postheadericon العاطفة عند البحتري والمتنبي

الحانة السيكولوجية

العاطفة عند البحتري والمتنبي   

sg217
أ.د.ممدوح أبوالوي   

 

 

 

يقول ابن رشيق القيرواني (390- 456 هجرية، 1000- 1063 م.) في كتابه (العمدة في محاسن الشعر وآدابه): ( قواعد الشعر أربع: الرغبة، والرهبة، والطرب، والغضب. فمع الرغبة يكون المدح والشكر، ومع الرهبة يكون الاعتذار والاستعطاف، ومع الطرب يكون الشوق ورقة النسيب، ومع الغضب يكون الهجاء والوعيد والعتاب). وبهذا يكون ابن رشيق قد بيّن بواعث المدح والهجاء والغزل والاعتذار.وكان الشاعر يذكر في ممدوحه صفاتٍ معينةً مثل العقل والشجاعة والكرم والعدل والعفة.وأمّا الغزل فهو نوعان عذريّ وحسيّ.و هناك عاطفة المبدع وعاطفة المتلقي، ويستطيع المبدع أنْ ينقل عاطفته إلى المتلقي، أو إلى عددٍ كبير من المتلقين.
    العاطفة من أهم عناصر الأدب إضافة إلى الخيال والمعاني والأسلوب. ويرى أحمد أمين (1887-1954) في كتابه (النقد الأدبيّ) أنّ العاطفة قد تكون قويّة أو ضعيفة. وقد تكون العاطفة قوية ولكنها لا تدوم فترةً طويلةً.وقد تكون العاطفة كاذبةً، وقد تكون صادقةً، فلم يكن البحتري صادق العاطفة في أغلب الحالات. ويشير إلى هذه النقطة الدكتور طه حسين (1889-1973) ويقدم تحليلاً لشخصية البحتري (821-896م), ويرى أنّ شخصيته لا تخلو من النفاق, ويقدم أمثلةً على ذلك, فلقد مدح البحتري الخليفة المنتصر وأثنى عليه، وما دالت دولته حتى هجاه. وولي المستعين، فمدحه وأكثر من مدحه، وعندما خلع هجاه، وأسرف في هجائه، إسرافاً لا يحتمل من رجل كريم.
    ثم لم يقف اضطراب البحتري عند الخلفاء، بل صنع مثل هذا مع القواد والأمراء والوزراء. ويحدثنا الرواة أنّه هجا من هؤلاء أكثر من أربعين، كان قد مدحهم جميعاً، وإنّما هجاهم عندما تنكرت لهم الأيام. مدح كاتباً من كتاب المستعين، هو شجاع، ثم لما غضب المستعين على شجاع وسجنه، أسرف البحتري في الشماتة به، ودخل على المستعين وأنشده قصيدةً، يحرضه فيها على قتله واستصفاء أمواله.
و أقبح من هذا في أخلاق البحتري، أنّه مدح أكثر من عشرين رجلاً من كبار الأشراف في بغداد وغيرها في ذلك العصر، فلما تغيرت حالهم، ودالت دولتهم، نقل هذه المدائح عنهم إلى غيرهم، ومحا أسماءهم، وأثبت مكانها الأسماء الجديدة.فهو إذن لم يتردد في بيع شعره، كأقبح ما يبيع الشعراء أشعارهم) ( 1)
      وكان البحتري شديد الإعجاب بنفسه، ويشبهه د. طه حسين بكليون أحد خطباء أثينا، الذي كان في أثناء خطبه يصول ويجول، ويتقدم ويتراجع، ويمشي نحو اليمين واليسار، ويحرك عنقه يميناً وشمالاً. وكذلك كان يفعل البحتري، حتى إنّ الخليفة المتوكل كان يغضب من حركاته، وكان البحتري لا يهتم بمظهره ولباسه. وكان ضعيفاً لا يستطيع الابتعاد عن قصور الخلفاء لحاجته إلى مالهم وعزهم. ولكن البحتري كان صادقاً في مدحه للمتوكل.
  ويرى د. طه حسين أنّ شعر البحتري يدل على عبقرية مؤلفه. فشعر البحتري من أجمل ما ترك لنا الأدب العباسيّ. (2) وأجمل شعره ذلك الذي قاله في الخليفة المتوكل، يقول فيه:            
     أكرمُ الناسِ شيمةً, وأتمُّ النا        سِ خَلقاً, وأكثرُ الناسِ رِفدا
     وشبيهُ النبيِّ خَلقاً وخُلقاً        ونسيبُ النبيِّ جداً فجدّا (3)
   نلاحظ مبالغة البحتري في مدح الخليفة المتوكل, فالخليفة كريم، وهو يشبه النبي العربي الكريم، صلى الله عليه وسلم، يشبه في أخلاقه وفي خلقه، ويعود بنسبه إلى الرسول.
    وجرت حرب بين أفراد قبيلة تغلب، في ذلك الوقت، فكلف الخليفة المتوكل وزيره الفتح بن خاناقان ليصلح بين المتحاربين، فقال البحتري بهذه المناسبة:
    إذا احتربَتْ يوماً ففاضَتْ دماؤها     تذكرتِ القربى ففاضَتْ دموعُها(4)
   
