حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

ملف الحمامات

الحمٌام سيرة الورع والشهوة

الاستحمام، نوع من ولادة متجددة للإنسان، الغمر بالماء رمز للعودة زمن الأمان الأول والسباحة في بطن الأم، رمز للموت والولادة من جديد.. الطهارة بالماء أيضا خطوة ضرورية لممارسة العبادات. والحمّام أيضا دعوة إلي أقاليم اللذة ومفتتح لعوالمها. وكدأبها في تقديم أعداد خاصة عن ظواهر وقضايا الحياة اليومية تقدم أخبار الأدب هذا العدد عن الحمام، مثلما قدمنا من قبل أعداد: السرير، "الكسل، الرصيف، كرة القدم وغير ذلك من الأعداد التي نحاول بها التنبيه إلي اتساع مفهوم الثقافة، وتحقيق متعة القراءة من خلال المساهمات المتعددة للأدباء من مختلف أنحاء العالم العربي. أما لماذا الحمٌام الآن تحديدا، فلأن مصر التي هي "هبة النيل بشهادة هيرودوت تعاني عطشا لايليق، ومن يعاني العطش يعاني قبله بالضرورة صعوبة الاستحمام، وكم هو مؤلم لدي شعب عقيدته الأولي النظافة بشهادة هيرودوت أيضا. وإذا كانت محابس المياه في أيدي غيرنا، فإننا نأمل أن نحقق متعة القراءة لمن يجدون صعوبة في الحصول علي متعة الاستحمام!!.


الميلاد المتكرر للمتعة والورع

عزت القمحاوي

عنما أكل آدم وحواء من شجرة المعرفة خسر الإنسان فرصة الخلود، هبط أبوانا علي الأرض. ثم جاء التأكيد الثاني علي محدودية عمر الكائن في الحمام!

نزل جلجامش يستحم وترك عشبة الخلود علي الشاطيء فجاءت الحية وأكلتها، لكن الملحمة البابلية لم تعتبر جلجامش مذنبا، إذ يكفيه بؤسا أن الموت صار له نصيبا.

وبنوع من العناد الذي تتميز به إرادة الحياة، اتخذ الإنسان من بيت الداء مكانا للشفاء، إذ صار الحمٌام مكانا لتكثير الحياة، فهو نقطة البدء لولادات متكررة بعد الولادة الطبيعية الواحدة.

في عديد من الديانات يرمز الغمر في الماء إلي الميلاد من جديد، وفي الوقت نفسه يقوم الحمام مقام العتبة الضرورية قبل الانخراط في فعل اللذة.

هو إذن المكان المركزي الذي يعاد فيه تشكيل حياة الإنسان سواء باتجاه المتعة أو الزهد. ويرجع ميرسيا إلياد هذه المكانة المركزية للماء إلي كونه أصل كل حياة، والوجود الذي يسبق كل وجود. وحسب إلياد فإن الغطس في الماء يرمز إلي الارتداد إلي حالة سبقت تشكل الأشكال، بينما يستعيد الطفو فوق الماء فعل الخلق الكوني المتمثل في ظهور الأشكال. وهذا الانمحاء والتشكل لدي الإنسان بالغمر في الماء يشبه الطوفان والغرق الدوري، فعقب الطوفان تنبعث الحياة من جزيرة تظهر بصورة فجائية وسط الأمواج.

وهذه هي فلسفة العماد في المسيحية.

يقول إلياد إن تيارا أخذ بالعماد في سورية وفلسطين قبل الميلاد بمئة وخمسين عاما. كان الأسينيون يمارسون الاغتسال الطقسي أو العماد، لكن اليهودية كانت تكرر ذلك الاغتسال الطقسي بصورة دورية، بينما يتم عند المسيحيين لمرة واحدة.

ويمكننا وضع طقوس رفع الجنابة الإسلامية، والوضوء للصلوات وغسل الميت في ذات الرمزية: بدء حياة جديدة، خالية من الدنس.

***

بقدر ما كان الحمام بابا للخروج من الدنس، فهو باب واسع للدخول إلي أقاليم اللذة. وإذا استثنينا الدجش الصباحي المتعجل في المدينة الحديثة، فإن الاستحمام أو إعداد الحمام دعوة لايفوت الشريك مغزاها.

ولنا أن نثق في حكمة الحكاية. حيث تضمن ¢ألف ليلة وليلة¢ هذه المكانة المركزية للحمام، في حالات الشبق وحالات الورع أيضا.

في الليالي يمثل الحمام الخطوة الأولي باتجاه الجنس في ترتيب صارم: الاغتسال، فالأكل مع الشرب فالاضطجاع. ولايوجد سوي استثناء وحيد في قصة الحمال والثلاث بنات اختل فيها الترتيب فكان ما كان من الحرمان!

بدأت الليلة بالطعام والشراب والهراش والبوس والعض والفرك، وعندما بلغت الإثارة مداها بدأت النساء تتناوب علي خلع ملابسهن والارتماء في بحرة الماء والإشارة إلي موضع الحياء والسؤال عن اسمه، وكلما أجاب الحمال باسم، ضربته علي قفاه عقابا علي قلة حيائه، حتي علمنه الأسماء المحتشمة كلها، وجاء دوره في التعري فبدأ يختبرهن بالأسماء الممكنة لشيئه، ولأن الدرس اللغوي طال أكثر من اللازم، أو بسبب تأخير الحمام في ترتيب الطقوس، فإن الحمٌال لم يظفر بأكثر من هذه الملاعبات إذ دخل القرندلية الثلاثة وبعدهم الخليفة هارون الرشيد ووزيره جعفر فسكت الساهرون عن الهراش المباح.

وليس هذا بأعجب من حكاية الفلاح وزوجته الأمية التي أدركت مباهج الحمام علي الرغم من أنها لا تتمتع بثقافة شهرزاد ابنة وزير الملك شهريار.

أقدم ذكري إيروتيكية لديٌ أحملها لرجل يحكي بمرارة لصديقه الراشد عن زوجته الميتة، كان يقص متأسيا أن فضيلتها الكبري كانت اكتشاف أي تغير في وجهه لأية مشكلة كانت، فتقوم من تلقاء نفسها وتسخن الماء وتدعوه إلي الحمام، وهو من جهته لايجد من الرجولة أن يريق الماء من دون جنابة، فينقلب إليها بينما تليٌف ظهره، فإذا هو خارج من الحمام خاليا من الهم كما ولدته أمه!

وما كان لي أن أعلم أنه في الوقت الذي كنت أستمع فيه إلي تفجع هذا القروي، كان هناك كاتب كولومبي يجلس إلي أوراقه ليكتب عن تهييج الحمام الذي أدي إلي واقعة زني محارم، ففي ¢مائة عام من العزلة¢ لماركيز تواصل العمة أمارتا التعري في البانيو أمام ابن أخيها أورليانو خوسيه، معتقدة أنه لايزال طفلا، حتي قادته إلي فوران جعلهما يطاردان بعضهما البعض في أرجاء البيت، أما الجميلة البلهاء ريميديوس فقد سحبت غريبا إلي حتفه عندما تلصص عليها من قرميدة منزوعة من السقف، عمد إلي توسيعها بخلع اثنتين أخريين، فسقط تحت قدميها مهشم الجمجمة.

ويبدو أن بهجة العري المدوخة لاتقتصر علي البلدان الحارة كمصر وكولومبيا، فإلفريدا يلنيك في ¢عازفة البيانو¢ تصور طالب الطب إبن خال (إريكا) يلقي بنفسه في حوض الاستحمام المليء بمياه جوفية في برودة الثلج ليبرد جسده الفائر، وتتقافز الفتيات حول ¢الجدع¢ فيتحول مسعي التبريد إلي إحماء إريكا التي استسلمت له في المصعد، بعد أن تأملت من وراء الزجاج استعراض العري في مشهد يذكر بمشهد الحمال والثلاث بنات أو معكوس مشهد زوجة شهريار مع العبيد!

لكن الحمام البارد ينجح أحيانا في تثبيط الهمة. ينقل ميرسيا إلياد في ¢التنسيب والولادات الصوفية¢ حكاية ميثولوجية أيرلندية عن الشاب البطل كوشولين ابن أخ الملك الذي طلب من عمه سلاحا وعربة وتوجه إلي قصر أبناء نيختا الثلاثة، وهم ألد أعداء مملكة ألستر (مملكة عمه) حيث بتر رؤوسهم، وقد عملت هذه المغامرة البطولية علي إحماء بدن الفتي، وعلي تزويده بشحنة حرارية هائلة، وقد حذرت الساحرة الملك: "إذا لم تسرع باتخاذ الإجراءات الاحتياطية فإن الفتي سيقضي علي جميع المحاربين في المملكة، وسيبيدهم عن بكرة أبيهم¢. عندها فكر الملك بالأمر وأرسل إلي الفتي أفواجا من النساء العاريات، لم يأبه لهن، فلم يكن هناك بد من الإتيان بثلاثة دنان من الماء أودع في الأول، فانتقلت منه حرارة شديدة حطمت الألواح الخشبية للدن، وفي الدن الثاني ظهرت علي السطح فقاعات الغليان، وفي الثالث بلغت الحرارة درجة عالية، تمكن بعض الرجال من احتمالها، وهدأت ثورة الفتي، فأعطي الثياب.

***

إذا كان الحمام قد شفي الفتي من تعطشه للدم، ففي عديد من القري المصرية أسطورة تتعلق بحمام منتصف الليل في الترعة، وبطله دائما رجل اشتبك في غزل عنيف مع كلبة، ولم يجد من سبيل لإقناعها بإفلاته سوي حملها في العباءة والنزول بها إلي الماء!

تكرار الأسطورة يؤكد خياليتها، لكن تبقي أمثولة الماء المهديء، التي تجعل الفلاح يجبر الأبقار والجاموس علي هذا الحمام الصباحي من أجل إطفاء الشهوة، فهناك حسابات اقتصادية صارمة تحدد الأوقات الجيدة للحمل طبقا لمواعيد الدورة الزراعية. وإذا قالت الحسابات بأن موسم البرسيم يمكن أن يضيع في أشهر الحمل، يتم إطفاء رغبة البهيمة بالحمام الصباحي، لترحيل حملها إلي وقت آخر.

***

العودة إلي ألف ليلة تجعلنا نكتشف أن الحمام دواء لكل داء، فهو يغسل أوزار السفر، وعلامة علي الوصول أخيرا إلي بر الأمان للمطاردين من عفاريت الإنس والجن. والخروج إلي الحمام علامة علي شفاء المريض: يحكي الطبيب اليهودي عن جهوده في علاج الشاب الموصلي علي يديه " ثم جسيت مفاصله وكتبت له ورقة وقعدت أتردد عليه عشرة أيام حتي تعافي ودخل الحمام واغتسل¢.

ولأن رواة ألف ليلة المجهولين لديهم من وسائل الرعب ما يكفي، فلم يكونوا بحاجة إلي زرع الوحشة في الحمام كما تفعل الأفلام. وإذا ما خرج عفريت فهو يخرج من الكنيف، باعتباره بيت النجس، وليس من الحمام مكان التطهر. لكن الحمام كان فأل شؤم ذات مرة، وذلك في حكاية الملك الشاب المسحور الذي خلف أباه في الحكم بعد سبعين عاما أقامها ملكا للجزائرالسود. إذ ذهبت الزوجة وهي ابنة عمه إلي الحمام، ووسعت لوشاية الجاريتين اللتين استمع إليهما تتناجيان بخديعته بينما كان متمددا يستمتع بتدليل إحداهما عند رأسه والأخري عند رجليه. وعرف من تناجيهما أن زوجته تخدره كل ليلة وتخرج إلي حيث تخونه مع عبد أسود في خص حقير، حيث تأكل الفئران وتشرب من القوار!

لاتأتي شهرزاد علي ذكر الحمام عندما تبتعد عن القاهرة وبغداد والبصرة ودمشق، لأن الحمام ابن أصيل للمدنية العربية، بينما تأخرت علاقة أوروبا بالحمام طويلا، ويقال إن سر تطور صناعة العطور الفرنسية كان تعويضا عن غياب هذه النعمة. وفي مذكراته عن سنوات باريس نكتشف أنٌ همنجواي لم يمتلك حمٌاما خاصٌا في بيته، ولابد من كون ذلك مألوفا في العقد الثالث من القرن العشرين لأن همنجواي كان كاتبا وصحفيا معروفا بشكل جيد وكان يمارس بعض مظاهر الرفاهية كالأكل في المطاعم والمراهنة في سباقات الخيل.

***

يعدٌ الذهاب إلي الحمام إشهارا حسيٌا تتعامل معه المدينة العربية، والقرية العربية بكل حفاوة، والغريب أن مدينة محافظة مثل حلب تتعامل مع (حمام السوق) بطريقة احتفاليٌة، يصبح فيها محور حفلات الزواج، لاسيٌما في السنوات الأخيرة، حيث ألحقت بالحمامات صالات أفراح.

وفي عديد من القري المصرية مايزال طقس حمام العريس والعروس مستمرا: ففي عصر يوم الدخلة تشترك الصويحبات في حمٌام العروس وإزالة الشعر عن جسمها في بيت أهلها، بينما يذهب العريس في زفة من أصدقائه بالطبل والمزمار والرقص ليستحمٌ في بيت عمه. إنٌها حالة من إشهار عزوة العائلة، ولكنها أيضا وشاية بأحداث الليلة المقبلة بأكبر قدر من العلانية والاستعراض: فعندما يصل العريس إلي بيت العم تنثر فوق الزفة حبات الكراملة ابتهاجا، والملح للحماية من الحسد، ليتوجه الموكب إلي الغرفة التي يتوسطها طشت الاستحمام، حيث يتحلق اللابسون بالعاري يليفونه ويتقاذفون بالماء.

هذا الحمام الطقسي هو الأشهر في حياة صاحبه وصاحبته، حدث تنسيبي كالطهور، يعلن عن توديع صاحبه وصاحبته حياة العزوبية، التي كانت بالنسبة للأنثي سرا طي الكتمان، بينما يتمتع الذكر الريفي منذ البداية بعريه المعلن في حمام الترعة الأكثر خطورة من حمام جلجامش، إذ يجعل الموت نصيبا واقعيا لأبناء الريف الذين تنهش البلهارسيا أكبادهم.

حمام الترعة يبدو احتفال تنصيب بالبلوغ، إذ يبدأ الاستحمام جماعيا في فترة الصبا، ويحاكي طقس الحمام النظاميٌ: فالصابون هو أوراق نبات العليق التي يفرك بها الجسم، فتنتج رغوة ليست في وفرة رغوة الشامبو، لكنها رغوة علي أية حال. وجرن الماء البارد هو الترعة بمائها الوفير الجاري، ويستعاض عن الجرن الساخن، بالقناة الضحلة المعرٌضة للشمس طوال اليوم، أمٌا الشمس فهي منشفة تكفي الجميع.

أوقات هذا الحمام المفتوح للبشر والدواب تحدد نوع الاغتسال وهدفه، فحمام الظهيرة في الغالب يكون طلبا للبرودة وإطفاء الحر، بعكس حمام الصباح الباكر الذي لايضطر إليه إلا لإزالة الجنابة من أجل ¢خطف¢ صلاة الصبح قبل الشروق.

وسواء أكان الدافع وراء الحمٌام الإغواء أم الورع، فإنٌنا نستحم لمقاومة الفناء، ونتخذ من الحمام عتبة للخلود.


الشهوانية البدائية

ترجمة مرفت عمارة

الاستحمام احتفال مطلق يعبر عن عقيدة الافتتان بالجسد في العصر الحديث، ولحظة استمتاع قصوي، هي في حد ذاتها تدليل محض للذات، ونوع من التطهر المبهج، والفكرة نفسها تنطوي علي استحضار لا يقاوم لحميمية المكان المتمثله في الحمٌام، عطر الصابون، طراوة الأسفنج، نعومة الزيوت، عبير ماء الكولونيا، الماء ذاته، الذي يبدو كما لوكان شيئا منسيا، ماء متدفق بغزارة، يندفع من فتحات الدجش كي ينساب فوق كل بوصة من جسدك، فيغمره بالدفء والإحساس الأمومي بالراحة.

لقد اختلقنا طهارتنا منذ زمن سحيق، لكن استحمامنا اليومي في بيوتنا اختراع حديث العهد، ولسبب وجيه، منذ كان الماء لا يصل الي المنازل حتي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت المياه تمد إلي المطابخ فقط ! وكان علينا الانتظار حتي يحل القرن العشرون لبدء عصر الحمامات المنزلية، وخلال ذلك لم يتهاون البشر في اكتشاف متعة الاستحمام، فقد تكفلت الطبيعة بذلك موفرة الانتعاش في بحارها وأنهارها وبحيراتها وحتي الينابيع الشافية التي تصل حرارتها الي درجة الغليان، وخلال ذلك كانت المياه تكتسب معاني جديدة في كل حضارة، لا يزال الكثير منها محفورا في الذاكرة، ويظهر في عادات الاستحمام حتي الآن.

قصة الاستحمام تمت كتابتها حسب الحاجة بقلم مغموس في مياه المحيطات والأنهار والينابيع، تحفل بتاريخ من الغرائز البدائية حول العلاقة بين الماء والجسد، وتاريخ جريان الماء.

تشعر البشرية بنوع من الرضا عن الدلالات الرمزية للمياه أطلق عليها جاستون باشلار ¢الشهوانية البدائية¢ مثلا اعتبار السباحة في الماء البارد طريقة للاسترخاء، وزيادة فوائدها بالتدليك بالزيوت العطرية وقد عرفنا ذلك منذ زمن ¢هوميروس¢.

أما حمامات البخار في مرحلة ما قبل التاريخ فقد بدأت في الشرق وكانت تتم بطريقة بسيطة بحفر مأوي مجوف في أرض الكوخ تضرم داخله النار في خشب راتنجي، فوقه أحجار من النهر حتي تسخن لدرجة الإحمرار، يلقي عليها الماء لإطلاق البخار، الذي يندفع الي الكوخ وينتج حرارة جافة، وفي اليونان بدأت حمامات البخار في الجيمنيزيوم ثم انتقلت للحمامات العادية وعبر انتشارها في شمال روسيا والدول الاسكندنافية انتقلت الي البلقان في القرن الثالث عشر ثم اتجهت جنوبا نحوآسيا الصغري، كما اخترع المسلمون حمام البخار الذي عرف بالحمام التركي أو الموري، وهو مزيج بين حمام البخار والحمام الروماني الحار، بني العديد منها في أسبانيا مع الغزو المغربي في القرن السابع ثم انتقلت الي أوروبا مع الحملات الصليبية، بعد سقوط القسطنطينية 1435 قدمها الأتراك العثمانيون إلي دول البلقان وهنغاريا.

والاختلاف بين حمامات البخار (الحرارة الجافة والحرارة الرطبة) لازالت موجودة حتي الآن في حمامات دول الشمال والعالم العربي في ثلاث فترات من التاريخ، الغرب جرب ورفض متعة حمامات البخار خلال فترة الإمبراطورية الرومانية، وفي العصور الوسطي وفي القرن التاسع كانت حمامات البخار أكثر من مجرد حمام، إنها حالة مزاجية عقلية، ففي بلاد المنشأ يشعر المرء بثقل تقاليد ثقافته يضغط علي وجدانه، فهي تجربة لايمكن زرعها في مكان آخر ولأناس آخرين.

بدأ تاريخ الحمامات العامة في اليونان في القرن السادس ق.م عندما تواءموا مع التعليم الفيزيائي، ولم يكن الحمام بالنسبة لليونانيين مجرد حالة استرخاء بعد المجهود العضلي لكن كان هدفه الحفاظ علي تناغم الجسد والعقل، أقيم أول حمام من هذا النوع في الهواء الطلق تحت ظلال أشجار الزيتون بالقرب من المنطقة الرياضية ومنطقة نقاش الفلاسفة، ويتكون من حمام سباحة دائري مدعم الجوانب بينما تصب النساء الماء فوق الرجال قبل البدء في التدريبات الرياضية وبعدها لتنظيف الرمال التي كست أجسادهم والتخلص من العرق، ولهذا الغرض يستخدمون مكشطة من الحديد أو البرونز ذات نصل منحن، ولاحقا بعد تحول المنطقة إلي جيمنيزيوم حقيقي تم ضم مجموعة من الحمامات في مكان واحد في (دلفي) شمل أكثر من عشرة أحواض سباحة من الرخام تحيط بها تماثيل الأسود التي تضخ الماء من أفواهها، وشلالات المياه التي تستخدم في سكب المياه عند أكتاف اللاعبين، وكانت أحواض السباحة مستديرة ذات درج مطاطي يتيح للصبية الصغار مكانا للجلوس عليه للإسترخاء قبل تلقي دروس الفلسفة، بينما تجري التدريبات الرياضية أوالحربية في حمامات باردة، فطبقا لتعاليم أبوقراط فإن الماء الساخن يجعل الجسم ناعما ومخنثا بينما الماء البارد يجعل الجسم صالحا للمعارك ويزيد من قوة الشخصية، ولأن التدريب الجسماني أصبح ذا أهمية في حياة أهل أثينا، تجاوزت الحمامات صالات الألعاب التي أصبحت أكبر حجما وأكثر تخصصا، فيستخدمها اليونانيون كحمام لإقامة حيث يجلسون علي مقعد صغير وينثرون الماء عليهم بمجرفة أو أسفنجة وهي مفيدة لإزالة الشعور بالتعب ثم استبدل بالحوض الفردي المستدير ذي الحافة المستوية ثجم ظهرت الأحواض الأصغر المستندة إلي ثلاثة حوامل، التي تشبه أحواض استحمام القرن التاسع عشر.


من تراه سرق أشواقي الخبيئة من سلٌة الغسيل؟

مملكة الرغبات العجظمي

حزامة حبايب / كاتبة فلسطينية ­ الإمارات

بيت الأسرة، المستقرٌ بعيدا في الشوق، كان م نمنما: (أو لعلٌنا نحن الذين كنٌا كثيرين عليه أكثر مما يلزم)، فحرمنا ترف الخصوصيٌة والانتشار والنموٌ دون أن ترتطم حواسنا وأجسادنا بعضها ببعض. بسماكتها الهوائية، لم تخجلْ جدران البيت دون نفاد رغباتنا عبرها من تحت الفراش، فتعيٌن علينا، لزاما، أن نعتصر وسائدنا إذ نراقب أذرع بيجاماتنا تقصر وأرجلها تكشٌ، يوما بعد يوم، وقد فاضت الأجساد النزقة بالحياة وضاقت عليها. كان علينا أن نعضٌ علي الشفاه، حدٌ إدمائها، إذ ندثٌر توْقنا الرابض في هدأة الليل فنلجم شهقاتنا السرية. فإذا ما أفلتتْ شهقة، غصبا عنا، تلفٌتنا حولنا بذعر، آملين أن تبلع العتمة الشهقة كما تبتلع الجسد، طاوية تمدٌده واستطالة رغباته الطائشة.

كان عليٌ أن أبحث عن مساحة أتمدٌد فيها دونما حصافة ودونما حذر. كيف كان لي أن أعرف أنٌي أكبر إذا لم أكن أراني أكبر؟ كان عليٌ أن أري الاتجاه أو الاتجاهات التي يمضي فيها جسدي، أن أري مستقرٌ الشوْق والتوْق، موطن الرغبة وموطئ الإحساس، ذلك أنٌني اكتشفت منذ وقت مبكر، أبكر بكثير من المعتاد، أن روحي في جسدي. إنٌ روحي هي جسدي.

وإذن.. كان عليٌ أن أري روحي تشرق. كان عليٌ أن أراني أكون. كان عليٌ أن أراني أتكوٌن.

استحال الحمٌام مملكتي التي شهدت، استواء الجسد علي مهل، وإن ظل نيئا في مطارح علي حساب مطارح أخري، بسبب استعجالي السنوات الآتيات واستباق الرغبات المؤجلة. ومع تفتٌح الحياة وتفرٌعها، تسلٌقتْ نبتة الروح علي جذع الاشتهاء، والتفٌتْ علي أغصان اللحم حتي لامست السماء، حيث اللامنتهي هو السقف وهو المرام. في الحمٌام، أفلتتْ روحي من الارتطام بأثاث الحجرات المكتظٌة وشلح جسدي نزقه، نافضا انكماشته، متنفسا براحة، متمددا، نصفه علي الأقل، علي مرآة المغسلة، إذ أعتلي حافة البانيو المقابل للمغسلة. في الحمٌام، أنصتٌ لجسدي بوضوح، فلم يذوِ في خضمٌ ضجيج الأجساد المكدٌسة في فراغات البيت القليلة خارج الحمام. لم تكن موسيقاه، الناشزة في بعض مقاطعها، تطربني دائما. كم من مرة ومرة كرهت جسدي، وحنقت علي روحي إذ كانتهج. لكنني، مع ذلك، سعيت في الحمام إلي أن أتصالح معه. خارج الحمام، كنت أخاصمه، متعاي&