاسع
عشر وقمة باذخة
تماثل - على
حد قول لامرتين
- قمة جبل شامخ
بين منحدرين.
وفيما
عدا مسرحية
«هرناني» الناجحة،
فإن إسهام
الإبداعيين،
في ميدان المسرح
جاء متخلفاً
قاصراً عن
مطاولة ما
أنتجه رواد
المسرح الاتباعي
الأوائل حتى
لقد بدت مسرحية
«بورغراف»
Burgraves لهوغو باهتة،
حائلة اللون،
إن وضعت في
قَرَنٍ واحد
مع هرناني،
بيد أن الرواية
الإبداعية،
أتمت ما قصر
عنه المسرح
الإبداعي،
فقد ترادفت،
في القرن التاسع
عشر، روايات
شتى، تفوق
بجودتها الآثار
المسرحية الإبداعية،
حتى لقد دعي
هذا القرن
بقرن الرواية،
وتأتّى لها
أن تغري كثيراً
من الشعراء
والمسرحيين
النابهين ليردوا
منهلها، كلامرتين
وهوغو ـ وحسب
المرء أن يشير
إلى رواية
«البؤساء»
Les Misérables لهوغو،
وحسبها أن
تغري الناقد
سانت بوف،
بأن يدلي أيضاً
بدلوه ويغترف
بروايته «الشهوة»
Volupté من خضم الرواية
الزاخر. هكذا
انفسحت طريق
الإبداعية
الفرنسية رحبة
لاحبة أمام
ستاندال Stendhal
وفكتور هوغو
ولامرتين وألفرد
دي موسيه Alfred
de Musset وألفرد دي
فيني Alfred de Vigny وجورج
صاند George Sand وسانت
بوف وغيرهم،
يسهم كل منهم
في المجال
المؤهل له،
في ميادين
الشعر والمسرح
والرواية والنقد.
وتتصف
الإبداعية
في بقية البلدان
الأوربية،
ولاسيما في
ألمانية وإنكلترة،
بأنها لم تلق
عنتاً يماثل
ما لقيته الإبداعية
في فرنسة،
ولم تتسم بمثل
حدتها، إذ
لم يتسق لها،
فيما هي تناجز
الاتباعية،
أن تظفر بمعركة
كمعركة «هرناني»
وما أثارته
من رهج وجلبة،
وقد برزت ملامحها
العامة، في
هذين البلدين،
قبل أن تؤتي
الإبداعية
الفرنسية أكلها
وثمارها، ففي
ألمانية، هيمن
طيفا غوته
وشيلر، في
البدء، ثم
أتى هولدرلين
Holderlin [ر] ونوفاليس
Novalis [ر] وهاينة
Heine [ر] ليغنوا
الإبداعية
الألمانية
ويهبوا لها
آفاقاً من
غوارب الخيال
المجنح، وفيضاً
من العاطفة
المتدفقة.
أما في إنكلترة
فقد طغى طيف
شكسبير، بمسرحه
الخصب المتنوع،
المترع بنزوات
الأهواء ولهب
العواطف، ثم
اشرأب من بين
أعلام الإبداعية
الإنكليزية،
وردزورث وكولردج
وكيتس Keats، لتنسم
العاطفة المرهفة
في أشعارهم،
وشق والتر
سكوت Walter Scott طريق
الرواية التاريخية
النابضة بالصور
المعبرة الحية،
وترادفت روايات
الشقيقات شارلوت
وإميلي وآن
برونتي Charlotte, Emily
and Anne Brontë شوامخ بين
آثار الرواية
الإنكليزية
الإبداعية
بما يترقرق
فيها من حساسية
وعاطفة.
ولقد
كان ثمة فوارق
مميزة تتصف
بها مظاهر
الإبداعية
الأوربية،
إذ كان ما يفرق
ما بين الإبداعيين
أكثر مما يجمع
ما بينهم،
فقد اتصفت
علاقات بعضهم
ببعض، بطابع
الخصومة، ولاسيما
في إنكلترة،
لهذا بدت الإبداعية
الأوربية في
مجملها ممثلة
بموقفها السلبي
الرافض، أكثر
مما هي ممثلة
بخصائصها الإيجابية،
ومع ذلك فقد
كان ثمة روابط
وموضوعات مشتركة،
تأتلف متناغمة،
في مثاقفة
متبادلة، فارضة
نفسها على
الأذواق أمداً
طويلاً، لتجعل
من آثار بعض
النابهين من
أدباء الإبداعية،
مهوى نظر كل
من ينشد المتعة
الأدبية الخالصة
في كل عصر.
منطلقاتالإبداعية
وملامحها العامة
الحساسية
الجديدة واكتشاف
الذات: كتب
الناقد سينانكور
Senancour عام 1804 «إن
الأديب الإبداعي
قمين، وحده،
بأن ينفض الحساسية
الجديدة في
الأدب» معبراً
بهذه الكلمة
عما يمكن أن
تفصح عنه طبيعة
الإبداعية
ومنطلقاتها
وتوقها إلى
إعطاء الخيال
حقه من السمو،
قبل أن تضحي
مدرسة جمالية
في الأدب. ذلك
أن الإبداعية
تستمد قوتها
وتسترفد إمكاناتها
غير المحدودة
من اكتشافها
لمفهوم الذات
النفسانية
Subjectivité ويفسر هذا
التصعيد للذات،
في التجربة
الإبداعية،
ازدهار أدب
السيرة الذاتية
(أدب المذكرات
واليوميات
والاعترافات،
والرسائل الحميمية
الزاخرة بالمشاعر)
ويمكن أن يفسر
بروز هذه الأنا
الذاتية بالأوضاع
التي جعلت
من مرحلة ما
بعد الثورة
مرحلة أزمات
وجدانية، حملت
معها حساسيات
مستجدة وتغيرات
عميقة في علاقات
الناس جميعاً.
هكذا تمتاز
إذن الحساسية
العاطفية بأهميتها،
ضمن السيكولوجية
الإبداعية،
فالحب، مثلاً
ليس عملية
عقلية منطقية،
ولانزوة شهوانية
عارضة، بل
هو إلهام رباني
مقدس ـ كما
كان يحلو لموسيه
أن يردد ـ آخذاً
بمدرسة الإبداعيين
الألمان، الذين
يرون أن الحب
هو دين السعادة
الأرضية، وعلى
الرغم من أن
الحب يجتلب
بذور الألم
الذي يبتلى
به العشاق
المعاميد،
فإن لأحزان
الحب ومواجده
جانبها الإيجابي
المؤثر، الفاعل.
هكذا وجد موسيه
وأضرابه من
الشعراء الإبداعيين،
أن الألم العظيم
يخلق الرجل
العظيم، فنضح
بدموعه السخينة
الرطيبة شعره
الشجي.
