قصيدة
النثر وأيديولوجيّة النَّوع

ميشيل
دلفيل: هل كان سيتغير مصير قصيدة النثر لو كان إليوت في حماسة
الدنجتون لهذا النوع الشعري؟
الشّعر
في كلّ مكان في اللغة أينما وجد الإيقاع، في كلّ مكان إلاَّ في
الملصقات وفي الصفحة الرابعة للجرائد.أمّا في النّوع الذي نُسمّيه
النثر فيوجد شعرٌ في كلّ إيقاع يُمكنُ تصوّره؛ بعضه مبهرٌ ورائعٌ.
بينما في الحقيقة لا يوجدُ نثرٌ: توجدُ الأبجديّةُ، ومن ثَمَّ
توجدُ أشكالٌ من الشِّعر، متراصّةٌ و مُسهبَةٌ بقدر ما.ففي كلّ
محاولةٍ علي الأسلوب يوجد نَظْمٌ.
ـ ستيفان ملا رميه، أجوبةٌ عن تساؤلات
شعرٌ ما ليس نثرا،
نثرٌ ما ليس شعرا.
ـ موليير، السيّد النبيل
منذ ظهورها رسميّا، أوّل مرّة، في فرنسا القرن التاسع عشر، بكتاب
بودلير الشهير سأم باريس (بُدئ في العام 1855، ونُشر كاملاً، لأوّل
مرّة، عام 1869) ولم تكفّ قصيدةُ النّثر ـ ذلك النوع الذي يجمعُ
اسمها بين لفظين مختلفين "ـ عن إرباك القاريء والناقد في آن معاً.ففي
مقدمته الشهيرة سعي بودلير لإيجاد تعريف أوّل لهذا النّوع الأدبيّ
بوصفه معجزةُ النثر الشعريّ، موسيقيٌّ بلا وزن أو قافية، مرنٌ
و متقطّعٌ بما يكفي، ليتماثلَ مع انبعاثات النّفس الغنائيّة ،
تموجات أحلام اليقظة، وانتفاضات الوعي". كان سأمُ باريس محاولة
أولي ذات دلالة ـ لواحد من أعظم ممثلي المعيار الغربيّ في الأدب
ـ للشَّك في فذلكات الشعر المعترف بها علي نحو واسع وعريض آنذاك،
وأعني حضور الوزن والقافية.
في العالم الناطق بالإنجليزية، وفي مرحلة لاحقة، تعلّق الانحلاليون
البريطانيون بقصيدة النثر، وبعض أشكال النثر الشعري الأخري ـ كنوع
مثاليّ ـ لإشباع توقهم الشديد للتراكيب الجُمَليَّة المعقّدة والطرائق
الأسلوبيّة المتكلّفة. مما أدّي، ومنذ ذلك الحين، لأنْ تنحرف قصيدة
النثر الإنجليزية بمسارها في مسالكَ متناقضة عدّة:كصور جيرترود
ستاين التكعيبيّة الموجزة في براعم غضّة وترانيم شيروود أندرسن
الويتمانيّة في ترانيم الأمريكي العادي، وحديثاً، وبدرجة أكبر،
قصائد الـ deep
image لروبرت بلاي، أو تجارب ما بعد النّوع للطليعيّة الأمريكيّة
الجديدة المعروفة بجماعة شعر اللغة .وكأنَّ هذا المولود البودليري
النوعي الفظيع، ما زال يتجلّي، إلي الآن، في نزعات مختلفة باختلاف
الشعراء الممعنين فيه، مما يجعل أيّ محاولة لوضع تعريف واحد جامع
للنّوع تبوء بفشل محتوم.
وكما تُعرِّفُ هذه الدراسة بالطرائق المنهجيّة لتعدّد أسلوب النّوع
وشكله، فلا يجاوزُ تاريخُ قصيدة النثر المعاصرة في الإنجليزية،
إلي حدّ بعيد، تاريخ المحاولات المتتابعة من شعراء لإعادة تعريف
المحدّدات التي تحكم آمالنا لما يجب أن تكُونه القصيدة(أو قصيدة
النثر) أو تحاكيه. فلو ذهبنا إلي مراجع متخصصة، كموسوعة برنستن
للشعر والشعريات، سنجد الوصف المفصّل التالي لطبيعة قصيدة النّثر
وما يجب أنْ تحتويه دون غيره:
تكوينٌ قابلٌ لاحتواء كلّ سمات القصيدة الغنائية أو بعضها، غير
أنّها تُكتب كما يُكتب النثر علي الورق. تختلفُ عن النثر الشعريّ
بأنّها قصيرةٌ ومُحْكَمَةٌ، وعن الشعر الحُرّ بافتقارها إلي التشطير،
وعن فقرة النثر القصيرة بإيقاعاتها اللفظيّة المتواترة، بوقعها
الرّنان، بمجازاتها، وبكثافة تعبيرها. وقد تشتمل علي إيقاعٍ داخليّ
مُنتظم وتعاقبات موزونة. غالباً ما يمتدُّ طولها من نصف صفحة (فقرة
أو اثنتين) إلي ثلاث أو أربع صفحات (معدّل القصيدة الغنائيّة)،
فاذا ما صارت أطول، فقدتِ الصدمةُ والتوتراتُ أثرهما، وصارتْ ـ
وبغضّ النظرّ عن شعريّتها ـ نثراً. لقد أُطلق مصطلح قصيدة النثر
، بلا إدراك، علي يّ قطعة من الإنجيل حتي روايات فوكنر، والذي
من المفترض أن يدلّ علي شكلّ فنيّ مُدْرَك تماماًً (و أحياناً
بذاتٍ واعية).
