حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

ملف الحمامات

الحمٌام سيرة الورع والشهوة

الاستحمام، نوع من ولادة متجددة للإنسان، الغمر بالماء رمز للعودة زمن الأمان الأول والسباحة في بطن الأم، رمز للموت والولادة من جديد.. الطهارة بالماء أيضا خطوة ضرورية لممارسة العبادات. والحمّام أيضا دعوة إلي أقاليم اللذة ومفتتح لعوالمها. وكدأبها في تقديم أعداد خاصة عن ظواهر وقضايا الحياة اليومية تقدم أخبار الأدب هذا العدد عن الحمام، مثلما قدمنا من قبل أعداد: السرير، "الكسل، الرصيف، كرة القدم وغير ذلك من الأعداد التي نحاول بها التنبيه إلي اتساع مفهوم الثقافة، وتحقيق متعة القراءة من خلال المساهمات المتعددة للأدباء من مختلف أنحاء العالم العربي. أما لماذا الحمٌام الآن تحديدا، فلأن مصر التي هي "هبة النيل بشهادة هيرودوت تعاني عطشا لايليق، ومن يعاني العطش يعاني قبله بالضرورة صعوبة الاستحمام، وكم هو مؤلم لدي شعب عقيدته الأولي النظافة بشهادة هيرودوت أيضا. وإذا كانت محابس المياه في أيدي غيرنا، فإننا نأمل أن نحقق متعة القراءة لمن يجدون صعوبة في الحصول علي متعة الاستحمام!!.


الميلاد المتكرر للمتعة والورع

عزت القمحاوي

عنما أكل آدم وحواء من شجرة المعرفة خسر الإنسان فرصة الخلود، هبط أبوانا علي الأرض. ثم جاء التأكيد الثاني علي محدودية عمر الكائن في الحمام!

نزل جلجامش يستحم وترك عشبة الخلود علي الشاطيء فجاءت الحية وأكلتها، لكن الملحمة البابلية لم تعتبر جلجامش مذنبا، إذ يكفيه بؤسا أن الموت صار له نصيبا.

وبنوع من العناد الذي تتميز به إرادة الحياة، اتخذ الإنسان من بيت الداء مكانا للشفاء، إذ صار الحمٌام مكانا لتكثير الحياة، فهو نقطة البدء لولادات متكررة بعد الولادة الطبيعية الواحدة.

في عديد من الديانات يرمز الغمر في الماء إلي الميلاد من جديد، وفي الوقت نفسه يقوم الحمام مقام العتبة الضرورية قبل الانخراط في فعل اللذة.

هو إذن المكان المركزي الذي يعاد فيه تشكيل حياة الإنسان سواء باتجاه المتعة أو الزهد. ويرجع ميرسيا إلياد هذه المكانة المركزية للماء إلي كونه أصل كل حياة، والوجود الذي يسبق كل وجود. وحسب إلياد فإن الغطس في الماء يرمز إلي الارتداد إلي حالة سبقت تشكل الأشكال، بينما يستعيد الطفو فوق الماء فعل الخلق الكوني المتمثل في ظهور الأشكال. وهذا الانمحاء والتشكل لدي الإنسان بالغمر في الماء يشبه الطوفان والغرق الدوري، فعقب الطوفان تنبعث الحياة من جزيرة تظهر بصورة فجائية وسط الأمواج.

وهذه هي فلسفة العماد في المسيحية.

يقول إلياد إن تيارا أخذ بالعماد في سورية وفلسطين قبل الميلاد بمئة وخمسين عاما. كان الأسينيون يمارسون الاغتسال الطقسي أو العماد، لكن اليهودية كانت تكرر ذلك الاغتسال الطقسي بصورة دورية، بينما يتم عند المسيحيين لمرة واحدة.

ويمكننا وضع طقوس رفع الجنابة الإسلامية، والوضوء للصلوات وغسل الميت في ذات الرمزية: بدء حياة جديدة، خالية من الدنس.

***

بقدر ما كان الحمام بابا للخروج من الدنس، فهو باب واسع للدخول إلي أقاليم اللذة. وإذا استثنينا الدجش الصباحي المتعجل في المدينة الحديثة، فإن الاستحمام أو إعداد الحمام دعوة لايفوت الشريك مغزاها.

ولنا أن نثق في حكمة الحكاية. حيث تضمن ¢ألف ليلة وليلة¢ هذه المكانة المركزية للحمام، في حالات الشبق وحالات الورع أيضا.

في الليالي يمثل الحمام الخطوة الأولي باتجاه الجنس في ترتيب صارم: الاغتسال، فالأكل مع الشرب فالاضطجاع. ولايوجد سوي استثناء وحيد في قصة الحمال والثلاث بنات اختل فيها الترتيب فكان ما كان من الحرمان!

بدأت الليلة بالطعام والشراب والهراش والبوس والعض والفرك، وعندما بلغت الإثارة مداها بدأت النساء تتناوب علي خلع ملابسهن والارتماء في بحرة الماء والإشارة إلي موضع الحياء والسؤال عن اسمه، وكلما أجاب الحمال باسم، ضربته علي قفاه عقابا علي قلة حيائه، حتي علمنه الأسماء المحتشمة كلها، وجاء دوره في التعري فبدأ يختبرهن بالأسماء الممكنة لشيئه، ولأن الدرس اللغوي طال أكثر من اللازم، أو بسبب تأخير الحمام في ترتيب الطقوس، فإن الحمٌال لم يظفر بأكثر من هذه الملاعبات إذ دخل القرندلية الثلاثة وبعدهم الخليفة هارون الرشيد ووزيره جعفر فسكت الساهرون عن الهراش المباح.

وليس هذا بأعجب من حكاية الفلاح وزوجته الأمية التي أدركت مباهج الحمام علي الرغم من أنها لا تتمتع بثقافة شهرزاد ابنة وزير الملك شهريار.

أقدم ذكري إيروتيكية لديٌ أحملها لرجل يحكي بمرارة لصديقه الراشد عن زوجته الميتة، كان يقص متأسيا أن فضيلتها الكبري كانت اكتشاف أي تغير في وجهه لأية مشكلة كانت، فتقوم من تلقاء نفسها وتسخن الماء وتدعوه إلي الحمام، وهو من جهته لايجد من الرجولة أن يريق الماء من دون جنابة، فينقلب إليها بينما تليٌف ظهره، فإذا هو خارج من الحمام خاليا من الهم كما ولدته أمه!

وما كان لي أن أعلم أنه في الوقت الذي كنت أستمع فيه إلي تفجع هذا القروي، كان هناك كاتب كولومبي يجلس إلي أوراقه ليكتب عن تهييج الحمام الذي أدي إلي واقعة زني محارم، ففي ¢مائة عام من العزلة¢ لماركيز تواصل العمة أمارتا التعري في البانيو أمام ابن أخيها أورليانو خوسيه، معتقدة أنه لايزال طفلا، حتي قادته إلي فوران جعلهما يطاردان بعضهما البعض في أرجاء البيت، أما الجميلة البلهاء ريميديوس فقد سحبت غريبا إلي حتفه عندما تلصص عليها من قرميدة منزوعة من السقف، عمد إلي توسيعها بخلع اثنتين أخريين، فسقط تحت قدميها مهشم الجمجمة.

ويبدو أن بهجة العري المدوخة لاتقتصر علي البلدان الحارة كمصر وكولومبيا، فإلفريدا يلنيك في ¢عازفة البيانو¢ تصور طالب الطب إبن خال (إريكا) يلقي بنفسه في حوض الاستحمام المليء بمياه جوفية في برودة الثلج ليبرد جسده الفائر، وتتقافز الفتيات حول ¢الجدع¢ فيتحول مسعي التبريد إلي إحماء إريكا التي استسلمت له في المصعد، بعد أن تأملت من وراء الزجاج استعراض العري في مشهد يذكر بمشهد الحمال والثلاث بنات أو معكوس مشهد زوجة شهريار مع العبيد!

لكن الحمام البارد ينجح أحيانا في تثبيط الهمة. ينقل ميرسيا إلياد في ¢التنسيب والولادات الصوفية¢ حكاية ميثولوجية أيرلندية عن الشاب البطل كوشولين ابن أخ الملك الذي طلب من عمه سلاحا وعربة وتوجه إلي قصر أبناء نيختا الثلاثة، وهم ألد أعداء مملكة ألستر (مملكة عمه) حيث بتر رؤوسهم، وقد عملت هذه المغامرة البطولية علي إحماء بدن الفتي، وعلي تزويده بشحنة حرارية هائلة، وقد حذرت الساحرة الملك: "إذا لم تسرع باتخاذ الإجراءات الاحتياطية فإن الفتي سيقضي علي جميع المحاربين في المملكة، وسيبيدهم عن بكرة أبيهم¢. عندها فكر الملك بالأمر وأرسل إلي الفتي أفواجا من النساء العاريات، لم يأبه لهن، فلم يكن هناك بد من الإتيان بثلاثة دنان من الماء أودع في الأول، فانتقلت منه حرارة شديدة حطمت الألواح الخشبية للدن، وفي الدن الثاني ظهرت علي السطح فقاعات الغليان، وفي الثالث بلغت الحرارة درجة عالية، تمكن بعض الرجال من احتمالها، وهدأت ثورة الفتي، فأعطي الثياب.

***

إذا كان الحمام قد شفي الفتي من تعطشه للدم، ففي عديد من القري المصرية أسطورة تتعلق بحمام منتصف الليل في الترعة، وبطله دائما رجل اشتبك في غزل عنيف مع كلبة، ولم يجد من سبيل لإقناعها بإفلاته سوي حملها في العباءة والنزول بها إلي الماء!

تكرار الأسطورة يؤكد خياليتها، لكن تبقي أمثولة الماء المهديء، التي تجعل الفلاح يجبر الأبقار والجاموس علي هذا الحمام الصباحي من أجل إطفاء الشهوة، فهناك حسابات اقتصادية صارمة تحدد الأوقات الجيدة للحمل طبقا لمواعيد الدورة الزراعية. وإذا قالت الحسابات بأن موسم البرسيم يمكن أن يضيع في أشهر الحمل، يتم إطفاء رغبة البهيمة بالحمام الصباحي، لترحيل حملها إلي وقت آخر.

***

العودة إلي ألف ليلة تجعلنا نكتشف أن الحمام دواء لكل داء، فهو يغسل أوزار السفر، وعلامة علي الوصول أخيرا إلي بر الأمان للمطاردين من عفاريت الإنس والجن. والخروج إلي الحمام علامة علي شفاء المريض: يحكي الطبيب اليهودي عن جهوده في علاج الشاب الموصلي علي يديه " ثم جسيت مفاصله وكتبت له ورقة وقعدت أتردد عليه عشرة أيام حتي تعافي ودخل الحمام واغتسل¢.

ولأن رواة ألف ليلة المجهولين لديهم من وسائل الرعب ما يكفي، فلم يكونوا بحاجة إلي زرع الوحشة في الحمام كما تفعل الأفلام. وإذا ما خرج عفريت فهو يخرج من الكنيف، باعتباره بيت النجس، وليس من الحمام مكان التطهر. لكن الحمام كان فأل شؤم ذات مرة، وذلك في حكاية الملك الشاب المسحور الذي خلف أباه في الحكم بعد سبعين عاما أقامها ملكا للجزائرالسود. إذ ذهبت الزوجة وهي ابنة عمه إلي الحمام، ووسعت لوشاية الجاريتين اللتين استمع إليهما تتناجيان بخديعته بينما كان متمددا يستمتع بتدليل إحداهما عند رأسه والأخري عند رجليه. وعرف من تناجيهما أن زوجته تخدره كل ليلة وتخرج إلي حيث تخونه مع عبد أسود في خص حقير، حيث تأكل الفئران وتشرب من القوار!

لاتأتي شهرزاد علي ذكر الحمام عندما تبتعد عن القاهرة وبغداد والبصرة ودمشق، لأن الحمام ابن أصيل للمدنية العربية، بينما تأخرت علاقة أوروبا بالحمام طويلا، ويقال إن سر تطور صناعة العطور الفرنسية كان تعويضا عن غياب هذه النعمة. وفي مذكراته عن سنوات باريس نكتشف أنٌ همنجواي لم يمتلك حمٌاما خاصٌا في بيته، ولابد من كون ذلك مألوفا في العقد الثالث من القرن العشرين لأن همنجواي كان كاتبا وصحفيا معروفا بشكل جيد وكان يمارس بعض مظاهر الرفاهية كالأكل في المطاعم والمراهنة في سباقات الخيل.

***

يعدٌ الذهاب إلي الحمام إشهارا حسيٌا تتعامل معه المدينة العربية، والقرية العربية بكل حفاوة، والغريب أن مدينة محافظة مثل حلب تتعامل مع (حمام السوق) بطريقة احتفاليٌة، يصبح فيها محور حفلات الزواج، لاسيٌما في السنوات الأخيرة، حيث ألحقت بالحمامات صالات أفراح.

وفي عديد من القري المصرية مايزال طقس حمام العريس والعروس مستمرا: ففي عصر يوم الدخلة تشترك الصويحبات في حمٌام العروس وإزالة الشعر عن جسمها في بيت أهلها، بينما يذهب العريس في زفة من أصدقائه بالطبل والمزمار والرقص ليستحمٌ في بيت عمه. إنٌها حالة من إشهار عزوة العائلة، ولكنها أيضا وشاية بأحداث الليلة المقبلة بأكبر قدر من العلانية والاستعراض: فعندما يصل العريس إلي بيت العم تنثر فوق الزفة حبات الكراملة ابتهاجا، والملح للحماية من الحسد، ليتوجه الموكب إلي الغرفة التي يتوسطها طشت الاستحمام، حيث يتحلق اللابسون بالعاري يليفونه ويتقاذفون بالماء.