المرأة
والطبيعة،
مجلىً للإبداعية:
لاريب أن المرأة
هي مصدرٌ رئيسٌ
أساسيٌ لإلهام
الشاعر، تثير
فيه أعمق ما
يمور في جوانحه
من مشاعر،
بيد أن السعادة
التي ترفض
المرأةُ أن
تهبها له،
أحياناً تحملُه
على أن ينشدها
في الطبيعة
نفسها، ولربما
بدت المرأة
والطبيعة متماثلتين،
في إثارة مواجع
الحزن والأسى
لديه على نحو
ما عبر عنه
جيداً هوغو
في قصيدته
«حزن أولامبيو»
Tristesse d'Olympio التي يفصح
فيها البطل
عن خيبته المريرة
من المرأة
والطبيعة معاً،
فلاعجب إذن
أن تخلق الإبداعية
نموذجاً جديداً
للبطل، مخالفاً
لنموذج البطل
في الاتباعية،
إذ يتراءى
في الإبداعية
فيما هو يجتر
آلامه، منفرداً
وحيداً، كما
يتراءى وجوده
سلسلة من التمرد
والنضال، لأن
نهاية هذا
الوجود واشيةٌ
بالإخفاق،
الذي تفرضه
لعنة قاسية
شرسة، وتظل
الطبيعة بعد
هذا كله، الملاذ
الأخير الذي
يفزع إليه
الشاعر الحزين،
ويجد فيه سلواناً
عما ألفاه
في الحياة
من إحباط،
وما لقيه من
المرأة من
صد وهجران،
ها هي ذي الطبيعة
إذن تناديه
وتخلص له،
على النحو
الذي عبر عنه
لامرتين بقوله:
«ها هي ذي الطبيعة
ماثلة أمامك،
إنها تحبك
وتدعوك» وحين
تأخذ الأرض
زخرفها مُمْرعة
زاهيةً، فإنها
تعلِّم الشاعر
أيضاً وتلهمه:
«إن نبضة واحدة
من غابة ربيعية
- كما يقول وردزورث
- كفيلة بأن
تعلمنا عن
الإنسان، وعن
الخير والشر،
أضعاف ما يعلمنا
إياه الحكماء
كافة».
نشدان
الاغتراب:
إن في ميسور
المرء أن يتساءل
عما إذا كان
النموذج الصادق
الأمثل للبطل
الإبداعي هو
الأديب نفسه،
عاكساً طيفه
المهوم في
صقال مرآة
كلماته، إنه
طيف الصدى
أو المجوسي
الذي يمثل
في بعض قصائد
هوغو، أو طيف
رسول الآلهة
الذي وصفه
هولدرلين،
إنه الطيف
المزود برسالة
سلمية إنسانية
اجتماعية،
والداعي إلى
نشدان آفاق
موحية خلابة،
هذا هو ما يمكن
أن يدعى بنشدان
الاغتراب في
المكان والزمان
والحنين إليهما،
فاغتراب المكان
يتجلى في وصف
الأراضي البكْر
القصية (أمريكة
أو الشرق البعيد)،
أما اغتراب
الزمان فيتجلى
في الانكفاء،
إلى آداب القرون
الوسطى خاصة،
ينسرح إليها
الخيال، ويستمد
من أحداثها
وأساطيرها
صوره وتهاويله
الآسرة الساحرة.
وكان من الطبيعي
أن يرفض الإبداعيون،
فيما هم يفزعون
إلى هذا المنهل
الزاخر من
الإلهام، جميع
الأُطُر الجامدة
الاتباعية،
المنافية لروح
العصر، ساخرين
من الأسلوب
المصقول المستحصد،
والقوالب الجاهزة
المعدَّة،
والكلمات والألفاظ
المتأنقة الجوفاء،
مؤثرين على
ذلك كلِّه
أسلوباً طيِّعاً
سهلاً، يترقرق
عذوبة وسلاسةً
وتعابيرَ شعبيةً
تعانق نبضات
القلب.
أزمة
الإبداعية
ومصيرها
إن الاتجاه
الملتزم، في
الحركة الإبداعية
برسالتها المجدّدة
الهادفة ـ
ولاسيما حين
تتّسم بنزعة
قومية أو وطنية
ـ لم يلبث أن
شاعتْ فيه
عوامل الخلاف
والفُرقة،
كما أن الجمهور
التوَّاق إلى
آفاق مستحدثة
طريفة ضاق
ذرعاً بالعاطفة
ونزواتها وأهوائها،
وملَّ أساليب
الإبداعية
المسهبة التي
بدت له كأنها
تلغو بثرثرة
عميقة، هكذا
نهض تيوفيل
غوتييه Théophile
Gautier وأتباعه
داعين إلى
حركة مستحدثة
في الأدب،
دعيت بالبرناسيـة
Le parnasse [ر]، متخذين
شعار «الفن
من أجل الفن»
شعاراً لهم،
ناعين على
الإبداعية
عاطفتها المتقلبة
وآهاتها الحسيرة،
ودموعها السخية،
واهتماماتها
السياسية والاجتماعية
المتبدِّلة
وأساليبها
الشعبية الركيكة
في التعبير،
وضاقوا ذرعاً
بنواحها الرتيب،
وبرموا بموضوعاتها
المتماثلة،
على نحو ما
عبَّر عنه
الناقد الإبداعي
سانت بوف نفسه،
بقوله: «لقد
انتهت الحركة
الإبداعية
وينبغي البحث
عن أفقٍ آخر،
فإن الجمهور
لايستيقظ إلا
على كل ما هو
مفاجئٌ مستحدث».
هكذا انقلب
تيوفيل غوتييه،
الذي تزعّم
نفسه المعركة
دفاعاً عن
مسرحية «هرناني»،
على الإبداعية،
ناشداً في
الحركة البرناسية،
أفقاً واعداً
موحياً.
بيد
أن ذلك كله
لم يفضِ إلى
هزيمة الإبداعية
وانحسارها
تماماً، فقد
خلَّفت الإبداعية
بصماتها على
الأدب كله،
وتحدَّرت حساسيتها
المتوفِّزة،
وعاطفتها المُتَّقدة،
إلى حركات
وليدة جديدة،
لم تستطع أن
تستغني عن
لَهَب العاطفة
ودفء القلب
ووساوس الوجدان.
يقول الشاعر
الألماني آيخندورف
Eichendorf: «إن الإبداعية
هي أبعد من
أن تكون حدثاً
أدبياً، بسيطاً
فحسب، إن هدفها
لينحو إلى
مدى أرحب،
هو إنجازُ
خلقٍ جديد
للوجود كله،
كما كان يدعو
إلى ذلك نوفاليس».
وانفطر نهر
الإبداعية
اللُّجيُّ
العارمُ إلى
جداول شتَّى،
لنجد الحركة
السريالية
نفسها تحذو
حذو الإبداعية
في إيثارها
بدواتِ العاطفة
ونزواتها وعالمَ
الأحلام ورؤاه
على العقل
ومنطقه الجاف
البارد، ونجد
قوافل من الكتاب
المبدعين،
تنحو نظراتهم
إلى الإبداعية،
تأخذ عنها
وتتأثر بها،
مثل أونوريه
دي بلزاك Honoré
de Balzac الذي استجلى
في رواياته
كلها ملامح
المجتمع الفرنسي
بكل ما يحفل
به من طبائع
وأهواء ومباذلَ،
وانساق أسلوبه
المميّز في
سياق الإبداعية
والواقعية
réalisme والطبيعية
naturalisme معاً، كما
نجد كاتباً
معاصراً جان
جيونو Jean Giono يجلو
بأسلوبه العفوي
المتدفق كلَّ
ما يزخر به
الريف الفرنسي
من زخرفٍ وجمالٍ،
لينحو في مؤلفاته
الأخيرة، إلى
ستاندال ويأخذ
بمدرجته في
موضوعاته وأسلوبه،
ونلفي كاتباً
معاصراً آخر
هو فرانسوا
مورياك Francois Mauriac
يغمس قلمه
في مداد العاطفة
والأهواء الجامحة
التي كان يسعى
الإبداعيون
الأوائل جاهدين
لاستجلائها.