ثمّة تعريفات أخري، وفي النَّزعة ذاتها، تتضمن وصف مارتن جري للنّوع
بأنه نثرٌ قصيرٌ يضاهي القصيدة الغنائيّة بلغته المنمّقة ومجازاته،
قائمٌ بذاته، ويفتقرُ إلي السرد: يشبهُ القصيدة الغنائية، ولا
يخضع لنمطيّة الوزن العروضي .أمّا بالنسبة إلي م. هـ.آبرامز فانّ
سأم باريس بودلير، واشراقات رامبو وبعض الفقرات المقتطفة من مقالات
باتر النثريّة تضاهي النّوع المُسمّي، في القرن التاسع عشر، قصيدة
النثر: مُحكمٌ بعناية فائقة، متناغمٌ، ذو تكوينات رنّانة منظومة
بسياقٍ مُتّصل لجُمَل بدون تشطير .
يكمنُ القاسم المشترك بين هذه التعريفات المختلفة في إدراك قصيدة
النثر عبر منظور الشعر، مما يُبرز فرضيتين واضحتين، متبادلتين،
تتعلّقُ بماهيّة الشعريّ .تتكئ الأولي ـ والتي سنأتي عليها لاحقاً
ـ علي المعادلة الشهيرة-المرتبطة بشعريّة لغة القصيدة الغنائيّةـ
التي تعتبر القصيدة قطعةً كتابيّة قصيرة نسبيّاً جُلُّ غايتها
التعبير عن المشاعر. وتُثبت الثانية بانّّ درجة الكثافة الأسلوبيّة
والتصويريّة في الشعر تُميّزه (تذرّعاً) عن لغة النثر الرتيبة،
العاديّة الواقعيّة.وبما أنَّ الشعر، كما تصفه، بجدارة، أورسولاّ
ك. لو غوين: المرأةُ الشقراء الخرساء التي كلّها كلام، والنثرُ:
المرأة السمراء، الماكرة، التي بنظّارات، وكلّها أفكار، فانَّ
أولي مهام شاعر النثر إعادةُ توليد الغِني الإيقاعيَّ، البديعيّ
والأسلوبيّ، الذي غالباً، ما يصاحبُ اللغة الشعريّة، عبر وسيط
ليس سوي النثر.
وفقاً لهذه الرؤية، تصبحُ اللغة الشعريّة محكومة، أولاً، باستخدام
أكثر عنفاً لنفس الأدوات الأسلوبيّة الماثلة في النثر الأدبي.
وكما يجادل رولان بارت في "كتابة خط الصفر ، فانّ هذه الاعتبارات
الأسلوبية الصارمة ما زالت تتكئُ علي المفهوم الكلاسيكي للشعر
كمجرّد اختلاف زخرفي عن النثر "، وكأسلوب يُنتج شكلاً كلاميّا
مُقتضَباً، وأكثر أدوات نقل الفكر اقتصاداً. ففي المعادلة المزدوجة
التالية، يستخدم بارت الأحرف (أ، ب، ج) كـ خواص مُميّزة للغة،
لا قيمة لها سوي في الزُّخرف: كوزن العروض، القافية أو طقوس الصور
البلاغيّة:
الشعر = النثر + أ + ب + ج
النثر = الشعر ـ أ ـ ب ـ ج
ففي المرحلة الكلاسيكيّة، وكما يعقّب بارت، لا يكون الفارق في
الجوهر وإنما في الكمّ، ولا يفترق الشعر والنثر إلا كرقمين مختلفين،
متماسيّن، متباينين في الفرق القائم في المقدار. لقد ظل مفهومُ
الشعر هذا، حتي عهد قريب ـ كدرجة أسلوبية وتصويريّة زخرفيّة قابلة
للقياس وماثلة في كل عمل أدبيّ، نثرا كان أم شعرا ـ فسطاطاً راسخاً
في النقد الأدبيّ المعاصر. وكما يدّعي جان كوهين في بنية اللغة
الشعريّةّ: النثرُ ليس إلاّ نوعاً شعريّاً محدود الأثر "، يُنظر،
في المقابل، إلي الشعر كـ أكثر أنماط الأدب انفعالا، وأشدّ درجات
أسلوبيته فجائيّة. فالأسلوب ذاتٌ تؤلّفُ مجموعة أشكالٍ لبُني،
دائماً ما تظلّ نفسها.فمن نثر إلي شعر ومن حالة شعرية لأخري. فما
الفارق إلاّ في الجرأة التي تَعْمَدُ اللغةُ علي توظيف تعاقباتها
المحفورة فعليّاً في ذات بُنيتها ".