العاطفة في شعر المتنبي
كانت عاطفة المتنبي (915- 965م.) صادقة حين مدح  سيف الدولة الحمداني أمير حلب:
  ما لي أكَتِّمُ حباً قد برى جسدي     وتدَّعي حُبَّ سيفِ الدولةِ الأممُ
أنامُ ملءَ جفوني عن شواردِها      ويسهرُ الخلقُ جرّاها ويختصمُ (5)
نلاحظ في هذه القصيدة الميزة التي تتميز بها قصائد المتنبي وهي مزجه بين غرضه الأساسي، وهو هنا المدح، وبين غرض الفخر والاعتزاز بالذات، وبين ترصيع شعره بِحكَم عامة تصلح لأزمنة متعددة وأمكنة كثيرة.يقول المتنبي: لأي شيء أخفي حبّ سيف الدولة، وحبه يضنيني ويتعبني، في حين تتظاهر الأمم بحبِّ سيف الدولة، وهي قد لا تحبه فعلاً؟
ويرى الدكتور طه حسين في كتابه (مع المتنبي) (1936) أنّ المتنبي يبالغ في مدح الأمير سيف الدولة الحمداني: (هذا الشاعر العظيم الذي يفاخر الشعراء ويستعلي عليهم، ويسرف في الكبرياء والخيلاء, يتمنى أنْ يكون فرساً يحمل الأمير إذا سار، أو خيمةً تُظِلُّ الأمير إذا أقام,) (6), ويدل على ذلك البيت التالي للمتنبي:
ليتَ أنَّا إذا ارتحلْتَ لكَ الخيْ    لُ، وأنَّا إذا نزلتَ الخيامُ
أما عاطفة المتنبي حين مدح كافور الإخشيدي فلم تكن صادقة, فيقول في مدحه:
كفى بكَ داءً أن ترى الموتَ شافيا  
   وحسبُ المنايا أنْ يكنَّ أمانيا
إذا كسبَ الناسُ المعاليَ بالندى   
    فإنَّك تعطي في نداكّ المعاليا
  يتصف هنا مدحه، كعادته، بالمبالغة، وتوفر الحكمة. إضافة إلى الفخر والاعتزاز بالذات.
ويعود المتنبي ويهجو كافوراً الإخشيدي هجاءً لاذعاً وذلك يوم عرفة. يقول في هجائه:
 عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ     
     بما مَضَى أمْ لأمرٍ فِيكَ تَجْدِيدُ
ماذا لقيتُ من الدنيا وأعجبُهُ
أني بما أنا باكٍ منه محسودُ
إني نزلتُ بكذابين ضيفُهمُ
عن القِرى وعن الترحالِ محدودُ
جودُ الرجالِ من الأيدي وجودُهمُ
من اللسانِ فلا كانوا ولا الجودُ
يخاطب المتنبي في البيت الأول العيد، ويقصد عيد الأضحى، ويتمنى ألا يكون هذا العيد كالأعياد السابقة الحزينة، ومعنى البيت الثاني: أنّ الشعراء يحسدونه على علاقته بكافور الإخشيدي، وهو باكٍ بما يلَقى من كافور وبخله.ومعنى البيت الثالث: إنّ قوم كافور كذابون، لا يحسنون إلى ضيفهم وفي الوقت ذاته لا يمكنونه من الرحيل، ومعنى البيت الرابع: إنّ قوم كافور يجودون بالأقوال لا بالأموال.       
    وقد تثير العاطفة لدى المتلقي الحزن أو السرور، وهي  من أهم عناصر الأدب.
المصادر والحواشي:
 1_ د.طه حسين, المؤلفات الكاملة، المجلد الخامس، البحتري وشعره، ص 667
2- المصدر السابق، ص682
3-ديوان البحتري,الجزء الأول، مصر، 1911، تحقيق:عبد الرحمن البرقوقي, ص128    
4-ديوان البحتري المجلد الثاني, تحقيق: حسن الصيرفي, طبعة3، القاهرة، دار المعارف, ص1299    
5- ديوان أبي الطيب المتنبي، بشرح أبي البقاء العكبري، بيروت، دار المعرفة، ص364
6- د. طه حسين, المؤلفات الكاملة, المجلد السادس, ص203

http://an-nour.com/index.php?option=com_content&task=view&id=15479&Itemid=30

 

postheadericon أنت هنا الآن:

الصفحة الرئيسية الحانة السيكولوجية العاطفة عند البحتري والمتنبي
تـرجمــة المـوقــع
بحــث
تــرافيــــك
زيـــارات
تـابـعنـــــا عـلـــــى
  • Facebook: 317407718281722