يقول
ميشيل بوتور
Michel Butor أحد كتاب
الرواية الجديدة
nouveau roman في فرنسة:
«لقد بدأت
الحركة الإبداعية
في نهاية القرن
الثامن عشر،
ومازالت تنمو
مطَّردة من
دون انقطاع
حتى الآن».
ويؤكد ذلك
غايتان بيكون
بقوله: «على
الرغم من جميع
ردود الفعل
المضادة للإبداعية
التي اتسمت
بها المرحلة
التي أعقبتها
فإنه يمكن
القول إن الأدب
المعاصر ينبثق
من الإبداعية،
فمنها وحدها
انبجست الحرية
نفسها التي
أنكرتها ورفضتها».
بديع
حقي
الإبداعية
في الموسيقى
كان
الكتاب والمفكرون
الألمان أول
من أطلق مصطلح
الإبداعية
في نهاية القرن
الثامن عشر
على الإبداع
الموسيقي المتميز.
فقد أعطى جان
بول ريختر
(J.P.Richter (1763 - 1825، وفريدريك
شْليغل (Fr.Schlegel (1772
- 1829 أهمية كبيرة
للموسيقى في
تحديد مفهوم
الفن الإبداعي.
فهي، أي الموسيقى،
تعبر عن النبضات
المباشرة للحياة
الإنسانية
الداخلية المشحونة
بصراعات متنوعة
وعنيفة أحياناً
ناجمة عن المشاعر
الذاتية. وأعرب
لودفيغ تيك
L.Tieck (1773 - 1853) في أعمال
له مختلفة
مثل «آلام
وبهجات موسيقية»
عن وحدة الفنون،
غير أن الموسيقى
وحدها، كما
يراها، هي
التعبير الأسمى
للروحانيات
الإنسانية.
وقد تأثر بهذه
الأفكار كبار
موسيقيي القرن
التاسع عشر
بدءاً من شومان
Schumann حتى مالر[ر]
Mahler (أحد أعلام
«مابعد الإبداعية»
Postromanticism). وقد أكد
مفكرون آخرون
أن على الفن
أن يحطم الحقيقة،
وأن الفنون
التشخيصية
Figurative arts والأدب
والشعر تتجه
نحو سمو الحقيقة
والواقع، إلا
أن وسائلها
محدودة. وكان
جدل عنيف بين
الاتباعية
والإبداعية
يتمثل في تناقض
غوته وشيلر
Goethe _ Schiller الذي أذكاه
الأخوان شليغل.
وكان غوته
يتطلع إلى
استخلاص حل
لهذا التضاد
بين الاتباعية
والإبداعية
في تمازج بينهما،
وكان ينظر
إلى موسيقى
بتهوفن[ر] Beethoven
بقلق واضطراب.
وقد قال مرة
باقتضاب: الاتباعية
هي العافية،
والإبداعية
هي المرض.
وبظهور
الإبداعية
بدأ عصر جديد
في تاريخ الفكر
الإنساني برزت
آثاره في الفن
والأدب والفلسفة
والسياسة.
ولم يكن في
وسع أي شعب
في أوربة تجاهل
هذا الحدث
الجليل أو
تجنبه. وكان
أن بدأت الإبداعية
بالشعر فالتصوير
فالموسيقى
التي عُدت
من أقوى التعابير
الفنية.
ويرى
الكاتب والناقد
الموسيقي ألفْرد
أينشتاين (A.Enstein
(1880 - 1952 أن في الموسيقى
الإبداعية
نقائض كثيرة
وكبيرة منها:
عدم اعتراف
بعض الإبداعيين،
مثل برليوز
Berlioz، بالسالفين
عدا اثنين
منهم هما: غلوك
Gluck وبتهوفن،
ويرى كذلك
أن استعرا
ض البراعة
الفنية في
الأداء virtuosity يدل
على أن هذه
البراعة تتطلب
اتصالاً جماهيرياً
واسعاً في
حين تنزع الإبداعية
إلى الانطوائية
الذاتية. ولقد
اتصف فاغنر[ر]
Wagner بفرديته وتركزه
حول ذاته،
وحرص فيردي[ر]
Verdi على أن تكون
جذور فنه نابعة
من وطنه. ومع
ذلك، فقد تألق
الاثنان وبلغا
قمة الإبداع
في عالم الأوبرا،
وكان مندلسون[ر]
Mendelssohn رائداً في
الوضوح والتناسق،
يبغض الخلل
الذي يعتري
الانسجام[ر]
harmony والانحراف
عن القواعد
بلا ضرورة،
فكان إبداعياً
في منحى اتباعي،
في حين كان
برليوز يمقت
اتباع القواعد
الصارمة المقيّدة.
ومن أهم النقائض
أيضاً في نظر
أينشتاين،
ولع الإبداعيين
كافة بالقِدم
والعصور القصيّة،
في حين جاءت
الإبداعية
ثورة على القديم،
ولاسيما سالفتها
الاتباعية،
وإلحاحاً على
الشعور والانفعالات
الإنسانية
والقومية.
في الفكر
الموسيقي الإبداعي
الألماني عنصران
مهمان هما:
الأدبي - الموسيقي
- والجمالي
- الفلسفي. ويمثل
هوفمان (E.T.Hoffmann (1776
- 1822 العنصر الأول
وهو يُعد الناقد
والملهم الأول
في الإبداعية
الموسيقية.
في حين تعود
أولى البصمات
إلى شوبارت
(Ch.F.D.Schubart (1739 - 1791 في كتاباته
حول العنصر
الجمالي الفلسفي
التي نشرت
عام 1806 بعد وفاته.
وهوفمان، وهو
الشاعر والكاتب
والمصور والمؤلف
الموسيقي وقائد
الأوركسترا،
الذي أبدع
«أقاصيص هوفمان»
الشهيرة كان
ينشر نقده
الأدبي بالاسم
المستعار “Kapellmeister
Kreisler”. وقد ألهمت
أقاصيص هوفمان
هذه أوفنباخ[ر]
J.Offenbach في مؤلفته
التي تحمل
كذلك اسم «أقاصيص
هوفمان». وكان
هوفمان مصدر
وحي لشومان
في مؤلفته
الموسيقية
«Kreisleriana» وكان يصف
بتهوفن بأنه
ثوري لاذع
ومتقلب في
تعامله مع
العالم الخارجي،
ومغلق في دخيلته.
ثم وصفه أيضاً
بأنه «أب للإبداعية»
وأشرك معه
موتسارت[ر]
Mozart بهذا اللقب
وذلك بسبب
أعمال موتسارت
في القسم الأخير
من عمله وفيها
السمفونيات
الأربع الأخيرة
والفانتازيات،
وقداس الموتى
Requiem . وكان هوفمان
يحاول أيضاً
إيجاد الأسس
الأولية للإبداعية
في أعمال كل
من هايدن[ر]
Haydn وغلوك[ر] وباخ[ر]
J.S.Bach ، وبصورة
أقل عند هندل[ر]
Händel الذي يعد
«النموذج الباروكي»
baroque style الحقيقي.
وفي الواقع،
فإن المشكلة
عند هوفمان
لم تكن في تعريف
«الأسلوب الإبداعي»
لدى تعريفه
الأسلوب الباروكي
أو الروكوكي
Rococo، وإنما في
التنقيب، في
اللغة الموسيقية
السابقة عند
السلف، عن
تلك السمات
«التعبيرية»
المميزة التي
تعود إلى المضمون
في العمل الموسيقي
وليس إلى الصيغة
أو الشكل form. ويرى
الإبداعيون
مثل هوفمان
وزملائه أن
الموسيقى هي
لغة الطبيعة
الأصيلة: فقد
ولدت من الصوت
الصادر عن
الطبيعة الذي
أعطى العالم
معالم الحياة.
وهذا المفهوم
أساس في مذهب
الإبداعية
وساد كل القرن
التاسع عشر
حتى عتبة القرن
العشرين. ويجعل
هوفمان أيضاً
السيادة المطلقة
للموسيقى الآلية
المتحررة من
التلاحم الهجين
مع الكلمة،
ويؤكد أن هذه
الموسيقى هي
السرمدية في
موضوعها وهي
الأكثر إبداعية
من سائر الفنون.
وقد تأثر شومان
بهذه الآراء
وظهر ذلك في
كتاباته النقدية
والموسيقية،
فكان من الأوائل
الذين كشفوا
عبقرية كل
من شوبان[ر]
Chopin، ومندلسون،
وليست[ر] Liszt،
وبرليوز، وبرامز[ر]
Brahms الشاب وقتئذ،
وكان يعني
أن هؤلاء هم
الذين ستلمع
أسماؤهم في
الإبداعية
الموسيقية
الأوربية.
وكان شومان
قد أسس عام
1834 أول مجلة موسيقية
هي Neue Zeitschrift für Musik وتبحث
في الإبداعية
الموسيقية
باتجاه مبرمج،
وكان يحرر
فيها بأسماء
مستعارة مختلفة،
استخدم بعضها
في مؤلفاته
لآلة البيانو.
ويُعد شومان
علماً في تاريخ
الإبداعية
الموسيقية،
وممثلاً لـ
«ألمانية الفتية»
Junges Deutschland مثلما عُد
برليوز ممثل
«فرنسة الشابة»
الذي حملت
سمفونيته «الخيالية»
fantastique (عام 1830) برنامجاً
أدبياً - موسيقياً
متماثلاً مع
أفكار هوفمان
وشومان وغيرهما.
ويصف هيغل
(G.F.Hegel (1770 - 1831 الموسيقى
في كتاباته
«دروس في الجماليات»
قائلاً: «إن
العمارة فن
رمزي لأن مظهرها
الخارجي لاينسحب
على ما في داخلها.
ومع أن الموسيقى
والتصوير والشعر
هي فنون إبداعية،
وأنها تصور
المشاعر الروحية
الإنسانية،
فإن الموسيقى
وحدها هي التي
يمكنها التعبير
عن السريرة
الداخلية الخالصة
التي تعطي
نفسها منها
وإليها. وهي
لاتبدو ملموسة
للعيان كالنحت
والتصوير لأنها
ترفض ذلك،
فهي تتحرك
في ذاتيتها
سواء من الناحية
الداخلية أو
الخارجية».
وقد نتجت من
هذا التعريف
الهيغلي توابع
كثيرة للحركة
الإبداعية
مثل «الانطباعية»
impressionism، و«الاتباعية
الجديدة» neoclassicism.
أثرت
الثورة الفرنسية
في تاريخ الحضارة
الأوربية وفي
الصلة بين
الفرد والمجتمع
وتحرر الشخصية
الإنسانية
وسعيها إلى
الحرية الكاملة.
كانت موسيقى
المنفعة أو
المناسبات
هي السائدة
قبل الثورة،
إذ كانت تؤلَّف
بناء على طلب
خاص أو من أجل
مناسبة خاصة.
ومع أن باخ،
مثلاً، كان
من أعظم الموسيقيين
المبدعين في
الحقبة الاتباعية،
إلا أنه لم
يكن أكثرهم
استقلالاً
أو تحرراً.
ولاتعد مؤلفاته
أعمالاً فنية
حرة، فقد كتب
معظمها لتلبية
غرض ما، ومع
أن مؤلفاته
لآلة الكلافسان
clavecin [ر.البيانو]
مثل «الكلافير
المعدّل» the
well - tempered clavier أو «ابتكارات»
inventions كانت أعمالاً
فنية حرة إلى
حد ما، إلا
أنها تختلف
كلياً عن المعنى
المقصود الذي
ألّف فيه شوبان
قطعه الموسيقية
للبيانو مثل
«الاستهلال»
prélude. كان باخ
يعد مؤلفاته
تلك قطعاً
موسيقية ترمي
إلى غاية تعليمية
أو ترفيهية،
إذ كان يمارس
التأليف لعصره
ومن أجل النبلاء
وجماعات المصلين
وكان يتقاضى
أجراً مقابل
ذلك. ويوصف
أغلب موسيقيي
القرن الثامن
عشر بهذه الظاهرة،
مثل هايدن
وموتسارت،
وقد شذّ بتهوفن
عنها، فبدلاً
من أن يضع نفسه
في خدمة الأرستقراطيين،
جعل الأرستقراطية
في خدمته, وبذلك
كان أول من
ابتدع مبدأ
«الفن للفن»،
إذ لم تكن مؤلفاته
في «السوناتا»
مثلاً أو لآلات
منفردة قطعاً
ترفيهية، بل
كانت أمثلة
فنية خالصة.
كانت أعماله
قدوة في الحركة
الإبداعية
التي غزت أوربة
في القرن التاسع
عشر.
وللحركة
الإبداعية
في الفنون،
ولاسيما الموسيقية
منها، صفات
خاصة. فقد ظهر
فيها معنى
جديد للطبيعة
ومشاهدها.
وبدا ذلك واضحاً
في التصوير
والموسيقى.
فالفنان الإبداعي
لايُعنى بالتفاصيل
الجزئية الموجودة
في المشاهد
الطبيعية كالصورة
الضوئية (الفوتوغرافية)
بل ما يعنيه
هو إبراز عالمه
العاطفي عن
طريق رؤيته
لتلك المشاهد.
ويمكن تعرف
ذلك بالعودة
إلى أوراتوريو
oratorio «الخَلْق»
أو «الفصول»
لهايدن، وأوبرا
«القنّاص»
Der Freischütz لفيبر[ر]
Weber. ففي عملي
هايدن تُسمع
أصوات الحيوانات
من صياح الديكة
إلى زئير الأسود،
وتفهم إيحاءات
الشروق والغروب
والأمطار والعواصف،
بينما تبدو
القدرة العالية
لدى فيبر على
التعبير عن
روح الطبيعة
وإظهار أجواء
الغابات المظلمة
في صور صوتية
ويكون هذا
الإبداع دليل
عبقرية خاصة
وإنجازاً استقى
منه معظم الإبداعيين.