وكما سنري، فانّ مفهوم كوهين عن اللغة الشعرية ـ والمختلف نسبيّاً
عن "تعريفات كوليرج البسيطة للنثر والشعر ( النثر = الكلمات في
أفضل نَسَق؛ الشعر = أفضلُ الكلمات في أفضل نَسَق) ـ عاجزٌ عن
إنصاف تاريخ قصيدة النثر المعاصرة، وكمونها التدميريّ الذي لم
يَقُم ـ بطبيعته ـ علي محاولة مضاهاة الأسلوبيّة الخصبة للغة الشعريّة
التقليديّة.يتجلّي أكثر الجوانب إشكاليّة في نظرية كوهين والتعريفات
اللاحقة لقصيدة النثر كقطعة نثر لها طابع الشعر في المقولات التقليديّة
التي رافقت الشعريّ ـ بما فيها كثافة المجاز، سفسطة الأسلوب وأُلفة
القصيدة الغنائيّة ـ والتي لم تعد، ومنذ أمد بعيد، من السّمات
الفارقة التي مكّنت المرءَ ـ في زمن أوسكار وايلد و ولتر باتر
ـ أنْ يميز الخبيث من الطّيب بعقد مقارنة بين النثر الشعري و النثر
النثري النفعي، الخالي من المحسّنات البديعيّة. الآنَ، وقد حظيت
اللغة العاديّة وبيانها بقبول المعيار الأمريكي للشعر، فلا يسع
المرء إلاّ أن يتساءل عن احتمال بقاء معايير الشعريّة (سواءً الاصطلاحيّة،
الصوتيّة، أم الإنشائية) من منظور أُفق توقّعات قارئ الشعر المعاصر،
الآخذ بالتقلص وعلي نحو متعاظم، مستعيرين العبارة الشهيرة لهانز
روبرت ياس.
كيف يمكننا مقاربةُ نصّ نثريّ صُنّف شعراً، في الوقت الذي أصبحت
فيه مقولات اللغة الشعريّة الماضويّة، أكثرَ إشكاليّة من ذي قبل
؟ فرغم حلول الشعر الحرّ وما تلاهُ من زوال المعايير الأسلوبيّة
والعروضيّة الممايزة للشعر عن النثر،فما زال الكثيرون يعتبرون
قصيدة النثر شكلاً مُفسداً لطبيعة نظام التعبير الأدبي ، إنْ لم
تكن ، وبكلّ ما في الكلمة من معني ، غير شرعيّة . لذا، صار من
غير اللازم تفنيدُ المقولات الأساسيّة عن النّوع، فالفتنة غير
المتوقعة، إلي حد ما، التي أعقبتْ فوز تشارلز سيميك بجائزة بوليتزر
للشعر عن قصائده النثريّة العالم لا ينتهي، تشي بأنَّ بعض المعايير
الماضويّة المتعلقة بالمعمار الشعري الشكلي ما زالت كاسحةً، حتّي
في بلد كان في طليعة محرري التعبير الشعري من سفسطة الأسلوب وعُرف
العروض علي حدّ معاً. فبقاء بعض التوقعّات الشكليّة وبعض الحدود
الماضويّة بين الأنواع الأدبيّةـ في الوقت الذي لم يعد فيه الشعر
والنظم مترادفينـ يشكّلُ الأرضية الملتبسة التي من خلالها تواصلُ
قصيدةُ النثر رسم دورٍ خطيرٍ لكمونها التدميريّ، وربما السياسيّ،
كما يجادلُ البعض. فلقد أسهم الاهتمام المتجدد من الشعراء والنقاد
بقصيدة النثر كنوع بلا شكل "ـ وبدون منازع ـ في إعادة المنطق للنقاشات
المتعقلة بسمات الشعريّة التي انتهكها شعراء النثر أو رفضوها.
وكما سيبيّن الفصل التالي، فانّ مساحة اللانوع و ما بعد النّوع
لقصيدة النثر قد أكسبت النّوع دلالةً جديدة وصِلَةً وثيقةً بماهيّته
أيضا.
ہہہ
قُدّمتْ قصيدة النثر إلي الجمهور النّاطق بالإنجليزية، لأول مرّة،
عبر انطولوجيا ستيوارت ميريل صورٌ نثريّة؛ وهي عبارة عن مختارات
من قصائد نثر فرنسيّة بترجمة إنجليزية نُشرتْ في نيويورك عام 1890.
لقد بدأت قصيدة النثر، وفي السنوات التي تلتْ هذه الانطولوجيا،
بإثارة اهتمام جيل كامل من الانحلاليين البريطانيين، في الوقت
الذي تزّعم فيه قصيدة النثر البريطانية، في السنوات الأخيرة من
القرن التاسع عشر، كلّ من إيرنست دوسون، والكاتب الاسكتلندي وليام
شارب (أ.ك.أ. فيونا ماك لويد) وأوسكار وايلد ـ الذي أُعتبرتْ قصائده
النثريّة، شبيهة الأمثولة، (عام1894) أوّلَ مثال علي تقليد إنجليزي
واع تماما بقصيدة النثر. لقد صارتْ قصيدة النثر، وعلي نحو مألوف_
(والتي نادراً ما نُظر إليها، حينها، بتمايز عن التجريبات الأخري
المصاحبة للنثر الشعريّ كمقالات والتر باتر الفنيّة عن فنون عصر
النهضة الأوروبيّة) _ في المناخ العام لجماليّة الذات الواعية
التي حكمتْ أعمال هؤلاء الكتاب، في ثمانينيّات وتسعينيّات القرن
الثامن عشر،الشكل المفضّل لجماليّة جيل نهاية القرن وأسلوبيتهم
الجاهدة المُتكلّفة. تآلفت قصيدة النثر الانحلاليّة من لغة ثريّة
مُؤسلبة بعمق، بذات واعية قائمة، في الغالب، علي مفردات معجم مهجور
مستوحي من انجيل الملك جيمس. فمثل العديد من قصائد النثر المكتوبة
في أوج الجماليّة البريطانية، وظّفتْ أورخيل وليام شارب عدداً
من السّمات التقليديّة، كالتكرارات والجناسات الاستهلالية، لمقاربة
الخاصيّة الموسيقيّة للنّظم التقليديّ:
حلمتُ بأورخيل، الالهةُ الكليلةُ التي تحت الأرض السّمراء، في
كهفٍ فسيحٍ، تحيكُ علي نولين. بيدٍ واحدةٍ، بينَ العشب، تحيكُ
الحياةَ في الأعلي؛ وبالأخري، عبر التّراب، تحيكُ الموتَ في الأسفل.
ما صوتُ الحياكةِ سوي الأبديّةُ، وما الزّمنُ سوي اسمها في العالم
الغضّ. عبرَ كلّ شيءٍ تحيكُ أورخيلُ ثوبَ الجمالِ الأبديّ، الذي
لا يُعطَي، رغمَ روحها التي تتبدّلُ.
إنَّ في هذا عزائي، أيّها الجمالُ يا فنَّ الزّمن، أنا اليائسُ
المتردّدُ في الصوتِ الشديد للحياكةِ الأخري، حيثُ أورخيلُ، الالهةُ
الكليلةُ، تجلسُ حالمةً عند نولها تحت الأرض السّمراء.
عبَّر إليوت، عام 1917، عن أول استجابة نقديّة لمثل هذا التصوّر
لقصيدة النثر كقطعة نثر مُؤسلبة وذات طبيعة شعريّة فيما أُطلق
علي قصائد إيرنست دوسون النثريّة في العام 1899، علي نحو ملائم
تماماً، اسمُ زخارف نثريّة). لقد هاجم إليوت في حدّ النثر قصائد
ريتشارد الدنجتون لمحاولتها الماكرة لاحياء أسلوب الانحلاليين
المتكلّف و شعوذتهم الفنيّة. فعلي النّقيض من قصائد بودلير النثرية
في سأم باريس و النثر الصافي لاشراقات رامبو، التي فُتن بها، شجبَ
اليوت قصائد نثر الدنجتون الهجينة لأنّها "تتردّدُ بين وسيلتين
. لم يعترض إليوت كثيراً ـ وكما سيبدو واضحاً في مقالة ثانية عن
نفس الموضوع عام 1921ـ علي مساعي الشعراء لخلق نوع هجين كمثل اعتراضه
علي مصطلحي قصيدة النثر وشعر النثر، مُفضلاً التعبير الأكثر حياديّة:
النثر الموجز.لقد ساهم اليوت عبر شجبه العنيف لشكل قصيدة النثر
الهجين ، وبلا أدني شك ، في تثبيط عزيمة شعراء الحداثة الأوائل
عن أيّ محاولة علي النّوع ـ فلو كان اليوت الشاعرُ الأدني منزلة
والدنجتون أكثر أدباء عصره رفعة وتأثيراً ، لكان لتاريخ قصيدة
النثر الإنجليزية المعاصرة منحيً آخر مختلف تماماً.ولكن لا بأس،
فلا يلامُ اليوت علي نبذه لتقليد لم يُنتج، حتّي تلك اللحظة (إضافة
إلي صور الدنجتون الوصفيّة الانطباعيّة البائسة علي نحوٍ ما )
سوي حفنةٍ من الترانيم الأوسيانيّة الجديدة أو الحكايات الرمزيّة
الشعريّة المتأثرة باوسكار وايلد. في الواقع، إنَّ واحدة من أكثر
التوريطات ايجابيّة في رفض اليوت لقصائد نثر الدنجتون تجلّتْ في
حاجة قصيدة النثر الحداثيّة في النأي بنفسها عن سِمات المدرسة
الانحلالية، وعن اعتمادها علي الخواص الظاهريّة للشعريّة.
وكما سنري، يمكننا استبيان بديل لأسلوبيّة الانحلاليين الأدعائيّة
عبر قصيدة اليوت النثرية اليتيمة هستيريا (1915 )، والتي تمتاز
عن أيّ تقليد سابق لقصيدة النثر في الإنجليزية، بنبرتها العاديّة
ومحتواها اللاغنائي، وتجعلانها بادرةً مثيرة لما عُرف بالنزعة
الأسطوريّة المدروسة في الفصل الثالث. لقد كانت عمليّة تحرير قصيدة
النثر من إرث جيل نهاية القرن شاقّة وبطيئة. قدّم نثر آمي لوويل
متعدد الأصوات المثال الأنموذج علي علاقة الكتاب الحداثيين الأوائل
المتذبذبة بالنثر الغنائي. فهو مرتكز علي إيقاع النثر الخطابي
المتدفق الطويل "وعلي الخاصيّة الشعريّة القائمة علي تكرار فكرة
أو صورة مسيطرة تخطرُ بلا اتّساق، بألفاظ متفاوتة ولكنّها تمنحُ
التأثيرَ الكرويّ... الكامن الأساس في الشعر كلّه ". إنَّ الأنماط
الطباقيّة الدائريّة لنثر لوويل متعدّد الأصوات(ظهر، أوّل مرّة،
في كتابCan Grande's Castle عام 1918، المستوحي من تجارب بول فورت
في النثر الإيقاعي) جعلها، إلي حدّ بعيد، استمراريّةـ أكثر من
كونها انسلاخاً ـ للنّزعة الانحلاليّة في قصيدة النثر، بإحلالها
لمقيّدات النظم العروضيّة والصوتيّة عبر وساطة النثر. فنثرها متعدّد
الأصوات منجذبٌ بشدّة لـ موسيقي النّظم الغنائي ولا يختلف عن مثيله
لدي جيل نهاية القرن. إنّ إصرارها علي الكفاية المطلقة لأسلوب
فقرة ]النثر متعدد الأصوات [ ضدَّ الفكرة التي تجسّدها جعل من
Can Grande's Castle سابقة مبكرة لتنويع أمريكيّ علي المشروع البودليري
لخلق نثر مرن بما يكفي يكون قادراً علي انتاج حركات النفس الغنائية،
تموجات أحلام اليقظة وانتفاضات الوعي . وفي الوقت الذي تزايد فيه
اهتمام روائيون أمريكيون وبريطانيّون في التعبير عن التسلسل التّام
للحياة الذهنيّة (ما وصفه وليام جيمس في كتابه مباديء السيكولوجيا
عام 1890 بـ دفق الفكر والوعي أو دفق حياة الذّات )، فانّه لمن
المدهش حقّاً، أنْ يُطْلقَ أولي التجارب الحداثيّة الأصيلة في
النثر الغنائي الموجز ممثلان بارزان لتيّار دفق الشعور في الرواية:
جميس جويس وجيرترود ستاين. فعبر ما عُرف لدي جيمس جويس بـDream
epiphanies تشكّلتْ أول المحاولات الحداثيّة لاستخدام قصيدة النثر
كأداة مضاهاة لدفق الشعور المتحول وعملية انتاج الخبرة الذاتية
من ضلع القصيدة الغنائية.
مشيل دلفيل (1969 ) شاعر، موسيقيّ، وناقد بلجيكي يعمل أستاذا في
جامعة Liege في بلجيكا. هنا ترجمة ـ باتفاق خاص معه ـ لمقتطف من
مقدمة كتابه قصيدة النثر الأمريكية: الشكل الشعريّ وحدود النّوع
The American Prose Poem, the Poetic Form and the Boundaries
of Genre الصادر في الولايات المتحدة الأمريكيّة عام 1998 .
tjalkhateeb@ yahoo.com
نماذج من قصيدة النثر العالمية
تي. إس. إليوتT .S.Eliot {(1888-1965). بريطانيا/الولايات المتحدة.نوبل
في الأدب عام 1948}
هستيريا
كلّما ضحكتْ صرتُ مُدركاً بأنّي جزءٌ من ضحكتها ومُحاطاً بها،
حتّي صارتْ أسنانها نجماتُ صُدفةٍ تشتّتُني. غرقتُ في لهاثٍ جارحٍ،
شاهقاً عندَ كلّ رَجْعٍ خاطفٍ، ضائعاً، أخيراً، في كهوفِ حلقها
المعتمةِ، مجروحاً بترقرقِ قوّتها الخفيّةِ. بيدينِ مرتعشتينِ،
علي عَجَلٍ يفرشُ نادلٌ كهلٌ شرشفاً أبيضَ ورديٍّا، ذا ترابيعَ،
فوقَ الطّاولةِ الحديديّةِ العتيقةِ الشّاحبة، قائـلاً: هلْ يرغبُ
السيّدُ والسيّدةُ احتساءَ الشّاي في الحديقةِ، هلْ يرغبُ السيّدُ
والسيّدةُ احتساءَ الشّاي في الحديقة... آهِ لو يتوقّفُ نهداها
المرتجّانِ للحظةٍ فألقُط بعضَ شظايا الأصيلِ. لنهايةٍ كهذهِ احتشدتُ
متحفّزاً وقّاداً.
بابلو نيرودا Pablo Neruda
{(1904 - 1973). تشيلي. نوبل في الأدب 197}
المفتاح
أضعتُ مفتاحي، قُبّعتي، رأسي! المفتاحَ القادم من دكّان "راؤول
في "تيموكو". كانَ هائلاً، في الخارجِ، منسيّاً ويدلُّ علي الدّكان.
مفتاح الهنود الحمر. التمستهُ من "راؤول حينَ حللتُ شمالاً، انتزعته،
سرقتهُ في غمرةِ رياحٍ عاصفةٍ وضاريةٍ. وعلي صهوةِ حصانٍ حملتهُ
صوبَ لونكوتشي". مذاكَ وهو يرافقني قطار الليل كعروسٍ مجللةٍ بالأبيض.
أدركتُ بأنّ كلّ أشياءِ البيت التي في غير مواضعها سلبني إيّاها
البحرُ.فعبر ثقوب المفاتيح يتسرّبُ في الليل، منْ تحت نهايات الأبواب
والنّوافذ ومن فوقها.
وعندما يهبطُ الليلـ شاحبُ في العتمةِ هو البحرـ أرتابُ بلا يقينٍ
في اجتياحهِ الغامض. عندَ مشجبِ الشمسيّةِ أو فوقَ أذنيّ ماريّا
سليستي الوادعتينِ سأكتشفُ قطراتِ البحر الصُلب، ذرّاتِ قناعهِ
الذهبيّ. وفي الليل يجفُّ البحرُ. يُبقي أبعادَهُ، قوّتَهُ، أمواجَهُ
العاليةَ ويستحيلُ إلي طاسٍ ساحقٍ من هواءٍ عالٍ، إلي كتلةٍ غير
محوزةٍ حرَّرتْ نفسها من مياهها. يدخلُ بيتي ليعلمَ ماذا لديّ
وكم. في الليل يعبرُ، قُبيل الفجر: كلُّ شيءٍ هامدٌ في البيتِ
ومالحٌ: الأطباقُ، السكاكينُ والأشياء النظيفةُ التي بتلامسِ وحشيتها
لا تخسرُ شيئاً؛ تأخذها الرّعشةُ حينَ يدخلُ البحرُ بكلِّ عيونهِ
الصفراءَ التي كعيونِ القطط.
هكذا أضعتُ مفتاحي، قُبَّعتي ورأسي.
سلبها المحيطُُ، في سيرهِ المتمايل. وذاتَ صباحٍ جديدٍ وجدتها.
أعادتها موجةُ موجةُ النَّذير التي عند بابي خلَّفتْ أشياءَ ضائعةً.
هكذا، وبإحدي عادتِ البحر، أعادَ الصباحُ مفتاحيَ الأبيضَ، قبّعتي
المغطّاةِ بالرّمل، ورأسي ـ الرأسُ الذي لبحّارِ سفينةٍ محطّمةٍ.
تشسواف مييوش Czeslaw Milosz
{(1911 -).بولندا. نوبل في الأدب عام 1980}
قانونُ الأرض
طفلٌ يذرفُ دموعاً حارقةً فيما يقرأُ عن خراب مدينة ميلانو علي
يد الإمبراطور فريدريك بارباروسَّا ".لم يتيّقن ، حينَ كبُر ،
أنّ أشياءَ مثلُ هذه قد تحدثُ في التّاريخ ، فذكري صفحات كتابِ
الأطفالِ تلكَ ما زالتْ حيّةٌ بقوّةٍ فيهِ وصارتْ تحكمُ أفعاله
. ما الشَّرُّ الكامنُ فيهِ غيرُ قويً عاريةٍ مسلولةٍ تحصدُ كلَّ
رغباتِ قلبنا. فعندما اكتشف قانونَ الأرض، صارَ يكرهُ قانونَ الأرض.
باول تسيلان (1920 -1970) Paul Celan رومانيا(من أصول ألمانية
). مات مُنتحراً.. قامت الشاعرة الرومانيّة نينا كاسيان "ـ إحدي
صديقات الشاعر المقرّبين ومجايليه في حقبة ما بعد الحرب العالميّة
الثانية ـ بنقل قصائده النثريّة الثمانية المكتوبةفي تلك الحقبة(مع
ثماني قصائد أخري مشطّرة ) إلي الإنجليزية، لأول مرّة ، عام 1998
ـ بعد صراع طويل معها ـ لالقاء بعض الضوء علي تلك الحقبة من حياة
الشاعر التي تم تجاهلها تماماً من قبل العالم المهتم بشعر تسيلان
وحياته كواحد من كبار شعراء القرن الشعرين . نقتطف هنا واحدة من
تلك القصائد {
أخيراً، حانتِ اللحظةُ أمامَ المرايا التي تغطّي جدران البيت الخارجيّة
حيثما هجرتِ عشيقكِ، أشعثَ الشَّعر أبداً. حانَ وقتُ رفعِ رايتكِ
السّوداءَ في أعالي الأكاسيا المتفتّحةِ قبل أوانها.تستطيعينَ
سماعِ الموسيقي القاسيّة الحادّةِ لفيلقِ العُميانِ الوحيدِ الذي
ظلَّ وفيّاً لكِ. ترتدينَ قناعكِ، تربطينَ شريطاً أسودَ بأكمامِ
لباسكِ الشَّاحبِ كالموتي وترتقينَ الشَّجر تعانقكِ ثنياتُ الرّايةِ.
وحينَ يبدأ التحليقُ تعومينَ علي ظهركِ فتنحني مرايا البيتِ فوقكِ
لتنزع ظلّكِ وتسقطُ النّجومُ فتمزّق قناعكِ وتفرُّ عيونكِ نحو
قلبكِ حيثُ يشعلُ شجرُ الجُمّيزِ أوراقَهُ وتحتشدُ النجومُ حتّي
آخرِ نجمةٍ والموتُ، كذلكَـ العصفورُ الأصغرُـ المتجاذب حولكِ
فيما فمكِ الحالمُ يلفظُ اسمكِ.
روبرت بلاي Robert Bly (1926 -). الولايات المتحدة. لطول ممارسته
علي النّوع أنتج مقولاته الخاصّة التي ساهمتْ في تطور قصيدة النثر
(الأمريكيّة) واكتسابها مساحتها الفريدة، في مدي ابتعادها ـ أو
قُربها ـ عن شكل قصيدة النثر التقليديّة.لا تخلو دراسة عن النّوع
دون الإشارة إليه كواحد من كبار شعراء النثر وأحد أبرز المنظّرين
وأكثرهم تأثيراً.
زيارة قبر إميلي ديكنسون مع روبرت فرانسيس
يضمُّ القبورَ سياجٌ من حديدٍ أسود. دقيقةٌ أشكالهُ البيضاويّة
كأعناقِ كؤؤس الخمر.تشبهُ نوافذ كنيسةِ آران التي في عُرض البحر،
ضيّقة كانت في القرن الرابع كي لا يتسّربَ كثيرٌ من المطر إلي
الداخل... إنّهُ إبريلُ، رائقٌ وجافّ. ترتفعُ عقصاتُ العشبِ قُربَ
القبور وحولها.
منزلها ليس بعيداً من هنا.وصلتِ المقبرةَ، ذات يومٍ، في السادسة
والخمسينَـ قال روبرت ـ محمولةً علي أكتافِ ستة عمّالٍ إرلنديين
ـ عبر ما يفصل بينهما من أراضٍ ـ حينَ رفض شقيقها أنْ يعهدَ بجثمانها
لأيّ عربة. كانَ الكفنُ مُعتماً بالبنفسجِ وأغصانِ الصنوبر، مثلما
غطّتْ بجسدها المسافةَ الهائلةَ ما بينَ بيتها وهذه الأرض. المسافةُ
هائلةٌ، المسافةُ التي ينهضُ الشيطانُ وأتباعهُ فيها ويتساقطون،
آهِ المسافاتُ الرّحبةُ، المسافاتُ ما بينَ النّجوم، ما بينَ أوّل
مرّةٍ تسري الرغبةُ في أردانِ ثوبٍ وموتِ مَنْ كانَ في الغرفةِ...
المسافةُ ما بينَ القدم والرأس كلّما اضطجعنا، المسافةُ ما بينَ
الأبِ والأمِّ التي نقطعها متردّدين.
"في كلّ صباحٍ ينادي أولادي علي خسوفِ قمرٍ معتبرينه والدهم ".سنجتازُ
تلكَ المسافةَ في الليل ، خارجينَ من النّومَ واصلينَ علي الأيدي
والرُّكب، منشدهينَ من رؤيةِ أكمةِ في الأرض حيثُ اعتقدنا بوجود
كنيسةٍ ... إنّها هضةٌ صغيرة معشوشبة. بجهدٍ نتسلّقها خارجينَ
من النّوم، متشبثينَ بأيدينا...
تشارلز سيميك Charles Simic (1938 -) الولايات المتحدة (ينحدر
من أصول يوغسلافيّة). من أبرز شعراء امريكا وأكثرهم فرادةً. يمثّل
النزعة السورياليّة الجديدة ، وأولّ شاعر أمريكي يفوز بجائزة بوليتز
المرموقة للشعر عن مجموعة قصائد نثر، (العالم لا ينتهي) مما قللـ
بقدر ما ـ من حدّة لا شرعيّة قصيدة النثر الذي يتبنّاها النقد
الأكاديمي
جديلة من دخّان أسود...
جديلةً من دخّانٍ أسودَ أمّي.
حملتني مُقَمَّطاً فوق المدنِ المحترقة.
رحبةً كانتِ السّماءُ ومكاناً عاصفاً ليلعبَ طفلٌ.
قابلنا آخرينَ مثلنا.كانوا يحاولونَ ارتداء معاطفهم بأذرعٍ مِنْ
دخان.
طافحةً كانتِ السّماواتُ العُلَيْ بآذانٍ صغيرةٍ منكمشةٍ بدل النّجوم.
"كنّا فقراء...
فقراء كنّا ومعدمينَ وكانَ يتوجّبُ عليَّ أخذُ مكانِ الطّعم في
مصيدةِ الفئران. وحيداً في القبو تماما ً، أسمعهم يذرعونَ المكانَ
في الأعلي، يتقلّبونَ في مضاجعهم ويتدحرجون. هذه أيامٌ عصيبةٌ
ومشئومة قالَ لي الفأرُ حينَ قضمَ بتأنّ أُذني. مضتِ السّنواتُ.
علي أمّي ياقةٌ من فراءِ القطط ظلّتْ تمسّدها حتّي أضاءَت شراراتها
القبو.
رأس دمية الخزف...
رأسُ دميةِ الخزف، بأعوامه المئة، الذي يغسلهُ البحرُ فوق شاطئهِ
الرماديّ. نرغبُ في معرفةِ الحكاية. نرغبُ في اختلاقها، في اختلاق
قصص كثيرة. فمنذُ أمدٍ بعيدٍ وهو في البحر، الأنفُ متلاشٍ والعيون،
حتّي ابتسامتهُ الشاحبةُ تبدو أكثر شحوباً. وحينَ يهبطُ الليل،
نرغبُ في رؤيتنا نجوبُ الشاطئ العاري وننحني نحوه.
من داخل القِدْر..."
مِنْ داخل القِدْر فوق الموقد ثمّة مَنْ يهدّدُ النجومَ بملعقةٍ
من خشب.
بصورةٍ أخري، السّماءُ صافيةٌ ولا غيمَ فيها. إنّها ساعةُ الرّاعي.
لويس جنكنز - (Louis Jenkins 1942) الولايات المتحدة.يعتبره روبرت
بلاي واحدا من أكثر شعراء جيله حذقاً ومهارة، وسيّد قصيدة النثر
المعاصر . وكما يقول تشارلز سيميك فانَّ كلّ شيءٍ، في قصائده،
يقفُ منفرداً، مخبوءاً ومضاءاً بذاته، أناسٌ متوحدّون بأقدارهم
المتوحدّة ـ هي قصائد كتبها عاشق عظيم للعالم...فاذا ما هنالكَ
عُزلةٌ أمريكيّة فطريّة -بدائيّة، فلويس جنكز منْ منحنا نكهتها
.
كرة سلّة
أصيلٌ صيفيّ هائلٌ بلا أيّ نذير مطر...تنحني أشجارُ دردارٍ، في
فناء المزرعةِ،وتطقطقُ في الرّيح.ناشفةٌ أوراقها وشاحبةٌ.وفي الدّربِ
يُطلقُ الصبيُّ كرة سلّة إلي هدف فوق باب المرآب.مرّةً بعد أخري
يطاردُ الكرةَ الفالتة ، فالرّيحُ تجعلُ التّصويب صعباً. يصوّبُ،
يلمُّ الكرةَ عندما ترتدّ، يدورُ، ثمَّ يصوّبُ من جديدٍ...هكذا
طوال الأصيل.ما الصوتُ الوحيدُ، في الصّمت بين عصفِ الرّيح، غيرُ
ضرباتِ الكرة علي الأرض وخشخشة حافّة الهدف الفولاذيّة. بقوّةٍ
في الرّيحِ ينغلقُ البابُ، ينبحُ الكلبُ في الباحةِ، يتمطّي، ثمّ
يعاودُ النّوم. تسترُ الماءَ في المجري غشاوةٌ من غبارٍ. وتنهضُ
غيماتُ غبارٍ هائلة من الحقولِ المكشوفةِ الممتدّةِ لألفِ ميلٍ
خلف الأفُق.
جيان لومباردو Gian Lombardo شاعر ومترجم أمريكي. من أبرز كتاب
قصيدة النثر الآن. يُشرف علي دار نشر Quale Pre المكرسة تماماً
لشعر النّثر.
أحزان جامحة
انزع الشّعر بقبضاتٍ مملوءةٍ حتّي تنخلع قمّة الرأس من الجمجمة.
واضرب علي الصّدر حتّي تغورَ الأضلاعُ إلي القلبِ والرئتين.أطلق
الصرخاتِ عالياً والتنهيداتِ إذْ علي الأرضِ مطروحةٌ هي الأحشاء،
كقطارِ طفلٍ، وخارطةِ طريقٍ إلي "إلدورادو .ثمّ فكّر، إذْ ترغبُ،
كمْ ستكونُ محظوظاً، حينها، لتنعُم بشخص ينتحب.
ترجمة:
تحسين الخطيب / القدس العربي