هذا الحمام الطقسي هو الأشهر في حياة صاحبه وصاحبته، حدث تنسيبي كالطهور، يعلن عن توديع صاحبه وصاحبته حياة العزوبية، التي كانت بالنسبة للأنثي سرا طي الكتمان، بينما يتمتع الذكر الريفي منذ البداية بعريه المعلن في حمام الترعة الأكثر خطورة من حمام جلجامش، إذ يجعل الموت نصيبا واقعيا لأبناء الريف الذين تنهش البلهارسيا أكبادهم.

حمام الترعة يبدو احتفال تنصيب بالبلوغ، إذ يبدأ الاستحمام جماعيا في فترة الصبا، ويحاكي طقس الحمام النظاميٌ: فالصابون هو أوراق نبات العليق التي يفرك بها الجسم، فتنتج رغوة ليست في وفرة رغوة الشامبو، لكنها رغوة علي أية حال. وجرن الماء البارد هو الترعة بمائها الوفير الجاري، ويستعاض عن الجرن الساخن، بالقناة الضحلة المعرٌضة للشمس طوال اليوم، أمٌا الشمس فهي منشفة تكفي الجميع.

أوقات هذا الحمام المفتوح للبشر والدواب تحدد نوع الاغتسال وهدفه، فحمام الظهيرة في الغالب يكون طلبا للبرودة وإطفاء الحر، بعكس حمام الصباح الباكر الذي لايضطر إليه إلا لإزالة الجنابة من أجل ¢خطف¢ صلاة الصبح قبل الشروق.

وسواء أكان الدافع وراء الحمٌام الإغواء أم الورع، فإنٌنا نستحم لمقاومة الفناء، ونتخذ من الحمام عتبة للخلود.


الشهوانية البدائية

ترجمة مرفت عمارة

الاستحمام احتفال مطلق يعبر عن عقيدة الافتتان بالجسد في العصر الحديث، ولحظة استمتاع قصوي، هي في حد ذاتها تدليل محض للذات، ونوع من التطهر المبهج، والفكرة نفسها تنطوي علي استحضار لا يقاوم لحميمية المكان المتمثله في الحمٌام، عطر الصابون، طراوة الأسفنج، نعومة الزيوت، عبير ماء الكولونيا، الماء ذاته، الذي يبدو كما لوكان شيئا منسيا، ماء متدفق بغزارة، يندفع من فتحات الدجش كي ينساب فوق كل بوصة من جسدك، فيغمره بالدفء والإحساس الأمومي بالراحة.

لقد اختلقنا طهارتنا منذ زمن سحيق، لكن استحمامنا اليومي في بيوتنا اختراع حديث العهد، ولسبب وجيه، منذ كان الماء لا يصل الي المنازل حتي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت المياه تمد إلي المطابخ فقط ! وكان علينا الانتظار حتي يحل القرن العشرون لبدء عصر الحمامات المنزلية، وخلال ذلك لم يتهاون البشر في اكتشاف متعة الاستحمام، فقد تكفلت الطبيعة بذلك موفرة الانتعاش في بحارها وأنهارها وبحيراتها وحتي الينابيع الشافية التي تصل حرارتها الي درجة الغليان، وخلال ذلك كانت المياه تكتسب معاني جديدة في كل حضارة، لا يزال الكثير منها محفورا في الذاكرة، ويظهر في عادات الاستحمام حتي الآن.

قصة الاستحمام تمت كتابتها حسب الحاجة بقلم مغموس في مياه المحيطات والأنهار والينابيع، تحفل بتاريخ من الغرائز البدائية حول العلاقة بين الماء والجسد، وتاريخ جريان الماء.

تشعر البشرية بنوع من الرضا عن الدلالات الرمزية للمياه أطلق عليها جاستون باشلار ¢الشهوانية البدائية¢ مثلا اعتبار السباحة في الماء البارد طريقة للاسترخاء، وزيادة فوائدها بالتدليك بالزيوت العطرية وقد عرفنا ذلك منذ زمن ¢هوميروس¢.

أما حمامات البخار في مرحلة ما قبل التاريخ فقد بدأت في الشرق وكانت تتم بطريقة بسيطة بحفر مأوي مجوف في أرض الكوخ تضرم داخله النار في خشب راتنجي، فوقه أحجار من النهر حتي تسخن لدرجة الإحمرار، يلقي عليها الماء لإطلاق البخار، الذي يندفع الي الكوخ وينتج حرارة جافة، وفي اليونان بدأت حمامات البخار في الجيمنيزيوم ثم انتقلت للحمامات العادية وعبر انتشارها في شمال روسيا والدول الاسكندنافية انتقلت الي البلقان في القرن الثالث عشر ثم اتجهت جنوبا نحوآسيا الصغري، كما اخترع المسلمون حمام البخار الذي عرف بالحمام التركي أو الموري، وهو مزيج بين حمام البخار والحمام الروماني الحار، بني العديد منها في أسبانيا مع الغزو المغربي في القرن السابع ثم انتقلت الي أوروبا مع الحملات الصليبية، بعد سقوط القسطنطينية 1435 قدمها الأتراك العثمانيون إلي دول البلقان وهنغاريا.

والاختلاف بين حمامات البخار (الحرارة الجافة والحرارة الرطبة) لازالت موجودة حتي الآن في حمامات دول الشمال والعالم العربي في ثلاث فترات من التاريخ، الغرب جرب ورفض متعة حمامات البخار خلال فترة الإمبراطورية الرومانية، وفي العصور الوسطي وفي القرن التاسع كانت حمامات البخار أكثر من مجرد حمام، إنها حالة مزاجية عقلية، ففي بلاد المنشأ يشعر المرء بثقل تقاليد ثقافته يضغط علي وجدانه، فهي تجربة لايمكن زرعها في مكان آخر ولأناس آخرين.

بدأ تاريخ الحمامات العامة في اليونان في القرن السادس ق.م عندما تواءموا مع التعليم الفيزيائي، ولم يكن الحمام بالنسبة لليونانيين مجرد حالة استرخاء بعد المجهود العضلي لكن كان هدفه الحفاظ علي تناغم الجسد والعقل، أقيم أول حمام من هذا النوع في الهواء الطلق تحت ظلال أشجار الزيتون بالقرب من المنطقة الرياضية ومنطقة نقاش الفلاسفة، ويتكون من حمام سباحة دائري مدعم الجوانب بينما تصب النساء الماء فوق الرجال قبل البدء في التدريبات الرياضية وبعدها لتنظيف الرمال التي كست أجسادهم والتخلص من العرق، ولهذا الغرض يستخدمون مكشطة من الحديد أو البرونز ذات نصل منحن، ولاحقا بعد تحول المنطقة إلي جيمنيزيوم حقيقي تم ضم مجموعة من الحمامات في مكان واحد في (دلفي) شمل أكثر من عشرة أحواض سباحة من الرخام تحيط بها تماثيل الأسود التي تضخ الماء من أفواهها، وشلالات المياه التي تستخدم في سكب المياه عند أكتاف اللاعبين، وكانت أحواض السباحة مستديرة ذات درج مطاطي يتيح للصبية الصغار مكانا للجلوس عليه للإسترخاء قبل تلقي دروس الفلسفة، بينما تجري التدريبات الرياضية أوالحربية في حمامات باردة، فطبقا لتعاليم أبوقراط فإن الماء الساخن يجعل الجسم ناعما ومخنثا بينما الماء البارد يجعل الجسم صالحا للمعارك ويزيد من قوة الشخصية، ولأن التدريب الجسماني أصبح ذا أهمية في حياة أهل أثينا، تجاوزت الحمامات صالات الألعاب التي أصبحت أكبر حجما وأكثر تخصصا، فيستخدمها اليونانيون كحمام لإقامة حيث يجلسون علي مقعد صغير وينثرون الماء عليهم بمجرفة أو أسفنجة وهي مفيدة لإزالة الشعور بالتعب ثم استبدل بالحوض الفردي المستدير ذي الحافة المستوية ثجم ظهرت الأحواض الأصغر المستندة إلي ثلاثة حوامل، التي تشبه أحواض استحمام القرن التاسع عشر.


من تراه سرق أشواقي الخبيئة من سلٌة الغسيل؟

مملكة الرغبات العجظمي

حزامة حبايب / كاتبة فلسطينية ­ الإمارات

بيت الأسرة، المستقرٌ بعيدا في الشوق، كان م نمنما: (أو لعلٌنا نحن الذين كنٌا كثيرين عليه أكثر مما يلزم)، فحرمنا ترف الخصوصيٌة والانتشار والنموٌ دون أن ترتطم حواسنا وأجسادنا بعضها ببعض. بسماكتها الهوائية، لم تخجلْ جدران البيت دون نفاد رغباتنا عبرها من تحت الفراش، فتعيٌن علينا، لزاما، أن نعتصر وسائدنا إذ نراقب أذرع بيجاماتنا تقصر وأرجلها تكشٌ، يوما بعد يوم، وقد فاضت الأجساد النزقة بالحياة وضاقت عليها. كان علينا أن نعضٌ علي الشفاه، حدٌ إدمائها، إذ ندثٌر توْقنا الرابض في هدأة الليل فنلجم شهقاتنا السرية. فإذا ما أفلتتْ شهقة، غصبا عنا، تلفٌتنا حولنا بذعر، آملين أن تبلع العتمة الشهقة كما تبتلع الجسد، طاوية تمدٌده واستطالة رغباته الطائشة.

كان عليٌ أن أبحث عن مساحة أتمدٌد فيها دونما حصافة ودونما حذر. كيف كان لي أن أعرف أنٌي أكبر إذا لم أكن أراني أكبر؟ كان عليٌ أن أري الاتجاه أو الاتجاهات التي يمضي فيها جسدي، أن أري مستقرٌ الشوْق والتوْق، موطن الرغبة وموطئ الإحساس، ذلك أنٌني اكتشفت منذ وقت مبكر، أبكر بكثير من المعتاد، أن روحي في جسدي. إنٌ روحي هي جسدي.

وإذن.. كان عليٌ أن أري روحي تشرق. كان عليٌ أن أراني أكون. كان عليٌ أن أراني أتكوٌن.

استحال الحمٌام مملكتي التي شهدت، استواء الجسد علي مهل، وإن ظل نيئا في مطارح علي حساب مطارح أخري، بسبب استعجالي السنوات الآتيات واستباق الرغبات المؤجلة. ومع تفتٌح الحياة وتفرٌعها، تسلٌقتْ نبتة الروح علي جذع الاشتهاء، والتفٌتْ علي أغصان اللحم حتي لامست السماء، حيث اللامنتهي هو السقف وهو المرام. في الحمٌام، أفلتتْ روحي من الارتطام بأثاث الحجرات المكتظٌة وشلح جسدي نزقه، نافضا انكماشته، متنفسا براحة، متمددا، نصفه علي الأقل، علي مرآة المغسلة، إذ أعتلي حافة البانيو المقابل للمغسلة. في الحمٌام، أنصتٌ لجسدي بوضوح، فلم يذوِ في خضمٌ ضجيج الأجساد المكدٌسة في فراغات البيت القليلة خارج الحمام. لم تكن موسيقاه، الناشزة في بعض مقاطعها، تطربني دائما. كم من مرة ومرة كرهت جسدي، وحنقت علي روحي إذ كانتهج. لكنني، مع ذلك، سعيت في الحمام إلي أن أتصالح معه. خارج الحمام، كنت أخاصمه، متعايشة معه بأقل قدر من الاستشعار والتلامس. جسدي، خارج الحمام، كأنه لم يكن لي. جسدي خارج الحمام كان للعائلة، التي تراكم الأجساد فوق الأجساد، والرغبات الناقصة، تلالا من الحرمان، لصناعة تاريخ متواتر من الهزيمة.

