ملف
نازك الملائكة

من
يوميات نازك
الملائكة
- الحلقة الاولى
تنفرد
(المدى) بنشر
المذكرات
والرسائل
الخاصة بالشاعرة
الكبيرة نازك
الملائكة
وهي وثائق
أدبية نادرة
تنشر لأول
مرة تسلط الضوء
على مرحلة
ثرة من التاريخ
الابداعي
لرائدة الشعر
الحر وتؤرخ
لعلاقات ثقافية
تعد الذروة
في النشاط
الفكري والابداعي
العراقي.نازك
تقرأ نفسها
من خلال فعل
الابداع الجمعي
وهي تستعمل
ملاقط ذائقتها
الشعرية المتميزة
في تشكيل صور
حية عن لحظات
التكوين الاكثر
اشراقاً للادب
العراقي.
المدى الثقافي
اعدتها للنشر:
احسان الملائكة
كيف استقبل
ديوان شظايا
ورماد؟
29/10/ 1949
عصراً حضر
الشاعر بلند
الحيدري لزيارة
اخي نزار،
وكان نزار
مريضاً، فقابله
ابي، ونقل
لي عنه انه
كتب عن شظايا
ورماد نقداً
في سبعين صفحة
وسينشر في
مجلة " العقيدة"
في عددها القادم،
على ان تليه
البقية!! ما
القول في هذا
يانازك الملائكة؟!
لننتظر
على كل حال
قبل ان نعلق
بأي شيء.
في الليل اشتدت
الحمى بنزار،
فذهبت الى
غرفته وصالحته
بعد خصامنا
الذي استمر
ما يقرب من
ثلاثة أشهر،
فرحب بي وقال
انه كان يعلم
ان قلبي رقيق
بحيث لا أحتمل
اطالة الخصام
وينبغي ان
اعرف نزار
جيداً فهو
فتى رقيق رغم
ما يبدو من
خشونته التي
يجب ان نغفرها
له. لقد كنت
مغتاظه من
خصامنا لانني
بطبعي مسالمة
هادئة امقت
الحراك أياً
كان نوعه.
30/10/1949
بعد الظهر
وردتنا مجلة
"البيان" وفيها
كلمة قصيرة
عن شظايا ورماد
اغضبتني الى
حدٍ بعيد،
الكاتب صاحب
المجلة "الذكي"
يقول بالحرف
الواحد: (شظايا
ورماد تكفل
(!) مجموعة من
القصائد التي
تعودت عليها
الشاعرة في
التجديد ومعظمها
من الشعر المنثور!!).
اليس من نكد
الدنيا ان
تكون المجلات
في أيدي اميين
كهذا الانسان؟
انني أثور
لانني اكره
اشد الكره
ما يسمى بالشعر
المنثور،
وطالما وضعت
من يكتبونه
بأرداً النعوت.
في مجلة البيان
أيضاً قرأت
ان "بدر السياب"
يطبع ديوانه
"أساطير" مع
مقدمة ضافية.
وقد سرني هذا
الخبر.. في الاقل
لكي لا أجابه
ثورة النقاد
وحدي!! الآن
سيتلقى الزميل
الموهوب بعض
الهجمات مثلي.
واسفاه ايها
الزميل، سيقولون
لك ان شعرك
منثور، وسيصدقهم
الجهلاء.
ترى هل نجح
شظايا ورماد؟
مازلت أسأل
نفسي فلا اعرف
الجواب وامس
تلقيت رسالة
من الاستاذ
ميخائيل نعيمة
قال فيها نصاً:
"ولاني وقعت
في مقدمتك
الجميلة وفي
بعض قصائدك
الجديدة على
روح مجاهد
ثائر مؤمن،
بت اتوقع لك
مستقبلاً
يماشي رغبتك
ورغبتي في
الانطلاق
الذي بشرت
به في "الغربال"
وماأزال ابشر
به، وانا من
غير ان اتصدى
بالتحليل
لمحاولاتك
التجديدية،ونصيبها
من النجاح،
اسر يها واباركها
من اعماق قلبي،
فالمهم ان
نحس دافعاً
قوياً من قرارة
النفس لا من
البيئة، ولا
من رغبة عابرة
ان يقال عنا
اننا مجددون".