والصفة
الثانية التي
ظهرت في الإبداعية
الموسيقية،
نتيجة المحاولات
الشخصية، هي
الحرية في
استخدام «التنافرات
الصوتية» dissonances
في الانسجام
التي أدّت
إلى «التلوينية»
chromatism الفاغنرية
التي مهدت،
بدورها، السبيل
إلى «اللامقامية»
atonality في القرن
العشرين. وهكذا
أصبح القلق
والاضطراب
الانسجامي
يستقران في
الأعماق النفسية
مقابل الراحة
والهدوء النغميين
اللذين ارتكزت
عليهما الاتباعية.
وغدت التنافرات
لغة متفقاً
عليها في عالم
الأصوات، وكذلك
في الألوان
للتعبير عن
الأحداث الذاتية
لـ «الأنا»
عند الناس.
ثم إن
الإبداعيين
اكتشفوا في
عالم السمفونية
وموسيقى الآلات
أشياء مخالفة
لرؤى القرن
السالف لهم،
وتعد هذه صفة
ثالثة للإبداعية
في الموسيقى.
كانت السوناتا
أو السمفونية،
بحسب التقليد
الاتباعي،
تبدأ بعرض
اللحن الأساسي
مباشرة، أما
الإبداعيون،
فيفضلون تقديمه
بعد تمهيد،
ليساعد المستمع
على ولوج عالم
الخيال. وكان
مندلسون منفّذاً
لمخطط بتهوفن
في السمفونية،
فهو يمثل اتجاهاً
إبداعياً ـ
اتباعياً،
بعكس شوبرت[ر]
Schubert الذي كان
اتباعياً -
إبداعياً.
أما شومان
فقد فاقت سمفونياته
أعمال مندلسون
في هذا المضمار
حيوية ونضارة،
كما ازدادت
ابتعاداً عن
الأنماط التقليدية.
وتختلف
مظاهر الإبداعية
عند برليوز
عنها عند شومان
أو مندلسون
في النظرة
إلى مادة العمل
الفني، مع
أنه كان من
المعجبين ببتهوفن
مثلهما، فسمفونيته
«الخيالية»
هي أكثر مؤلفاته
حيوية وإثارة
لأنها تنزع
إلى تصوير
موسيقي أودع
فيه حبه وهواه
لمحبوبته.
وما يمتاز
به برليوز،
ممثلاً للحركة
الإبداعية
الفرنسية،
هو جرأته في
ترك المستمع
مشدوهاً تحت
تأثير التنافر
الانسجامي
في موسيقاه.
أما ليست،
مبدع «القصيد
السمفوني»
symphonic poem [ر. الصيغ
الموسيقية]
فإن موسيقاه
الآلية وثيقة
الصلة بالأدب
إذ إنها ثمرة
ثقافته الأدبية
الواسعة. وكان
برامز متمسكاً
بقوميته، شديد
الحرص على
اتباع أصول
الموسيقى الألمانية
كما وضعها
أسلافه باخ
وبتهوفن وشوبرت.
أما
الصفة الرابعة
فتتمثل بتطور
الآلات الموسيقية
المختلفة على
نحو ملحوظ
في العصر الإبداعي،
فقد أصبح البيانو
الآلة الموسيقية
المفضلة لدى
الموسيقيين
من حيث التعبير
عن الأحاسيس
والمشاعر الشخصية
الدفينة، وتألقت
مكانته وعظم
انبهار الجماهير
به. ولم يفت
انتباه أي
مؤلف موسيقي
إبداعي أن
يكتب قطعاً
موسيقية خاصة
بهذه الآلة،
سواء كانت
بصورة منفردة
solo أم مرافقة
بمصاحبة بضعة
آلات أخرى
أم مع الأوركسترا
الكاملة. وكان
شوبان قمة
في إيداع البيانو
أشجانه ومشاعره
الذاتية الحساسة.
واستحوذت آلة
الكمان أيضاً
على اهتمام
الموسيقيين،
ولاغرو في
ذلك إذ إنها
عماد الأوركسترا
السمفونية.
وقد أدت العوامل
السابقة إلى
العناية بالبراعة
والإبداع في
الأداء الفني
المنفرد solist،
وازداد التنافس
حدة بين التعبير
الشخصي والتألق
الاستعراضي،
فظهر عازفون
مهرة مبدعون
في العزف على
البيانو مثل
شوبان وليست،
وفي العزف
على الكمان
مثل باغانيني[ر]
Paganini وذلك إضافة
إلى كونهم
مؤلفين موسيقيين.
وكان
الاعتناء بالألوان
القومية من
أبرز صفات
الإبداعية.
ففي بداية
القرن الثامن
عشر، لم تعترف
أوربة إلا
بقوميتين موسيقيتين
هما: الإيطالية
والفرنسية.
وفي منتصف
القرن، تغيرت
الحال وظهرت
قومية موسيقية
ثالثة هي الألمانية،
وذلك بفضل
أعمال كبار
الموسيقيين
الذي عاشوا
في فيينة وبرلين
والمدن الألمانية
الأخرى الكبيرة.
فكان هايدن
أول من وضع
أسس الموسيقى
الألمانية
لما لرباعياته
quatuors وسمفونياته
من أهمية بالغة
نالت شهرة
في جميع أنحاء
أوربة. ثم كان
موتسارت فبتهوفن،
وأصبح الثلاثة
يمثلون الموسيقى
الألمانية
في كل مكان.
ومع أن الموسيقى
الإيطالية،
ولاسيما الغنائية
والأوبرالية
منها، كانت
في القرنين
السابع عشر
والثامن عشر
بمنزلة موسيقى
عالمية، فإنه
لم يكن في أوربة
أي تعصب قومي
ضدها. وقد انتشرت
الأغنية الشعبية
كذلك وأصبحت
ذات أهمية
كبيرة في موسيقى
الإبداعيين
مثل فيبر ومندلسون
وشومان وبرامز،
كما اعتمد
شوبان الطابع
القومي البولوني
في ألحانه،
مع أنه عاش
زهاء عقدين
من الزمان
في باريس،
ولم تتأثر
موسيقاه بالطابع
الفرنسي الذي
كان عالمياً
آنذاك. وفي
بداية العصر
الإبداعي،
استأثرت ألمانية
بالزعامة الموسيقية
الآلية في
أوربة، وعندما
اتخذت كل دولة
أوربية كياناً
مستقلاً لها،
ظهرت سمات
قومية موسيقية
خاصة في كل
منها، وكانت
إنكلترة آخر
من اندفع متأثراً
بالقومية الموسيقية،
أما أمريكة،
فلم يكن لديها
أية موسيقى
قومية أصيلة.
وقد
بلغ فن الغناء
في الحركة
الإبداعية
المثل الأعلى
في وحدة التكامل
بين النص والموسيقى
على الرغم
من اختلاف
آراء بعض الكتّاب
والمفكرين.
وكان شوبرت
أول الأعلام
في عالم أغنية
الليد lied [ر. الأغنية].
وكانت الأوبرا
الألمانية
قد خطت أولى
خطواتها مع
موتسارت وبتهوفن
ثم مع هوفمان،
ولكنها ترسخت
مع فيبر في
أوبراه «القنّاص»
(عام 1821) التي
عُدّت الأوبرا
الأولى في
الحركة الإبداعية
الألمانية.
وابتدعت
الأوبرا الإبداعية
ما يسمى بالمشاهد
الموسيقية
الدرامية،
فنقلت مهمة
التعبير إلى
الأوركسترا
وازدادت أهمية
الجانب السمفوني
وتقلص دور
الغناء فيها.