بما يشبه التواطؤ في مسعي لمكاشفة جسديٌة متبادلة، التقي جسدي مع أجساد شقيقاتي بأعمارنا المتقاربة وقاماتنا التي نهضت متجاورة طولا وحجما، نحن سليلات سياسة التكاثر الملحٌة في المنافي. نقف أربعتنا علي حافة البانيو العريضة. نفرد عرينا الجماعي، أو نصفه البائن، علي مرآة المغسلة. لكن صفحة المرآة لا تسعنا جميعا: فنتدافش، نقع وننهض، مقرقرات بخفوت، باحثات عن أي مساحة متاحة للأجساد كي تبسط علي المرآة. ثم حين نتقاسم عجينة السكر لإزالة الشعر من واحات البدن المعشوشبة، نتشاطر أسرارنا الشهية. نفتح حنفية الماء في الهواء، ليطغي صوت الماء الدافق علي صخبنا المتداخل مع هسيس أجسادنا وأبخرة الرغبة المتكثفة علي حوائط البورسلان. تخبط أمي علي الباب بعصبية. تنبهنا بأن نقنٌن استخدام الماء.. ف فاتورة الشهر الماضي خربتْ بيتنا ! هل سمعتنا؟ نتبادل نظرات تشي بشيء من الجزع! ما إن تسدر أجسادنا في البوح والمكاشفة ثانية حتي تنتزعها من استرسالها في غيٌها طرقات لجوجة علي الباب. شقيقي الأصغر يستعجلنا كي نخرج. يهدٌدنا بأنه قد (يعملها علي حاله)! ثم يتساءل بفضول: ماذا تفعلن جميعا في الحمام؟ يرجونا: هل أستطيع أن أتفرٌج؟

شهد الحمام حقبة الكتابات الأولي، إذ كنت أتربٌع فوق غطاء مقعد الكابينيه، أودع خواطري الطازجة في دفتري السري. حين يتصاعد خبط أمي اللحوح علي الباب، أشدٌ حبل السيفون لأوهمها أن حاجتي قيد الانقضاء. أعود إلي خواطري، التي يتلكٌأ دفقها. يتكرٌر الخبط بأيادي أخري. خواطري تتعثٌر. أشدٌ حبل السيفون ثانية. خواطري لا تتقدم كثيرا، والخبط يتوالي. أدفن دفتري السري في سلة الغسيل. حين أعود له ثانية، في لحظة عيش الحياة الجميلة المختلسة في الحمام، أنبشه من السلة فتقع يدي في طريق البحث علي رسالة من حبيب مجهول لإحدي شقيقاتي، أو قد تصطدم برواية من سلسلة روايات الحب الصيفية، حيث البطلة البريطانية أو الأميركية الفاتنة تسافر إلي اليونان، هربا من حب مجهض، فتغرم بثري يوناني مصوغ روائيا علي هيئة الإله أبولو.

في أحيان كثيرة، ألتجئ إلي الحمام، أبحث عن دفتري السري فلا أجده. أقع علي أسرار أخري خبيئة في السلة. أقع علي أشواق ليلية كثيرة لسكان البيت الكثيرين. لكنني لا أقع علي أشواقي. من يا تجري سطا عليها؟ لكن سلٌة الغسيل لا تنضب. ملابس تحلٌج محلٌّ ملابس. ثمٌة دائما متٌسع لدفتر جديد وتأملات عبيطة وخيالات مرتجلة وخواطر محوكة بالأمنيات غير المشبعة وهواجس متخبطة ورواية رومانسية تحيلنا للبعيد، شبه المستحيل، وحياة شبه سرية، شبه خطيرة، شبه حقيقية، شبه فاتنة، شبه ساحرة، شبه مدركة.

في أحيان جميلة، مخيفة ومرعبة لشدة جمالها، كنت آوي إلي الحمام في لحظات عيشي السري. أغلق الباب بالمفتاح مرة ومرتين، وأتأكد من أني أغلقته مرة ومرتين. أفتٌش في المرآة عن بصمات الحبيب علي وجنتي، عن طبعات يديه علي كتفيٌ. أقتفي مشيّ أصابعه فوق عنقي. أستكشف احمرارا لم يذوِ تماما هنا أو هناك، أنزلق فوق أزرار القميص التي حررٌها، زرٌا زرٌا، أغمض عيني. أحرٌر الأزرار في خيالاتي المتشوٌِقة، لكنني أرتجف بعنف علي وقع خبط أمي علي الباب. تسألني بعصبية: هل ستقضين كل عمرك في الحمٌام؟ خيالاتي تتهشٌم.

في أحيان مؤلمة، موجعة، تدير لي الحياة المشتهاة ظهرها، ويرفضني الحب بقسوة، فألتئج إلي الحمام.. مملكتي، أجرٌ خيبة وحزنا ومرارة وخذلانا ومهانة وهزيمة ثقيلة.. ثقيلة جدا، يهبط معها الجسد والروح في هوٌة الإحساس باللاجدوي واللاحياة. أغلق باب مملكتي بالمفتاح مرة ومرتين وعشر مرات، وأتأكٌد من إغلاقه آلاف المرات. أحاول أن أتشبٌث بالحائط البورسلان، لكنني أتداعي. أتكئ علي المغسلة في لحظة ما قبل الانهيار الأخيرة. أظل معلٌقة، متأرجحة بين شبه الوقوف، شبه التماسك، شبه التداعي، وشبه السقوط. ثمٌ أبكي.. وأبكي.. وأبكي وأبكي أيضا. أشهق بعنف. بكائي يتحول نشيجا تنزف معه روحي ببطء. أفتح حنفية الماء علي آخرها، ليتداخل صوت شلال الماء مع صوت دمعي الهادر، علٌني أداري هزيمتي النكراء، أجموٌِه بؤسي ومرارتي.

طرقات سريعة عنيفة متتابعة تهزٌ باب الحمام الهشٌ. أغلق الحنفية. أتأمل عينيٌ المورٌمتين، بجداول الكحل الذائب علي الخدٌين، في مرآة المغسلة. أخشي أن ينتبهوا في الخارج. أخشي أن يتساءلوا. أخشي أشياء كثيرة. من خلف الباب، تنبهني أمي بضرورة أن أقنٌن استخدام الماء، فاتورة الشهر الماضي خربت بيتنا!


الحمام مكانا للمراقبة والتحرر

آن سيمون كاتبة واكاديمية فرنسية باريس

دينا قابيل ترجمة

يمثل الحمام فضاء متكررا في العديد من أعمال الروائيات الجزائريات اللاتي يكتبن بالفرنسية. فهل نحن أمام عملية استرجاع قالب نمطي يربط مرة أخري نموذج الشرقية بالحريم والجواري ؟

ربط المعالجة الأدبية لهذا العنصر لمجرد ميراث استشراقي قد يؤدي إلي إنكار حقيقة أن معظم الروايات المعاصرة قد أعادت تناول الحمام كمحاولة لفك شفرة تركيبته الرمزية السياسية. بصفته مكانا مؤنثا ملتبسا، يكشف الحمام في بعض الأحيان عن مزيج من السيطرة وإضفاء الطبيعية علي العلاقات المرتبطة بالسلطة الحيوية والتي حللها ميشيل فوكو في المراقبة والعقاب و تاريخ الجنس، الجزء الأول، وفي أحيان أخري يعكس تحررا نسبيا ومفارقا يدور في قلب الحيز المنغلق. إذا كان البانوبتيزم ومراقبة الآخر تماما كمراقبة النفس تسيطر علي الحمام الأدبي، فإن هذا الأخير يثبت أيضا أنه فضاء­ضد يسمح بالهروب من السلطة السائدة وبإعادة تصور علاقة النساء بأجسادهن.

المراقبة الكاملة

الشكل الدائري النهائي للحمام التركي عند اينجر يسترجع شكل البناء المطوق، و النور المعاكس و الخيالات الأسيرة، وباختصار يسترجع أيضا مسرح بينتام ذو الرؤية الشاملة والذي حلله فوكو (المراقبة). وبالفعل فإننا لا نجد في لوحة اينجر أية امراة توجه نظرها خارج إطار اللوحة، فالمتحكم _ الأوروبي في القرن التاسع عشر­ يجب أن يتمكن من رؤية ما يجري بالداخل بدون أن يراه أحد. ولكن السلطة الحيوية تقوم أيضا علي إدماج المعايير: من يخضع لمجال الرؤية، ويصبح علي علم بذلك، يراعي ويأخذ في حسبانه محاذير السلطة (المراقبة).

وبمراجعة النظرة الاينجروية (نسبة للفنان إينجر) من خلال رؤية فاعلة نابعة من داخل الحمام نفسه، فإن الروائيات المعاصرات يدركن تماما حقيقة المراقبة التي هي جوهر هذا المكان المرتبط بالتحكم الجسدي والعقلي. عند ليلي مروان، تراقب المرأة في الحمام حميميتها الأكثر خصوصية: في الحمام, بينما آخذ حمامي المعتاد, اكتشفت شعرتين بيضاوتيين وخشنتين في منتصف شعري.

ولكن ولنتكلم علي وجه الخصوص عن الصفة الجمعية لل المراقبة الكاملة (فوكو _ الأقاويل) التي تتمسك بها الروائيات اللائي يتناولن الحمام كموضوع سياسي. فعن طريق استبطان المعايير والمحاذير الذكورية، نجد نماذج صاحبات مقاهي وبائعات وحلاقات ومدلكات وقابلات وزوجات يراقبن الأجساد والأفعال (مليكة مقدم، رجال: آسيا جبار، نساء). بينما تفضح ليلي صبٌار الطيور الجارحة المتربصة بال مراهقات المتروكات عرايا في الحمام وتتناول فريال أسيما البلهاء والعورات وصاحبات الإعاقة المختلفة، والعاهرات، والمسنات الخرفات اللاتي يتسيدن هذه الأماكن . وعند مقدم في رواية موليت الحمام، فإن صاحبة الحمام التي تعرف كل شيء عن كل شخص هي تجسيد للبناء ذي الرؤية الشاملة لفوكو (رجال). أما الحارسات الباحثات عن زوجة ابن (مروان) فيذهبن إلي ملامسة الفتيات الشابات من أجل تقليص قدرتهن علي الإنجاب، كما تعد النحافة الشديدة عيبا كبيرا للفتاة (أسيما ­ مقدم، رجال)، وذلك علي عكس روليم المخنث، فإن السيدات يحطن به من أجل فتح ساقيه (أسيما). إذن فإن القدرة علي الإنجاب وعلي الجنس الطبيعي هي شيء من قلب مناخ الحمام.

وفي النهاية، فإن غياب الرفاهية الجسدية للمرأة الغريبة يؤكد علي البعد الثقافي لاختلاف السلوك، إذ أن ممارسة العري الجماعي فن يتم تعلمه. ولذلك فإن آن الفرنسية تشعر بأنها منزعجة من شكلها عارية وتجهل تماما كيف تجلس علي مقعد منخفض للغاية.

النسبية الثقافية للتحليلات

لا تتجلي الهيمنة إلا داخل الحمام. يؤكد فوكو أنه بداية من القرن السابع عشر، تطور المجتمع الغربي في نشر نظم تجعل من الصعب علي الشخص الخاضع أن يخرج عن مجال الهيمنة التي يتعاطاها بشكل لاشعوري. وفي المقابل، فإن الروائيات اللاتي يحاولن فك شفرة المجتمع الجزائري المعاصر، يقمن بوصف الهيمنة مرتبطة بالممارسة المباشرة للمحظور وبعقاب المجتمع سواء من مجموعة الإسلاميين المتشددين أو من المحافظين المتشددين. وفي تحليله للمجتمع الغربي، أوضح فوكو أن هناك لحظة أدركنا فيها أن المراقبة أكثر فعالية وأكثر فائدة من العقاب (أقاويل). وفي الروايات محل الدراسة، تصاحب هذه المراقبة التطبيق المباشر للعقاب، إذ أن البانوبتيزم لا يحل أبدا محل الهيكل الهرمي للسلطة، وإنما ينضم إليه ليعززه. وبذلك، فإن هذا المخرج الوحيد (جبار، الظل) لا يفلح أبدا مع الزوج المستبد، لأنه يكشف عن وقاحة وقلة حياء (عمار خودجا) لأن الشياطين تسكن المرأة التي تري عورة الأخري (مروان).

التشريح المخٌلص

ويظل الحمام أيضا مكانا للاختلاط العرقي (اليهود والعرب لهم نفس وضعية الجسم مقدم، رجال) و نفس التنوع السلوكي: فهم يمارسون في الحمام استراتيجيات مختلفة للتعري تتباين من المحتشمة إلي شديدة الجرأة (جبار، ظل ­ أسيما­) وكذلك، فإن تعدد الأشكال الجسدية تجعل القواعد الغربية المتعلقة بالشكل الشبابي تبدو نسبية: فحين تتناول جبار جسد المختصة بالتدليك، ترجع البطن المتماوج الزاخر بالعلامات إلي كونها ندبة اجتماعية وليس لعيب جمالي (نساء)، بينما تثني مقدم علي الاختلافات في بنية الجسم (رجال). ويتحول هنا البانوبتيزم إلي عملية تشريح، حيث يتعلق الأمر بالمشاهدة بأم العينين ليس ال أنثوي كما يمليه الرجال والأمهات، بل نساء متنوعات في بنيتهن.

أن الاختلاط نفسه من الممكن أن يصبح محركا للتحرر. فقد انحاز الاستشراق إلي وصف مناخ ما بين السيدات بعضهن البعض. وقد زايدت أسيما علي هذا الوصف حين حولت القالب النمطي إلي تجاوز تابو الشذوذ: (...) أخذت بوجهي وألصقت به فوق ساقها، متيحة لي الدخول إلي رائحة الفخذين (138­139)

وبعد كابوس المراقبة الكاملة، تأتي إذن الأفكار المتعلقة بالرؤي الحالمة في الحمام. فالحسية تصبح نقطة يتشارك فيها الجميع، حيث الحماوات والزوجات تتركن جانبا كل أنواع المنافسة لتتبادلن نظرات مكشوفة ومتحررة (جبار، الظل). إذ يسمح الاختلاط ب التواطؤ السريع واللمسات الخفيفة الراجفة : و السجن أصبح أكثر سيولة و مكان للإحياء والتحرر يتم فيه تبادل مفتاح المنزل (كالسابق، 158­159، 164). في مقابل السلطات الدقيقة المنتشرة في الكيان الاجتماعي، هناك أيضا مقاومة دقيقة يتعين إعطاؤها قيمتها الحقيقية، فإن بيع قطع الملابس الداخلية المثيرة (أسيما) يتم تشخيصه كتحرر سلوكي.