حسن. ما الرأي
في هذا الكلام؟
اليس فيه لون
من المماطلة
في الحكم؟
الاستاذ على
كل حال مهذب
وفي طباعه
نبل احيه،
وان كنت لا
اقره على اسلوبه
كأديب له شخصية
! فهو باختصار
يخاف ان يقول
رأياً حاسماً،
لئلا يثبت
الزمن خطل
رأيه، ومعه
بعض الحق في
ان يخاف، فكثير
من الشباب
المتحمسين
ينطفئون،
ولا يتركون
الا آثاراً
في الرمال
سرعان ما تمحوها
الاعاصير.
انا لست منهم
ياأستاذنا
المتردد! وسترى
يوماً انني
لا انتمي الى
صنف المنطفئين!
31/ 10/ 1949
في المعهد
الثقافي البريطاني
قابلت الشاعرة
لميعة عباس
قفالت لي انها
قد كتبت عن
ديواني مقالاً،
فلما سألتها
عنه قالت انه
مازال في ذهنها،
لم يكتب!
1/11/ 1949
وصلتني من
الصديقة "بنت
الشاطئ" رسالة
جميلة، مما
ورد فيها:
(لفرط اعجابي
بكٍ وانفعالي
بشعرك، وايماني
بانك جاوزت
بفنك العبقري
حدود زمانك
ومكانك، فأصحبت
وانت على قيد
الحياة مد
لله في عمرك،
شخصية عامة
ندرسها كما
تدرس الاعلام،
ونحترئ على
اقتحام ما
يسمونه شؤونك
الخاصة، لأنك
منذ أشرقت
في سماء الفن
صرت موضوعاً
فنياً مباحاً
للدارسين).
وهذا احد الادباء
يكتب في جريدة
"الهاتف" البغدادية
كلمة حارة
يختمها قائلاً
(إن حلقت نازك
الملائكة
اليوم بين
شعراء وشاعرات
العراق عالياً،
فغداّ لن يبلغ
شأوها الا
القليل من
الشعراء الذين
يسكبون عصارة
قلوبهم في
مثل هذه الكؤوس
الشفافة ليسلبوا
الباب المستمعين
والقراء).
ثم هذه رسالة
اعجاب وقصيدة
تتحدث عن شعري
وهي من قارئ
لبناني في
"قرعون" وسمعت
ان الاديب
الفلاني يقول
انني اعظم
شاعرية عربية
معاصرة.
الا يعزيك
كل هذا يا نازك
المصدومة
النفس؟!
الاربعاء
2/ 11/ 1949
عصراً كلمني
بالتلفون
الاستاذ يحيى
الثعالبي
زميلي القديم،
وقال انه يريد
ان يكتب مقالاً
عن شظايا ورماد،
وسألني عن
سبب حذف القصائد
التي كتبتها
خلال دراستي
في دار المعلمين
العالية مع
انها كانت
"لطيفة" وسبب
ترتيب القصائد
في شظايا ورماد
بالنسبة للتواريخ،
واسئلة أخرى
أجبته عليها
جميعاً.
5- / 11/ 1949
ما أروع شعر
شكسبير !! إن
سونيتاته
تبدو لي ممتلئة
بالحياة والحسن.
لقد كان مثلي
عميق الشعور
بأن الزمن
يمر، واكاد
لا اجد شاعراً
آخر بدانيه
في هذا.
انني أزجي
اليك اعجابي
يا ملك الشعر
الانكليزي
يا شكسبير،
انا أريد،
أريد ان اكون
مثلك، أن اكتب
شيئاً خالداً
يحدث حدثاً
في ادبنا المعاصر
الميت وسأغمس
روحي في مسرحياتك
ايها العبقري.
ما هذا كله؟!
انني حقاً
فتاة مضحكة
ساذجة الى
حد سخيف، لماذا
اخاطب شكسبير؟؟
يكفي ان أدرس
مسرحياته
لكي تصقل مواهبي،
إن كنت ألمك
مواهب في حقل
الدراما.
6/ 11/ 1919
الناس يهاجمونني
في كل مكان.
وقد بدأ شظايا
ورماد يحدث
ضجة في اوساط
بغداد، صباح
اليوم قرأت
مقالاً لانسان
اسمه (م.د. اسمعيل)
فيه هجوم عنيف،
إذ اتهمني
بانني مقلدة
تقليداً اعمى
لشعراء اوربا
المعاصرين،
وخص قصيدتي
" مرّ القطار"
و "خرافات"
قائلاً انهما
نقل عن ت.س. اليوت،
وقال فوق ذلك
انني مغرورة
بنفسي وانني
اوحي لاهل
عصري بان يؤرخوا
بديواني الجديد
انتهاء عصر
في الأدب العربي
وبداية عصر
جديد!!!
لقد أذاني
هذا المقال
لان الناس
لا يعرفون
شئياً عن "اليوت"
وسبيلي الوحيد
الى الرد ان
اشتغل بترجمة
شعر "اليوت"
إلى العربية
وانشرها في
الجريدة ذاتها.
بل انني ارى
في هذا الهجوم
مديحاً لشاعريتي،
لابد ان الكاتب
قد اعجب بشعري،
ولذلك استكثر
ان يصدر من
شاعرة عراقية
فلم يجد امامه
الا ان يقتنع
بانه لابد
ان يكون منقولاً
من مصادر اوروبية.
آه آه.. سأعلمكم
يا أبناء بلادي
ان تثقوا بانفسكم
وان هذا الشعر
شعركم ولا
علاقة لاوروبا
به.
عبارة واحدة
تسرني في المقال
المتخبط. قال
الكاتب: " ذلك
هو الديوان
الثاني تخرجه
الشاعرة الموهوبة
نازك الملائكة
وتقذف به في
وجه الادب
العربي بقسوة
وحنق، موحية
لأهل العصر
ان يؤرخوا
لما قبل نازك
وما بعدها
في التاريخ
الأدبي".
حسن يامولانا..
شكراً على
ظنك الرائع
في شاعريتي!!
هل قلت أنا
انني أعد نفسي
تاريخاً جديداً
ام هذا ما اوحاه
اليك ديواني
الذي تثور
عليه؟!
صباحاً قالت
لي احدى زميلاتي
المدرسات:
"اتعلمين
ان ديوانك
شظايا ورماد
قد أحدث ثورة؟
إن الناس يتحدثون
عنك الى درجة
لا تصدق.." وقد
نقل الي احد
اصدقاء ابي
مثل هذا القول
ايضاً، فقال
ان الادباء
يتكلمون عن
الديوان في
كل مكان وانني
الآن شخصية
الموسم البارزة
الخ الخ..
7/ 11/ 1949
حضر ابي ظهراً
يحمل صحيفة
"الهاتف" وفيها
مقال بقلم
"زكي حامد
الجادر" عنوانه
"ملكة القصائد"
والمقال تعبير
عن اعجاب الكاتب
بقصيدة "الخيط
المشدود في
شجرة السرو"
التي قال فيها
: "انها ملكة
القصائد في
هذا الموسم
بل لا أغالي
اذا قلت انها
اعظم واروع
قصيدة سمعتها
حتى الآن بلا
استثناء،
نازك الملائكة
هذه الشاعرة
الرصينة التي
تسمو بشعرها
الى أبعد الاغوار
النفسية والتعبيرية،
انها اميرة
الشاعرات
في الادب العربي
بلا منازع،
والبرهان
على ذلك ديوانها
الاول "عاشقة
الليل" والثاني
"شظايا ورماد"
الذي بلغت
فيه درجة عليا
من التقدم
والانتصار
في ميدان الشعر
الحديث".
ومما لفت نظري
قول الكاتب
في ختام المقال
"ما اجدرنا
ان نعطي المبدع
حقه فنقول
له: انت اجدت،
وكيف يجوز
ان نمر بمثل
هذه الجوهرة
دون انتباه
ودون ان ننبس
ببنت شفه وهذا
اجحاف بحق
المبدع الذي
اعطانا اثمن
ما يملك الا
وهو فنه وشعوره".
12/ 11/ 1949
عصراً وصلتني
كالعادة صحف
ومجلات تتحدث
عني في جريدة
"الوقت" رد
على تهمة التقليد
التي وجهها
الي كاتب في
"العالم العربي"
يوم السبت
الماضي. وفي
مجلة "المكشوف"
البيروتية
تعليق قصير
على شظايا
ورماد، لمحت
فيه بروداً
من المجلة
تجاه ديواني،
وان كان كاتب
المقال قد
حاول ان يمدحني:
"لابد لمن
يستطلع الشعر
في ديار العرب
ان يذكر نازك
الملائكة،
شاعرة العراق
الكبرى".
انا امقت المديح
المجرد، كما
أكره الشتم
المجرد، لانهما
ينمان عن اندفاع
عاطفي لا تفكير
وراءه، وما
اسهل ان نمدح
ونقدح ان لم
نتدبر ما نقول.
الاحظ انني
اقابل ما يكتب
عن شظايا ورماد
ببرود وهو
شيء يسرني.
قالوا: "ان
كيتس مات غماً
لأن ناقداً
هاجم شعره،
وهذا على الاقل
رأي "بيرون
و"شيلي" ولا
أدري كيف كان
يحس جون كينس
لو انه لقي
ما ألقى انا
في هذه الايام.
19/ 11/ 1949
في طريق عودتي
الى البيت
من المدرسة،
تذكرت دون
داعٍ علي محمود
طه، وقلت لنفسي:
إن شاعريته
تحتضر، وان
شعره سطحي
رغم جماله
وموسيقاه،
وكانت في يدي
جريدة مطوية
فخطر لي ان
اقلبها ففتحتها،
وما كدت افعل
حتى قفز امام
بصري هذا العنوان
العجيب:
"علي محمود
طه في ذمة الله"
يحف العنوان
السواد وقرأت
تحته نعياً
قصيراً يقول
إنه مات على
إثر الشلل
الذي الم به
منذ أشهر!
لا استطيع
ان اصور شعوري،
أذكر انني
طويت الجريدة
حالاً دون
ان أقرأ أي
شيء آخر، وحاولت
ان افهم معنى
ما قرأت وأجرده
من دوي الالفاظ
في مسمعي.. فلم
استطع الا
بعد انصرام
دقائق.. مات
علي محمود
طه واذن، وخفت
قيثاره الى
الابد، وسرعان
ما سينسى الناس
اسمه في هذا
الشرق العربي
الجاحد، سيكتب
عنه واحد او
اثنان ثم يلف
اسمه بغبار
الزمن ويسكت
كل شيء.
اما أنا فأود
لو فرغت الى
كتابة بضعة
مقالات عنه
اعترافاً
بأثره العميق
على شعري خلال
الفترة السابقة
لعاشقة الليل
واخشى ان اتكاسل
واقنع نفسي
بانني مشغولة!!
في البيت استقبلتني
كآبة والدتي
واحسان ووجدت
أنباء موت
الشاعر قد
سبقتني.. والملاحظة
العامة ان
المشاهير
في مصر يتساقطون
واحداً بعد
الاخر في سرعة.
فقد مات منهم
هذا العام
الممثل نجيب
الريحاني،
وابراهيم
عبد القادر
المازني الكاتب
الشهير والشاعر
خليل مطران
والممثل احمد
سالم وهلم
جراً. ومن يدري
متى سنموت
نحن؟ وما هذه
الحياة بعد
كل شيء؟
مما يصح تسجيله
اليوم مقال
عن شظايا ورماد
في مجلة "صوت
المرأة" البيرونية
بقلم الكاتبة
"روز غريب"
التي قابلتها
في ظهور الشوير
هذا الصيف،
وأعجبت بشخصيتها
وغلبة السمة
الصلبة عليها،
وهو أمر نادر
في نسائنا.
جاء في المقال:-
“ترى امعانها
في درس آداب
الغربيين
في اشاراتها
إلى آدابهم
وأساطيرهم
وإستلهامها
بعض شعرائهم،
وفي ثورتها
الجارفة على
جمود الشعر
العربي وقيوده،
وأخذهم بأكثر
أساليب الشعر
الاوربي الحديث
من تنويع وافتنان
في الوزن والقافية،
وترابط قوي
بين الأجزاء،
واستثمار
لنظريات الرمز
والغموض والعقل
الباطن. وفي
أسلوبها جرأة
وذاتية وتحرر
يدنيه من مستوى
الشعر الصافي”.
هذا المقال
لم يزدني إلا
إعجاباً بروز
غريب، إنها
فتاة عظيمة،
وسأكتب إليها
وأعلن اعجابي
وحبي لها.
لم أقرأ طويلاً
في الليل خوفاً
من الأرق،
إلا ان زكاماً
قوياً ضايقني
وحال بيني
وبين النوم
يا لهذه الحساسية
التي يقابل
بها جسمي الشتاء،
انني لا أطيقها،
والعطاس يزعجني
ويضعف صحتي..
20-11-1949
لا شيء هام،
عصراً سرت
مع نزار إلى
الشاطئ ساعة
26-11-1949
ظهراً استقبلني
في جريدة الوقت
مقال اعجاب
بقلم "فؤاد
ميخائيل"
عنوانه "ساعات
مع شظايا ورماد"
فيه مديح كبير
أعجبني بعضه،
إلا انه بمجموعه،
على الطريقة
العراقية
المعاصرة
عموماً في
النقد.. اما
مديح عظيم
او شتم لا يطاق!
وقد راقني
منه هذه الملاحظة:
(حياة نازك
بعد عاشقة
الليل هي حياة
حزن وألم وعذاب
ويمتزج معها
ألوان أخرى
جديدة هي الغضب
والثورة والسخرية
والانفجار)
إلا انني أمقت
أن أوصف بأنني
"حزينة.. معذبة"
هذه النعوت
الرومانسية
لم تعد تروقني،
ولا يتنمي
شظايا ورماد
إليها أصلاً.
27-11-1949
قرأت النصف
الأول من "مذكرات
الأرقش" وهو
كتاب جديد
لميخائيل
نعيمة، وراقتني
الصفحات الأولى
لأن شخصية
الأرقش لا
حتْ لي مبتكرة،
ثم اكتشفت
أن المؤلف
حشا الأرقش
بأفكاره التي
ألفناها في
كتبه كلها،
الوجود عرض
زائل، والأهواء
البشرية رخيصة
فانية وهكذا.
ما أبعد العالم
الذي يحيا
فيه ميخائيل
نعيمة عن الحياة،
ومع ذلك يظن
أنه أحد الكتاب
الواقعيين
الذين لا يعيشون
في الابراج
العاجية. هذا
الكاتب يحتقر
العواطف والمشاعر
البشرية كلها
ويدعو إلى
لون من الحياة
الصوفية الباردة
التي لا يهمها
الأحاسيس
الجميلة الشفافة..
وأنا أحس كلما
قرأت كتبه
أنني أختنق.
29-11-1949
بعد الظهر
حملت مجموعة
قصائد لشكسبير
وذهبت إلى
شاطئ دجلة.
هبطت إلى جرف
النهر وجلست
على الرمل
في الشمس والماء
الضحل يتحدر
تحت قدمي في
النهر. ما أجمل
الشتاء! وما
أروع هدوءه!
لاح لي كل شيء
نظيفاً، مسالماً:
النهر، ورمال
الجزيرة،
والشمس المتألقة
على كل شيء،
وهي تسكب عليّ
دفئها. وذكرني
الجمال بأننا
سنموت يوماً،
ونفقد كل شيء،
لكني وجدت
نفسي أهزأ
به، فهذه اللحظة
ملكي أنا،
لا قدرة للموت
على انتزاعها.
إن المستقبل
لا يهمني،
ما دمت أملك
لحظتي الجميلة!
30-11-1949
في الشارع
عند عودتي
إلى البيت
لقيت النحات
خالد الرحال،
فسار معي حتى
محطة الباص،
ووقف حتى أقبلت
الحافلة،
يكلمني عن
شظايا ورماد.
قال إن قصيدة
"مَرَّ القطار"
تمثل له الدورة
الدموية للحياة
البشرية تمثيلاً
دقيقاً، وانه
أحب قصيدة
"كبرياء".
ثم قال انه
منغمس في صنع
تماثيل جديدة.
أشعر إنني
أريد أن أؤلف
كتاباً فكرياً
خالصاً أعالج
فيه قضية المرأة
في العصر الحديث،
وتاريخها
في العصور
الماضية،
وما أرجوه
لها في المستقبل،
وسبب رغبتي
انني ألاحظ
أن نظرية هامة
قد تكونت في
ذهني، وترسبت
تفاصيلها
ببطء طيلة
السنوات الماضية،
وانني خير
من يستطيع
الكلام حول
الموضوع،
لأنني احدى
القليلات
اللواتي يملكن
من قوة الرغبة
في حياة الفكر
ما يجعلهن
يحتملن التضحية
بسعادة الحياة
كلها من أجل
الأدب، ولذلك
استطعت ان
أتفرغ للدراسة
هذا التفرغ،
وبذلك تهيأ
لي سبيل الردّ
على مهاجمات
أعداء المرأة
مثل توفيق
الحكيم، وشوبنهاور،
وزكي مبارك،
وغيرهم.
7-12-1949
اشتريت مجلة
الأديب البيروتية
ووجدت فيها
باباً عنوانه
"مكتبه الأديب"
استعرض فيه
كاتبه بعض
"عظماء النقاد"
ما يقرب من
ثلاثين كتاباً
بينها كتاب
يدعى "شظايا
ورماد" وكان
نقده لهذا
الكتاب مقتصراً
على اجتزاء
أسطر من مقدمتي
للكتاب، لا
غير. وهذا ما
صنع بالكتب
الأخرى جميعاً.
أي ينقل أسطراً
من مقدماتها!!
أليست هذه
طريقة مبتكرة
في التعريف
بالكتب؟!!! إلا
ان تفاهات
الكاتب المذكور
لم تزعجني
إلا قليلاً،
فقد عثرت في
المجلة على
مقال عميق
للكاتب يوسف
الشاروني"،
الذي يشبهني
في أحاسيسه
وأفكاره شبهاً
كبيراً، لذلك
أحب كتاباته
حباً كبيراً
اكاد لا أمنحه
لأديب معاصر
آخر.
ظهراً ذهبت
إلى المعهد
الثقافي البريطاني.
اثناء الدرس
قال الأستاذ
"ديزموند
ستيوارت":
(سنسأل نازك
أن تقرأ علينا
مقالها حول
قصيدتي شكسبير
وشيللي، وأخصها
هي بالطلب
لأنها شاعرة
ومعرفتها
بالأدب الانجليزي
جيدة جداً
بحيث يستفيد
الصفّ من الاستماع
إلى مقالها
استفادة كبيرة.)
بدأت أقرأ..
كان مقالي
في ست صفحات
محشوة حشواً
بآرائي الخاصة
وأقتباسات
من بعض كبار
النقاد الانجليز
المحدثين،
وقد قارنت
فيه بين قصيدتين
موضوعيتين
لشكسبير وشيللي،
شارحة "سبب
عمق الموضوعية
عند شيللي،
وهو طبيعة
العصر وضحالتها
عند شكسبير
الذي كان يلذه
تصوير ما حوله
مما يشغله
عن نفسه، ولذلك
يعد شكسبير
شاعراً شيئياً
عظيماً.
وفيما أنا
استعرض "الشيئية"
في قصيدة شكسبير
قاطعني الاستاذ
قائلاً بالانجليزية
"انه مقال
ممتاز، جيد
جداً في الواقع
وسوف تحصلين
على درجة ممتازة
عليه، انه
متوازن بشكل
عظيم" وعندما
انتهيت عاد
يثني عليَّ
ويقول انه
خير تحليل
ممكن للقصيدتين.
وراح يشرح
للطلاب بعض
الآراء التي
عرضتها، مثل
كون الشعر
الغنائي موضوعياً
على العموم
وكون الشاعر
شيللي وزملائه
من الرومانسيين
يدخلون آراءهم
الاجتماعية
في قصائدهم،
ونحو ذلك.
لقد أراحني
مديح الاستاذ
"وهو شاعر
معروف" أراحني
من الوجهة
الادبية إراحة
كبيرة، لاسيما
وان مقالي
مكتوب بالانجليزية.
بعد ذلك قرأ
علينا الاستاذ
ستيوارت قصيدة
لبيكون، والتفت
إلى الطلاب
وقال: "هذه
الآراء الواردة
في القصيدة
تشبه آراء
فيلسوف اوربي
معروف. هل فيكم
من يعرفه؟"
لم يجب على
السؤال غيري،
وكان جوابي:
"انه شوبتهاور".
في الليل قرأت
دراسة انجليزية
عن سونيتات
شكسبير، ثم
تحدثت طويلاً
مع نزار.
8-12-2007
في المدرسة
حاولت تصحيح
دفاتر الطالبات
فأبت زميلتي
م. ك ان افعل
ذلك، لأنها
ترغب في أن
تتكلم باللغة
الفرنسية،
وهكذا كان،
خاصةً لأنني
اكره التصحيح
وأحب الفرنسية.
ظهراً حملت
كتاب اللاتينية،
وراجعت دروسي
في الشمس الجميلة
ثم حضر مصلح
الجرامفون
وأصلحة. فوراً
استمعنا إلى
السمفونية
الاولى لسيبليوس
التي تأثرت
بها تأثراً
هائلاً وامتلأت
حماساً وانفعالاً.
في المساء
اتصل بي تلفونياً
السيد حسين
الرحال مدير
الاذاعة في
بغداد. وعرض
عليَّ القاء
قصائد في برنامج
الشهر القادم،
فوعدت بأن
افعل. ثم عاد
ثانيةً بعد
دقائق وأنبأني
أن الموعد
المحدد سيكون
18 من الشهر القادم.
9-12-1949
ظهراً استمعت
إلى السمفونية
الأولى لسيبليوس
ثم إلى "فنلائديا"
ما أعظم الموسيقى!!
إنها تحيرني
دائماً.. أقرر
الاستماع
إلى السمفونية
الأولى، فأحضر
الاسطوانات
وأدير الجرامفون
وأجلس صامتة،
وأنتظر، مدركةً
أن شيئاً غريباً
سيحدث لي رغماً
عني..
وحين تبدأ
الموسيقى
تشقّ طريقها
إلى نفسي،
أحس بهدوء
مطلق، ثم تنشط
قواي النفسية
نشاطاً مثيراً،
فأنفعل بحدة
وحرارة، وأود
لو عانقت الكون..
لو صنعت شيئاً
غريباً.. هائلاً..
عظيماً.
هذه السمفونية
الأولى لسيبليوس
تؤثر في نفسي
تأثيراً لا
سبيل إلى سبر
غوره، أجد
نفسي دامعة
العينين كلما
أصغيت إليها،
وأنغامها
تحفر روحي
حفراً، ولا
تبقي في قلبي
موضعاً غير
مجروح. لا بدّ
أن سيبليوس
كتبها على
أثر حبٍ فاشل،
وإن كانت انغامها
تسمو بالروح
فوق الحبّ،
وفوق مجرى
الحياة اليومية،
وهي تذكر السامع
بعالم غامض
غير محدود
في مكان ما
من الكون.
في الليل قرأت
سيرة الفيلسوف
"فرانز بيكون"
في ثلاثة مراجع
انجليزية
استعداداً
لكتابة مقال
عن آرائه في
الحياة، كلّفنا
بكتابته الاستاذ
ستيوارت.
10-12-1949
عصراً ذهبت
إلى السينما
مع احدى صديقاتي،
وأعدت مشاهدة
شريط "الرقصة
الناقصة"
الذي شاهدته
منذ أيام،
وأحببته حباً
كبيراً من
اجل رقصة الباليه
الشاعرية
"بحيرة البجع"
الذي أخرجت
فيه اخراجاً
هائل الروعة،
لا يضاهيه
أي شيء شهدته
في السينما
طيلة حياتي.
في الباب الشرقي
قابلت "ص. ك"
صديق والدي،
فقدم إليّ
جريدة مصرية
"النداء" التي
كتبت عني مقالاً
عنوانه "شظايا
ورماد".
11-12-1949
عصراً استمعنا
إلى الكونشرنو
"البيانو"
لخاجاتوريان،
وفنلانديا،
والفالز الحزين
لسيبيليوس
باستمتاع
كبير. اية نشوة
تثيرها الموسيقى
الكلاسيكية
فيَّ!!
ليلاً استمعت
إلى اغنية
عبد الغني
السيد "البيض
الأمارة"
التي غناها
بصوته الشجيّ
العميق الذي
أعده أغنى
صوت بالانفعالات
الجياشة البعيدة
عن مبالغات
العواطف الغرامية
المبتذلة.
صوت عبد الغني
السيد يعبر
عن عوالم بعيدة
ملؤها الافكار
الفلسفية
والكآبة والجمال
ولهذا أحبه.
12-12-1949
تلقيت رسالة
عذبة من السيدة
بنت الشاطئ
تسألني فيها
سؤالاً محرجاً
أشد الاحراج
حول حبّ "عاشقة
الليل" ولا
أدري كيف أجيبها..
في الليل اشتغلت
بدراسة القسم
الأول من قصيدة:
"لاميا" لجون
كيتس.
13-12-1949
في الليل قرأت
فصلاً في كتاب
"جون مدلنون
ميري" Murrr عن
جون كيتس،
وفكرت طويلاً
في شاعريتي
ومستقبلها
ثم رحت اقرأ
كتاب "رجعة
فرعون" لبنت
الشاطئ، ونمت
بعدها خائفة،
فمو