ويبدو ذلك
واضحاً في
أعمال فاغنر
الدرامية الموسيقية.
إلا أن الأوبرا
الإيطالية
تشبثت بضرورة
هيمنة الجانب
الغنائي فيها
ولو أنها مزجت
في كثير من
الأحيان بين
المصاحبة السمفونية
والخطوط الغنائية
كما في بعض
أعمال فيردي
الأخيرة.
وعلى
أية حال، فقد
أثرت الإبداعية
في نظرة الموسيقيين
إلى الأوبرا،
وغدا لها مؤلفون
مختصون، الأمر
الذي لم يكن
قائماً في
العصر الاتباعي،
إذ كان من المفترض
أن يكون نتاج
المؤلف الموسيقي
آنذاك متنوعاً
من موسيقى
آلية وأوبرالية
ودينية وغيرها.
ومع الإبداعية
بدا أن الاختصاص
الموسيقي في
التأليف للصيغ
والأشكال الموسيقية
أصبح مألوفاً
وإن تطرق إلى
صيغ أخرى مختلفة.
فكان تشايكوفسكي[ر]
Tchaikowsky مبدعاً في
الباليه[ر]
ballet، ولم يغامر
فاغنر وفيردي
في عالم السمفونية
و«الحوارية»[ر]
و(الكونشرتو)
concerto ووقف شوبان
نفسه للبيانو،
ولم يخاطر
برامز بالغوص
في عالم الأوبرا.
وكانت
الأوبريت operette
[ر. الأوبرا]
من نتاج الحركة
الإبداعية
أيضاً. وقد
اتصفت بالخفة
والمرح والسخرية
من المجتمع
التقليدي,
وأصبح أوفنباخ[ر]
Offenbach خير مبدع
في هذا النوع
الفني الذي
أراد الحفاظ
فيه على الأساليب
الفرنسية القديمة
الطروب.
حسني
الحريري
الإبداعية
في الفنون
التشكيلية
والعمارة
لما
كانت الحركة
الاتباعية
تقيِّد الحرية
الفردية في
العمل الفني
وأثر الخيال
الشخصي، فقد
اتجه الفنان
الإبداعي،
رداً على تلك
الحركة، إلى
التعبير عن
ذاته ومشاعره
الخاصة وعالمه
الباطن. وقد
ظهرت هذه النزعة
في أقوال الإبداعيين،
كما برزت في
أعمالهم. فالفن
عند دولاكروا
E. Delacroix [ر] «نشوة
منظمة»، والتصوير
عند كونستبل
J. Constable [ر] «مرادف
للشعور». أما
المصور الألماني
فريدريخ (C.D.Friedrich
(1774 - 1840، فيذكر «أن
على الفنان
ألا يصور ما
يراه خارجه
فحسب، وإنما
ما يراه من
داخله أيضاً،
فإذا لم ير
شيئاً من داخله،
فالأجدر به
أن يكف عن تصوير
ما يراه خارجه،
وإلا كانت
لوحاته أشبه
بتلك الستائر
التي لايتوقع
أن يرى خلفها
إلا أجسام
المرضى أو
جثث الموتى».
والعناصر
التي غذّت
الخيال الإبداعي
تشكلت جميعها
تقريباً منذ
القرن السابع
عشر، ففي الفنون
التشكيلية
من تصوير ونحت
تهافتت الاتباعية
وأصبحت المناهل
الإغريقية
اللاتينية
مملّة، فالتجأ
الفنان إلى
المناخ الأنكلوسكسوني
والجرماني
المشبع بالتهاويل.
وكان غويا
Goya [ر] أول من فتح
الطريق إلى
الخيال الخرافي
الواسع في
نهاية القرن
الثامن عشر.
وقد
تأثر ظهور
الإبداعية
بعناصر القلق
والدمار والحروب
التي رافقت
الثورة الفرنسية
وحروب نابليون،
وتأثر كذلك
بمظاهر الفردية
التي رافقت
البرجوازية
الاجتماعية.
واقترنت الإبداعية،
في تمردها
على عقلانية
عصر «التنوير»
enlightenment بالحنين
إلى روحانية
العصور الوسطى
وفروسيتها.
وساد نوع من
الإحياء لفن
العمارة القوطية
سواء في إنكلترة
أو ألمانية
أو فرنسة. وكان
لشاتوبريان
وهوغو في فرنسة،
وسْكوت W.Scott وشكسبير
واللورد بايرون
في إنكلترة،
وغوته في ألمانية،
دور مهم في
هذا الالتفات
إلى القرون
الوسطى التي
وجد الإبداعيون
في فروسيتها
و«نورانية»
مشاعرها وقوداً
للخيال والعاطفة
أوفر حرارة
وحيوية من
«نور» العقل
الذي هام به
فلاسفة القرن
الثامن عشر.
واقترنت الحركة
الإبداعية
أيضاً بالتطلع
إلى الشرق
الغريب الغامض
المبطّن بالأسرار،
فكان الحلم
بالشرق من
أبرز مميزات
الأدباء والفنانين
الإبداعيين،
وقد قام بعضهم
بزيارة المغرب
العربي وبلاد
تركية وسورية
ومصر، وكان
دولاكروا أكثر
من ثبت دعائم
الاستشراق
الفني في أوربة.
ففي لوحته
«نساء جزائريات»
معالم إبداعية
جديدة تتحكم
في العمل الفني،
إذ تتكشف في
هذه اللوحة
رغبة الفنان
في الاستشراق
وفي ارتياد
معالم الشرق
للكشف عن عادات
خاصة كانت
تشغل أذهان
الأوربيين،
وكان دولاكروا
قد اطلع على
العادات العربية
الإسلامية
في أثناء زيارته
للمغرب العربي.
ومما
لاشك فيه أن
دولاكروا وأنغر
Ingres [ر] قد بالغا
في تصوير الحياة
الداخلية في
قصور المغرب،
وتجاوزا الواقع،
لكنهما كانا
يسيران مع
تخيلاتهما
التي تفاعلت
مع القصص المغالى
فيها والمستمدة
من أساطير
ألف ليلة وليلة.
الإبداعية
في التصوير:
تقوم الإبداعية
في التصوير
على غلبة الخيال
على الواقع،
والاعتماد
على العاطفة
الشخصية، والبحث
عن الغموض
والوساوس والتأمل
المجنّح والاغترابية
exotisme للوصول إلى
عالم جديد
غريب بتقاليده
ومظاهر الحياة
فيه. وتميل
الإبداعية
إلى الابتعاد
عن الموضوعات
التقليدية،
وتهتم باللون
اهتماماً خاصاً
كما تهتم بالواقع،
وإن كان هذا
الواقع قبيحاً،
وبإثارة العواطف
القومية والوطنية،
وبالمبالغة
في تصوير المشاهد
الدرامية.
وقد أخذ الخيال
في الإبداعية
مكانه في ابتكار
الأشكال الجديدة
الغريبة. ومما
لاشك فيه أن
الفكر الجديد
أسهم إلى حد
كبير في إطلاق
حرية الفنان
والأديب في
اختيار طريق
خاص للمعرفة
والحس، إذ
عُدّت الحساسية
وسيلة الفنان
لمعرفة العالم
معرفة فردية
خاصة.
