البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

حروب قصيدة النثر!

لا تختلف طبيعة الحروب التي تنشب بين الفينة والأخرى حول قصيدة النثر عن طبيعة الحروب الأهلية في بلدان العالم الثالث، فإذا كان حطب هذه الأخيرة هو القبائل والعشائر والملل والنحل والطوائف والمذاهب، فإن هذا الحطب موجود في الساحة الأدبية العربية لأن شعراء قصيدة النثر باتوا مع الوقت قبيلة أو عشيرة أو ملة أو نحلة أو طائفة أو مذهباً.

وإذا كان طابع الحروب الأهلية يتمثل في استخدام كل أنواع الأسلحة المباحة وغير المباحة، بما فيها السلاح الأبيض، فإن ساحة قصيدة النثر هي بدورها ساحة وغى أيضاً. ومن يراقب السلاح المستخدم في هذه الساحة عليه ايجاد الصلة الوثقى والعلاقة الجدلية بين هذا السلاح وسلاح الحروب الأهلية. ناهيك عن العصبيات والمفردات والحماسة المتقدة في الصدور، وكأن الملاحظات التي توجه إلى قصيدة النثر تمس بشرف من ينظمها أو ينثرها، فلا يبقى أمام هذا الناظم أو الناثر سوى التصرف على أساس ان جريمة قذف أو سب قد حصلت، وانه لابد من استدعاء الثأر لردع المعتدي وجبر الضرر الواقع.

ويُشبَّه لمن يراقب ساحة الصراع والنزال هذه، بدءاً من ولادة قصيدة النثر في الخمسينات وصولاً إلى يومنا هذا، وبخاصة استبسال شعراء قصيدة النثر في الذود عن حياض قصيدتهم، وايراد الحجج الكثيرة حول مشروعيتها، ان قصيدة النثر، كالدولة العبرية، ولدت في الحروب ولا تعيش إلا في مناخات الحروب. فكما ان إسرائيل غير قابلة للحياة في مناخات السلم، ولا يبقيها على قيد الحياة سوى برامج التسلح الدائمة وسياسة العدوان والاغتصاب وكراهية الآخر العربي أو المسلم، فإن قصيدة النثر غير قابلة للحياة إلا بإثارة الحروب الدائمة حولها سواء من أنصارها أو من خصومها. فالأنصار لا يفتأون يرددون صبحاً وظهراً ومساءً مزامير تمجيدها وتفوقها على القصيدة العربية المعروفة، وكون هذه الأخيرة قد مرّ عليها الزمن، كما مر الشعر، وانها بالتالي لا تستطيع ان تكون وعاء الشعر الجديد أو قصيدة المستقبل. ولاشك ان الشعراء الخليليين، ومن لف لفهم كشعراء التفعيلة، مرشحون لأن يفقدوا عقولهم عندما يسمعون خطاب أنصار قصيدة النثر. فإذا حَمَى وطيس المعركة كنا في الواقع أمام حرب أهلية بالمعنى الكامل للكلمة، حرب أهلية تُستخدم فيها كل أنواع الأسلحة. وهي حرب تشهد أحياناً كراً وفراً، وفترات هدنة، ليعود الوطيس ويحمى من جديد. فالحرب حول قصيدة النثر لا تضع أوزارها إلا لتستأنف من جديد، وكأن هذه القصيدة قصيدة حرب لا قصيدة سلام، أو كأنها ولدت في حرب وتموت بدونه.

ولعل مما يؤجج هذه الحرب ويجعلها مشتعلة دائماً، الأسلوب الاستفزازي الذي يلجأ إليه أنصارها في الدفاع عنها وفي الهجوم على عدوتها. الدكتور عبدالقادر القط، في حوار له نُشر في أحد الأعداد الأخيرة لمجلة الكرمل، ينعت هؤلاء الأنصار بالمتنمرين، (من النمور) كما ينعتهم بالمتحمسين المتعصبين، ولعل مما يذكي هذه الروح الاستفزازية عند هؤلاء الأنصار، شكوك خصومهم بصدد شاعريتهم وشعرية قصيدتهم. بل ان هؤلاء الخصوم لا يترددون في استخدام اسوأ النعوت بصدد هذه القصيدة وبصدد شعرائها. فهي لا شعر عندهم، وهم أي شعراؤها، ليسوا شعراء أصلاً. ولا يقف هؤلاء الخصوم طويلاً أمام العدد الضخم لشعراء قصيدة النثر، ولا أمام عدد دواوينهم التي تصدر سنوياً والتي باتت تفوق في السنوات الأخيرة، وبما لا يقبل الجدل، عدد دواوين الشعر الخليلي، فهؤلاء الخصوم ينظرون إلى هذه الظاهرة على انها ظاهرة تضخم لا أكثر ولا أقل، فالعبرة ليست في عدد الدواوين بل في عدد القراء والمهتمين.