حينما يتوجه الخيال إلي الحميمي إنما يعكس في حقيقة الأمر الواقع السياسي (ديتريه­سيمون). ففي هذا الزمن المضطرب الذي يعيشه الجزائر، يصبح الحمام رهانا اجتماعيا، مكانا يتعلق بالذاكرة يتم فيه سرد قصص شخصية (صبار)، وتاريخ مشترك: ففي الحمام تكتشف آن ندبة سارة، حاملة النار في الماضي (جبار، نساء). الحمام يرفع إذن الحصار عن الكلام، ويفسح المجال للكلمات المتوارية تحت طبقات من كلمات أخري ومن أحداث أخري (مايسة بيه). بعيدا عن تعارض الجسدية واللغة، فإن إدخالهم في علاقة يمكن أن يكون المجس الضروري لمعرفة بالذات:

(...) بطن وعورة وساقين متحررتين ... يتم حفر مغارة، وفي العمق، في العمق تماما يكون الحديث مع الذات، تلك المجهولة. (جبار، ظل ).


سجين تحت بخار النشوة!

فيدور دستويفسكي

د. سامي الدروبي

لم يكن في المدينة كلها إلا حمٌامان عامان. فأما الأول، وصاحبه يهودي، فقد كان مقسما إلي مقصورات يبلغ أجر المقصورة منها خمسين كوبكا، وهو الحمٌام الذي كان يرتاده أبناء الطبقة الارستقراطية بالمدينة: وأما الثاني الذي يرتاده أبناء الشعب فهو عتيق وسخ ضيق، وهو الحمٌام الذي كان يؤخذ إليه السجناء. كان الجو باردا والنهار مضيئا: ان السجناء ليفرحهم أن يخرجوا من القلعة وأن يطوفوا في المدينة، فهاهي ضحكاتهم وأمازيحهم لا تنقطع لحظة أثناء الطريق. وقد صحبتنا سرية من الجند شاكية السلاح. هذا منظر يتسلي به سكان المدينة. فلما وصلنا إلي الحمٌام قسمنا فئتين، لأن الحمٌام ضيق لا يستوعب جميع السجناء دفعة واحدة، ففئة تستحم، وفئة تنتظر دورها في الحجرة الباردة التي تسبق المبخر. ومع ذلك كانت القاعة من الضيق بحيث يصعب علي المرء أن يتصور كيف يمكن أن تضم نصف السجناء. لم يبتعد عني بنروف قيد أنملة. لقد أسرع إليٌ دون أن أسأله مساعدتي، حتي لقد عرض عليٌ أن يغسلني. وهناك سجين آخر من القسم الخاص عرض عليٌ خدمته في الوقت نفسه. إنه باكلوشين. ما أزال أتذكر هذا السجين الذي كان يطلق عليه اسم 'الميجر'. لقد كان أكثر رفاقي مرحا وبشاشة. وقد جمعت بيننا الصداقة. ساعدني بتروف في خلع ملابسي، لأنني كنت أنفق وقتا طويلا في هذا العمل الذي لم أكن قد ألفته بعد ولا تعودت عليه. ثم إن البرد في حجرة الانتظار لم يكن أقل من البرد في الخارج. إنه لمن الصعب جدا علي سجين مبتدئ أن يخلع ملابسه، ذلك أن عليه أن يعرف كيف يحسن نزع السيور الموضوعة تحت السلاسل. إن هذه السيور من جلد طوله سبعة عشر سنتيمترا، وهي تجربط فوق الملابس الداخلية تحت الحلقة التي توثق الساق. أن ثمن الزوجين من هذه السيور ستون كوبكا. ولابد لكل سجين أن يشتري من هذه السيور زوجين، لأنه لا يستطيع بدونها أن يمشي، فإن الحلقة لا تحيط بالساق إحاطة كاملة دقيقة، وفي وسع المرء أن يدخل إصبعه بين الحديد واللحم، لذلك تلطم الحلقة الكاحل وتحكه، فيكفي أن يمشي السجين يوما واحدا بدون سيور حتي تجرح ساقه وينزف دمه. لا صعوبة في نزع السيور، وإنما الصعوبة في خلع الملابس الداخلية، ولابد لنزع الملابس الداخلية من براعة كبيرة وحدق عظيم. إن علي السجين بعد نزع فردة السروال اليسري أن يّمرٌّها كلها بين الحلقة والساق، وأن يعيد إمرارها في الاتجاه المعاكس تحت الحلقة. فبذلك تتحرر الساق اليسري تحررا تاما، ويكون علي السجين بعدئذ أن يمرٌّر فردة السروال اليسري تحت حلقة الساق اليمني، وأن يعيد إمرارها ثانية إلي الوراء مع فردة السروال اليمني. وهذه العملية المعقدة تتم أيضا حين تبديل الملابس الداخلية الوسخة بملابس داخلية نظيفة. ولقد كان أول من علمنا ذلك هو كورنيف، في مدينة توبولسك، وهو سجين كان زعيم عصابة من قطٌاع الطرق وحكم بالتكبيل بالسلاسل خمسة أعوام. والسجناء قد ألفوا هذه الرياضة فهم يجرونها في خفة وسرعة. أعطيت بتروف بضعة كوبكات ليشتري صابونا وليفة. صحيح أن السجناء كانوا يجعطون قطعة صابون، ولكن قطعة الصابون التي كانوا يجعطونها لا يزيد حجمها علي حجم قطعة النقد من فئة الكوبكين، ولا يزيد سمكها علي سمك شرائح الجبن النحيلة التي تجقدٌم بداية لوجبة العشاء علي موائد أبناء الطبقة المتوسطة في الولائم. كان الصابون يجباع في حجرة الانتظار نفسها، كما يجباع شراب 'السبيتين' (المصنوع من عسل وتوابل وماء ساخن)، وكما تجباع أرغفة من خبز أبيض، وكما يجباع الماء الغالي، لأن كل سجين من السجناء لا يأخذ إلا قادوسا واحدا من الماء الغالي، وفقا للاتفاق المبرم بين صاحب الحمٌام وإدارة السجن: فإذا أراد أحد السجناء أن ينظف جسمه مزيدا من التنظيف كان في وسعه أن يشتري بكوبكين قادوسا آخر يمده إليه صاحب الحمٌام من كوة مشقوقة في الجدار لهذا الغرض.

ما أن فرغت من خلع ملابسي حتي أمسك بتروف ذراعي قائلا إن من الصعب عليٌ أن أسير بأغلالي: وأضاف ينصحني وهو يسندني من إبطي كأنني شيخ عجوز: 'ارفعها إلي فوق، إلي ربلتي الساقين. حذار هنا! سنجتاز الآن عتبة الباب!'، فخجلت من هذه الرعاية التي يحيطني بها بتروف، فأكدت له أنني أستطيع أن أسير وحدي، ولكنه لم يشأ أن يصدقني. كان يرعاني كما يجرعي طفل صغير أخرق ينبغي لكل إنسان أن يهب إلي مساعدته. ولم يكن بتروف بالخادم قط. ولو قد أهنته لعرف كيف يتصرف معي. وأنا لم أعده بشيء مكافأة له علي خدماته، ولا هو سألني شيئا عن ذلك، فما الذي كان يدفعه إلي هذه العناية بي وهذه الرعاية لي؟

حين فتحنا باب المبخر خيٌّل إليٌ أننا ندخل الجحيم. تصوروا قاعة طولها اثنتا عشرة قدما وعرضها مثل ذلك، وقد حجشر فيها مائة شخص في آن واحد، أو ثمانون شخصا علي الأقل، لأن عددنا كان نحوا من مائتين قسموا فئتين. أعمانا البخار. كان السخام والقذارة وضيق المكان، كان ذلك كله يبلغ حدا لا نعرف معه أين نضع أقدامنا. ذجعرت وأردت أن أخرج. ولكن بتروف لم يلبث أن طمأنني. واستطعنا بعد لأي أن نشق طريقنا نحو المصاطب كيفما اتفق، متطاولين بخطانا علي رؤوس السجناء، راجين إياهم أن ينحنوا حتي يجتاح لنا أن نمر. ولكن جميع المصاطب كانت قد شغلت. فأعملني بتروف أن عليٌ أن أشتري مكانا، وسرعان ما أخذ يساوم في هذا سجينا كان جالسا علي مصطبة قرب النافذة. فقبل السجين أن يتنازل لي عن مكانه لقاء كوبك واحد. أخذ الكوبك من بتروف الذي كان يقبض علي الكوبك بيده إذ كان قد أعده سلفا من باب الاحتياط. أخلي لي السجين مكانه ثم انسل من تحتي إلي مكان مظلم قذر تراكمت فيه أوساخ علوها نصف بوصة علي الأقل. حتي الأماكن التي تحت المصاطب كانت غاصة بالسجناء ينقلبون فيها ويلغطون. أما أرض الحمٌام فلم يكن فيها خلاء بسعة راحة اليد إلا وهو مشغول بالسجناء الذين يصبون الماء من قواديسهم. فالواقفون يغتسلون ممسكين أوانيهم بأيديهم، فيتساقط الماء الوسخ من أجسامهم علي رءوس القاعدين الحليقة. وعلي المصطبة والدرجات المفضية إليها قد أقعد سجناء آخرون يغتسلون متجمعين علي أنفسهم متكومين، ولكنهم قلة. والسواد الأعظم من السجناء لا يحب الاغتسال بالماء والصابون، وإنما يؤثر البقاء في جو البخار زمنا طويلا، ثم يصب الماء البارد علي الجسم، فهكذا كانت تستحم العامة من السجناء. وعلي أرض الحمٌام يري المرء خمسين ليفة تعلو وتهبط في آن واحد، تحك أجسام المستحمين فيشعر المستحمون من ذلك بنشوة تشبه أن تكون سكرا. والبخار يزداد في كل لحظة، حتي ليصبح الشعور بالحرارة إحساسا بالاحتراق. والصراخ والزعيق يرتفعان في كل جهة من الجهات، ويختلطان بجلجلة الأغلال التي تقرع الأرض.. فإذا أراد بعض السجناء أن ينتقلوا من موضع إلي آخر تشابكت سلاسلهم بسلاسل أخري، وصدمت رءوس من يكونون تحتهم، فإذا هم يسقطون، فيأخذون يشتمون، وإذا هم يجرون إلي السقوط معهم أولئك الذين تعلقوا بهم. إن السجناء جميعا في نوع من سكر، وفي حالة من هيجان مجنون. الصرخات والصيحات تتقاطع وتختلط. وعند الكوة التي يجعطي منها الماء الساخن، يتكدس السجناء تكدسا حتي ليكاد يسحق بعضهم بعضا. والماء الساخن يتدفق فوق رءوس القاعدين علي أرض الحمٌام قبل أن يصل إلي حيث ينقل. وكنا نحس أننا أحرار طلقاء، غير أن وجها ذا شاربين هو وجه أحد الجنود، كان يظهر وراء كوة الحجرة أو وراء الباب المشقوق، من حين إلي آخر إن الجندي يحمل بندقيته حرصا علي منع حدوث أية فوضي. إن رءوس السجناء الحليقة وأجسامهم التي صبغها البخار بلون كلون الدم تبدو غريبة مزيدا من الغرابة و الشذوذ. فعلي ظهورهم المحمٌِرة من حرارة البخار تبدو الآن بوضوح ظاهر، الندبات التي خلفتها ضربات السياط القديمة وقد انتعشت الندبات حتي لكأن الجلود قد مزقت منذ قليل. يالها من ندبات رهيبة! إن قشعريرة شديدة تسري في جسمي متي نظرت إليها! وازداد البخار، فأصبحت قاعة الحمٌام مغطاة بسحاب كثيف محدق فيه يضطرب كل شيء ويصرخ ويزعق. ومن هذا السحاب تخرج جلود ممزقة ورءوس محلوقة وأذرع ملتوية وسيقان محنية. وإكمالا للوحة كان أشعيا فومتش يعول ملء صدره فرحا فوق أعلي مصطبة. إنه يلبث في البخار زمنا طويلا من شأنه أن يجعل أي شخص آخر يسقط مغشيا عليه، ولكن أشعيا فومتش لا يكتفي بأية درجة من درجات الحرارة. وقد استأجر سجينا يفرك له جسمه بالليفة لقاء كوبك واحد، غير أن الرجل لم يطق صبرا، فما هي إلا لحظة حتي رمي الليفة وأسرع يصب علي جسمه ماء باردا. لم ييأس أشعيا فومتش، فهاهو ذا يستأجر سجينا ثانيا، فثالثا. إن أشعيا فومتش لا يبالي النفقات في مثل هذه الأحوال، حتي لقد يستأجر لفرك جسمه خمسة رجال واحدا بعد آخر. وهاهم أولئك السجناء يهتفون قائلين له: 'يا لهذا الفتي الشجاع أشعيا فومتش، كم يحب الاستحمام!' ويشعر اليهودي هو نفسه أنه تفوق علي سائر السجناء، وأنه 'غلبهم'.. فما هي إلا أن يشعر بهذا الانتصار حتي ينطلق صادحا بصوته الحاد، مترنما بأغنيته: لا، لا، لا، لا....، مغطيا بغنائه كل ما في الحمٌام من ضجة وجلبة. قلت لنفسي: 'لو حشرنا معا في الجحيم، لكان وجودنا في الجحيم كوجودنا في هذا المكان'. ولم أستطع أن أقاوم الرغبة في نقل هذه الفكرة إلي بتروف: فنظر بتروف حواليه ولم يجب بشيء.

وددت لو أستأجر لصاحبي بتروف مكانا إلي جانبي، ولكنه قعد عند قدميٌّ وأعلن لي أنه مرتاح كل الارتياح. وفي أثناء ذلك اشتري لنا باكلوشين ماء ساخنا، فكان يحمله إلينا كلما احتجنا إلي ماء ساخن. وأعرب لي بتروف عن رغبته في أن يغسلني من القدمين إلي الرأس حتي أصبح 'نظيفا كل النظافة'. وحضني علي أن ألبث في البخار زمنا. ولكنني لم أعزم أمري علي ذلك. فأخذ يفرك جسمي كله بالصابون. فلما انتهي من ذلك قال: 'والآن سأغسل قدميك الصغيرتين'، فأردت أن أجيبه بأنني أستطيع أن أغسل نفسي بنفسي، ولكنني لم أعارضه بل استسلمت لإرادته. لم يكن في قوله 'قدميك الصغيرتين' شيء من مذلة. إن بتروف لا يستطيع أن يسمي قدميٌّ باسمها، لأن جميع الرجال العاديين لهم أقدام، أما أنا فليس لي قدمان بل 'قدمان صغيرتان'!

فلما فرغ بتروف من غسلي مرة ثانية أعادني إلي الحجرة الخارجية وهو يسندني من ذراعي وينبهني عند كل خطوة، كما لو كنت من خزف. وأعانني علي لبس ثيابي، حتي إذا انتهي من تدليلي هذا التدليل كله، اندفع إلي الحمٌام ليستحم هو أيضا.

فلما وصلنا إلي الثكنة قدمت إليه فنجانا من الشاي فلم يرفضه بل حساه وشكر لي. وخطر ببالي أن أنفق ثمن قدح من الخمرة تكريما له. فوجدت خمرة في ثكنتنا نفسها. فما كان أشد سروره بذلك! أفرغ الخمرة في جوفه، وتنحنح رضي واغتباطا، وقال لي إنني رددته إلي الحياة، ثم مضي مسرعا إلي المطبخ، كأنما لا يمكن أن يقرر في المطبخ شيء بدونه. فما أن غاب حتي جاءني محدٌِث آخر: إنه باكلوشين الذي سبق أن تكلمت عنه، وكنت قد دعوته أيضا إلي فنجان من الشاي.


ريميديوس تستحم

جابريل جارثيا ماركيز

سليمان العطار

وعندما يمشي الحال علي هواها، تنهض من فراشها في الساعة الحادية عشرة صباحا ثم تغلق علي نفسها الحمام عريانة لمدة ساعتين كاملتين تقضيهما في قتل عقارب أثناء مقاومتها لنعاس مديد ومن ثم تصب علي نفسها الماء بمغرفة من الصهريج.

لقد كان حدثا ممتدا في الزمان مبالغا في التدقيق والتحبيك، ثريا في التقلب في الأوضاع الاحتفالية حتي أن من لم يعرفها جيدا سيظن أنها كانت مستسلمة لعبادة محقة لذات بدنها.

وبالنسبة لها ­ بالرغم من كل هذا ­ كانت تلك الشعائر المتوحدة خالية من أي شهوانية وببساطة ليس إلا طريقة لقتل الوقت الي أن تشعربالجوع.

وفي أحد الايام عندما بدأت تستحم نزع أحد الاغراب قطعة قرميد من السقف، وبقي محبوس النفس أمام مشهد عريها المهول، شاهدت عيونه المحزونة عبر القرميد المنزوع ولم يحدث لها رد فعل من الخجل إنما من الانزعاج: صاحت في تحذير:

الحذر، الحذر. أنت ستهوي!

همس الغريب:

­ إنما فقط أريد رؤية حضرتك.

قالت هي:

­ آه حسنا! لكن خذ حذرك أن قطع القرميد مت هالكة.

كان في وجه الرجل الغريب تعبير أليم من الذهول، وبدأ في معركة صماء ضد دوافعه الغريزية حتي لا يفقد السراب.

حسبت ريميديوس الجميلة أنه كان يعاني من خوف انهيار القرميد، فاستحمت علي عجل خلافا لعادتها حتي لايستمر في خطر، وبينما كانت تصب علي نفسها الماء من الصهريج قالت له أنها مشكلة أن يكون السقف بهذه الحال، فهي تظن أن مهد الأوراق المتعفنة بسبب المطر هوالذي كان يودي الي ملء الحمام بالعقارب التبس الأمر علي الغريب فخلط تلك الثرثرة

بأسلوب لإخفاء الرضي والقبول حتي أنها عندما بدأت تتصبن وقع تحت إغراء التقدم خطوة الي الامام، تمتم:

دعيني أقم بتصبينك

قالت هي:

أشكر لك حسن مقصدك لكني أكتفي بيدي الاثنين.

رجاها الغريب:

ولاحتي ظهرك؟

قالت هي:

ستكون بطالة لم ير الناس قط يصبنون ظهورهم.

وبعد ذلك أثناء تجفيفها لجسمها توسل إليها الغريب بعيون تطفر منها الدموع أن تتزوجه اجابته في اخلاص أنها لن تتزوج مطلقا برجل علي هذه الدرجة من البلاهة حتي أنه يضيع ساعة تقريبا وأيضا يضيع الغداء، فقط ليري امرأة تستحم.

وفي النهاية عندما ارتدت ثوبها الخشن لم يستطع الرجل تحمل تيقنه من أنها ترتديه بالفعل، دون ارتداء أي ملابس داخلية تحته مثلما كان يشك الجميع، وأحس أنه وشم في يديه بالحديد المتوهج لذلك السر ­ من ثم نزع قطعتين أخريين من القرميد لكي يهبط داخل الحمام. حذرته مذعورة:

إن السقف عال جدا. إنك ستقتل نفسك!

القرميدات المتهالكات تفتتن في دوي كارثه. ولم يكد يطلق الرجل صرخة رعب حتي تحطمت جمجمته، ومات دون احتضار علي الارضية الاسمنتية لقد تشمم الغرباء ­ الذين استمعوا الي ضجيج الكارثة وأسرعوا لحمل الجثة ­ في جلد الرجل الميت الرائحة الخانقة لرميديوس الجميلة.

لقد كانت تلك الرائحة ممعنة في اختراق الجسد حتي إن شقوق الجمجمة المحطمة لم يتدفق منها دم سائل عنبري مشرب بذلك العطر السري، ومن ثم أدركوا أن رائحة رميديوس الجميلة كانت تواصل تعذيبها للرجال فيما بعد الموت حتي حدود مسحوق عظامهم ومع ذلك فإنهم لم يربطوا ذلك الحادث المرعب بالرجلين الاثنين الآخرين اللذين ماتا فيما قبل في سبيل رميديوس الجميلة ولم ينقص ­ حتي تلك اللحظة ­ إلا ضحية واحدة جديدة حتي يصدق الغرباء وسكان ماكوندو القدماء أسطورة أن رميديوس بوين ديا كانت تشع تيارا مميتا وليس عبق الغرام، وقد تهيأت مناسبة التيقن من ذلك بعد بضعة شهور عندما ذهبت رميديوس الجميلة ذات مساء مع مجموعة من الصويحبات للتعرف علي المزارع الجديدة.


لمس الأرداف تحت البخار:

يوم الحمام في سجن النساء

مرفت عمارة

يومان في حياة السجن تعلن فيهما حالة الطوارئ القصوي.. يوم تنفيذ حكم الإعدام ويوم الحمام، السجن في هذا اليوم يبدو كأنه خال من نزيلاته سكون تام، حالة من الهدوء المترقب، ربما تحسبا لوقوع أي حادث عرضي في هذا اليوم العصيب، ابتداء من الشغب الجماعي والعصيان المدني وانتهاء بارتكاب جريمة قتل..

الأعصاب مشدودة من كلا الطرفين، السجانون يضعون ألف حساب لهذا اليوم ,يدعون الله أن يمر علي خير، والسجناء منقسمون ما بين متحسبين لوقوع شيء قد يتورط فيه الجميع، حيث يمكن لحظتها أن يؤخذ العاطل في الباطل طبقا لقانون الحسنة تخص والسيئة تعم، وآخرون لا مبالون فلن يضيرهم شئ أكثر مما هم فيه..

وفي سجن النساء يوم الحمٌام له وضع خاص، فهو يوم التجرد المحض، ليس من الملابس وحدها بل من الكرامة والأمان، الآدمية والحق في الخصوصية، نسبة كبيرة من النساء هناك لسن كمن نعرفهن خارج أسوارالسجن، فالحياة هنا لها قواعد أخري، حسابات مختلفة، السطوة للأقدمية التي تحسب تبعا لمدة الحكم ونوع الجريمة، أعلاها المؤبد بتهمة الاتجار في المخدرات أو القتل (عادة الزوج)، تتدرج بعدها الرتب المتعارفة بينهن حتي تصل إلي أدناها مكانة وهي الدعارة، فهي التهمة الوحيدة المخلة بالشرف من وجهة نظر السارقات والقاتلات، علاوة علي وجود أخريات يتم تصنيفهن حسب قوتهن أو ضعفهن!

في هذا اليوم يتم منع المرور الروتيني للضباط علي العنابر ),يستثني من ذلك مدير السجن، قليل من الضباط ( علي أن يكونوا من المتزوجين !)، هؤلاء يتم دخولهم في الحالات القصوي، فيوم الحمام هو الفرصة السانحة لتصفية الحسابات بداية من تبادل العبارات المشفوعة بإيحاءات جنسية وإشارات الأيدي وأحيانا بلمس الأرداف العارية وربما الشروع في القتل، المكان عبارة عن صالة واسعة تنتشر في أعلي جوانب جدرانها الحنفيات التي تختلف درجة اندفاع المياه منها حسب التساهيل، ,من المفترض أن تستحم نساء كل عنبر في فترة منفصلة لكن لأن سخونة الماء تقل مع الوقت، تستولي النساء الأقوي نفوذا علي الأدوار الأولي شتاء والأخيرة صيفا، تحرص السجانات علي تفتيشهن بكل دقة، للتأكد من عدم اصطحابهن أية أداة خطيرة، مثل دبابيس الشعر والأمشاط وغيرها قبل دخولهن الحمام..

بمجرد الدخول تنقلب المفاهيم تماما، فحمام السجن عالم منفصل مستقل بذاته، تحكمه قواعد وقوانين خاصة، ما يحدث بداخله سر لا يجسمح بإفشائه، ففي ذلك العالم الضبابي المعتم يجري مالا يمكن تخيله وما يستحيل توقعه، فبعد دقائق قليلة من دخوله وحين تتعذر الرؤية تماما يبدأ طقس تصفية الحسابات، فتختلط الأجساد الناعمة في فحيح يشبه العواء، بعضها يرتطم بالأرض كبالونة مملوءة بالماء، وأخري مكتنزة تتحرش بالمستجدات، وشعور مبتلة يتم جرها إلي الأرض، وكتل من الشحم واللحم تتكالب علي جسد مسكينة بالقرص والعض وأصابع يتم دسها في أي مكان، بينما أجساد بضة ملتصقة بالحائط تشاهد ولا تشهد، فاليوم لها وغدا عليها، وأخريات من وازع النفس الأمٌارة بالسوء تتشفي بتلذذ رؤية المشهد الدائر، قد يكون كل ذنب المسكينة أنها آداب أو رفضت دفع المعلوم، أو لمجرد كسر عينها حتي لا تجرؤ علي التفكير في تحدي الكبار، بعدها يخرج الجميع تاركين ساحة المعركة دون أية كلمة، فسرعان ما سيحل موعدالحمام القادم، ,تستكمل تصفية باقي الحسابات..

كل ذلك يحدث أسبوعيا رغم كل الاحتياطات والمحاذير، ففي ستينات القرن الماضي وفي سجن الحضرة للنساء تعرضت فتاة سمراء للسيناريو نفسه، فقد دخلت السجن بعد اتهامها بالدعارة والعمل كموديل عارية للصورالفوتوغرافية الإباحية، ولم يتمكن أحد من إنقاذها رغم تخصيص أفضل حارسة بالسجن لحمايتها، وبعد العلقة الساخنة، لم تعد السجينة تصلح لتقديم صورة، فقد نسيت السجانات حقيقة أن المرأة تمتلك أقوي سلاح وهوالأظافر .

الآن حمامات بعض السجون قد تكون أفضل حالا نسبيا، فبعض العنابر ملحق بها حمام جماعي، لكن للأسف وطبقا لتقرير مركز حقوق الإنسان لدعم السجناء، لا تتوافر فيه المياه إلا يوم الحمام، فتضطر السجينات للحصول علي المياه من مكان يبعد مائتي متر في سجن القناطر ، وبسبب ازدحام العنابر (200سجينة في العنبر الواحد) يقوم الحمام بوظيفة مختلفة باقي أيام الأسبوع إذ تلجأ السجينات إلي النوم في الحمام.


الحمٌام وانقلابات الرؤية

شهلا العجيلي / كاتبة سورية عمان

لا بدٌ من أن يكون صراخ الطفل في أثناء إقامة علاقته الأولي بالماء خارج الرحم، هو ردٌ فعل فيزيائيٌ علي تغيٌر شروط البيئة المحيطة، وليس ردٌ فعل معنويٌا تجاه المتعة، لأنٌ المتعة ليست شيئا فطريٌا، إنٌها شيء نتعلٌمه، فهي مزيج من عناصر السلطة وعناصر المعرفة. ومع تعالق هذين العنصرين الأخيرين بتٌ أكتشف رؤيتي تجاه الحمٌام، الذي طالما شكٌل لي الخلاص، فكنت أبادره بشغف خاصٌ بعد جلاء كلٌ أزمة: مرض، أو امتحان، أو مشكلة...

ولم أتمكٌن من صياغة هذه الرؤية صياغة نظريٌة جليٌة إلاٌ مع (جلجامش) بطل الملحمة السومريٌة، الذي راح يبحث عن عشبة الخلود، فأخبرته صاحبة الحانة أنٌ الآلهة حينما خلقت الإنسان قدٌرت عليه الموت، واحتفظت لنفسها بالخلود، وقالت له:

جلجامش..

اغتسل..

وتطيٌب..

واستمتع بخليلتك..

واترك الخلود للآلهة..

مع هذه المقولة، أدركت كنه العلاقة التي شكٌلتها بين الحمٌام والخلاص، إنٌه لم يكن سوي مبادرة للحياة من جديد، في كلٌ مرٌة أتخلٌص فيها ممٌا يشكٌل لي موتا نفسيٌا أو حقيقيٌا، علي حدٌ قول طرفة:

فإن كنتّ لا تسطيع دفع منيٌتي فدعني أبادرها بما ملكت يدي

هذا الذي يعنيني من الحمٌام، أمٌا شكل الحمٌام، وتطوٌراته، وأدواته، ومتعلٌقاته (الإكسسوارات)، التي تبعث الإحساس بالرفاهة، والمدنيٌة، فلا أتذكٌر أنٌها استقطبت اهتمامي يوما، وقد يعود جزء من ذلك إلي انتمائي إلي مكان يزخر بالحمٌامات منذ فجر التاريخ، بدءا بالحمٌامات الرومانيٌة، وانتهاء بالتركيٌة التي ما تزال تعمل حتٌي اليوم، وقد اعتادت عيني عليها، وعلي تطوٌراتها، وعلي طقوسها الاحتفاليٌة الباذخة، وعلي دعوات المترفات لحضور هذه المناسبة أو تلك في حمٌام (يلبغا الناصريٌ)، أو حمٌام الباب الأحمر، وقبل ذلك في حمٌام النحٌاسين، أو البيٌاضة، واليوم انتقلت تلك الطقوس إلي الحمٌامات التركيٌة التي اجتاحها الجاكوزي، والتي تطوٌرت إلي ال Spa أي المنتجع الذي يضمٌ مجموعة من حمٌامات الجاكوزي، وأماكن للعلاج الطبيعي، والعناية بالبشرة، والسباحة...

لم تغيٌر تلك الطقوس والإضافات رؤيتي تجاه الحمٌام، هذا ما جعلني أستقبل الكتاب الذي أهداني إيٌاه أحد الأصدقاء، والذي يضمٌ لوحات لمستشرقي القرن التاسع عشر: (إنغر)، و(ماتيس)، و(جيروم)، و(دولاكروا)، بقليل من الحماس، ممٌا أدهش ذلك الصديق، وأحبطه! فأنا أجد أنٌ لوحات الحمٌام التي رجسمت في الحقبة الاستشراقيٌة، لا تقاس في مستوي إدهاشها بالحمٌامات التي أقامتها القراءات في مخيٌلتي، إذ تنقصها الحركة، كما تنقصها دمقرطة التخييل، نظرا لخضوعها إلي سلطة نسق ثقافيٌ بات معروفا لنا، في حين تفتح القراءة أبواب حمٌامات عامرة بالمتعة المتأتٌية من الماء والتعري، والمتأتٌية من الكلام والمخاتلة علي حدٌ سواء.

ولعلٌ يوم الغدير، هو يوم الحمٌام المشهود تاريخيٌا، ذلك الحمٌام الذي لن يتكرٌر حتٌي في مخيٌلة المتخيٌل الواحد، ففي كلٌ مرٌة يستذكر فيها ذلك الحمٌام، يولد سيناريو جديد لقصٌته، إنٌه حمٌام العذاري في (دارة جلجل)، حيث لا مواد تنظيف، ولا مستحضرات تجميل، لأنٌه حمٌام من الشعر والعبث: ثياب منضوضة، وربٌما أساور وخلاخيل ملقاة هنا وهناك علي حافٌة الغدير.

فيجحكي أنٌ الحيٌ تحمٌلوا، فتقدٌم الرجال، وتخلٌف النساء والخدم، أمٌا (امرؤ القيس)، فتخلٌف عنوة بعدما سار قليلا مع رجال قومه، وذلك حين علم بنيٌة عكوف الصبايا علي الغدير، وفيهنٌ (عنيزة).

راح يرقبهنٌ، وقد نحٌين العبيد، وتجرٌدن، ووقعن في الماء، فجمع ثيابهنٌ، وقعد عليها، وقال: والله، لا أعطي جارية منكنٌ ثوبها، ولو قعدت في الغدير يومها، حتٌي تخرج متجرٌدة، فتأخذه. فأّبّين ذلك عليه حتٌي تعالي النهار، وخشين أن يقصٌرن عن المنزل الذي يردنه، فخرجن جميعا، غير عنيزة، التي ناشدته الله أن يطرح ثوبها، فأبي، فخرجت، فنظر إليها مقبلة، ومدبرة، ثمٌ ألقي عليها الثوب!

بعد ذلك قلن له: إنٌك عذٌبتنا، وحبستنا، وأجعتنا، وبعد...

فعقر لهنٌ ناقته، وأضرم العبيد نارا عظيمة، فكان شواء، وشرابا من فضلة كانت معه، يشرب، ويسقيهنٌ، وكان ذلك اليوم أحسن أيٌامه، إذ يقول:

ألا ربٌ يومي لك منهنٌ صالح ولا سيٌما يوم بدارة جلجلِ

ويوم عقرتج للعذاري مطيٌتي فيا عجبا من كورها المتحمٌلِ

وبقي امرؤ القيس ورحله بلا ناقة، فقالت إحداهنٌ: أنا احمل طنفسته، وقالت الأخري: أنا أحمل رحله وأنساعه، فتقاسمن متاعه، ولم تحمل عنيزة شيئا، فقال لها: لا بدٌ من أن تحمليني معك، فإنٌي لا أطيق المشي، فحملته، فكان يجنح إليها، فيدخل رأسه في خدرها، فيقبٌلها، فتمتنع، فيميل حدجها، فتصيح: عقرت بعيري فانزل، وفي ذلك يتغنٌي في المعلٌقة قائلا:

ويوم دخلتج الخدرّ خدرّ عنيزةي فقالت: لك الويلات، إنٌك مرجلي

تقول وقد مال الغبيطج بنا معا عقرتّ بعيري يا امرأ القيس، فانزلِ

فقلت لها: سيري، وأرخي زمامهج ولا تبعديني من جناكِ المعلٌلِ

هذا ما كان من حديث الحمٌام الذي يحرٌر المخيٌلة من الصور النمطيٌة، الحمٌام الذي أثري المدوٌنة الشعريٌة العربيٌة بأبيات غرر.

ولعلٌ ثمٌة حمٌاما آخر عرفته، فأدهشني بما يحمله من طاقة علي التريٌض العقلي، إنٌه حمٌام (زانا خاتون) الأخلاطيٌة الكرديٌة، ذلك الحمٌام الذي حملني بسحر الحوار الذي دار فيه، علي قراءة شرح (ابن رشد) علي كتاب (أرسطوطاليس) في الجدل كاملا. و(زانا خاتون) هي الزوجة الأولي ل (أردهان) حاكم ولاية (ميدو)، في رواية (الأختام والسديم) ل(سليم بركات)، ويلج المتلقٌي حمٌامها علي الشكل الآتي:

¢بعلامات من قياس الظلال، جري التدبير الرؤوف لشرع النور، ونظامه، في الحلقة الحجريٌة، التي يحيط بها حوض نصف دائريٌ من رخام عتيق، فلقت قشرتّه عثاكيلج من الصدوع، رّأّبها العارفون بالرصاص الذائب، وصمغ الكندرِ، كي لا يرشح منه الماء. ستٌة قناديل ألقت نردّ الظاهر بين يدي الكمال الشاحب، لوعة فوق المقاعد المربٌعة، المنحوتة من الحجر الرمل، ذي المسام المحفور عميقا كالجدري، حيث جلست نساء أردهان التسع عاريات، يغلي من خلفهنٌ زير الماء العظيم علي موقد حجشدت لناره جذوع الأجترنج، وبزر الكرٌاث، وعيدان المصطكي. دسٌّ الكافور أنفاسا من العافية في الأنحاء...

انفرجت الأفخاذ المرتعشة اللحم بعافية امتلائها، ورجفعت الأحواض البيضاء باتٌكاء الأجساد علي المرافق فوق المقاعد، منطرحة علي الظهور بلا استلقاء كامل. كلٌ واحدة واجهت الأخري: أربع متمدٌدات، وأربع راكعات، هنٌ اللواتي يرقٌقن العقيد اللزج كي يلطقنه بشعر العانات، من نواحي البطون نزولا إلي الفروج.¢

ذلك هو المشهد الأوٌليٌ من الحمٌام الذي تتبعه طقوس إزالة الشعر، والاغتسال، وتناول الفاكهة، لكنٌ المدهش هو الحديث الذي يدار في الحمٌام بين نساء (أردهان)، الحديث القائم علي فنٌ الجدل:

¢...كلٌما دخلتنٌ الحمٌام انبثٌت فيكنٌ حمٌي الأسد. دمدمت ديدا السوداء

...ألححن علي السوداء تأويلا لحمٌي الأسد.

­ هي أوٌل حمٌي انتابت كائنا من كائنات ما بعد الفتنة. الأسد ابتلي بالحمٌي. قالت ديدا.

­ من هي كائنات ما بعد الفتنة، يا جوهرة الله، ساءلتها إحداهنٌ، فردٌت السوداء:

­ كلٌ كائن توالد بعد النزول من الجنٌة.

­ ولماذا ابتلي الأسد وحده، بداية، بالحمٌي؟ سوئلت السوداء، فردٌت

­ الحمٌي مرتبة، يقول الشيخ الخزنويٌ.

­ وما هي مرتبة حمٌي الأسد؟ سوئلت، فردٌت السوداء:

­ حين تغدو فروجكنٌ ظاهرة، ناطقة، عالمة بفروع الحقائق، سأشرح الأمر.

­ ...العقل مسكون؟ دمدمت ميدوبا، التي رشٌت دقيقا أبيض علي رابية فرجها، ومسٌدتها به. تراخي الجلد المقشعرٌ من نكال العقيد اللزج بنمشه الوديع. ابتسمت زانا من غير أن تلتفت إلي ميدوبا:

­ قولي لها يا ديدا أنٌ لكلٌ جارحة من جوارحها عقلا. ضحكت السوداء:

­ ألفرجها عقل أيضا؟ قهقهت النساء

­ للفرج عقلان: عقل القدم وعقل المحدث...

وهكذا تدار المسائل الجدليٌة في حمٌام نساء أردهان، وتستتبع بحوارات حول الظاهر والباطن، والجوهر والعرض، والأبد والأزل، وغيرها من المسائل التي لا تجدار إلاٌ في بلاطات الأكابر من الملوك، علي ألسنة المتناظرين من علماء الكلام.

تبقي تلك المتع الجسديٌة والعقليٌة كلٌها، مهما تحرٌرت بفعل الخيال، أسيرة العلاقة بين النصٌ والمتلقٌي، فالرؤية التي كوٌنتها تجاه الحمٌام، وظننتها خالدة، اعترتها تحوٌلات قاسية مع ولوجي مناطق أخري من الحياة، خارج الكتب، فتحوٌل ما تصوٌرته خلاصا بالحمٌام، إلي خلاص من الحمٌام الذي يصير عبئا بالنسبة للاٌجئين والمنكوبين، وضحايا الحروب والكوارث. فحمٌام (اسفير) ليس كحمٌام (زانا خاتون)، إنٌه حمٌام بالحدٌ الأدني الذي يبقيك علي قيد الحياة فلا تموت من تبعات القذارة، التي يفرضها اللجوء، والتشرٌد. إذ يحدٌد مشروع (اسفير) للاٌجئين، المعايير الدنيا في مجال الاستجابة للكوارث، وقد باشرت به الحركة الدوليٌة للصليب الأحمر والهلال الأحمر مع مجموعة من المنظٌمات غير الحكوميٌة، منذ عام 1997، وتقام اليوم مخيٌمات اللاجئين بناء علي معايير (اسفير) في الإيواء، والتوطين، والإصحاح، والتغذية...

وبناء عليه، يحصل كلٌ شخص في المخيٌم علي 250 غ من صابون الاستحمام شهريٌا، وعلي 2­ 6 لتر من الماء في اليوم، لممارسات النظافة الأساسيٌة. ويشترط في إقامة المخيٌم ألاٌ تتجاوز المسافة بين المسكن وأقرب موقع لتوزيع الماء 500 م، وألاٌ تتجاوز مدٌة الوقوف في الطوابير عند موقع توزيع الماء 15 دقيقة، وأن تخصٌص مقصورات استحمام منفصلة للرجال والنساء، وأن يكون مرحاض لكلٌ 20 شخصا، وأن يكون بين الخيمة والمرحاض 50 مترا فقط. أمٌا مستلزمات حمٌامات اللاٌجئين فهي فوط حيض صحيٌة للنساء والفتيات، و12 حفٌاضة أطفال قابلة للغسل، وذلك حتٌي سن عامين.

لن أتحدٌث أكثر، إذ علي المخيٌلة أن تطلق العنان باتجاه المعاناة، في أثناء قطع مسافة في العراء ليلا، ربٌما في الشتاء، وذلك لقضاء حاجة، أو لغسل طفل يعاني من إسهال، أو ما شابه، ولن أتحدٌث عن نساء النٌفاس، في حمٌامات اللاجئين، ولا عن مغتصبات يغسلن آلامهنٌ وأشياء أخري.

منذ عشر سنوات وأنا أقيم بين حين وآخر في مخيٌمات اللجوء، أعيش مع المنكوبين: العراقيين، والفلسطينيين، والأندونيسيين، والأفغان، وحتٌي السوريين في أثناء انهيار سدٌ (زيزون)...

أستعمل خيامهم، وحمٌاماتهم، مدٌة شهر أو أقلٌ، أو أكثر بقليل، أعاني معهم، لكنٌني في النهاية أعود إلي بيتي، وإلي حمٌامي، من دون أن يبرح ذاكرتي مشهد أوعية الماء البلاستيكيٌة البيضاء، ذات الأعناق، المزوٌدة بالأغطية، والمصفوفة أمام الخيمة أو داخلها، أو الملقاة بجانب الخزٌانات.

لقد غيٌرت هذه التجارب، والمشاهد علاقتي بالحمٌام، وجعلت عمليٌة إمتاعي صعبة للغاية، بل معقٌدة، بحيث لا يقدر عليها لا الحمٌام التركيٌ ولا التايلنديٌ، بل قد يعجز عن تحقيقها حمٌام امرئ القيس بحدٌ ذاته!


من حوض القدم إلي الجاكوزي:

حمامات الغلابة وال 'هاي كلاس'!

أحمد ناجي

في بلد بحجم مصر يشقها طوليا نهر يحمل اسم النيل، كان لابد أن تكون مياه ذلك النهر هي الحمام الأول لأهل هذا البلد، وحتي وقت قريب كان النيل وفروعه من ترع ومصارف هو مصدر المياه الذي يعتمد عليه عدد لا بأس به من المصريين للاستحمام والاغتسال خصوصا في القري المصرية!

قطاع عريض لا يستطيع السفر للساحل الشمالي أو شواطئ البحر الأحمر يعتبرالنيل مصيفا يتم ارتيارده للاستحمام والهروب من درجة الحرارة المرتفعة وهي الظاهرة التي قامت الدولة منذ أواخر الثمانينيات بمحاولات متعددة لمنعها نظرا لأنها كانت السبب الرئيسي لانتشار مرض البلهارسيا..

وبالتأكيد فهناك من لا يزال يذكر إعلانات وزارة الصحة التي كان يقوم بها الفنانان عبد السلام محمد ومحمد رضا والعبارة التي تحولت لإفيه دائم ¢طول ما تدي ضهرك للترعة عمر ما البلهارسيا فيك ما ترعي¢. الآن وفي 2007 غاب صوت محمد رضا وغابت أيضا المياه النقية من صنابير المياه وخرجت مظاهرات العطشي وتسابق المصريون علي عربات المياه كاللاجئين في البلاد الصحراوية وعادوا ثانية لمياه الترع.

إلي جانب الاستحمام في مياه النيل هناك حمامات المساجد وهي الخيار الثاني للاستحمام والاغتسال أمام فقراء المصريين الذين لا يجدون سوي الشارع كمنزل لهم أو يمتلكون بيتا لا تصله المياه، فالمساجد الكبيرة تحديدا تحتوي حماماتها علي دش للاستحمام وهي خدمة إضافية للمصلين تساعدهم علي التطهر من الحدث الأكبر ورفع الجنابة، وحاليا مع ازدياد الإنفاق علي المساجد واستخدام أفخر أنواع السيراميك والسجاد في تأسيسها أصبحت بعض المساجد لا تكتفي بالدش فقط في حماماتها بل أيضا يتم تركيب سخانات كهربائية ضخمة لتوفير المياه الساخنة والباردة للمستحم، ورغم أن فواتير استهلاك الكهرباء والمياه الخاصة بالمساجد تتحملها في النهاية وزارة الأوقاف، والدش وسخان المياه الكهربائي غالبا ما يأتي في شكل صدقات أو هبات من أهل الخير، إلا أن عملية استغلال حمامات المساجد للاستحمام ليست غالبا عملية مجانية، ففي مساجد كثيرة ستصادف لدي دخولك رجلا عجوزا مكفهرا ­ بلا سبب غالبا ­ يجلس علي منضدة صغيرة قائلا لكل داخل إلي الحمام ¢أيوه يا أستاذ¢ وبلا سبب أيضاستجد نفسك تدفع له الربع جنيه صاغرا دون اعتراض.

الربع جنيه يعتبر بمثابة تسعيرة ثابتة غالبا في معظم حمامات المساجد ولا يهم الغرض سواء كان للتبول أو الاستحمام وأشهر المساجد التي تتبع هذا النظام الحسين والسيدة زينب والنصر بشارع رمسيس الذي ارتفعت فيه التسعيرة مؤخرا من ربع إلي نصف جنيه.

***

ومن الحمامات المجانية أو منخفضة التكلفة المتاحة للجميع إلي الحمامات المنزلية العادية التي شهدت ارتفاعا ملحوظا في الأسعار هذا الصيف وهو الارتفاع الذي يحدث كل صيف في معظم مواد البناء وتجهيزات المنازل ويتواكب مع عودة المصريين المقيمين في الخارج بما ادخروه في الغربة طوال الشتاء لبناء المنزل أو شراء شقة جديدة ومعها طبعا تجهيز الحمام الذي يختلف سعره علي حسب نوع السيراميك ومساحة الحمام ونوع الأدوات الصحية المستخدمة فيه، لكن يعتبر الدجش أو مكان الاستحمام سواء كان ¢بانيو¢ أو ¢جاكوزي أهم قطعة في الحمام. وأرخص أنواعها حمام القدم الذي يتكون من ¢دش¢ ومساحة صغيرة تسمح لفرد واحد بالوقوف تحته مع وجود بالوعة لتصريف المياه ويصل متوسط سعر تلك الوحدة إلي 300 جنيه. أما البانيو العادي وهو الأكثر انتشارا حسب تأكيد عادل فرج مسئول المبيعات في إحدي شركات بيع الأدوات الصحية فيتحدد سعره علي حسب مساحته لكنه يتراوح غالبا ما بين 300 إلي 650 جنيها.

البعض لا يتعامل مع الحمام بصفته مكانا للاغتسال فقط بل أيضا كمكان للراحة والاستجمام وهؤلاء الذين يمتلكون هذا القدر من الرفاهية غالبا ما يستبدلون ¢البانيو¢ العادي بالجاكوزي الذي يحتوي علي مضخات مياه تساعد في تدليك عضلات الجسم وتنشيط الدورة الدموية ويتحدد سعر الجاكوزي طبقا لمتطلبات المشتري وعلي حسب عدد ¢الجوينات¢ أو مضخات المياه التي يحتويها وعلي حسب لون الجاكوزي نفسه أيضا فاللون الأبيض الأقل سعرا، والمشتري يحدد كل تلك المواصفات ليتم تصميم الجاكوزي طبقا لها ويقوم بعد ذلك الفني المتخصص بتركيبه حيث يبدأ سعر أرخص أنواع الجاكوزي من ستة آلاف جنيه حتي يصل إلي عشرة آلاف وربما يتجاوز هذا الرقم أحيانا.

الجاكوزي لا يمكن استخدامه فقط في المنزل أو في النوادي بل أيضا يمكن استخدامه في المؤسسات الصحفية حيث جرت العادة من قبل بعض القيادات الصحفية علي تركيب جاكوزي في مكتبه الخاص لكي يساعد علي توفير مناخ من الراحة والاستجمام للقيادة، أما من لا يملك المال اللازم لتركيب جاكوزي في منزله فهناك الجاكوزي المحمول وهو يتكون من قطعة صغيرة بحجم كف اليد يتم توصيلها بالكهرباء وتركيبها في ¢البانيو¢ العادي بعد ملئه بالمياه حيث تعمل تلك الوحدة علي ضخ المياه لتدليك عضلات الجسم.

***

رغم ارتفاع أسعار وحدات الجاكوزي الأمر الذي حوله إلي علامة علي ارتفاع مستوي رفاهية صاحبه إلا أنه ليس أعلي درجات رفاهية الحمامات لدي المصريين فهناك أيضا حمامات السباحة التي أصبحت بالنسبة لأصحاب ¢الفيلات¢ الخاصة عنصرا أساسيا من عناصر المنزل العصري وتتعدد أشكال حمامات السباحة فمنها المكشوف ومنها المغطي حيث تعد غرفة من غرف الفيلا السكنية أما تكلفتها فتتحدد ليس فقط علي حسب مساحة الحمام وشكله إنما يشمل السعر أيضا نوعية الخرسانة المستخدمة 1.5 مللي أو 2 مللي مجلفنة أو غير مجلفنة بالإضافة إلي حجم المياه داخل الحمام والإكسسوارات التي يتطلبها العميل ونوعية القيشاني أو الفسيفساء أو الصخور الطبيعية الملساء أو غير المهذبة. لكن في المتوسط تصل تكلفة سعر المتر المكعب في الحمام العادي من 700 إلي ألف جنيه، أما التكلفة الإجمالية لحمام السباحة العادي دون إكسسوارات إضافية فتتراوح بين 30 إلي 40 ألف جنيه يضاف إليها نوعية الفسيفساء أو السيراميك المستخدم بالإضافة إلي نظام تسخين المياه ونظام الإضاءة ووسائل الترفيه الأخري.

حمامات السباحة ليست حكرا علي الفيلات الخاصة بل أصبحت عنصرا أساسيا أيضا في المنتجعات السكنية الحديثة التي بدأت في الانتشار في المدن الجديدة وعلي طريق الإسكندرية والإسماعيلية الصحراوي وهي تشبه إلي حد كبير المستعمرات الاستيطانية بسور يعزلها عن العالم الخارجي ونظام أمن وحراسة خاصة وحمامات سباحة خاصة أيضا، ولأن عددا كبيرا من هذه المنتجعات _ المستعمرات ­ موجودة في أماكن صحراوية بعيدة عن المدينة فهي تعتمد علي المياه الجوفية لملء حمامات السباحة وهو الأمر الذي أثر بالسلب علي المشروعات الزراعية الموجودة علي طول طريق إسكندرية ­ القاهرة الصحراوي حيث أصبحت معظم تلك المزارع تعاني من الجفاف وقلة المياه..

أما أحدث أنواع حمامات السباحة التي دخلت مؤخرا لمصر فهي ما أعلنت عنه إحدي الشركات العقارية من وحدات سكنية جديدة في سلسلة من العمارات المطلة علي كورنيش نيل المعادي وفي الوقت نفسه تحتوي كل عمارة علي حمام سباحة خاص بها فوق سطحها.


في المعتقل: عريي وعري الآخرين

رءوف مسعد / روائي مصري هولندا

السجن جعلني اكتشف عريٌ : اكتشفه بخجل من جسدي العاري المستخذي أمام نظرات السجان ونظرات الآخرين .اشعر بالخزي ولا أستطيع تجاهل خزي الآخرين.

بعد الإفراج عني كنت اكتشف عريٌ الجديد ببعض الخجل في غرف مغلقة. فعريٌ القديم كان بيني وبين جسدي منذ سن الثامنة وحتي السجن في الثالثة والعشرين، تأملته مع عري الآخرين في شواطئ العراة الأوربية. اكتشف جسدي مجددا بدون خجل ولا خزي منه او من اجساد الآخرين.

جسدي في السجن ليس جسدي بل هو احيانا ملك السجان وأحيانا تمتلكه الكوابيس وفي النادر يصبح جسدي حينما يمتزج بدون خزي مع جسد آخر.

منذ طفولتي المسيحية المتطهرة البروتستنتية تعلمت الخزي من الجسد وتعلمت أيضا التمرد سرا علي الخزي. تقول الآية السادسة والعشرون، الإصحاح الأول، سفر التكوين وقال الله لنصنع الإنسان علي صورتنا كمثالنا.. فخلق الإنسان علي صورته علي صورة الله خلق البشر ذكرا وأنثي خلقهم وباركهم الله¢ وفي الفصل الثاني المعنون: السقوط¢ يحكي القصة الشهيرة عن التفاحة وإغواء حواء لآدم .تقول الآية فانفتحت أعينهما وعرفا انهما عريانان فخاطا من ورق التين وصنعا لهما مآزر¢ وقول آدم للرب سمعت صوتك في الجنة فخفت ولأني عريان فاختبأت

الرب أيضا يؤكد خزي عريهما¢ وصنع الرب الإله لآدم وامرأته ثيابا من جلد وكساهما¢

العري صنو الاختباء من الأعين. عين الرب واعين البشر.

***

السجن يفرض علي المساجين عريا صنو الخزي.

هذا هو خزي السجين: ان يتعري دون رغبة، ممتثلا لأمر السجان.ان يقف في الصف عاريا ينتظر دوره في الحمام الأسبوعي..حمام مدته لا تزيد علي خمس دقائق يحاول فيها ان يغسل خزي جسده العاري من اهانات لحقته طوال اسبوع كامل وتلحقه الآن في اغتساله الملهوج بصابونة لها رائحة الفنيك: لا تقدم رغوة بل رائحة تذكره بالمراحيض.يحاول ان يستر عريه برغاوي الصابون.

(ما ان تبلغ الصبا حتي تختبئ خلف الثياب: لا تتعري بعد ذلك امام الأهل وتجترك لعريك في وحدتك وطلاسم المراهقة وأحاسيس حارقة بذنوب غامضة كانت في سبيلها إلي التحقق)

في العري الأول في السجن وقفت عاريا بجسد لم يعد يتذكر عريه الطفولي ولم يتعر امام انثي ولم يكشف عن عريه مثل آدم امام الرب..بل امام السجان بثيابه الكالحة وسحنته الغاضبة المتربصة دوما للعقاب وعينه الفاحصة الباحثة في أجساد التحفت داخل عريها المفاجيء بصمت ثقيل تريد ان تغطي خزيها تحت ستار اللامبالاة المزيف.

عصر الخميس الأول في سجن القناطر. وعصر كل خميس لسنوات: فبدلا من طابور العصر الذي يفرج عن المساجين لمدة اقل من ساعة بعد طابور الصباح المماثل وحبسة الليل الأطول، يعلن السجانون عن الحمام وتدور المفاتيح في ابواب الزنازين.

جيلقي إلينا بالثياب الداخلية المصروفة من السجن.ثياب خشنة من الدمور، ارتداها مساجين آخرون ،غجسلت بالأحماض ، لتدور دورتها العجائبية، كل أسبوع، فليست هناك ثياب داخلية خاصة بك في السجن. تشارك الآخرين ثيابهم الداخلية مثلما تشاركهم الحمام والمرحاض الذي نجزعت ابوابه عن عمد.

يزداد اللغط بين المساجين يحاولون ان يستردوا ثيابهم الداخلية الخاصة بهم بعد ان وضعوا عليها علاماتهم السرية (في البحث عن خصوصية مستلبة) ينجح البعض في استرداد ثيابهم ويفشل الآخرون. نسير في طوابير: حفاة حليقي الرؤوس، الي مبني آخر به الأدشاش معلقة في عنابر طويلة مفتوحة بدون ابواب او سواتر. تتم الاتفاقات السريعة بين الأصدقاء الذين سيتشاركون في دش واحد: اثنان علي الأقل أو ثلاثة أو اربعة.يكون احدنا قد اخترع لوفة من فضلة ثياب قديمة.

***

اقف عاريا في حمامي الأول (انك تخرج من جديد من رحم الأم الي عالم بالغ القسوة يقجذف بك، ليس إلي صدر الأم بل الي جسد السجان وثيابه الكالحة الخشنة) لا أعرف سوي عدد محدود من الزملاء. لم أكون صداقات بعد. في الثالثة والعشرين، لم تلمس يداي جسد انثي عارية من قبل. لم اشاهد جسدا انثويا عاريا بعد.لم اتعر امام احد منذ الثامنة.

في بيتنا في السودان اتحمم مع ابي وأخي حتي بلغت الثامنة ثم قالوا تحمم لوحدك وللحمام وللمرحاض ابواب وترابيس في بيت يعج بالأهل والضيوف. شققنا الصغيرة ­ في مصر ­ نسخن الماء في حلل كبيرة نحملها الي الحمام نتحمم علي انفراد. اسرة تغلق علي خصوصيتها بالرتاج.

اقف عاريا مع العراة ،انتظر دوري في حمام سجن القناطر. اتجاهل نظرات السجان الوقحة فوق جسدي العشريني.اتجاهل نظرات الزملاء المختلسة الخجولة. انظر أيضا نظرات مختلسة لأجساد الآخرين. يهولني بياضها المفتقد للشمس والضوء. الندوب من التعذيب الذي نفذت انا منه ، توقف قبل اعتقالي نتيجة فضيحة مقتل شهدي عطية الشافعي. المعتقلون الذين سبقوني الي سجن أوردي ابو زعبل هم الذين عبروا الجحيم .خرجوا منه بتذكارات لا تجمحي من اجسادهم ومن ذاكرتهم ومن حياتهم حتي موتهم.

ما أكاد اتصبن حتي يصيح السجان يللا يا مساجين زميلي يهمس ما يهمش.. اكمل حمامك ويعطيني لوفته ويدعك لي ظهري (اول اتصال حميم انساني منذ ان قذفوا بي في سيارة الترحيلة والأقسام ومكاتب المباحث قبل اسبوعين. تدمع عيناي)

حمام ذكوري بامتياز. سجن الرجال مجتمع ذكوري.

في مراكش ­ بعد الإفراج بسنوات طويلة ­ ذهبت اكثر من مرة الي الحمام العام. تجربة لطيفة وإنسانية وذكورية أيضا. لكنها لطيفة : تختار ما تريد ويعاملونك كضيف عزيز.

هناك رأيت اجساد الآخرين وشاهدوا جسدي ولم أحس بخزي أو خجل.

ذهبت اكثر من مرة إلي السونا والسونا المشتركة في امستردام ولم اشعر بخجل او خزي ولا حتي بالرغبة الجنسية وانا اشاهد اجساد النساء

استمتعت بالاستلقاء عاريا علي شواطئ العراة . الإحساس الوحيد الذي احسسته اني إنسان وان جسدي هذا المترهل الكهل يخصني واني سعيد به وقابل لتغيراته واني: حتي في عري الكامل هذا، ما أزال انا: محتفظا بخصوصيتي.

***

(حينما كنت مع امرأة للمرة الأولي بعد الإفراج وللمرة الأولي أيضا لي، لم استطع ان اتعري . طلبت منها لو سمحتي ممكن نطفي النور؟)

المساجين القدماء تعاملوا مع تجربة السجن كأمر واقع مثل الطقس. تتجهز له نفسيا وجسديا. فبعد مرات متكررة من الحمام الأسبوعي تعلمتج ان اتجاهل السجان، تعلمت أن استمتع ­في حدود ­ بتجربة الماء الساخن وتعلمت أن اتقبل عريٌ متحدا بعري الآخرين. تجربة العري الغليظة في السجن للذكور، تختلف عن تجربة العري للذكور الآخرين الأحرار: الفرق بين السجن والحرية.

ذات مرة كنت استمع الي برنامج عن تاريخ رقصة السامبا. قال المعلق انها رقصة خاصة بالعبيد الأرقاء جلبوها معهم من أفريقيا و من الكاريبي وطوروها: يرقصونها والأغلال تقيد اقدامهم: لذا تبدو حركة الأقدام حاليا كأنها مقيدة: حركة قصيرة، حذرة ومحسوبة بدقة.

أيضا حسية للغاية!

ومثلما هزم الأرقاء سجانيهم الغلاظ، استطعنا نحن السجناء ان نهزم سجانينا: ان نستمتع بحمامنا وان نتبادل غسل ظهور بعضنا البعض وان نسخر من عرينا وان نفاخر بندوبنا: تعلمت أن الخزي في السجن هو خزي السجان.


حمام محمد زفزاف

صبري حافظ

ولن أحكي هنا عن حمامات أوروبا، وعن الجاكوزي والتدليك بالماء وعما أضافته من خبرات جديدة لمتعة الاستحمام، ولا عن الساونا السويدية وما أدراك ما السونا السويدية، ولكني أحب ألا اختم هذا المقال عن الحمام دون أن أحكي تجربة الحمام المغربية التي أردت الكتابة عنها حينما طلب مني عزت القمحاوي الإسهام في عدد الحمام الخاص. كان ذلك عام 1991 وكنت قد حصلت من عملي في جامعة لندن علي إجازة بحثية لقضائها في بلدان المغرب العربي للتعرف عن كثب علي المشهد الأدبي والمسرحي فيه. وقررت السفر بالسيارة إلي تونس حيث كانت نيتي أن أقضي بها شهرين، ثم اواصل الرحلة البرية للجزائر لقضاء شهرين آخرين، وانتقل بعدها للمغرب لشهرين ثالثين. ولكن حالت أحداث الجزائر وقتها دون حصولي علي تأشيرة دخول للجزائر، وكان علي السفر مع سيارتي بالباخرة من تونس إلي الدار البيضاء. وحينما وصلتها ذات صباح اتصلت بالصديق العزيز محمد زفزاف، وسألته أن يرشدني إلي فندق معقول لقضاء يومين أو ثلاثة في البيضاء، قبل سفري إلي الرباط حيث كنت سأقيم هناك في بيت الصديق محمد برادة أثناء غيابه عنه في فرنسا وقتها.

فما كان من زفزاف إلا أن رفض بشدة، وطلب مني الانتظار في مقهي قرب الميناء، وسيبعث بمن يأتي بي إلي بيته. ولم يفلح جهدي في إثنائه عن هذه الدعوة، فلم أكن قد التقيت زفزاف إلا مرة واحدة أو مرتين من قبل، وإن كنا نعرف بعضنا منذ كنا ننشر معا في (الآداب) في فترة ازدهارها في الستينات، وكان قد بعث لي قبل أن ألتقيه بمخطوطة (المرأة والوردة) علي ورق خفيف لاتزال حتي اليوم بين أوراقي، كي أكتب لها مقدمة حالت ظروف سفري دون كتابتها. ومع ذلك كان ثمة إحساس بأن هناك أواصر قوية تجمعنا، وقد أمضيت معه في تلك الزيارة ثلاثة أيام لاتنسي، أرجو أن أعود يوما للكتابة عنها بشيء من التفصيل، ولم أزر البيضاء بعدها دون التعريج عليه في شقته الصغيرة تلك بحي المعارف، بل وزرته أكثر من مرة في باريس إبان علاجه بها. فليتغمدك الله برحمته الواسعة يا صديقي العزيز.

المهم جاء من أخذني إلي شقة محمد زفزاف، وهي شقة صغيرة في الدور الثاني من بيت صغير. بها غرفة معيشة كبيرة مؤسسة علي الطريقة المغربية بكنب عريض يمتد حول حوائطها الأربعة للجلوس نهارا ويمكن استخدامه للنوم ليلا. وبها غرفة نوم واحدة هي غرفة زفزاف الذي كان ينام فيها ويكتب فيها أيضا، وبها مرحاض صغير ومطبخ صغير وبينهما حوض للاغتسال. وقد استغربت لأنه لم يكن في الشقة حمام، ولما عبرت لزفزاف عن استغرابي ذاك، قال ولماذا الحمام. أنا أذهب إلي الحمام العمومي مرتين في الأسبوع، أو كلما عن لي الاستحمام، وسأذهب غدا وأصحبك معي. وكانت هذه هي المرة الأولي في حياتي التي أذهب فيها إلي مثل هذا الحمام. فأحسست بفداحة الخسارة التي خسرناها في مصر حينما تركنا تلك الحمامات للانقراض. صحيح أنني كنت قد شاهدت مشاهد أكزوتيكية للحمام العمومي في أفلام سينمائية، أو زرت نماذج منه بين أطلال الأندلس التليدة، ولكن تجربة هذا الحمام، حمام محمد زفزاف ذاك كانت شيئا فريدا.

كان حماما تقليديا ولكنه استفاد من وسائل نقل المياه الحديثة والمواسير، لم أشعر معه أنني أدخل إلي حمام عمومي، مع أنه حمام عمومي، وإنما إلي فضاء اجتماعي مألوف للجميع وحميم. فقد كانت دائرة معارف زفزاف في الحمام لاتقل أهمية عن دائرة معارفه من المثقفين الذين يلتقون كل مساء في مقهي قريب من منزله. ليس فقط لأن الجميع كانوا يحيونه بالاسم والتبجيل المغربي المؤدب 'سي زفزاف'، وكأنه عاد بعد غياب وهو الذي كان هناك من يومين، ولكن أيضا لأن جلسة الحمام وقد تحرر فيها الإنسان من ملابسه ورسمياته كانت حميمية وديموقراطية بالمعني العميق والمحترم لهذا المصطلح. يناقش فيها كل فرد همومه وقضايا أسرته، ويتبادل مع الآخرين آخر الأخبار، وتناقش فيها قضايا عديدة ومشاكل تبدأ مما يحدث في الحمام، وما جري لمدلكه العجوز، ولا تنتهي عندما يحدث في القصر الملكي.

وقد لفت زفزاف نظري إلي أن هذه الحميمية التي تسود مناخ الحمام، تعود في تحليله إلي أن كل الرجال الذين تراهم هنا فقد كنا في حمام للرجال، وهناك حمامات خاصة للنسوان بدأوا تجربتهم في الحمام في حمام النسوان. لأن الصبيان الصغار يذهبون للاستحمام مع أمهاتهم في حمام النسوان، حتي يبلغوا الحلم فيمنعون عنه. ولذلك فإنهم عندما أصبح لهم حمامهم الرجالي الخاص جلبوا إليه تلك الحميمية ومناخ الثرثرة والتآزر من حمام النسوان. فقد كان الحمام مؤسسة اجتماعية حميمية بالمعني الأصيل لهذه الكلمة، أو إطارا لمجتمع مدني بالمعني العميق لهذا المصطلح الذي ابتذل كثيرا. وكان الجدل الذي دار في الحمام طوال أكثر من ساعة يستدعي في ذهني جدل الساسة في حمامات روما القديمة التي كانت تحاك فيها المؤامرات، ولكنه هنا جدل اجتماعي أكثر منه سياسيا. كان هذا الحمام مؤسسة حية تنهض بعدة أدوار للفرد وللمجتمع علي السواء. وأظن أنه مازال حتي الآن يمارس هذه الأدوار في المجتمع المغربي الذي حافظ علي كل ما له قيمه في تراثه القديم.


ملف من إعداد: عزت القمحاوي