وكان
لهذا الاندفاع
نحو العالم
الفردي الخاص
أكبر الأثر
في تغلب الذات
على الموضوع،
وهو أول الطريق
إلى الإبداعية
من حيث هي فن
حديث. وفي هذا
المجال يقول
دولاكروا:
«إنه لمن الضروري
أن يجد الفنان
لنفسه طريقة
خاصة ينظر
بها إلى الأشياء،
فروح الفنان
كالبرونز الذي
يعطي جرسه
عند كل صدمة،
وقد تكون الروح
في تأمل الطبيعة
أو في قراءة
شاعر، ولقد
استوحيت الكثير
من قراءتي
لغوته وشيلر
Schiller وبايرون
وشكسبير، ولم
تكن الطبيعة
نموذجاً بل
هي إثارة».
وهكذا
ابتعدت الإبداعية
عن الالتصاق
بحقيقة الواقع،
وسعت وراء
عوامل بعيدة
عن البيئة
التقليدية،
فنفذت إلى
ما وراء أسرار
الشرق وسلطت
أضواءها على
ظلام القرون
الوسطى، وراح
الفنان يبحث
عن السراب
ليجعل منه
حقيقة.
ففي
فرنسة تجلت
الإبداعية
في أعمال أوجين
دولاكروا الذي
تزعم الحركة
الإبداعية
بلامنازع زهاء
أربعين عاماً،
فقد امتزجت
الإبداعية
لديه بثقافة
تقليدية عميقة،
وتأثر بمؤلفات
غوته وشكسبير
وسكوت. فقد
كان يتمتع
بعاطفة جياشة
وجموح وعنفوان
محمومين وخيال
خصب، كما كان
من ناحية أخرى،
صاحب ذهن صاف
وحكمة ونظام
واتزان. ويمكن
أن يعدّ فنّه
امتداداً لعصر
الباروك ولاسيما
لفن ميكيلانجلو
Michelangelo [ر] وتينتورِتّو
Tintoretto [ر] وروبنز
Rubens [ر]، وكان دولاكروا
في رسومه بالقلم
أو الألوان
المائية يطلق
العنان لنشوته
ودفق عاطفته.
وكان خياله
أميل إلى عالم
الكوارث والفواجع
وعالم المعارك
والمذابح والحرائق
والسماوات
المنقضّة،
لذلك حفلت
لوحاته بصور
الجرحى والجثث
التي يخيم
عليها شؤم
الأقدار، والأجسام
الملتوية،
والخيول الجامحة،
والوحوش التي
أريقت دماؤها،
والأمهات الولهى،
والأطفال الذين
تدوسهم سنابك
الخيل. وفي
تعبيره عن
الحركة الدرامية
جعل لغة الألوان
تؤدي دوراً
أساسياً، فهي
مادة هذه الحركة
وقوامها، وليس
مجرد صبغة
إضافية لكسوة
الأجسام. وقد
استفاد دولاكروا
في هذا الصدد
من أسلوب كونستبل،
فاستخدم الألوان
استخداماً
يقوم على الفصل
بين درجاتها
للحفاظ على
حيويتها. فهو
كما يقول بودلير:
يؤلف بينها
كما يصوغ الموسيقي
أصوات السلم
الموسيقي السبعة،
فيستخرج منها
مختلف الألحان.
ومن أشهر أعمال
دولاكروا «الحرية
قائدة للشعب»
(1831) و«مذبحة سيو»
(Le Massacre de Scio (1823 و«موت
ساردانابال»
La Mort de Sardanapale (1828). وجاء
تيودور جيريكو
T.Géricault [ر] ليدعم
بأعماله أسس
الإبداعية،
واعتمد في
فنه على المبالغة
في التعبير
عن الحوادث
مما دفعه إلى
الإكثار من
تصوير جثث
الموتى والمجانين.
واستطاع هذا
الفنان أن
يجمع في فنه
تأثيرات متضاربة:
فقد تأثر بميكيلانجلو
وغرو Gros وروبنز
وكارافاجو
Caravaggio وكونستبل
ومورلاند Morland.
ومن أهم لوحات
جيريكو «طواف
الميدوز» (قنديل
البحر) (Le radeau de la méduse
(1817، وهذه اللوحة
التي تقف عند
حيوان بحري
هلامي يضيئ
في الليل تتجاوز
أوضاع الحادثة
المرسومة وملابساتها،
وتكتسب قيمتها
من كونها رمزاً
للحالة الإنسانية
بكل ما فيها
من ألم وصراع
بين اليأس
والأمل. كذلك
قدمت الإبداعية
في فرنسة أعمالاً
رائعة في مجال
آخر هو «المناظر
الطبيعية»
ولكنها تخلت
هنا عن المكانة
الأولى لألمانية
وإنكلترة في
هذا المجال
إذ كان المنهج
الأكاديمي
أقل تصلباً
ومتانة.
| جوزيف
تورنر ـ مشهد
قصر وندسور
من نهر التيمز
نحو سنة 1805 ـ
مجموعة بتوورث
في سسكس |
واهتم
الفنانون الإبداعيون
في ألمانية
بالمناظر الطبيعية،
وعبّروا بوساطتها
عن مشاعرهم
ورؤاهم ذات
الطابع الخيالي
الميتافيزيقي
أو السريالي.
وتبدو مثل
هذه المشاعر
في أعمال فيليب
أوتّو رونغِه
(Ph.O.Runge (1777 - 1810، وكسبار
دافيد فريدريخ،
وهذا الأخير
قدّم للإبداعية
شكلاً تصويرياً
فريداً مستقلاً
عن التقاليد
المتبعة في
رسم المناظر
وترتبط أعماله
بمشاهد الطبيعة،
ووقع الأضواء
والألوان الباهرة،
وبزوغ القمر
وغروب الشمس
وامتداد البحر،
والجبال المكسوة
بالثلج، وغيرها
من المشاهد
الطبيعية التي
تفرض نفسها
بتأثيرها التعبيري
النفساني ورمزيتها
التصويرية
وتعبر عن علاقة
«الأنا» بالطبيعة.
|
أوجين
دولاكروا
ـ نساء جزائريات
في دارهن ـ
1834 ـ متحف اللوفر
في باريس |
وفي
إنكلترة تجلت
الإبداعية
بمظاهر جديدة
وبأشكال مختلفة
لفتت انتباه
الوسط الفني
الأوربي، ويعدّ
كونستبل وجوزيف
تورنر J. Turner (1775 - 1851)
من أبرز الفنانين
الإبداعيين
الإنكليز.
فقد ارتبط
عمل كونستبل
ارتباطاً مباشراً
بالطبيعة وانتقل
بألوانه وأدواته
إلى الطبيعة
العراء ليصورها
إذ عشق سماءها
وأضواءها ورياحها
وأمطارها في
واقعها الحي
النابض بأدق
معالمها. وقد
هوجمت أعماله
في فرنسة من
الاتباعيين
الذين لم يجدوا
فيها سوى تصوير
لمشاهد ريفية
تافهة. ومن
أشهر أعماله:
«حطام السفينة»
(1805). أما تورنر
فيعد من أبرز
ممثلي الرؤية
الداخلية.
وبفضل أعماله
ذات الطابع
الشاعري، وألوانه
الشفافة، والحركة
المنبعثة فيها
من الجمود،
استطاع أن
يحدث انقلاباً
في التصوير
مهّد للتحولات
الفنية التي
شهدها القرن
التاسع عشر
بعد ذلك، وقد
حافظ الفنانون
الإبداعيون
الإنكليز في
تصويرهم الطبيعة
على ملامحها
الخارجية وأبقوا
على ميزاتها
الأساسية وعلى
صفائها، مستخدمين
الألوان المائية
التي جعلوا
منها فناً
رفيعاً. لكن
تورنر الذي
ترك مجموعة
كبيرة من الأعمال
المائية الرائعة
استطاع أن
ينقل شفافية
الألوان المائية
إلى اللوحات
الزيتية حيث
تغيب الجزئيات
ويتحول المشهد
إلى كتلة لونية
تبهر الناظر
بأضوائها.
| فرانشيسكو
غويا ـ الإعدام
في 3 أيار -1808 ـ
متحف إلبرادو
في مدريد |
وأما
في إسبانية
فقد تمثلت
الإبداعية
بأسلوب مختلف
جداً بشخصية
فرنشيسكوغويا،
تلك الشخصية
الفريدة ذات
المخيلة الغريبة
القادرة على
تمثيل بشاعة
الحرب ومآسيها
وما يرافقها
من آلام وشقاء.
ولعله الفنان
الأول الذي
أدخل عنصر
«البشاعة والتشويه»
إلى الفن محاولاً
تمثيل الخصائص
المميزة، لا
الجمال في
مفهومه التقليدي،
لذلك لم يتناول
غويا، في أعماله
الفنية، الطبيعة
كما رآها الفنانون
الإنكليز والألمان،
وإنما تناول
الإنسان في
أسلوب أقرب
إلى التعبيرية.
وقد اتبع تقنية
جديدة تقوم
على الضربات
اللونية السريعة
العفوية وتضاد
الظل والنور.
ومن أشهر لوحات
غويا: «الإعدام
في الثالث
من أيار» (1808)،
ومجموعته الرائعة
«كوارث الحرب»
(1810 - 1814).
فرانسوا
رود ـ نحت بارز
على قوس النصر
ـ ساحة النجمة
ـ باريس (1835- 1832) |
الإبداعية
في النحت: بعثت
الإبداعية
الحياة والحرارة
حتى في التماثيل
إذ بدا النحت
أكثر تقبلاً
للمبالغة في
هذا الاتجاه
في الحركة
والإيقاع والتعبير.
وقد تميز النحت
الإبداعي بانتقائه
موضوعات مستعارة
من الأدب مثل
تمثال «رولان
الغاضب» للنحات
يوهان دو سنيور
Du Seigneur وهو أول نموذج
نحتي إبداعي
عرض في فرنسة
عام 1831. ولكن،
منذ عام 1835 أصبح
أوغست بريو
(A.Préault (1809 -1879 زعيم
النحت الإبداعي
بأسلوبه المفعم
بالعاطفة والعنف.
ويعدّ فرانسوا
رود (F.Rude (1784 - 1855 من
أشهر ممثلي
النحت الإبداعي،
ولوحته «سفر
المتطوعين»
التي عرفت
فيما بعد باسم
المارسيّيز
(La Marseillaise (1832 - 1835 هي لوحة
من النحت البارز
على قوس النصر
في باريس وأنجزت
بناءً على
طلب الملك
لويس فيليب،
ومن أشهر أعمال
رود: «عطارد»
و«جان دارك»
و«نابليون».
ومن النحاتين
الإبداعيين
كذلك أنطون
باري (A.L.Barye (1796 - 1875 وهو
تلميذ النحات
بوسيو (Bosio (1768 - 1845 وغرو
(Gros (1771 - 1835. على أن أوغست
رودان (A.Rodin (1840 - 1917
مايزال يعد
نموذجاً للنحت
الإبداعي على
الرغم من آفاقه
الواسعة وتنوع
أعماله. ومن
أشهر أعماله
«باب الجحيم»
و«المفكر»
و«القبلة»
وتمثال «عصر
البرونز» الذي
أنجز عام 1876 وأحدث
ضجة كبيرة
في حينه. وتعد
مجموعة تماثيل
«برجوازيّو
كاليه» (1889 ـ متحف
رودان) من روائعه
الخالدة. وقد
حرر رودان
النحت من القواعد
الأكاديمية
والاتباعية
مستمداً من
النحت القوطي
ونحت ميكيلانجلو
وفيدياس أسلوباً
يمتاز بالحركة
الدرامية المعبّرة،
وقد تأثر به
كثير من النحاتين.
الإبداعية
في العمارة:
تأثر المهندسون
المعماريون
بالاتجاه الإبداعي
السائد، وتمثل
ذلك في نقدهم
لزينة العمارات
القوطية وفي
إعجابهم بهيكلها.
وكان ذلك إشارة
للثورة على
أسلوب اليونان
والرومان التقليدي.
كذلك أعجب
المعماريون
الإبداعيون
بأبنية العصور
الوسطى، ولاسيما
في إنكلترة،
حيث قام جيمس
ويات James Wyatt (1746 - 1813)،
الذي يعد متحرراً
نوعاً ما،
ببناء قصور
ومنازل فيها
لمحات إبداعية
منذ نهاية
القرن الثامن
عشر. ومن أشهر
أعماله «كنيسة
فونتيل» Fonthill.
ومن تلاميذه
أوغست بوغن
A.Bugin الذي أسهم
في إعادة بناء
قصر ويستمنستر
في عام 1834 وأشرف
بوغن كذلك،
بالاشتراك
مع شارل بيرّي
Ch.Barry، على بناء
البرلمان في
لندن منذ عام
1840. أما في فرنسة
فقد كان لإنشاء
كل من متحف
الأبنية الفرنسية،
ومصلحة الأبنية
التاريخية،
والجمعية الفرنسية
للآثار، وكذلك
لدراسات المؤرخين
الكبار، الأثر
في جلب انتباه
المعماريين
الإبداعيين
إلى الفن القوطي.
كما أتاحت
أعمال لاسوس
(Lassus (1807 - 1857)، وفيوليه
لودوك (Viollet le Duc (1814
- 1879) تعرّف هذا
الأسلوب. وهكذا
بنى غو Gau (1790 - 1850) في
عام 1845 كنيسة
القديسة كلوتيلد،
وتكاثرت على
واجهات المنازل
الزخارف القوطية
المتكررة من
أوراق منقوشة،
وزهور منحوتة،
ووجوه مقطبة
وعقود متقاطعة.
أما
في ألمانية
فقد تأثر المعماريون
الإبداعيون
بالطراز البافاري
والهانوفري
(نسبة إلى مدينة
هانوفر)، وطبعت
الانتقائية
الكثير من
النحاتين والمعماريين
بطابعها، ولم
يعد العصر
الوسيط العهد
الوحيد الذي
يثير فضولهم،
ومهدت الإبداعية
لظهور الفن
الحديث.
وفي
البلاد العربية
نحا عدد غير
قليل من الفنانين
العرب نحو
الإبداعية،
وسيوفر الحديث
عن الفنون،
لدى البحث
الخاص بكل
دولة عربية،
الفرصة لبيان
مظاهر الحركة
الإبداعية
وغيرها في
البلاد العربية.
الموسوعة
العربية