ويقول هؤلاء الخصوم انه لا يوجد قارئ واحد لمجموعات قصائد النثر سوى شعراء قصيدة النثر، وانه إذا كان هناك "غبار" يُثار حول هذه القصيدة، فالذي يثير هذا الغبار هم المحررون المنتشرون في الصفحات الثقافية العربية، وانه لولا هؤلاء المحررون الذين لا يجيدون في لعبة الأدب سوى هذا الكلام الركيك الضعيف الذي ليس له معنى، والذي يُدعى قصيدة نثر أو قصائد نثر، لما اهتم أحد ولا التفت أحد.. فنحن اذن ازاء "ورم" لا ازاء "شحم".

أمر أساسي لا يتنبه له أنصار قصيدة النثر، هو أن تنظيرهم لقصيدتهم، أو لمشروعية هذه القصيدة، لا يكفي لمنح هذه القصيدة تأشيرة مرور إلى نادي الشعر أو إلى نادي الخلود. فالشاعر يُفترض ان يكتب قصيدته فقط لا غير، وان يترك الحكم عليها لسواه. وهذا السوى يمكن أن يكون الناقد كما يمكن ان يكون القارئ. وفي النهاية فإن الزمن هو الغربال الذي يغربل لكل أنواع القصائد من شعر ونثر. إذاً ما قيمة كلام من يلجأ إلى التنظير لقصيدته ويقول انها أجود وأعظم قصيدة على الأرض؟ وهل هناك شاعر واحد، سواء كان شاعر قصيدة شعر أو شاعر قصيدة نثر، يرى ان قصيدة المتنبي أفضل من قصيدته؟ وطالما ان المعوّل عليه في النهاية ليس رأي الشاعر بقصيدته، بل رأي الآخر، ناقداً كان أو قارئاً أو زمناً، فالأجدى اذن ان ينصرف الشاعر إلى الشعر، والناقد إلى النقد، والقارئ إلى القراءة.

والواقع ان هذا هو ما كان معمولاً به إلى وقت قريب نسبياً. ويبدو أن الاساءة إلى هذه القاعدة هي التي دفعت بالكاتب المصري سلامة موسى إلى أن يكتب مرة "ان على الكاتب ان يكتب، وعلى الناقد أن ينقد".. على ان ما شاهده سلامة موسى في عصره من اعتداء على هذه القاعدة، كان في بدايته لأن ما نشهده في وقتنا الراهن فاق ما شهده أي عصر سابق من ناحية الاعتداء على الاختصاص. فالشاعر كما يريد أن يكون شاعراً، يريد أن يكون ناقداً. والناقد لا يجد ضيراً في أ ن يلج عالم الرواية أو عالم التاريخ. ويبرر هؤلاء ما يفعلون ان لديهم طاقات وقابليات كثيرة تأبى أن تحصر نفسها في جنس أدبي دون سواه.

على ان الأكيد ان شعراء قصيدة النثر ليسوا من هؤلاء. فهم ليسوا نقاداً ولكن الذي حفزهم لكتابة ما يكتبونه في الدفاع عن قصيدتهم هو نصرة قصيدتهم لا أكثر، والذود عنها بوجه خصومها، أو اعدائها على الأصح. ولعلهم يحسنون إلى هذه القصيدة ان اكتفوا بكتابتها وعزفوا عن التنظير لها،فتنظيرهم إستفزازي في الواقع،وغير مقنع،ومن شأن عزوفهم عن هذا التنظير تنفيس الاحتقان بينهم وبين الشعراء الآخرين. وهم يحسنون صنعاً إذا قالوا انهم يتركون الحكم على قصيدتهم للزمن. فهو الغربال، كما هو الناقد الذي لا يخطئ حكمه. وبذلك يساعدون الآخرين في التعامل مع قصيدتهم بروية وبعيداً عن الانفعال والاستفزاز.

 

جهاد فاضل - منتدى الكتّاب - 15.05.2002


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri